ريشة قلم
24 كانون اول, 2009
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا يخبر تعالى عن محمد صلوات الله عليه أنه رسوله حقاً بلا شك ولا ريب فقال مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وهذا مبتدأ وخبر وهو مشتمل على كل وصف جميل ثم ثنى بالثناء على أصحابه فقال وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ كما قال تعالى فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديداً عنيفًا على الكفار رحيماً برًا بالأخيار غضوبًا عبوسًا في وجه الكافر ضحوكاً بشوشًا في وجه أخيه المؤمن كما قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمَّى والسَّهر وقال المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه كلا الحديثين في الصحيح وقوله تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة وهي خير الأعمال ووصفهم بالإخلاص فيها لله عز وجل والاحتساب عند الله جزيل الثواب وهو الجنة المشتملة على فضل الله وهو سعة الرزق عليهم ورضاه تعالى عنهم وهو أكبر من الأول كما قال وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ وقوله سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ يعني السمت الحسن يعني الخشوع والتواضع وقال ابن أبي حاتم عن مجاهد سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قال الخشوع قلت ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه فقال ربما كان بين عيني من هو أقسى قلباً من فرعون وقال السدي الصلاة تحسن وجوههم وقال بعض السلف من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وقال بعضهم إن للحسنة نوراً في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس وقال أمير المؤمنين عثمان ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صَفَحَات وجهه وفَلتَات لسانه والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله أصلح الله ظاهره للناس كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال من أصلح سريرته أصلح الله علانيته قال الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائناً ما كان فالصحابة رضي الله عنهم خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم وقال مالك رحمه الله بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا وصدقوا في ذلك وقد نوه الله بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة ولهذا قال هاهنا ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ثُمَّ قَالَ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ أَخْرَجَ شَطْأَهُ أي فراخه فَآزَرَهُ شده فَاسْتَغْلَظَ أي شب وطال فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ أي فكذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمه الله في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة قال لأنهم يغيظونهم ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية ووافقه طائفة من العلماء على ذلك والأحاديث في فضائل الصحابة والنهي عن التعرض لهم بمساءة كثيرة ويكفيهم ثناء الله عليهم ورضاه عنهم ثم قال وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ من هذه لبيان الجنس مَغْفِرَةً أي لذنوبهم وَأَجْرًا عَظِيمًا أي ثواباً جزيلاً ورزقاً كريماً ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدل وكل من اقتفى أثر الصحابة فهو في حكمهم ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم وقد فعل قال مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه