>>>>>   بوابة المدينة افاضلة  

****الصهيونية المسيحية بالولايات المتحدة، ****
22 كانون ثاني, 2007
هذا االمقال يبحث في ظاهرة الصهيونية المسيحية بالولايات المتحدة، ويحاول قبل الدخول مباشرة في عمق المفاهيم الأساسية لهذا التيار ومعرفة آليات تأثيره في السياسة الداخلية والخارجية أن يمهد لذلك بالحديث عن البيئة التي هيئت له هذا البروز، حيث يتحدث المحور الأول عن دور الدين في حياة الفرد والمجتمع الأميركي محاولا التعرف على ملامح وسمات الدين في السلوك اليومي للفرد الأميركي وتأثير ذلك في قضايا الرأي العام التي ينشغل بها المجتمع.
ومن الفرد والمجتمع إلى الدولة، توسيعا لنطاق الرؤية، واقترابا من دائرة الفهم، كانت مهمة المحور الثاني من الملف البحث في حدود وطبيعة وإشكاليات العلاقة بين الدين والدولة، متتبعا الأصول "النظرية" للفصل بينهما وكاشفا عن محاولات الكثير من القوى السياسية العاملة في الساحة الآن تبديد هذا "الوهم" الذي يقولون إنه قد آن الأوان لتغيير النصوص الدستورية التي تقر مثل هذا الفصل تماشيا مع ما هو قائم بشكل "عملي" على أرض الواقع.

ولا يقتصر تأثير هذه البيئة على تيار الصهيونية المسيحية تحديدا ولكنها هي ذاتها يستفيد منها اليمين المسيحي بصفة عامة والذي يمثل الحاضنة الأساسية التي يستقطب الصهيونيون المسيحيون أتباعهم منها، ومن هنا كانت أهمية إفراد محور خاص به.

أما عن التيار، موضوع الملف، فلم يكن ممكنا الحديث عنه دون التطرق إلى البروتستانتية وهي المذهب المسيحي السائد في الولايات المتحدة، وهو شديد الصلة بالأساس الفكري لهذا التيار، أو هو كما قال أحد المتخصصين في دراسته "قد خرج منه ثم خرج عليه"، أو هو بمعنى ثالث البداية الحقيقية لتهويد الكنيسة البروتستانتية، لذا جاء المحور الرابع للملف متحدثا عن الكنيسة البروتستانتية وعلاقتها بالصهيونية المسيحية.

بعد الوصول إلى هذا المنبع المعين على الفهم سواء في إطاره النفسي والفردي والاجتماعي أو في إطاره السياسي والفكري، تحين لحظة البدء في الحديث المسهب عن تيار الصهيونية المسيحية بأدبياته ومفاهيمه، لذا جاء محور المفاهيم الأساسية للمسيحية الصهيونية ليستهل هذا المنحى في الملف.

وحينما قرر هذا التيار التأثير في القرارات السياسية كان عليه أن يتقوى بعقد سلسلة من التحالفات كان أهمها تحالفه مع الصهيونية اليهودية والمحافظين الجدد، وهو ما ناقشه المحوران السادس والسابع من الملف.

من هنا اكتسب التيار أهميته واستطاع التأثير في السياسة كما يتضح من المحور الثامن، ومن هنا أيضا زادت مؤسساته ومنظماته اتساعا كما يتبدى في المحور التاسع وكذلك برزت رموزه التي يستعرضها المحور العاشر.
لكن كل هذا لا يعني أن أرض الولايات المتحدة باتت ممهدة بالكامل لهذا التيار فإنه لا يزال يواجه صعوبات واعتراضات من الكثير من الكنائس داخل وخارج الولايات المتحدة، وهذا ما يستعرضه المحور الحادي عشر.
 
هذه باختصار الملامح الأساسية لفصول القصة المسماة الصهيونية المسيحية، أما ما يتعلق بالتفاصيل فلن يحرم منها القارئ من خلال تصفح كتب استعرضها الملف في محوره الثاني عشر ومن خلال المزيد من القراءة والاستماع إلى ما جاء في الهوامش في المحور الثالث عشر.
بعد ذلك أتاح الملف الفرصة لقرائه أن يدلوا برأيهم حول هذا التيار من خلال الاستطلاع المرفق بالملف ويحددوا خياراتهم من خلال التصويت، وأن يقيموا الملف بل ويحصلوا على كل مواده طباعة كل ذلك عبر المحاور من الثالث عشر إلى السابع عشر.

