( قالت أم سلمة )
يا رسول الله : ( ذكر الله الرجال في القرآن , ولم يذكر النساء , فنحن نخاف ألا يقبل منا طاعة ) هذا ما قالته أم سلمة أو كل أزواج النبي للنبي صلي الله عليه وآله وسلم , فنزلت آية :
( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ) صدق الله العظيم
وعن قتادة رضي الله عنه قال : دخل نساء علي نساء النبي صلي الله عليه وآله وسلم فقلن : قد ذكركن الله في القرآن ولم نذكر بشئ , أما فينا ما يذكر ؟ فأنزل الله ( إن المسلمين والمسلمات ) الآية .
وعن عبد الرحمن بن شيبة رضي الله عنه قال : سمعت أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلي الله عليه وآله وسلم تقول : قلت للنبي صلي الله عليه وآله وسلم . مالنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال , قالت فلم يرعني منه ذات يوم إلا نداؤه علي المنبر , قلت وأنا أسرح شعري , فلفقت شعري , ثم خرجت إلي حجرتي , حجرة بيتي , فجعلت سمعي عند الجريد , فإذا هو يقول عند المنبر : يأيها الناس إن الله تعالي يقول : ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ) إلي آخر الآية .
وقد ذكر عشر مراتب :
( الأولي ) التسليم والانقياد في قوله : ( إن المسلمين والمسلمات) الذين دخلوا في الاسلام وانقادوا له وأسلموا لله عز وجل من الذكور والاناث .
( والثانية ) الايمان وذكرها بقوله : ( والمؤمنين والمؤمنات ) المصدقين بما يجب أن يصدق به من الفريقين , فالاسلام قول باللسان , والايمان تصديق بالقلب , وعلي ذلك فهما متغايران كما قال تعالي :
( قالت الأعراب آمنا , قل لم تؤمنوا , ولكن قولوا أسلمنا , ولما يدخل الايمان في قلوبكم ) .
( الثالثة ) إذا قال العبد بلسانه وصدق بقلبه , أطاع وعمل وذكرها بقوله ( والقانتين) المطيعين (والقانتات ) المطيعات , والقنوت هو الطاعة في سكون , قال تعالي :
( أم هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) وقال تعالي : ( وله من في السموات والأرض كل له قانتون )
( الرابعة ) إذا كان الاسلام والايمان والطاعة لزمها الصدق فقال :
( والصادقين ) في أقوالهم وأعمالهم ( والصادقات ) في أقوالهن وإيمانهن وأعمالهن , فلا كذب , ولا نفاق , ولا مرءاة , , والصدق الاخبار عن الشئ , علي ما هو عليه , والكذب الاخبار عن الشئ علي غير ما هو عليه , والكذب حرام , والصدق واجب , قال تعالي :
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) , وقال جل شأنه : ( ثم نبتهل فنجعل لعنة الله علي الكاذبين ) فالصدق علامة الايمان , كما أن الكذب أمارة النفاق , وقال صلي الله عليه وآله وسلم :
( عليكم بالصدق , فان الصدق يهدي إلي البر , وإن البر يهدي إلي الجنة , وإياكم والكذب , فان الكذب يهدي إلي الفجور , وإن الفجور يهدي إلي النار , ولا يزال الرجل يصدق ويتحري الصدق حتي يكتب عند الله صديقا , ولا يزال الرجل يكذب ويتحري الكذب حتي يكتب عند الله كذابا )
, وقال تعالي : ( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ) .
جاء إعرابي إلي النبي صلي الله عليه وآله وسلم ليسلم وكانت فيه خصال خمس سيئة : ( الكذب والسرقة والزنا وشرب الخمر والقتل ) , فقال للنبي صلي الله عليه وآله وسلم : إختر لك واحدة واترك لي أربعا وأسلم فقال له النبي صلي الله عليه وآله وسلم : اترك الكذب , فرضي وأسلم ومضي إلي سبيله , فلما هم بالسرقة خاف أن يضبط فيسأل فيصدق فيحد , فترك السرقة وبقية الخصال خشية أن يحد , ففي الكذب كل الضرر , وفي الصدق النجاة والخير .
يحكي أن الحجاج خطب فأطال , فقام رجل فقال : الصلاة , فان الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك , فأمر بحبسه , فأتاه قومه , وزعموا أنه مجنون , وسألوه أن يخلي سبيله , فقال الحجاج : إن أقر بالجنون خليته , فقيل له , فقال : معاذ الله , لا أزعم أن الله ابتلاني , وقد عافاني , فبلغ ذلك الحجاج فعفا عنه لصدقه .
فلو أن المسلمين صدقوا في اسلامهم وإيمانهم وأعمالهم وأقوالهم لنالوا عز الدهر , ولعاد لهم مجد السابقين الأولين من سلفهم رضي الله عنهم .
( الخامسة ) الصبر حيث أن هذه المراتب تتطلب الصبر والثبات والقوة والجهاد ( والصابرين والصابرات ) علي مشاق الاسلام والايمان والطاعة والصدق .
والصبر هو ترك الشكوي , من آلام الشدة والبلوي , ولا ينافيه التضرع إلي الله والالتجاء إليه عند اشتداد الكرب ونزول الخطب , وقد قال الله في الصابرين : ( وإنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب
إلي لقاء للخمس الأخر .

