من الاخوان من يعين ويستعين ومنهم من لا يعين ولا يستعين ومنهم من يستعين ولا يعين ومنهم من يعين ولا يستعين .
فأما المعين والمستعين فهو منصف يؤدي ما عليه ويستوفي ما له كالمقرض يسعف عند الحاجة ويسترد عند الاستغناء , لذا فهو مشكور في معونته ومعذور في استعانته فكان بذلك أعدل الإخوان .
أما من لا يعين ولا يستعين فهو قد منع خيره وقمع شره , فلا هو صديق يرجي ولا عدو يخشي .
قال المغيرة بن شعبة رضي الله عنه : التارك للإخوان متروك كالصورة الممثلة يروقك حسنها ويخونك نفعها , فلا هو مذموم لقمع شره ولا هو مشكور لمنع خيره , وإن كان باللوم أجدر
وقال الشاعر :
وأسوأ أيام الفتي يوم لا يري له أحد يزري عليه وينكر
وإن كان يتوجب شكر من كان شره مقطوعا وإن كان خيره ممنوعا كما قال المتنبي :
إنا لفي زمن ترك القبيح به من أكثر الناس احسان واجمال
وأما من يستعين ولا يعين فهو لئيم ومهين مستذل قد قطع عنه الرغبة وبسط فيه الرهبة فلا خيره يرجي ولا شره يؤمن . وقال فيه حكيم : شر ما في الكريم أن يمنعك خيره وخير ما في اللئيم أن يكف عنك شره .
وقال ابن الرومي :
عذرنا النخل في إبداء شوك يرد به الأنامل عن جناه
فما للعوسج الملعون أبدي لنا شوكا بلا ثمر نراه
وأما من يعين ولا يستعين فهو كريم الطبع مشكور الصنع قد حاز فضيلتي الابتداء ولاكتفاء فلا يري ثقيلا في نائبة ولا يقعد عن نهضة في معونة ... فهو بهذا أشرف الإخوان نفسا وأكرمهم طبعا .
قال الفرزدق :
يمضي أخوك فلا تلقي له خلفا والمال بعد ذهاب المال مكتسب
وقال آخر :
لكل شئ عدمته عوض وما لفقد الصديق من عوض
فلا ينبغي أن تزهد في صداقته لخلق أو خلقين تنكرهما منه إذا رضي سائر أخلاقه وحمد أكثر شيمه , لأن اليسير مغفور والكمال معوز .
وقد قال الكندي :
( كيف تريد من صديقك خلقا واحدا وهو ذو طبائع أربع )
وقال أحد البلغاء :
(لا تزهد في رجل -- حمدت سيرته , وارتضيت وتيرته , وعرفت فضله وبطنت عقله -- عيب خفي تحيط به كثرة فضائله أو ذنب صغير تستغفر له قوة وسائله , فإنك لن تجد ما بقيت مهذبا لا يكون فيه عيب ولا يقع منه ذنب , فاعتبر بنفسك بعد أن لا تراها بعين الرضا ولا يجري فيها علي حكم الهوي فان اعتبارك بها واختبارك لها ما يؤيسك مما تطلب ويعطفك علي من يذنب )
وقال شاعر :
ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها كفي المرء نبلا أن تعد معايبه
وقال النابغة الذبياني :
ولست بمستبق أخا لا تلمه علي شعث أي الرجال المهذب

