ريشة قلم

ريشة قلم

قصة صالح عليه السلام 1

الله أكبر يقول تعالى وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ 74 قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ 75 قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ 76 فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ77 فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جَديس بن عاثر و كذلك قبيلة طَسْم كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل عليه السلام و كانت ثمود بعد عاد و مساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز و الشام إلى وادي القرى و ما حوله و قد مر رسول الله صلى الله عليه و سلم على قراهم و مساكنهم و هو ذاهب إلى تبوك سنة تسع لما نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم بالناس على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستسقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها و نصبوا منها القدور فأمرهم النبي صلى الله عليه و سلم فأهرقوا القدور و علفوا العجينَ الإبلَ ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة و نهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا و قال إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو بالحجر لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثلُ ما أصابهم و لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس "الصلاة جامعة قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو ممسك بعيره و هو يقول "ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم فناداه رجل منهم نعجبُ منهم يا رسول الله قال "أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم و بما هو كائن بعدكم فاستقيموا و سَدِّدوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا و سيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا عن جابر قال لما مر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحجر قال "لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت يعني الناقة ترد من هذا الفَجّ و تَصْدُر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها و كانت تشرب ماءهم يوماً و يشربون لبنها يوماً فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله مَنْ تحت أديم السماء منهم إلا رجلاً واحدًا كان في حرم الله فقالوا من هو يا رسول الله قال "أبو رِغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أي و لقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحاً  قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ جميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ و قال تعالى وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وقوله  قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً أي قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به و كانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية و اقترحوا عليه أن تخرج لهم من صخرة صمَاء عَيّنوها بأنفسهم و هي صخرة منفردة في ناحية الحِجْر يقال لها الكَاتبة فطلبوا منه أن يخرج لهم منها ناقة عُشَراء تَمْخَضُ فأخذ عليهم صالح العهود و المواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم و أجابهم إلى طُلْبتهم ليؤمنن به و ليتبعنه فلما أعطوه على ذلك عهودهم و مواثيقهم قام صالح عليه السلام إلى صلاته و دعا الله عز و جل فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جَوْفاء وَبْرَاء يتحرك جنينها بين جنبيها كما سألوا فعند ذلك آمن رئيس القوم و هو "جُندَع بن عمرو و من كان معه على أمره و أراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدهم ذُؤاب بن عمرو بن لبيد و الحباب صاحب أوثانهم و رباب بن صمعر بن جلهس و كان ل جندع بن عمرو ابن عم يقال له شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن حراس  و كان من أشراف ثمود و أفاضلها فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط فأطاعهم فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوس بن عنمة بن الدميل رحمه الله