لمسوغات الدينية للسياسة الأميركية إزاء الشرق الأوسط

خلال الحملة الانتخابية للفوز بترشيح الحزب الجمهوري لخوض انتخابات الرئاسة قال جورج بوش الابن إن السيد المسيح هو أفضل فيلسوف سياسي لديه لكونه أنقذه من طريق الضلال ودله على الصراط المستقيم.

هذا المقال يحاول إبراز مدى التسويغ الديني لغزو أفغانستان والعراق من خلال التركيز على التصريحات الصادرة عن الرئيس بوش نفسه و"الفتاوى" الصادرة عن الكنائس الأميركية التي رددتها وسائل الإعلام الدينية التابعة لليمين المسيحي عموما وللصهيونية المسيحية خصوصا واستخدامها لنصوص من الإنجيل وأسفار التوراة (العهد القديم) لتبرير الحرب.

بوش: أشعر أن الله يريدني

يرى بعض المراقبين أن الرئيس بوش ومساعديه يتعمدون استخدام العبارات ذات المعنى المزدوج التي تظهر على أنها عادية بالنسبة للمستمع العادي، لكنها تحمل في طياتها إشارات مشفرة لا يستطيع فكها سوى الشخص الذي يفهم معناها الحقيقي ويدرك المرجعية الدينية التي تستند إليها.

بعبارة أخرى، عندما يقول الرئيس بوش مثلا إن "منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة تاريخية ومفصلية يتوجب على شعوبها الاختيار بين الديمقراطية والحرية وبين الاستبداد والتطرف" يتلقى الشخص العادي هذه العبارة بمعناها السطحي والمظهري على أنها تنم عن حسن نية والتزام الرئيس بوش بالمبادئ الأميركية الراسخة المتمثلة في الدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان.

لكن بالنسبة للشخص المتدين، وأعني هنا بالتحديد الملايين من أتباع الكنائس الإنجيلية الذين يشكلون القاعدة الانتخابية للرئيس بوش ولليمين المحافظ، تبرز التزام الرئيس بوش بتطبيق حكم الله في الأرض وتحقيق الرؤية التي نص عليها الإنجيل والعهد القديم ووردت في سفر الرؤية أي تخليص منطقة الشرق الأوسط من قوى الشر الذي هو شرط أساسي لعودة المسيح وتحضير المنطقة لخوض المعركة الأخيرة التي سينتصر فيها الخير على الشيطان وبالتالي إقامة دولة الله على الأرض.

ومنذ الوهلة الأولى لدى وقوع هجمات 11 سبتمبر/ أيلول أضفى بوش على ما يجري صفة النزاع الكوني والأبدي، الذي ينص عليه الإنجيل والتوراة، بين المؤمنين والدجالين أتباع الشيطان. وقال عقب ساعات قليلة من وقوع الهجمات إن تلك الهجمات تمثل "انطلاقة الحرب الكونية ضد الشر"، وأضاف أن الولايات المتحدة مدعوة لكي تتحمل "مهمتها التاريخية" وأن "الرد على هذه الهجمات هو تخليص العالم من الشر". وشدد على أن النصر مؤكد في هذه الحرب لأن الله يقف إلى جانب قوى الخير التي تمثلها الولايات المتحدة. وردد حينها خلال خطاب بثته وسائل الإعلام المزمور التوراتي رقم 23 الذي يقول "تقدم إلى الأمام ودافع عن الحرية وعن كل ما هو خير وعادل في عالمنا".

وخلال جميع التصريحات التي سبقت الحرب في أفغانستان واستمرت حتى بعدها وصولا إلى الحرب في العراق، واصل الرئيس بوش استخدام التعبيرات الدينية والاستشهاد بفقرات من الإنجيل في محاولة لتوضيح نظرته الخاصة لما يجري في العالم.

