عظ نفسك فان اتعظت فعظ الناس

 وإلا فاستحي من الله 

هكذا كانت العامة !

 

 حين سادت الدولة الاسلامية من الشرق إلي الغرب : هكذا كانت العامة :

في صدر الاسلام كان الفرد من عامة الشعب وصغار المسلمين لا يهاب قويا ولا يخاف عظيما ولا يخشي في الحق لومة لائم , ومن ذلك أن الخليفة المنصور كان يطوف بالكعبة فسمع رجلا بجواره يقول : ( اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع ) فدعاه المنصور وسأله عما سمعه منه , فقال له في غير ما خوف أو خجل : أنت الذي دخلك الطمع والغرور وأنت الذي شغلت بنفسك عن الرعية ففشا الظلم وظهر الطمع , وأنت الذي حلت بين المسلمين وبين الحق , وأنت الذي فعلت كذا وكذا .... فقال له المنصور : ويحك , كيف يداخلني الطمع في الصفراء والبيضاء بين يدي , والحامض والحلو طوع أمري فأجابه الرجل : ( وهل داخل أحدا من الطمع ما دخلك ؟ إن الله استرعاك أمور المسلمين وأموالهم فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم وجعلت بينك وبينهم حجابا , وبعثت عمالك في جمع الأموال وجبايتها واتخذت وزراء أعوانا ظلمة إن نسيت لم يذكروك وإن ذكرت لم يعينوك , وقويتهم علي ظلم الناس , وأمرت ألا يدخل عليك إلا فلان وفلان , ولم تأمر بايصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا العاري ولا الضعيف ولا الفقير ولا أحد إلا وله في هذا المال حق , فلما رآك الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم علي علي رعيتك , أتمروا علي ألا يصل إليك من أخبار الناس إلا ما أرادوا , ولا يخرج لك عامل فيخالف لهم أمرا إلا أقصوه حتي تسقط منزلته ويصغر قدره , ولما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم , وكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليتقوا بهم علي ظلم رعيتك , فامتلأت بلاد الله بالظلم والطمع بغيا وفسادا , وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل , فإن جاء من يود الشكوي حيل بينه وبين الدخول إليك , وإن أراد رفع صوته أو قصته عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك , ووقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم , فإن جاء ذلك الرجل فبلغ بطانتك سألوا صاحب المظالم ألا يرفع مظلمته , وإن كانت به حرمة لم يمكنه مما يريد خوفا منهم فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويستغيث وهو يدفعه ويعتل عليه , فإن جهد وأخرج وأراد أن يسمعك صوته ضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره وأنت تنظر ولا تنكر .. ) فلما سمع المنصور ذلك بكي بكاء شديدا ..

ومن المأثور أن أعوان ( الحجاج بن يوسف الثقفي ) جاءوا إليه بحطيط الزيات أسيرا , فلما دخل عليه سأله : أنت حطيط ؟ فقال : نعم سل ما بدالك فإني عاهدت الله إن سألت لأصدقن , وإن بليت لأصبرن , فقال : فما تقول في ؟ قال : أقول أنك من أعداء الله في الأرض انتهكت المحارم وقتلت بالظنة , قال وما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ؟ قال : أقول أنه أعظم جرما منك وما أنت إلا خطيئة من خطاياه ..

هكذا كانوا يتقربون إلي الله بالموت في سبيل كلمة الحق , وعداهم فقد سلط الله عليهم من لا يرحمهم وزالت هيبتهم من نفوس حكامهم ..

هكذا كان القضاة

 حين سادت الدولة الاسلامية من الشرق إلي الغرب ::

هكذا كان القضاة .. وهكذا كان الحكام ..

