نافش ريشه , مزهو بوسامته , يظن أن الريش المنفوش والوجه الوسيم بديلان عن العقل والفهم والإدراك , أو هما كافيان لكي يصبح , وهو الجاهل ضيق الأفق , عالما فوق كل ذي علم , مدركا فوق كل ذي إدراك ... إذا اشترك في المناقشة وكثيرا ما يحط نفسه فيها حطا , دون أن يعرف لها أولا من آخر
الكل يعلم أنه طبل له رنين من غير جوهر يقاس أو يوزن .. إذا اشترك في مناقشة رفع الصوت وملأ فمه بألفاظ مثله جوفاء دون وزن ظنا منه أن الآراء يمكن أن تكسب بالصوت المرتفع , لا يجد جلساؤه إلا أن يصمتوا إهمالا لشأنه وعزوفا عن سماعه , فيظن أنه أسكتهم وألقمهم حجرا , فيترك المجلس مزهوا ويخرج شاعرا بالنصر , بينما يتغامز الناس من حوله ويتعجبون بينهم وبين أنفسهم من خلق الله كيف صنعه وسواه , ورسمه علي مثال الطاووس شكلا وموضوعا .
وما أن ينصرف حتي يتنفس الحاضرون الصعداء وكأنه غمة وانزاحت أو كارثة حلت بهم وأنجاهم الله منها , وما أن يستقر صاحبنا بمجلس آخر حتي يروي ما كان من انتصاره , وما كان من رأيه الذي ساد , وحجته التي أقنعت الجهابذة الذين لم يستطع أحد منهم أن يرد عليه الحجة والبرهان .. ويتبسم الحاضرون سخرية واستهزاء , فيحسبه تبسم الإعجاب والتسليم , ويقولون له أنت الفارس في كل ميدان , والغالب في الحرب والطعان , أنت إمام المثقفين , وقدوة المفكرين , فيصدق الطاووس ما يقولون , ويزداد ريشه وصدره انتفاخا , ويروي لهم ما قرأ من كتب , وماذا وعي من نظريات , ويزيدون ما به من مرض مرضا ويقولون له إنك تقرأ ما لم يقرأه أحد , وتفهم ما لا يفهمه أحد , وتتصور ملا يتصوره أحد ... أنت فريد عصرك وزمانك ... ويتسابق كل منهم في حشو دماغه الأجوف بمثل هذا الكلام فيصدق , وهم , إسرافا منهم في الضحك عليه يسرفون في إلصاق كل صفات الفلاسفة والمفكرين به , حتي يتخم ويدور عقله أكثر مما هو دائر , ويأمر الساقي لهم بالكاسات والطاهي بأطيب الطعام , فيشربون ويطعمون ويضحكون , فيهمس أحدهم لصاحبه أي مسرح فكاهي يمكن أن يعطينا مثل هذه المتعة , ويهمس آخر أن كلامه تافه نضحك به عليه , فإذا ما في جيبه في بطوننا شرابا وطعاما ولله في خلقه شئون .
واستشرت به العله أكثر وأكثر , فأنشأ بما بقي لديه من مال ناديا ثقافيا وراح يجمع حوله كل من هب ودب يسقيهم ويطعمهم وينشد فيهم شعرا , فقد تحول من الثقافة والعلم والفكر إلي الشعر , وهم يهللون لبراعة الشعر وجماله , بينما أيديهم تلتهم الطعام ورؤوسهم غارقة في الشراب وما صنع بها , ويهتف أحدهم هامسا : ما هذا المجنون ؟ ... هل هذا شعر ... فيرد الأخر عليه أسكت ... اسكت كل وادعي للسلطان بالنصر ..
( رزق الهبل علي المجانين (