الكنائس تحشد للحرب استشهادا بالإنجيل

أظهر استطلاع للرأي العام الأميركي أجراه معهد بيو لاستطلاعات الرأي في مارس/ آذار 2003، قبل أيام قليلة من الحرب في العراق أن نسبة 77% من الإنجيليين البيض يؤيدون استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية للإطاحة بنظام حكم صدام حسين.



ويجب الإشارة هنا إلى أن مجموع الإنجيليين بلغ أكثر من 60 مليون شخص خلال عام 2000 وهو في تصاعد مستمر، وهو ما يظهر مدى تأثير الكنائس الإنجيلية والقساوسة في بلورة رأي هذه الشريحة الاجتماعية التي تشكل قاعدة انتخابية رئيسة للرئيس بوش والمحافظين الجدد، وذلك من خلال الترويج للفكرة التي تعتبر أن الولايات المتحدة بقيادة الرئيس بوش "القائد المتدين والتقي الورع" تعمل على تطبيق مشيئة الله في الأرض.

لاهاي: العراق نقطة محورية خلال أحداث نهاية العالم

يعتبر تيم لاهاي أحد أبرز الإنجيليين المقربين من الرئيس بوش وقال عنه معهد دراسة الإنجيليين الأميركيين أن لاهاي يعتبر الزعيم الإنجيلي الأكثر تأثيرا في الولايات المتحدة على مدى السنوات الـ25 الأخيرة من القرن العشرين.

ظهر لاهاي مرات عدة على شاشات التلفزيون والبرامج الحوارية الإذاعية للتصريح بأن الحرب سواء في أفغانستان أو العراق ضرورية بالنسبة للمؤمنين. وذهب إلى حد القول خلال العديد من المناسبات إن "العراق يشكل نقطة محورية خلال أحداث نهاية العالم" حيث إن العراق سيلعب دورا أساسيا في معركة هرمجدون التي ستقع في مجدو في فلسطين.

وقال في سلسلة مقالات وتصريحات صحفية بوصفه أكبر خبير ديني في شؤون الحشر ويوم القيامة إنه "بعد غزو العراق وتخليصه من حكم الطاغية وإعتاق شعبه وإعادة إعماره سيصبح العراق الدولة العربية الوحيدة التي لن تدخل في حرب ضد إسرائيل وضد جيش الله خلال الحرب الأخيرة".

روبرستون: صدام وإخراج اليهود من أراضيهم

بناء على رؤية أن العراق يمثل جزءا محوريا من الصراع الهادف إلى تحضير منطقة الشرق الأوسط للحرب الأخيرة، حاول بعض القساوسة الإنجيليين ومن أبرزهم بات روبرتسون وهو مؤسس ورئيس شبكة التلفزيون المسيحية CBN ومؤسس بعض المراكز والجامعات الخاصة بتدريس المسيحية، الربط بين صدام حسين و"نبوخذ نصر"، وهو الملك الكلداني الذي حكم بابل خلال القرن الخامس قبل الميلاد وقام بغزو القدس وأحرق هيكل سليمان وأخرج اليهود من أرضهم وقام بتهجيرهم خلال ما يعرف بالسبي البابلي. وقد نصت عليه التوراة (وثيقة العهد القديم) في رؤية دانييل (إصحاح4:4-18).

وحاول روبرتسون مرات عدة خلال برنامجه الشهير "نادي السبعمائة" تهويل الخطر الذي يشكله صدام حسين على إسرائيل وقال إنه يمثل قوى الشر المعادية للمسيح التي تحاول تقويض قيام الدولة الموعودة "دولة الله في الأرض" التي ستقام لمدة 1000 سنة بعد عودة المسيح وذلك بطبيعة الحال وفقا لمعتقدات المسيحيين الذين يؤمنون بالألفية.

وقبيل الحرب في العراق خصص روبرتسون حيزا واسعا من برنامجه نادي السبعمائة وخطبه لتوضيح أهمية موقع العراق والشرق الأوسط عبر التاريخ وعبر توافد العديد من الإمبراطوريات عليها وكان يُظهر خرائط للعراق مشددا على الإشارة إليه باسمه القديم ومثلما ورد في الإنجيل وهو بلاد الرافدين.

