ترويض النفس
الفاجر مثله في سخطه علي قضاء الله وتبرمه به كالأرزة وهي نبات يطول ويغلظ ساقه كالصنوبر تراها صماء أي صلبة شديدة لا تجويف فيها , ولا تزال هكذا حتي يكون انجعافها أي انقلاعها مرة واحدة , فكذلك الفاجر لا يزال يقاوم القدر بصلف حتي يأخذه الله إذا شاء أخذ عزيز مقتدر .
والفرق بين سلوك المؤمن وسلوك الفاجر , فالمؤمن لا يعاند القدر , ولا يتسخط عليه , بل يسايره بثبات حتي يكشفه الله عنه , والفاجر لا يزال يقاومه ويعانده حتي يهلكه الله تعالي .
فجدير بنا أن نروض أنفسنا علي الرضا بالقدر , خصوصا في هذه الأيام التي اشتد فيها لهيب الفتن , وتراكم ظلام المحن , فان الرضا بقضاء الله يثبت القلب الجزوع ويهدئ من ثورة النفوس , ويملؤها سكينة ووقارا ولتعلم أن سنن الله تعالي أن يداور بين النعم والنقم ويراوح بين السرور والألم , كما يعاقب بين الأيام والليالي , وبين الحر والبرد , فلا يدوم الألم مهما اشتد , ولا يدوم السرور مهما أطرب , وقد وعد الله تعالي بعد العسر يسرا , وبعد الكرب فرجا حتي لا ييأس العباد من رحمته , ولا يستسلموا للقنوط من منته , وبذلك يطمئن قلبه إذا غشيته سحائب المحن , ويعلم أنها لابد منقشعة عنه بفضل الله العلي القدير .
وإن في سير الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام , وفي سير المخلصين من أتباعهم لما يملأ القلب سكينة في مهب عواصف المحن , فقد أوذوا بأشد ما عرف من ألوان الايذاء , وابتلوا بما تنوء به قوي أرباب العزائم , فما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا , بل واجهوا الألم بقلوب مطمئنة راضية , وعزائم قوية قوية ماضية , فأورثهم الله عز الدنيا وسعادة الآخرة

