لا تسأل المرء عن خلائقه في وجهه شاهد من الخبر .
الحياء سمة الخير , والبذاءة والقحة سمة الشر , وكفي بالبذاءة والقحة شرا أن يكونا إلي الشر سبيلا .
روي حسان بن عطية عن أبي إمامة قال قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم :
( الحياء والعي شعبتان من الايمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق ) ويشبه أن يكون العي في معني الصمت , والبيان في معني التشدق كما جاء في حديث آخر :
( إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون المتشدقون ) .
وروي أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال :
( الحياء من الايمان والايمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار ) .
قال حكيم :
(من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه )
وقال بليغ القول :
( حياة الوجه بحيائه كما أن حياة الغرس بمائه ) .
وقال بليغ من العلماء :
( يا عجبا كيف لا نستحي من كثرة ما لا نستحي وتتقي من طول ما لا تتقي ) .
وقال الشاعر ( صالح بن عبد القدوس )
اذا قل ماء الوجه قل حياؤه ولا خير في وجه اذا قل ماؤه
حياءك فاحفظه عليك وانما يدل علي فعل الكريم حياؤه
وليس لمن فقد الحياء وازع عن أي قبيح ولا زاجر عن كل محظور , فهو يقدم علي ما يشاء ويأتي بما يهوي .
روي شعبة عن منصور بن ربعي عن أبي منصور البدري قال قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم :
( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الاولي : يابن آدم اذا لم تستحي فاصنع ما شئت ) .
ولا يشجع هذا القول علي فعل المعاصي عند قلة الحياء كما يتوهم البعض من جهلة معاني الكلام , وفي مثل هذا يقول الشاعر :
اذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاء
فلا والله مافي العيش خير ولا الدنيا اذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقي العود ما بقي اللحاء
واختلف العلماء في معني الحديث فقال أبو بكر بن محمد الساسي في أصول الفقه : معني هذا الحديث أن من استحي دعاه ترك الحياء إلي أن يعمل ما يشاء ولا يمنعة عنه مانع , فليستحي المرء فان الحياء يمنعه .
كما حكي عن أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة أن المعني في الحديث : ( أنه إذا عرضت عليك أفعالك التي هممت بفعلها فلم تستحي منها فاصنع ما شئت منها ) فجعل الحياء حكما علي الأفعال , وكلا القولين حسن فالأول أشبه لأنه خرج عن النبي صلي الله عليه وآله وسلم مخرج الذم من عدم وجود الحياء لا مخرج الأمر , قد جاء الحديث بما يضاهي القول الثاني وهو قوله صلوات الله عليه وآله وسلم :
( ما أحببت أن تسمعه أذناك فأته , وما كرهت أن تسمعه أذناك فاجتنبه ) ويجوز أن يحمل هذا الحديث علي المعني الصريح ويكون التأويل الأول في الحديث المتقدم أصح إذ لا يلزم الأمر أن تكون أحاديث رسول الله كلها متفقة المعاني بل اختلاف معانيها أدخل في الحكمة وأبلغ في الفصاحة اذا لم يضاد بعضها بعضا .