فالويل: إن الله مؤيد للحرب

يعتبر جيري فالويل من أبرز الإنجيليين اليوم في الولايات المتحدة ومن مجموعة القساوسة القلائل المقربين من الرئيس بوش. هو رئيس قساوسة كنيسة طريق توماس المعمدانية في لينش بورغ بولاية فيرجينيا، وهو مؤسس بعثات فالويل المسيحية ومستشار ومؤسس جامعة الحرية الدينية بفيرجينيا أيضا، ولديه برنامج تلفزيوني وآخر إذاعي. وقال مرة تلو الأخرى عقب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول إنه يتعين على الرئيس بوش والقوات الأميركية تعقب أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة وجميع من وصفهم بالإرهابيين في جميع أنحاء العالم مهما استغرق ذلك من وقت وقتلهم باسم الله.

وفي الوقت الذي كانت فيه حكومة الرئيس بوش تدق طبول الحرب التي ستشنها على العراق كان فالويل يشدد خلال عظات يوم الأحد على ضرورة تأييد قرار الحرب لأنها حرب مقدسة، وقال "إننا عندما نشن الحرب في العراق سنقوم بذلك لإعادة المسيح إلى الأرض لكي تقوم الحرب الأخيرة التي ستخلص العالم من جميع الكافرين".

كان يقول فالويل دائما إن الإنجيل ينص على أن الله يوجب على المؤمنين معاقبة الكافرين مستشهدا بسور من الإنجيل. وقد أصدر مقالا مثيرا للجدل أطلق عليه عنون "إن الله مؤيد للحرب" يبرر فيه سبب وضرورة غزو العراق والإطاحة بنظام حكم صدام حسين، وقال إن المسيحيين كانوا يجادلون بشأن قضية شن الحرب ضد قوى الشر منذ عقود طويلة وأضاف أن "الإنجيل لم يلتزم الصمت بشأن هذه القضية"، وأضاف أنه في الوقت الذي نص فيه الإنجيل مرات عدة على ضرورة أن يجنح المرء للسلم نص أيضا على الحرب. وقال "إنه في الوقت الذي يعتبر فيه رافضو الحرب أن السيد المسيح مثال للسلام غير المتناهي، يتجاهلون الرواية بكاملها التي وردت في الرؤية التاسعة عشرة ويظهر فيها المسيح في يده سيف حاد يصعق الأمم ويحكمهم". وأضاف أن الانجيل ينص على أن هناك وقتا للسلم ووقتا للحرب.

لاند: الحرب ‏الاستباقية ضد العراق هي حرب عادلة

القس ريتشارد لاند هو رئيس لجنة الأخلاق والحرية الدينية في مجمع الكنسية المعمدانية الجنوبية التي يبلغ عدد أتباعها أكثر من 16 مليون شخص ولديها أكثر من 42 ألف كنيسة عبر الولايات المتحدة. ويعتبر أيضا من أبرز الزعماء الإنجيليين المقربين من الرئيس بوش والمدافعين الشرسين عن سياساته خلال ظهوره بشكل مستمر على البرامج التلفزيونية على شاشات MSNBC وCNN وABC وCBS وFox News وغيرها ولديه برنامجان إذاعيان يوميان وثالث أسبوعي تذاع جميعها على موجات عدد من الإذاعات المسيحية.

وبالإضافة إلى تسخير جميع تلك البرامج لحشد التأييد لسياسات الرئيس بوش المحافظة، ما يتعلق منها بقضية الإجهاض وزواج المثليين والأبحاث العلمية الخاصة بالخلايا الجذعية، كانت برامج لاند الحوارية بوقا للتسويق لقرار الرئيس بوش شن الحرب في أفغانستان والعراق وحشد التأييد الشعبي لها ومنحها التبريرات الدينية.