و كانت عُصْبةٌ من آل عَمْرو

إلى دين النبيّ دَعَوا شِهَابا

عَزيزَ ثَمُودَ كُلَّهمُ جميعا

فَهَمّ بأن يُجِيبَ فلو أجابا

لأصبحَ صالحٌ فينا عَزيزًا

و ما عَدَلوا بصاحبهم ذُؤابا

و لكنّ الغُوَاة من آل حُجْرٍ

تَوَلَّوْا بعد رُشْدهم ذئابا

قصة صالح عليه السلام 2

قال تعالى وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا فأقامت الناقة و فصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب ماء بئرها يوماً و تدعه لهم يوماً و كانوا يشربون لبنها يوم شربها يحتلبونها فيملئون ما شاءوا من أوعيتهم و أوانيهم كما قال في الآية الأخرى وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ و قال تعالى هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ و كانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فَجّ و تصدر من غيره ليسعها لأنها كانت تتضلَّع عن الماء و كانت على ما ذكر خَلْقًا هائلاً و منظرًا رائعًا إذا مرت بأنعامهم نفرت منها فلما طال عليهم واشتد تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم فيقال إنهم اتفقوا كلهم على قتلها قال قتادة بلغني أن الذي قتل الناقة طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن و على الصبيان أيضاً و هذا هو الظاهر لأن الله تعالى يقول فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا و قال وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا و قال فَعَقَرُوا النَّاقَةَ فأسند ذلك على مجموع القبيلة فدل على رضا جميعهم بذلك و الله أعلم و عن سبب قتل الناقة أن امرأة منهم يقال لها عنيزة ابنة غنم بن مِجْلِز و تكنى بأم غَنَمْ كانت عجوزا كافرة و كانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام و كانت لها بنات حسان و مال جزيل و كان زوجها ذُؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود و امرأة أخرى يقال لها صدوف بنت المحيا بن دهر بن المحيا ذات حسب و مال و جمال و كانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة فدعت صدوف و هو رجلاً يقال له الحباب و عرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة فأبى عليها فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا فأجابها إلى ذلك و دعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف بن جُنْدَع و كان رجلاً أحمر أزرق قصيرًا يزعمون أنه كان ولد زَنية و أنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه و هو سالف و إنما هو من رجل يقال له صهياد و لكن ولد على فراش سالف و قالت له أعطيك أي بناتي شئتَ على أن تعقر الناقة فعند ذلك انطلق قدار بن سالف و مصدع بن مهرج فاستفزا غُواة من ثمود فاتبعهما سبعة نفر فصاروا تسعة رهط و هم الذين قال الله تعالى وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ و كانوا رؤساء في قومهم فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها فطاوعتهم على ذلك فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء و قد كمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها و كمن لها مصدع في أصل أخرى فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضَلَة ساقها و خرجت أم غَنَمْ عنيزة و أمرت ابنتها و كانت من أحسن الناس وجهاً فسفرت عن وجهها لقدار و ذمّرته فشدّ على الناقة بالسيف فكسفَ عرقوبها فخرت ساقطة إلى الأرض و رغت رَغاة واحدة تحذر سَقْبَها ثم طعن في لَبَّتها فنحرها و انطلق سَقْبَها و هو فصيلها حتى أتى جبلاً منيعًا فصعد أعلى صخرة فيه و رغا يا رب أين أمي و يقال إنه رغا ثلاث مرات و إنه دخل في صخرة فغاب فيها و يقال بل اتبعوه فعقروه مع أمه فالله أعلم فلما فعلوا ذلك و فرغوا من عقر الناقة بلغ الخبر صالحاً عليه السلام فجاءهم و هم مجتمعون فلما رأى الناقة بكى و قال تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ و كان قتلهم الناقة يوم الأربعاء فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح عليه السلام و قالوا إن كان صادقًا عَجَّلناه قبلنا و إن كان كاذبًا ألحقناه بناقته قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا فلما عزموا على ذلك و تواطؤوا عليه و جاءوا من الليل ليفتكوا بنبي الله صالح أرسل الله سبحانه و تعالى و له العزة و لرسوله عليهم حجارة فرضَختهم سلفاً و تعجيلاً قبل قومهم و أصبح ثمود يوم الخميس و هو اليوم الأول من أيام النَّظرة و وجوههم مصفرة كما وعدهم صالح عليه السلام و أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل و هو يوم الجمعة و وجوههم محمرة و أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع و هو يوم السبت و وجوههم مسودة فلما أصبحوا من يوم الأحد و قد تحَنَّطوا و قعدوا ينتظرون نقمة الله و عذابه عياذا بالله من ذلك لا يدرون ماذا يفعل بهم ولا كيف يأتيهم العذاب و قد أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء و رَجْفة شديدة من أسفل منهم ففاضت الأرواح و زهقت النفوس في ساعة واحدة فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ أي صرعى لا أرواح فيهم و لم يفلت منهم أحد لا صغير ولا كبير لا ذكر ولا أنثى قالوا إلا جارية كانت مقعدة و اسمها كلبة بنة السّلْق و يقال لها الزريقة و كانت كافرة شديدة العداوة لصالح عليه السلام فلما رأت ما رأت من العذاب أُطلِقَت رجلاها فقامت تسعى كأسرع شيء فأتت حيا من الأحياء فأخبرتهم بما رأت و ما حل بقومها ثم استسقتهم من الماء فلما شربت ماتت و لم يبق من ذرية ثمود أحد سوى صالح عليه السلام و من اتبعه رضي الله عنهم إلا أن رجلاً يقال له أبو رِغال كان لما وقعت النقمة بقومه مقيماً في الحرم فلم يصبه شيء فلما خرج في بعض الأيام إلى الحلّ جاءه حجر من السماء فقتله و قد تقدم في أول القصة حديث جابر بن عبد الله في ذلك و ذكروا أن أبا رغال هذا هو والد ثقيف الذين كانوا يسكنون الطائف أن النبي صلى الله عليه و سلم مر بقبر أبي رغال فقال أتدرون من هذا فقالوا الله و رسوله أعلم قال هذا قبر أبي رغال رجل من ثمود كان في حرم الله فمنعه حرمُ الله عذاب الله فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن هاهنا و دفن معه غصن من ذهب فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم فبحثوا عنه فاستخرجوا الغصن فأبو رغال هو أبو ثقيف قال عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر فقال هذا قبر أبي رغال و هو أبو ثقيف و كان من ثمود و كان بهذا الحرم فدفع عنه فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه و آية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشم عنه أصبتموه معه فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن قال الله تعالى فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ هذا تقريع من صالح عليه السلام لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه و تمردهم على الله وإبائهم عن قبول الحق و إعراضهم عن الهدى إلى العَمى قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعا و توبيخا و هم يسمعون ذلك كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما ظهر على أهل بدر أقام هناك ثلاثًا ثم أمر براحلته فشُدّت بعد ثلاث من آخر الليل فركبها ثم سار حتى وقف على القليب قليب بدر فجعل يقول يا أبا جهل بن هشام يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة و يا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً فقال له عمر يا رسول الله ما تُكَلّم من أقوام قد جيفوا فقال و الذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم و لكن لا يجيبون و في السيرة أنه عليه السلام قال لهم بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني و صدقني الناس و أخرجتموني و آواني الناس و قاتلتموني و نصرني الناس فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم و هكذا صالح عليه السلام قال لقومه لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ أي فلم تنتفعوا بذلك لأنكم لا تحبون الحق ولا تتبعون ناصحاً و لهذا قال وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ و كل نبي هلكت أمته كان يذهب فيقيم في الحرم حرم مكة فالله أعلم و عن ابن عباس قال لما مر رسول الله صلى الله عليه و سلم بوادي عُسْفان حين حَجّ قال يا أبا بكر أيّ وادي هذا  قال هذا وادي عُسْفَان قال لقد مر به هود و صالح عليهما السلام على بَكَرات حُمْر خُطُمها الليف أزُرُهم العبَاء و أرديتهم النّمار يلبون يحجون البيت العتيق و قد ذُكِر أن قوم صالح عليه السلام كانت أعمارهم طويلة فكانوا يبنون البيوت من المدر فتخرب قبل موت الواحد منهم فنحتوا لهم بيوتاً في الجبال

