مجنون الشعر العربي دون منازع ( قيس بن الملوح ) له الكثير من القصص والحكايات التي تثبت
حبه لليلي العامرية إلي درجة الخبل أو الجنون الصريح , حيت أصبح نتيجة لفشله في الزواج من محبوبته هائما في فلاة الحب , يصادق الوحوش , ويأنس لها بدلا من البشر , حيث يري أنهم خذلوه , ولم يروا في قصة حبه العظيمة سوي أنها حكايات تحكي كمثل تحذيري للمبتدئين في الحب عما يمكن أن يسببه الحب من جنون .
فقد عاني قيسا بلا شك من ذلك الحب الخرافي للدرجة التي أوحت للآخرين بأنه قد جن , وشجعتهم فيما بعد في المبالغة في رسم التفاصيل , حتي صارت مثلا أدبيا علي ما يفعله الحب بالمحبين , وما يمكن أن يؤدي إليه من جنون أكيد .
ولكن يبدو أن التحديث قد التفت أخيرا ليخرجها من ذلك الإطار ويؤكدها بالتجربة والبرهان في المختبرات العلمية .
هناك دراسة علمية جديدة تشير إلي أن شكل الحب أصل من أشكال المرض , بل هو نوع من أنواع الجنون الذي يؤثر في عمل الدماغ الطبيعي , مما يدفع المحبين إلي السلوك اللاعقلاني أو غير العادي , أو الغامض مثل البكاء دون سبب أو فقد الشهية فجأة , وهو ما يمكن للمراقبين اعتباره خللا عقليا , والدليل طبقا لبحث أجرته مجموعة من أطباء الأعصاب المشهورين , يكمن في منطقة الدماغ تلعب دور ( ترمومتر العواطف ) ويقف وراءها نتيجة الغرام كمية كبيرة من ( الدوبامين ) وهي مادة كيماوية ينتجها جسم الإنسان لدي حاجته للعاطفة .
وتستند النتائج التي نشرت في مجلة Journal of Neurophysiology إلي تجربة أجراها الاختصاصيون في نيويورك ونيوجيرسي علي مجموعة من الطلاب الجامعيين كانوا يعيشون الشهور الأولي من قصة حبهم , وعبر الآلاف من من صور أدمغة هؤلاء العشاق الملتقطة عن طريق ناسخ ضوئي , خلص الباحثون إلي أن الحب الرومانسي يشتق من منطقة في الدماغ تختلف عن تلك الخاصة بالإثارة الجنسية , وحسب علم الأعصاب فإن الحب يشبه الجوع والعطش أو الرغبة بحقن جرعة من المخدرات عند المدمنين , ومع مرور الوقت فإن عاصفة إنتاج ( الدوبامين ) تخف تدريجيا لكن دون أن تزول نهائيا , كما أن هجر الحبيب أيضا له تأثير عصبي مماثل أو أكثر قوة من ذلك المثار من شرارة الحب الأولي
وأخيرا تشير التجربة الجديدة إلي أن الدوائر العصبية عندما ينتهي الحب , تبقي سليمة وجاهزة للاهتياج مجددا بانتظار حب جديد , أي أن التجربة لا تعترف بما قاله أبو تمام بأن الحب لا يكون للحبيب الأول !!
وإذا كنا غير قادرين علي إهداء هذه المعلومات الجديدة لقيس الذي انتقل لرحمة الله بعيدا عن جحيم الحب وجنونه الأكيد -- علميا هذه المرة -- منذ ما يقرب من ألف وربعمائة سنة , فإننا قادرون علي إهدائها لأقرب عاشق إلينا ولن نتعب في البحث عنه , ويكفي ما قاله إمامهم الذي علمهم الجنون قيس بن الملوح عندما عرض البعض بحالته وكأنه يعايره بها , فقال :
( يسمونني المجنون حين يرونني * * * نعم بي من ليلي الغداة جنون !!