خلال العام 2002 وجه لاند رسالة نيابة عن خمسة قساوسة إنجيليين تناقلتها وسائل الإعلام الأميركية بشكل واسع يعتبر فيها أن شن الحرب الاستباقية ضد العراق حرب مشروعة لأنها تتوفر على جميع شروط "الحرب العادلة" المنصوص عليها في الدين المسيحي. وقال في الرسالة "إننا نؤمن بأن سياساتك المعلنة والمتعلقة بصدام حسين هي سياسات حذرة وتندرج في الإطار الزمني النزيهة الذي تنص عليه نظرية الحرب العادلة".

ستانلي: دعم الحرب واجب ديني

قال تشارلز ستانلي القس بالكنسية المعمودية الأولى بأتلانتا خلال إحدى عظات الأحد التي يشاهدها ملايين المشاهدين عبر شاشات التلفزة "يتعين علينا أن نقدم المساعدة في شن هذه الحرب بأي شكل من الأشكال".

وأضاف ستانلي وهو زعيم سابق لمجمع الكنسية المعمدانية الجنوبية "إن الله يقاتل ضد الذين يعارضونه ويقاتلون ضده وضد أتباعه". ليكون بذلك القس ستانلي قد أضفى الشرعية الدينية الكاملة على الحرب ومباركة الله لها، وبالتالي فإن تأييد الحرب التي يقودها بوش هو واجب ديني ومعارضتها هي معصية لمشيئة الله.

جيش الله

مثلما ذكرت أصبحت الفكرة الرئيسة والمحورية التي يرددها القساوسة الإنجيليون خلال عظاة يوم الأحد هي أن الولايات المتحدة بقيادة الرئيس بوش تعمل على تطبيق مشيئة الله في الأرض.

وهذه المسألة لم تقتصر على رجال الدين الإنجيليين وحسب بل رددها العديد من السياسيين سواء بشكل مباشر وواضح أم بشكلي ضمني. ففي أكثر من مرة قال النائب توم ديلي عندما كان يتولى منصب زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب إنه يتعين دعم الحرب ضد العراق لأنها "البشير الذي يسبق عودة المسيح إلى الأرض ويفسح المجال لحدوثها".

فالجنرال بويكن قائد العمليات السرية في الجيش الأميركي ذكر في العديد من التصريحات أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد ما تصفه بالإرهاب هي صراع بين القيم المسيحية اليهودية والشيطان.

وكان الجنرال يويكن يتولى مهمة القضاء على أسامة بن ولادن وصدام حسين وعُين فيما بعد نائبا لوزير الدفاع لشؤون الاستخبارات قال في يونيو/ حزيران 2003 في كلمة بإحدى الكنائس بأوريغان إن "المتطرفين الإسلاميين يكرهوننا لأننا أمة مسيحية، ولأن أساسنا وجذورنا تنبعث من القيم اليهودية المسيحية". وتابع يقول إن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد الإرهاب "هي حرب ضد عدو اسمه الشيطان".

وقال إن الرئيس بوش "تولى منصب الرئاسة في البيت الأبيض لأن الله اختاره لتولي ذلك المنصب". وقال في كلمة بإحدى الكنائس عام 2002 وهو يرتدي الزي العسكري الأميركي "إننا جيش الله، في بيت الله، وقد أقيمت مملكة الله لمثل هذه الأوقات التي نعيشها".   

وفي ختام هذا المقال تجدر الإشارة إلى أن العديد من رجال الدين المسيحيين رفضوا الحرب في العراق وشددوا على أنها حرب غير شرعية كما رفضوا إضفاء طابع الدين أو الشرعية الإنجيلية عليها بمن فيهم البابا يوحنا بولس الثاني وخلفه البابا بنديكت الـ16 وعشرات القساوسة الكاثوليك والبروتستانت والإنجيليين.

الكنيسة البروتستانتية وعلاقتها بالمسيحية الصهيونية

لا يمكننا الحديث عن الصهيونية المسيحية دون التطرق للكنيسة البروتستانتية. ويبدو أن الدارس للأولى لا ينفك يجد نفسه يغوص في تاريخ ظهور الثانية. بعض المصادر التاريخية تؤكد على العلاقة العضوية بين الاثنتين رغم إصرار مصادر أخرى على أن الصهيونية المسيحية سبقت التيار البروتستانتي بقرون وتربطها بحملة تنصير اليهود في الأندلس.

