بحثي اليوم يتطرق إلي موضوع قلما يتطرق إليه الكثير ممن يدينون للعالم المادي البحت الذي لا يهتم بالظواهر الغيبية الغير ملموسة الأركان , وسأوضح ماهية الجذب , وما علامة صاحب الجذب , وهل الأحكام الشرعية تسقط عنه في حال غيبته ؟ وما الفرق بين المجذوب والمجنون والولي !!
الجذب عند الصوفية يطلق علي معنيين :
المعني الأول : عبارة عن تقريب الحق سبحانه وتعالي لعبده بعناية ربانية من غير تكلف سعي ولا تجشم عناء , مع بقاء عقله التكليفي وحفظ ظاهره عن الاخلال بشئ من المراسيم الشرعية , وهذا يسمي الجذب الباطني وهو خير الجذبين وأحسن النوعين لأن صاحبه يكون محفوظ الباطن عن الاشتغال بغير مولاه تبارك وتقدس , ومحفوظ الظاهر عن الاخلال برسم الشريعة وأدب العبودية والمعني الثاني للجذب عبارة :
عن اختطاف رباني يحدث للعبد فيسلبه العقل الذي هو مناط التكليف , ثم هو كالمجنون تارة يكون متقطعا وتارة يكون ملازما , ومتي وجد سقط التكليف فلا يخاطب صاحبه بالأحكام الشرعية , وليس عند الفقهاء فرق بين المجنون والمجذوب فهما عندهم من نوع واحد لاستوائهما في سقوط التكليف , ولكن أرباب القلوب يفرقون بينهما , إذ المجنون مساوب العقل والنفس معا , أو بعبارة أخري مختل الظاهر والباطن , ليس له عبادة قلبية ولا له مع الله تعالي حال باطني , فهو مسلوب غير معوض
وأما المجذوب فهو مسلوب معوض عقله مفقود ولكن قلبه موجود , وله مع ربه حال ربما حرم منه كثير من العقلاء , وإن كان الغالب أن ذوي العقول من الأولياء أشرف حالا وأعظم قدرا لاحترازهم شرف الخدمة والقيام بوظائف العبودية وعلامات المجذوب كثيرة منها :
( 1 ) كثرة ظهور الكرامات والخوارق علي يديه , إذ هو غير محجور ولا متقيد بأحكام الشريعة , فتراه يتكلم علي الخواطر ويخبر بالحوادث المستقبلية من غير اكتراث ولا مبالاة بعبارات حسبما يتفق له .
أما الولي الكامل فإنه متقيد بالشرع لا يتعمد إظهار الخوارق , ولا يتحدث عن شئ مغيب لئلا يتعرض للسلب :
يقولون حدثنا فأنت أمينها وما أنا إن حدثتهم بأمين
نعم قد يصدر منهم شئ من ذلك في بعض الأوقات علي سبيل الغلبة والقهر أو لمقاصد صحيحة أخري كإنقاذ من هلكة أو تقوية ليقين بعض الأتباع أو نحو ذلك .
( 2 ) غالب أفعال المجذوب منطوية علي أغراض صحيحة وبالتأويل يمكن تجريدها من العبث بخلاف أفعال المجانين .
( 3 ) ملازمته لخطة معينة لا يفتر عنها غالبا , كالتفوه بعبارات مخصوصة أو الطواف في جهات معينة أو غير ذلك , وهذه العلامات وأمثالها قد لا تطرد وقد يخطئ الانسان في تطبيقها فالأسلم التسليم كما قيل :
ومن غدا مسلوب الاختيار فحكمه تسليمه للباري
ومالنا وما للمجذوب وعلامته , وما يهمنا من شأنه , فالأولي لك تحسين الظن بالكل , ومن يتتبعهم فإني أقول له أنه لا فائدة مطلقا من الاحتكاك بهم , بل الأسلم والأنفع البعد عنهم بدون أن تسئ الظن بهم أو تلحق بهم أي ضرر لا ياليد ولا باللسان , وما قدرت عليه من المعروف فأديه لهم بلا تكليف ولا إجحاف , وإياك أن تسلك معهم مسلك القسوة والجمود فتسئ بهم الظن وتجردهم من الخير جملة واحدة أو تقسو في معاملتهم , أو تسلك مسلك البلهاء فتمكنهم من الدخول علي النساء في البيوت وأماكن الخلوة مع ماهم عليه من إهمال الآداب الشرعية , أو تنفق عليهم كل ما بيدك , وبالجمله عليك بالاعتدال ومجانبة الافراط والتفريط معهم .

