ريشة قلم

ريشة قلم

« | »

قصة آدم عليه السلام 1

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ يخبر الله تعالى بامتنانه على بني آدم بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم فقال تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ أي و اذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً أي قوماً يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل كما قال تعالى وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ وقال وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ وقال وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ وقال فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ والظاهر أنه لم يرد آدم عينًا إذ لو كان كذلك لما حسن قول الملائكة أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ فإنهم إنما أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص أو بما فهموه من الطبيعة البشرية فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صَلْصَال من حمإ مسنون أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ويقع بينهم من المظالم ويرد عنهم المحارم و المآثم أو أنهم قاسوهم على من سبق وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله ولا على وجه الحسد لبني آدم كما قد يتوهمه بعض المفسرين وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول أي لا يسألونه شيئاً لم يأذن لهم فيه وهاهنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًاً وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك يقولون يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك أي نصلي لك كما سيأتي أي ولا يصدر منا شيء من ذلك وهلَّا وقع الاقتصار علينا قال الله تعالى مجيباً لهم عن هذا السؤال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ أي إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم فإني سأجعل فيهم الأنبياء وأرسل فيهم الرسل و يوجد فيهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء العاملون والخاشعون والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم وقد ثبت في الصحيح أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده سألهم وهو أعلم كيف تركتم عبادي فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون وذلك لأنهم يتعاقبون فينا ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال كما قال عليه السلام يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل فقولهم أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ وقيل معنى قوله جوابًا لهم إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ أن لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها وقيل إنه جواب لقولهم وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ فقال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ أي من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به وقيل بل تضمن قولهم أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم فقال الله تعالى لهم إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم دُحِيت الأرض من مكة و أول من طاف بالبيت الملائكة فقال الله إني جاعل في الأرض خليفة يعني مكة وهذا مرسل و المراد بالأرض مكة و الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك قال تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قالوا ربنا وما يكون ذلك الخليفة قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً مني يخلفني في الحكم بين خلقي وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه عن ابن عباس قال أول من سكن الأرض الجنُّ فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء وقتل بعضهم بعضاً قال فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال فلما فعل إبليس ذلك اغتَرّ في نفسه فقال قد صنعت شيئاً لم يصنعه أحد قال فاطلع الله على ذلك من قلبه ولم يطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه فقال الله تعالى للملائكة الذين معه إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً فقالت الملائكة مجيبين له أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ كما أفسدت الجن وسفكت الدماء وإنما بعثتنا عليهم لذلك فقال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ يقول إني قد اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره فبعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض إني أعوذ بالله منك أن تَقْبض مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ وقال رب مني عاذت بك فأعذتُها فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها فرجع فقال كما قال جبريل فبعث مَلَك الموت فعاذت منه فقال وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره فأخذ من وجه الأرض وخَلَطَ ولم يأخذ من مكان واحد وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين فَصعِد به فَبَلَّ التراب حتى عاد طيناً لازباً واللازب هو الذي يلتزق بعضه ببعض ثم قال للملائكة إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه ليقول له تتكبر عما عملت بيدي ولم أتكبر أنا عنه فخلقه بشراً فكان جسداً من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم فزعاً منه إبليس فأخذ يدخل في فيه ويخرج من دبره ويدخل من دبره ويخرج من فيه ثم يقول لست شيئاً للصلصلة ولشيء ما خلقت ولئن سُلِّطْتُ عليك لأهلكنك ولئن سُلِّطْتُ علي لأعْصيَنَّك قال فلما نفخ الله فيه من روحه أتت النفخة من قبل رأسه فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودمًا فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فلما انتهت النفخة إلى سُرَّته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده فذهب لينهض فلم يقدر فهو قول الله تعالى وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولاً قال ضجر لا صبر له على سراء ولا ضراء قال فلما تمت النفخة في جسده عطس فقال الحمد لله رب العالمين بإلهام الله فقال الله له يرحمك الله يا آدم قال ثم قال الله تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السماوات اسجدوا لآدم فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار فقال لا أسجد له وأنا خير منه وأكبر سناً وأقوى خلقاً خلقتني من نار وخلقته من طين يقول إن النار أقوى من الطين قال فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله أي آيسه من الخير كله وجعله شيطاناً رجيماً عُقُوبة لمعصيته ثم خلق آدم وأسكنه إياها  فلذلك قال إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة ما الله خالق خلقاً أكرم عليه منا ولا أعلم منا فابتلوا بخلق آدم وكل خلق مبتلى كما ابتليت السماوات والأرض بالطاعة فقال اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ من تفسير قوله إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ وقيل معنى قوله جوابًا لهم إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ أن لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها وقيل إنه جواب لقولهم وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة بما اختصه به من عِلم أسماء كلّ شيء دونهم وهذا كان بعد سجودهم له عن ابن عباس وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا قال عرض عليه أسماء ولده إنسانًاً إنسانًاً والدواب فقيل هذا الحمار هذا الجمل هذا الفرس وقال الضحاك عن ابن عباس وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا قال هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودابة وسماء وأرض وسهل وبحر وجمل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ يعني المسميات ثم عرض تلك الأسماء أو عرض الخَلْق أو عرض أصحاب الأسماء على الملائكة فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ عن الحسن وقتادة في قوله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ إني لم أخلق خلقًاً إلا كنتم أعلم منه فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ هذا تقديس وتنزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء وأن يعلموا شيئاً إلا ما علمهم الله تعالى ولهذا قالوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ أي العليم بكل شيء الحكيم في خلقك وأمرك وفي تعليمك من تشاء ومنعك من تشاء لك الحكمة في ذلك والعدل التام قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قال زيد بن أسلم قال أنت جبريل أنت ميكائيل أنت إسرافيل حتى عدد الأسماء كلها حتى بلغ الغراب فلما ظهر فضل آدم عليه السلام على الملائكة عليهم السلام في سرده ما علمه الله تعالى من أسماء الأشياء قال الله تعالى للملائكة أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أي ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وأعلم مع علمي غيب السماوات والأرض ما تظهرونه بألسنتكم وما كنتم تخفون في أنفسكم فلا يخفى عَلَيَّ شيء سواء عندي سرائركم وعلانيتكم والذي أظهروه بألسنتهم قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها والذي كانوا يكتمون ما كان عليه منطوياً إبليس من الخلاف على الله في أوامره والتكبر عن طاعته فأعلم السر كما أعلم العلانية يعني ما كَتَم إبليس في نفسه من الكِبْر والاغترار

تعليقات

 
A service provided by Al Bawaba