سار سعد بن أبي وقاص مع جنده يهللون ويكبرون ويتحمسون للقتال ويتشوقون إلي لقاء العدو, وقد أجمعوا علي مطاردته وتشريده وتمزيق جيشه في البراري والقفار , وقد اطمأنوا إلي نصر الله ومعونته , ساروا ينفذون ما اتفقوا عليه مع خليفة رسول الله عمر ابن الخطاب رضي الله عنه من رأي وخطة وأرسلوا في الأمصار يتسمعون أخبار العدو , ويتجسسون مواقعة ويكشفون مخبأه ويتعرفون مواطنه وعوراته , وقد وصلوا إلي قرية زرود فوافاهم خبر مقتل المثني بن حارثة الشيباني , وقد استشهد متأثرا بجراحه فجمع سعد جيشا إلي جيوشه ورتب قواه إلي نواحيها حتي نزل بالقادسية وهي قرية قرب الكوفة , واستقر فيها ولم يتحرك العدو للقائه , ومضي عليه ما يزيد عن الشهر , ولكنه رأي بعد أن استراح الجند وقد تعطشوا لقتال الكفار وطال عليهم أمد الانتظار فارسل رسله إلي يزدجرد وتحداه وتحرش به فتحرك قائد الفرس الاكبر رستم ومعه جيش جرار يزيد عن المائة الف رجل مزودين بالعدد والآلات , ولكن قلوبهم خاوية من ذكر الله , ونفوسهم خالية من الاعتماد علي الله .
وقد لعب شيطان الغرور برأس هؤلاء وبدأوا يتحركون وشرعوا في الهجوم , ولما علم سعد بذلك أرسل يستكشف حالهم , ويستطلع أخبارهم وبعث بطلحيحة بن خويلد الاسدي ومعه عمرو بن معدي كرب الزبيدي , وما خرجوا من معسكر المجاهدين وتقدموا قليلا حتي رأوا جيوش الأعداء منتشرة متأهبة للقتال متحفزة للهجوم وقد أقدم طليحة تحرسه عناية الله حتي دخل معسكر الفرس وعرف أخبارهم ثم عاد وأخبر سعدا بما رآه وقد استحضروا عددا من الفيلة لم تكن جيوش العرب تألف رؤيتهم أو مناظر أسنانهم .
تقابل الجيشان والفرس يأملون النصر والظفر وقد أعدوا ماستطاعوا من قوة فوقعت ملاحم كثيرة اشتد فيها الكر والفر وكانت واقعة القادسية ولاقي فيها المجاهدون كل شدة وهجوم , وكان قتالا عنيفا جدا دام أياما وليالي وقد نفرت الفيلة وهاجت فاستنفرت خيول الفوارس فما وهن المجاهدون ولا ضعفوا ولا استكانوا , بل استماتوا وجاهدوا في سبيل الله بأرواحهم , وكانت ليلة ليلاء ( ليلة الهرير ) وقد دام النزال بين فوارس الجيش من بعد الغروب الي وقت الظهيرة والمسلمون يعانون الأهوال والشدائد , ولم يسمع في متسع الوادي وهو ميدان القتال غير تكبير المستبسلين وتهليل المجاهدين , وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم , حيث سطرو أبطال الاسلام صحيفة المجد والنصر بدمائهم وقد شردوا عدوهم وطاردوه , وهزم الفرس شر هزيمة فتمزقت رايتهم وتشتت جموعهم , وباد جندهم , وقتل ( رستم ) قائدهم الأكبر , وفاز بالأرواح منهم من استطاع الهرب وقد دالت دولتهم وذهبت شوكتهم وبادت قوتهم , ورفع سعد راية الاسلام خفاقة علي ربوعهم والتاريخ أعظم شاهد يتلوا علي الناس تلك المفاخر .
( يتبع )