والبروتستانتية إحدى طوائف الدين المسيحي نشأت على يد القس الألماني مارتن لوثر في القرن السادس عشر، أما اصطلاح البروتستانتية فيعني لغويا الاحتجاج والاعتراض.  

         لوثر والثورة على الكاثوليكية

ولد القس مارتن لوثر في مدينة إيسليبن بمقاطعة ساكس الألمانية سنة 1483 لأب فلاح كانت أمنيته أن يدرس ابنه القانون ويصبح قاضيا، لكن مارتن لوثر حصل على الدكتوراه في اللاهوت من جامعة فيتنبرج.

زار لوثر في العام 1510 روما للتبرك بالمقر الرسولي، وكان يتمنى رؤية القديسين والرهبان الزهاد. غير أنه ما إن حل بروما حتى فوجئ بمدى الفساد المنتشر داخل الكنيسة الكاثوليكية حتى على أعلى المستويات.

كانت الكنيسة آنذاك تبيع صكوك غفران الذنوب وصكوك التوبة، بل إن بعض الرهبان كانوا يحددون المدة التي سيقضيها الإنسان المخطئ في النار قبل أن يمنحوه صكوك الغفران التي تعتقه وتسمح له بالمرور إلى الجنة!

وقد أثرت تلك الصور كثيرا في نفسية مارتن لوثر المتحمس فأحس بالغبن وقرر إصلاح الكنيسة وتقويض سلطة البابا.

قام مارتن لوثر بتعليق احتجاج صارخ على باب كنيسة مدينة فيتنبرج في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 1517 تضمن 95 نقطة طالب فيه بإلغاء النظام البابوي لأنه يمنح قدسية كبيرة للبشر قد يسيؤون استعمالها تماما كما كان شائعا في الكنيسة الكاثوليكية آنذاك.

كما رفض لوثر أن يبقى القسيس بلا زواج مدى الحياة، فأقدم على الزواج من الراهبة كاترينا فون بورا وأنجب منها ستة أطفال.

وكانت من بين مطالب لوثر أيضا المساواة بين الإكليروس "رجال اللاهوت المسيحي" والمسيحيين العاديين. غير أن ما سيؤثر على مستقبل الكنيسة الكاثوليكية بشكل عام كان دعوة مارتن لوثر إلى جعل الكتاب المقدس المصدر الوحيد للإيمان تأثرا بنظرية القديس بطرس التي تقول ما معناه أن الإنسان الذي لوثته الخطيئة لا يمكن أن يطهره من تلك الخطيئة سوى الإيمان الذي يتجلى في رحمة الرب وإرادته.

ودعا لوثر إلى إلغاء الوساطة بين المؤمنين والرب بمعنى إقامة علاقة مباشرة بين العبد والمعبود دون المرور عبر البابا أو أي شخص آخر.

وكان أخطر ما حملته مطالب لوثر دعوته للعودة إلى كتاب التوراة العبرانية القديمة وإعادة قراءته بطريقة جديدة بالإضافة إلى اعتماد الطقوس العبرية في الصلاة عوضا عن الطقوس الكاثوليكية المعقدة.

بداية تهويد المسيحية

أرسل مارتن لوثر رسالة إلى البابا ليو العاشر في روما سنة 1520 اتهمه فيها باستعمال الكنيسة الكاثوليكية لتحقيق مصالح شخصية له وللحاشية التي تحيط به، مؤكدا أنه لن يتخلى عن نضاله لتقويض تلك الكنيسة مادام حيا.

فجاء رد فعل الكنيسة الكاثوليكية قاسيا حيث اعتبرت لوثر من الخارجين عن الكنيسة وطردته من الديانة المسيحية واتهمته بالهرطقة، وهي تهمة كانت عقوبتها آنذاك الحرق على الملأ.

لجأ لوثر بعد ذلك إلى العمل السري وعمل على استمالة بعض اليهود الذين كان لهم نفوذ كبير في المجتمع عن طريق التأكيد على أن مذهبه الجديد يعيد الاعتبار لليهود الذين كانوا يعانون من ازدراء الكنيسة الكاثوليكية.

