لما كان القلب محط نظر الله وعنايته , لأنه البيت الذي اختاره سكنا لتنزيه وحدانيته وتقديس صمدانيته , ومهبطا لفيوضاته وإمداداته , ومجلي لخفي أسراره , ومكنون اقتداره وموضع حب الله الذي لا يريد ألا يشغله سواه من زخارف الدنيا وبهجتها , وألا يصرفه صارف من مهام الدنيا وعنائها , إذ هو مسرح جنود الرحمن كما أنه مجال جنود الشيطان , ولا يقوي علي تعزيز مراكز جنود الرحمن أمام هجمات جنود الشيطان إلا بتحصينه بحصون العلم بالله , وتدرعه بالثبات علي مراضيه , ولا سبيل للوصول للعلم إلا من طريق التلقي والتعليم .
ولا جرم أن بعث الله الرسل يرسمون للناس أماكن السلامة , ومواطن التهلكة , ويبنون لهم محبة الله التي يرتضيها من عباده .
ولأن القلب ملك والأعضاء جنوده ورعيته لا تصدر ولا ترد إلا عنه وبإذنه , وقد بين ذلك حكيم الإنسانية صلوات الله عليه وآله وصحبه أجمعين بقوله :
( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب )
صلاح القلب إنما يكون بطهارته عن الصفات المذمومة , والاعتقاد السيئ , إذ هي أمراض تبطل قيام القلب بالعبودية الحقة للربوبية المطلقة ..
ولا شك أن أشد مصائب الانسان الأمراض , وكما أن المرض يكون جسديا يكون قلبيا ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ) كما أن أحدهما أشد فتكا وأعظم خطرا من الآخر , وكلاهما في حاجة للوقاية والعلاج .
وأمراض القلوب أشد خطرا علي الانسانية من أعظم الامراض الجسدية , إذ بمرضه يفسد فيفسد من خالطه وصاحبه , وقديما قال الشاعر :
واحذر مخالطة الدني فإنه * يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب
مريض القلب لا يحتفظ بالكرامة الانسانية ولا يعتني بالواجبات الدينية والأدبية ولا يشعر بالمركز الذي من أجله استخلفه الله عنه في أرضه لتنفيذ أمره ونهيه في خلقه , وسيطرته علي ما عداه من كائناته في أرضه وسماواته
لا شك أن القلوب المريضة هي الجديرة بالمعالجة والشديدة الحاجة إلي النقاهة والشفاء , فلا يتصبر علي تلك الأمراض الفتاكة إلا ميت القلب , فاقد الشعور بالكرامة عديم الاحساس بما يحمل من أوضار الدنايا وأقذار الخطايا , بيد أنه لايصبر علي وسخ الثياب وقذارة النعل خوف استنكار الناس لبذته , واحتقارهم لهيئته , واشمئزازهم من كريه رائحته , ولو أمعن النظر قليلا لأدرك أن العالم بخفايا سريرته ينظر طويته ولا ينظر إلي صورته .
فلست أدري أي شخص ذلك الذي يتحاشي أن يطلع العبد مثله علي رثاثة ثيابه أو بشاعة هندامه ولا يتحاشي أن يراه الله قذر الباطن , وسخ الضمير , سيئ العقيدة , محشوا بالغش والحقد والمكر والكبر والعجب والرياء , مملوءا نفاقا ومداهنة وحيلا وخداعا منطويا علي العداوة والبغضاء والاضرار والتشفي وإخفاء الحق وإظهار الباطل وممالأة الظالم والأثرة والأنانية .
كيف بصبر الانسان علي تلك الأمراض القلبية التي تميته حيا فينعدم الشرف الانساني ويفقد العزة والكرامة , ويحرم الرضا الآلهي , وتذبل في قلبه زهرة الحكمة الربانية ليبس شجرة الايمان العطشي إلي مياه الاحسان التي تبخرت بسموم تلك الأمراض القلبية فلا يسمع نداء ولا يجيب دعاء :
لقد أسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادي
كيف يرضي الانسان وقد خلقه الله في أحسن صوره , وعلي أبدع نظام وكرمه وفضله علي كثير من خلقه , كيف يسمح أن يتسفل إلي حضيض الببهيمية , ويتخلق بأخلاق الشياطين , فتموت روحانياته التي هي ميزته عن سائر الحيوان , فيكون ميتا في صورة الأحياء , عدوا في صورة الأحياء ..
ولا يخفي أن كثرة أمراض القلب من نتيجة التربية الأولي , فلو ربي الانسان من صغره علي حب الدين وقيمه السمحاء واشرأب في قلبه تعظيمه وحوسب علي التقصير والتعدي , وأثيب علي الحسن , وعوقب علي القبيح لخلا مما نحن بصدده من أمراض .
إن الانسان أصل فطرته يميل إلي الخير والجمال , ويستريح له , وينفر من الشر والقبيح ويألم منه , فإذا انعكست فطرة الانسان وصار لديه الحسن قبيحا , والقبيح حسنا , فذلك نتيجة تغلب القوة الغضبية أو البهيمية علي إرادته التي لم يسعها مقاومة هجوم تلك القوة , وما ضعفها إلا نتيجة خروجها عن حيطة الدين وقلة التبصير في أساليب خداع النفس وحيلها , وما النفس الأمارة بالسوء إلا أعدي أعدائها ..
وكما أن المعدة بيت داء الجسد , كذلك النفس بيت داء القلب , فمن رام أن يتمتع بصحة قلبه , فليصلح بيت دائه , وليأخذ في أسباب شفائه , بقطع أسباب شقائه , بعزم ماض , وبأس شديد وعزيمة صادقة , فيبدل ذميم أخلاقه بمحاسن الشيم , ويروض نفسه علي ترك العادات القبيحة التي كانت لديها حسنة , ويتألفها علي فعل المحاسن التي كانت لديها قبيحة
ولا يزال هذا عمله دائبا حتي تموت النفس ويدفنها تحت أطباق الثري , فإذا دفنها في الأرض السابعة ارتقي قلبه إلي ما فوق السماء السابعة وصار معلقا بالعرش تنكشف له الاسرار العلوية ويجول في سماء العلوم الغيبية وينهل من بحار الحقائق الكونية , فيسمع بالله ويبصر بالله إلي الله , ويفيض عليه من المعارف والحقائق ما به من كماله وسعادته ..
فقد يمرض الجسم فيبرأ القلب وينتبه من غفلته , ويصحو من سكرته , ويشعر باحتياجه إلي من بيده صحته , وفي قبضته ناصيته , ويعلم شدة غضبه عليه بما قارف من جريمة , وفعل من خطيئة ويتحقق بعده من معاني رحمته , ومنازل لطفه ورأفته ...