( عففت فعفت الرعية ) !!
___________________________________
بعث النصر علي الفرس روح الحمية والاقدام في نفوس المجاهدين فوق ما كانت تلهب صدورهم كم نار الانتقام من هؤلاء الأدعياء , وما تستنير به أفئدتهم من نور الايمان , فلم يكد يتم لهم النصر المؤزر حتي جمع سعد جيوشه واستقر برجاله قليلا ريثما يستريحون ويستعيدون قواهم , ثم رسم خططه الحكيمة , وقد عزم علي فتح باقي المدائن إلي أن يصل إلي الحدود , وكتب الله له التوفيق , بعد أن دب الرعب في قلوب الفرس وكانت هزيمة القادسية تفت في عضدهم . وتقدم ولم يجد مقاومة تذكر ففتح بابل وقد هرب واليها ثم علم سعد بفرار القواد إلي ( نهاوند ) وبعضهم إلي ( الأهواز ) وغالبيتهم إلي ( المدائن ) فسار إليهم وطاردهم وانتصر عليهم وفتح تلك البلاد , وما أعظم فضل الاسلام وما أكبر تسامحه إذ كانوا يقبلون الجزية ممن يصالحهم , ويؤمنون من يسالمهم , ويطمئنون من يحاسنهم , وما رغبوا إلا علاء كلمة الله ورفع راية الاسلام .
كان قواد الفرس المنهزمون يسارعون إلي الهرب والاحتماء بما يصادفهم من الحصون ولكنهم ماكانوا يلبثون إلا قليلا حتي يستسلموا ويدخلوا في حظيرة الاطمئنان , ولم تبق بلدة أو إقليم في الفرس إلا وهو في قبضة المجاهدين حتي إذا سار الجيش إلي الأمام لاح له بياض إيوان كسري وظهرت لهم عجائب تركيبه ثم رجعوا إلي ما وراء المحدثون عن الصادق الأمين صلي الله عليه وآله وسلم إذ جاء في صحيح مسلم :
روي جابر بن معمرة أن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال : ( عصيبة من المسلمين يفتحون البيت , الأبيض بيت كسري أو آل كسري )
هانت عليهم الأرواح والمهج ليكونوا ضمن هذه ( العصيبة ) التي أخبر عنها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فنظموا صفوفهم , ووحدوا هجومهم , وساروا رجالا وركبانا حتي إذا لاح فجر يوم النصر صاح ضرار بن الخطاب أحد أعاظم الفوارس ونادي وهلل وكبر ( هذا أبيض كسري . هذا ) , ( وما وعد الرحمن وصدق رسوله , الله أكبر . الله أكبر . هذا يوم النصر ) ثم ساروا علي بركة الله وما أذن مؤذن الظهر حتي حاصروها , ثم فتحوا ما يجاورها من قري لأن الفرس بيتوا علي الاستماتة في الدفاع فعملوا علي الخديعة وحصنوا جميع المعابر الموصلة للمدينة , إلا أن الله أعمي بصائرهم عن معبرة واحدة أرشد المهاجمين إليها واحد من الفرس فتقدم سعد لمعاينتها , وقد اطمأن من سلامتها احتفاظا بأرواح المقاتلين وخشية أن يكون في الأمر خديعة لإغراقهم , ثم هلل المجاهدون وكبروا ودخلوا المدينة فاتحين , وما علم بالخبر حاكمهم ( يزدجرد ) حتي أسرع إلي الهرب وسقطت الفرس في أيدي المسلمين ودخل الفاتح الظافر سعد بن أبي وقاص مهللا ومكبرا ووصل إلي القصر . ولم ينس دعوة الرسول صلي الله عليه وآله يوم أن بعث لكسري بكتابه فمزقه استكبارا فدعا الله عليه بقوله عليه الصلاة والسلام : ( اللهم مزق ملكه كل ممزق ) وها قد مزقه الله ودخل سعد خال النبي قصر ملكهم وأذن مؤذن الصلاة وأم الناس وقرأ الفاتحة ثم تلا الآية الكريمة : ( كم تركوا من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم . ونعمة كانوا فيها فكهين . كذلك أورثناها قوما آخرين ) .
هكذا شاء ربك أن يوحي إلي رسوله بهذا الفتح المبين , ثم انظر إلي القناعة وعدم النظر أموال الناس , أنظر إلي سعد وقد وضع يده علي جواهر كسري وغنائمه وما وجده في قصوره , وقد رغبت عنه نفسه وهو غنيمه أباحها الله له ولرجاله . وزهد فيها وأرسها إلي الخليفه عمر رضي الله عنه وقد عظمت هذه الشامائل عنده . وكبرت هذه العصمة في نظره , ولما رآها قال : ( إن قوما أدوا هذا لذوا أمانة ) فقال له سعد ( علي أنك عففت فعفت الرعية
بالله قوم هذا سلفهم يصبحون فيما هم عليه . حقد وغل وحسد وضغينة وطمع واغتيال حقوق , وخيانة وقلة أمانة . يبني بعضهم مجده علي أطلال أخيه . ويبيت الابن لأبيه الشر ويحرم من حقه أخاه .
رحمة بنا يارب رحمة وغفرانا . اللهم باعد بيننا وبين هذه الخصال , وغير حالنا إلي أحسن حال .
اللهم أعد المسلمين مجدهم , وحملهم بخلق الدين , واجعلهم يؤمنون بالله ويعملون بكتابه الكريم وعلي هدي نبيه الأمين .
( يتبع )