أصدر لوثر كتابه "عيسى ولد يهوديا" سنة 1523 وقال فيه إن اليهود هم أبناء الله وإن المسيحيين هم الغرباء الذين عليهم أن يرضوا بأن يكونوا كالكلاب التي تأكل ما يسقط من فتات من مائدة الأسياد.

ويرى الكثير من الكتاب والمؤرخين أن هذه الفترة تعد الولادة الحقيقية والفعلية للمسيحية اليهودية.

وتقوم المسيحية اليهودية على تفضيل الطقوس العبرية في العبادة على الطقوس الكاثوليكية بالإضافة إلى دراسة اللغة العبرية على أساس أنها كلام الله.

ووصلت محاولة استمالة لوثر لليهود من أجل الدخول في مذهبه حدا قال فيه يوما أمام عدد من اليهود الذين كانوا يناقشونه "إن البابوات والقسيسين وعلماء الدين -ذوي القلوب الفظة- تعاملوا مع اليهود بطريقة جعلت كل من يأمل أن يكون مسيحيا مخلصا يتحول إلى يهودي متطرف وأنا لو كنت يهوديا ورأيت كل هؤلاء الحمقى يقودون ويعلمون المسيحية فسأختار على البديهة أن أكون خنزيرا بدلا من أن أكون مسيحيا".

 

وتشير الكثير من المصادر التاريخية إلى أن رغبة مارتن لوثر الجامحة في إعادة الاعتبار لليهود و"تمسيحهم" كانت تعود لإيمانه العميق بضرورة وجودهم في هذا العالم تمهيدا لعودة المسيح.

واعتبرت دعواته تلك انقلابا على موقف الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تنظر لليهود على أنهم حملة لدم المسيح عيسى بعدما صلبوه.

حيث دأبت الكنيسة الكاثوليكية على تحميل اليهود المسؤولية الكاملة عن مقتل المسيح. وكان بعض المسيحيين في أوروبا يحتفلون بمقتل المسيح عن طريق إحياء طقوس عملية الصلب، بل وكان سكان مدينة تولوز الفرنسية يحرصون على إحضار يهودي إلى الكنيسة أثناء الاحتفال ليتم صفعه من قبل أحد النبلاء بشكل علني إحياء لطقس الضرب الذي تعرض له المسيح من قبل اليهود.

كما أن هناك نصا في إنجيل متى يحمل اليهود مسؤولية مباشرة عن مقتل المسيح ويذكر بالتفصيل كيف غسل بيلاطس الحاكم الروماني للقدس آنذاك يديه بالماء معلنا براءته من دم المسيح الذي كان اليهود على وشك صلبه قبل أن يصيح فيه اليهود قائلين "ليكن دمه علينا وعلى أولادنا".

وهذه العبارة الأخيرة تطبع الاعتقاد المسيحي الكاثوليكي بشكل مرير ظهر جليا في الشعبية الكبيرة التي نالها فيلم "آلام المسيح" للمخرج المسيحي ميل غبسون الذي حصد مئات الملايين من الدولارات عدا حالات الإغماء الكثيرة التي شهدتها قاعات السينما التي عرضت الفيلم في الولايات المتحدة لرجال ونساء مسيحيين لم يستطيعوا تحمل التفاصيل المليئة بالألم التي حفل بها الفيلم.

علاقة الكنيسة البروتستانتية بالصهيونية المسيحية

المسيحية هي ديانة سماوية ورسالة حملها المسيح وتعد أكثر الأديان انتشارا في العالم، حيث يفوق عدد معتنقيها ملياري نسمة. وجذور المسيحية هي الديانة اليهودية التي تتشارك وإياها الإيمان بالتوراة.

والصهيونية اختصارا هي أيديولوجية تؤيد قيام دولة قومية يهودية في فلسطين بوصفها أرض الميعاد لليهود. وصهيون هو اسم جبل في القدس وتقول بعض المصادر إنه اسم من أسماء القدس.

أما الصهيونية المسيحية فهي الدعم المسيحي للفكرة الصهيونية، وهي حركة مسيحية قومية تقول عن نفسها إنها تعمل من أجل عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين وسيادة اليهود على الأرض المقدسة. ويعتبر الصهيونيون المسيحيون أنفسهم مدافعين عن الشعب اليهودي خاصة دولة إسرائيل، ويتضمن هذا الدعم معارضة وفضح كل من ينتقد أو يعادي الدولة العبرية.