في سنة ثمانين ومائة من سني الهجرة النبوية رفع أهل مكة كتابا إلي الخليفة الرشيد يسألونه أن يولي عليهم قاضيا عادلا , فقال لهم : إن شئتم أختار منكم , وإن أحببتم بعثت إليكم من العراق رجلا لا آلوكم فيه إلا خيرا , فخرجوا فاختاروا رجلا فاختلفوا فيه , فلما اختلفوا قال الرشيد : أدخلوا علي هذين الرجلين , فإذا هما شيخ قرشي , وغلام من الموالي , فقال الرشيد للشيخ : إن بيني وبين وزيري هذا خصومة فاقض بيننا بالحق , فقال الشيخ : قصا علي قصتكما , فقصا عليه فقال الشيخ : تقيم البينة يا أمير المؤمنين علي ما ذكرته , أو يحلف وزيرك هذا , فقال الرشيد إن أخي لا يدافعني ما أقول , ولا ينكر إلا يسيرا مما أدعي , فما زالا يرددان القول والشيخ يستمع لهما حتي انتهيا , وأخيرا حكم للخليفة فأمره بالانصراف , ودعا بالغلام فدخل عليه , فقال له الرشيد : إن بيني وبين وزيري خصومة وتنازعا فاسمع قولنا ثم اقض بيننا بالحق , فقال لهما : إن مقعدكما مختلف وأخشي إذا اختلف مجلسكما أن يختلف قولكما , فقوما واجلسا بين يدي حتي لا يوجد تفاضل أثناء التقاضي فقال الرشيد : صدقت , فقاما حتي جلسا بين يديه , فأراد الرشيد أن يتكلم أولا , فزجره القاضي قائلا : لو تركت هذا يتكلم فإنه أسن منك , فقال الرشيد : الحق أسن فتكلم الوزير ( عمرو بن مسعدة ) ثم تكلم الرشيد بعده وبعد أن انتهيا رأي القاضي أن الحق لعمرو فقضي له , فالتفت الرشيد إلي عمرو وقال : أليس هذا أحق بقضاء القضاة من الذي استقضيناه ؟ فقال عمرو : بلي والله , ولكن القوم أحق بقاضيهم إلا أن يأذنوا فيه , فدعاهم الرشيد وطلب الاذن منهم في تولية قضاء القضاة , فأجابوه إلي طلبه , فما أن عرف القاضي الغلام ذلك قال للرشيد : إن يجبرني أمير المؤمنين فسمعا وطاعة , وإن يخيرني في نفسي اخترت العافية , فقال الرشيد : ما ينبغي لي أن أدع المسلمين وفيهم مثلك لا أوليه عليهم , وظل قاضيا حتي توفاه الله , فحزن عليه الرشيد حزنا كثيرا , وطلب أسماء من اشتهروا بالعلم والعدل فقدمت إليه , ولما حضرت أصحابها آثر منهم اثنين , فدعا أولهما قائلا له : ما اسمك ؟ فقال : معشوق , فقال له : وما كنيتك ؟ فقال : أبو الهوي , قال : فما نقش خاتمك ؟ قال : دام الحب دام وعلي الله التمام , فصرفه ثم دعا بالآخر , فلما قدم عليه قال له : ما نقش خاتمك ؟ قال : مالي لا أري الهدهد أم كان من الغائبين , فصرفه وهو حنق عليهما , ثم دعا يحيي بن خالد بن برمك وكان ممن رفع إليه أسماءهم , فعنفه وقال له : أترفع إلي أسماء مجانين تريد أن أوليهم قضاء قضاة المسلمين ؟ فقال له : والله ما في العراقيين أعقل من هذين الرجلين ولا أعلم منهما ولكنهما من الزاهدين في القضاء الكارهين له , وقد أرادا التخلص منه بما سمعته يا أمير المؤمنين , فقال له : ويحك أعدهما إلي , فطلبا فلم يوجد لهما أثر وفرا خوفا من إكراههما علي ولاية الحكم وأعباء القضاء ...

عليهما وعلي أمثالهما رحمة الله ورضوانه ...

مرآة لمسجد الحسين

 

 

ألا تري الأشجار وهي تمشي

حدباء

في سكر وفي أناة

كي تشهد الصلاة ؟

ألا تري سيفا بغير غمد

يبكي

وسيفا بلا يدين

يطوف حول مسجد الحسين ؟

 

أدونيس

 

المئذنة

 

بكت المئذنه

حين جاء الغريب - اشتراها

وبني فوقها مدخنه .

 

أدونيس
 
 
بدون تعليق !

 

 
A service provided by Al Bawaba