حين سادت الدولة الاسلامية من الشرق إلي الغرب : هكذا كانت العامة :
في صدر الاسلام كان الفرد من عامة الشعب وصغار المسلمين لا يهاب قويا ولا يخاف عظيما ولا يخشي في الحق لومة لائم , ومن ذلك أن الخليفة المنصور كان يطوف بالكعبة فسمع رجلا بجواره يقول : ( اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع ) فدعاه المنصور وسأله عما سمعه منه , فقال له في غير ما خوف أو خجل : أنت الذي دخلك الطمع والغرور وأنت الذي شغلت بنفسك عن الرعية ففشا الظلم وظهر الطمع , وأنت الذي حلت بين المسلمين وبين الحق , وأنت الذي فعلت كذا وكذا .... فقال له المنصور : ويحك , كيف يداخلني الطمع في الصفراء والبيضاء بين يدي , والحامض والحلو طوع أمري فأجابه الرجل : ( وهل داخل أحدا من الطمع ما دخلك ؟ إن الله استرعاك أمور المسلمين وأموالهم فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم وجعلت بينك وبينهم حجابا , وبعثت عمالك في جمع الأموال وجبايتها واتخذت وزراء أعوانا ظلمة إن نسيت لم يذكروك وإن ذكرت لم يعينوك , وقويتهم علي ظلم الناس , وأمرت ألا يدخل عليك إلا فلان وفلان , ولم تأمر بايصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا العاري ولا الضعيف ولا الفقير ولا أحد إلا وله في هذا المال حق , فلما رآك الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم علي علي رعيتك , أتمروا علي ألا يصل إليك من أخبار الناس إلا ما أرادوا , ولا يخرج لك عامل فيخالف لهم أمرا إلا أقصوه حتي تسقط منزلته ويصغر قدره , ولما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم , وكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليتقوا بهم علي ظلم رعيتك , فامتلأت بلاد الله بالظلم والطمع بغيا وفسادا , وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل , فإن جاء من يود الشكوي حيل بينه وبين الدخول إليك , وإن أراد رفع صوته أو قصته عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك , ووقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم , فإن جاء ذلك الرجل فبلغ بطانتك سألوا صاحب المظالم ألا يرفع مظلمته , وإن كانت به حرمة لم يمكنه مما يريد خوفا منهم فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويستغيث وهو يدفعه ويعتل عليه , فإن جهد وأخرج وأراد أن يسمعك صوته ضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره وأنت تنظر ولا تنكر .. ) فلما سمع المنصور ذلك بكي بكاء شديدا ..
ومن المأثور أن أعوان ( الحجاج بن يوسف الثقفي ) جاءوا إليه بحطيط الزيات أسيرا , فلما دخل عليه سأله : أنت حطيط ؟ فقال : نعم سل ما بدالك فإني عاهدت الله إن سألت لأصدقن , وإن بليت لأصبرن , فقال : فما تقول في ؟ قال : أقول أنك من أعداء الله في الأرض انتهكت المحارم وقتلت بالظنة , قال وما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ؟ قال : أقول أنه أعظم جرما منك وما أنت إلا خطيئة من خطاياه ..
هكذا كانوا يتقربون إلي الله بالموت في سبيل كلمة الحق , وعداهم فقد سلط الله عليهم من لا يرحمهم وزالت هيبتهم من نفوس حكامهم ..