 

تقوم فلسفة الصهيونية المسيحية على نظرية الهلاك الحتمي لليهود. وهناك الكثير من الدراسات اللاهوتية في هذا المجال خلاصتها أن هلاك يهود الأرض قدر محتوم وضرورة للخلاص من "إرث الدم" الذي حمله اليهود على أكتافهم بعدما صلبوا المسيح وهم سيتحولون إلى المسيحية بعد عودته ولن يبقى شيء اسمه اليهودية.

ومارتن لوثر الذي تحدثنا عنه أعلاه عمل على تهويد المسيحية عندما أصر على اعتماد التوراة العبرانية بدلا عن كتاب "العهد الجديد". وقد قام عدد من رجال الدين البروتستانت مثل القس الإنجليزي جون نلسون داربي بإعادة قراءة العقائد المسيحية المتعلقة باليهود، ومنحهم مكانة متميزة حتى أصبحت الكنيسة البروتستانتية هي حاملة لواء الصهيونية المسيحية أينما حلت.

وقد حصل انشقاق داخل الكنيسة البروتستانتية نفسها بسبب اليهود. فبينما أعرب بعض البروتستانت الإنجليز عن اعتقادهم بأن اليهود سيعتنقون المسيحية قبل أن تقوم دولتهم في فلسطين، ذهب بعض البروتستانت الأميركيين إلى أن اليهود لن يدخلوا في المسيحية حتى لو قامت إسرائيل وأن عودة المسيح هي الشرط النهائي لخلاصهم وتوبتهم ودخولهم في الدين الذي جاء فيهم أصلا.

وقد تزعم القس نلسون داربي هذا الفريق وينظر إليه على أنه الأب الروحي للمسيحية الصهيونية قبل أن يعمل العشرات من القساوسة على نشر نظريته تلك. ونشر وليم باكستون الذي كان من أشد المتحمسين الأميركيين لأطروحة داربي كتاب "المسيح آت" سنة 1887 وترجم الكتاب إلى عشرات اللغات وركز فيه على حق اليهود التوراتي في فلسطين. وبلاكستون كان وراء جمع 413 توقيعا من شخصيات مرموقة مسيحية ويهودية طالبت بمنح فلسطين لليهود وتم تسليم عريضة التوقيعات للرئيس الأميركي آنذاك بنيامين هاريسون.

أما القس سايروس سكوفيلد فيعتبر من أشد المسيحيين الصهيونيين تشددا وقام بوضع إنجيل سماه "إنجيل سكوفيلد المرجعي" نشره سنة 1917 وينظر إليه اليوم على أنه الحجر الأساس في فكر المسيحية الأصولية المعاصرة.

كتاب "اليهود وأكاذيبهم"

 

تتباين المراجع التاريخية في تقييم ما قام به مارتن لوثر، فهناك من ينظر إليه على أنه ثائر إصلاحي خلص الكنيسة الكاثوليكية من الكثير من الأساطير اللاهوتية التي أفسدتها، وهناك من يرى أنه أفسد العقيدة المسيحية بمنحه اليهود مكانة رفيعة جعلتهم يستعملون المذهب البروتستانتي لتحقيق أهدافهم الخاصة، غير أن الكثير من المصادر تتجاهل حقيقة عودة مارتن لوثر عن الكثير من مواقفه وآرائه خاصة تلك المتعلقة منها باليهود.

وقد كتب مارتن لوثر في آخر أيامه كتاب "اليهود وأكاذيبهم" أعرب فيه عن خيبة أمله من اليهود وأقر بالفشل في استقطابهم لعقيدته الجديدة. كما أقر في شبه استسلام تلقفه اليهود قبل غيرهم بأن دخول اليهود في الدين المسيحي لن يتم إلا عبر عودتهم لأرض فلسطين وعودة المسيح الذي سيسجدون له ويعلنون دخولهم في الدين المسيحي حتى يعم السلام العالم.

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba