قالوا إن الكرامات لا تخدع إلا من يسكن إليها ويقف عندها , ويجعلها من الطريق هدفه ومن الولاية مقصوده , وقد بالغ بعض القوم في الركون إليها وتعظيمها , وبالغ آخرون في استهانتها فلم ينخدعوا بها أو يسكنوا إليها .
ومن الواضح الجلي أن العارف الحقيقي هو الذي لا يقف عندها , ولا يفرح بانبهار إخوانه ومريديه ودهشتهم بما يظهره الله علي يديه منها مهما كانت بالغة في القوة , وموجبة للدهشة والاستغراب , لأنه لا يحرص علي إعجاب الناس به , وفتنتهم بما يظهر علي يديه إلا الدجاجلة المشعوذون , لا أولياء الله العارفون , فالعارف لا يركن إليها , ولا يقف عندها , وإنما مطلوبه دائما وراءها , وهي تقع مصادفة في طريقه , فلا يلتفت إليها في الطريق وهو سائر إلي الله تعالي , وليس ما يقع في الطريق عند الواصلين صفة ولا مزية .
والنتيجة أن من وقف عندها سقط في مهاوي التهلكه , ومن كانت هي مطلوبه فهو مغرور ويبعد إلي درجة الاستحالة أن يصل إليها , أو يظفر بمطلوبه منها .
ومن هنا نعلم أن كثيرا من مدعي الولاية في هذا العصر , لا يمكن أن يظهر الله علي أيديهم كرامة , لما جرت عليه سنة الله في العارفين أن من طلبها منهم فهو محروم منها بعيدا عن نيلها , وهؤلاء حريصون عليها , مغتبطون بما يظهره لهم أتباعهم في كل وقت من كرامات ينسبونها إليهم كذبا وزورا , مسرورون بما يخلعونه عليهم من ألقاب ومقامات وكرامات أولياء الله المقربين .
وأما مدعو الولاية فهؤلاء قد كذبوا علي الله وعلي أنفسهم وعلي الناس :
( ومن أظلم ممن افتري علي الله الكذب وهو يدعي إلي الاسلام )
وعكسوا قضية ( القوم ) فالقوم سلكوا الطريق قانعين متقللين من الدنيا , قوت الواحد منهم ما وجد , ولباسه ما ستر , ومسكنه حيث نزل , قد طرح بدنه في العبودية , وعلق قلبه بالربوبية , واطمأن إلي الكفاية فلم يحصر همه في طلب المزيد ..
وهؤلاء ....
ليس لهم من طريق العارفين إلا مجرد تنكب طريقهم , وتقليدهم تقليدا ماجنا ساخرا , وليس لهم من ادعاء الولاية إلا مجرد أنهم كاذبون , والناس بهم مفتونون مخدوغون ..
وللحديث بقية