قصة هود عليه السلام 1

وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ65قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ66قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ67أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ68أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يقول تعالى وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحًا كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هودًا هم من ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح قلت وهؤلاء هم عاد الأولى الذين ذكرهم الله تعالى وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى العَمَد في البر كما قال تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ وذلك لشدة بأسهم وقوتهم كما قال تعالى فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف وهي جبال الرمل وقد كان من أشرف قومه نسباً لأن الرسل صلوات الله عليهم إنما يبعثهم الله من أفضل القبائل وأشرفهم ولكن كان قومه كما شُدّد خلقهم شُدِّد على قلوبهم وكانوا من أشد الأمم تكذيباً للحق ولهذا دعاهم هود عليه السلام إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى طاعته وتقواه قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ والملأ هم الجمهور والسادة والقادة منهم إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ أي في ضلالة حيث دعوتنا إلى ترك عبادة الأصنام والإقبال إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما تعجب الملأ من قريش من الدعوة إلى إله واحد فقالوا أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ليست كما تزعمون بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء فهو رب كل شيء ومليكه أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل البلاغة والنصح والأمانة أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ أي لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولا من أنفسكم لينذركم أيام الله ولقاءه بل احمدوا الله على ذاكم وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ أي واذكروا نعمة الله عليكم إذ جعلكم من ذرية نوح الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته لما خالفوه وكذبوه وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً أي زاد طولكم على الناس بسطة أي جعلكم أطول من أبناء جنسكم كما قال تعالى في قصة طالوت وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ أي نعمه ومنَنه عليكم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وألاء جمع ألى وقيل إلى قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ70قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ71فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ يقول تعالى مخبرا عن تمردهم وطغيانهم وعنادهم وإنكارهم على هود عليه السلام قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ كما قال الكفار من قريش وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ و قد كانوا يعبدون أصناما فصنم يقال له صُدَاء وآخر يقال له صمُود وآخر يقال له الهباء ولهذا قال هود عليه السلام قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أي قد وجب عليكم بمقالتكم هذه من ربكم رجس وغضب قيل هو مقلوب من رجز وعن ابن عباس معناه السخَط والغضب

قصة هود عليه السلام 2

يقول الله تعالى أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ أي أتحاجوني في هذه الأصنام التي سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة وهي لا تضر ولا تنفع ولا جعل الله لكم على عبادتها حجة ولا دليلاً ولهذا قال مَا نزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ وهذا تهديد ووعيد من الرسول لقومه ولهذا عقب بقوله فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ وقد ذكر الله سبحانه صفة إهلاكهم في أماكن أخر من القرآن بأنه أرسل عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم كما قال في الآية الأخرى وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ*سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ*فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ لما تمردوا وعتوا أهلكهم الله بريح عاتية فكانت تحمل الرجل منهم فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أمّ رأسه فتثلغُ رأسه حتى تُبينه من بين جثته ولهذا قال كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ كانوا يسكنون باليمن من عمان وحضرموت وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله فبعث الله إليهم هودًا عليه السلام وهو من أوسطهم نسباً وأفضلهم موضعًا فأمرهم أن يوحدوا الله ولا يجعلوا معه إلها غيره وأن يكفوا عن ظلم الناس فأبوا عليه وكذبوه وقالوا من أشد منا قوة واتبعه منهم ناس وهم يسير مكتتمون بإيمانهم فلما عتت عاد على الله وكذبوا نبيه وأكثروا في الأرض الفساد وتجبروا وبنوا بكل ريع آية عبثاً بغير نفع كلمهم هود فقال أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ*وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ*وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ*فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَاعَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ أي بجنون قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ*مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ*إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فلما أبوا إلا الكفر به أمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين فيما يزعمون حتى جهدهم ذلك قال وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان فطلبوا من الله الفرج فيه إنما يطلبونه بحُرْمة ومكان بيته وكان معروفاً عند المِلَل وبه العماليق مقيمون وهم من سلالة عمليق بن لاوَذَ بن سام بن نوح وكان سيدهم إذ ذاك رجلاً يقال له معاوية بن بكر وكانت له أم من قوم عاد واسمها كلهدة ابنة الخيبري قال فبعثت عاد وفدًا قريباً من سبعين رجلاً إلى الحرم ليستسقوا لهم عند الحرم فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية وكانوا قد وصلوا إليه في شهر فلما طال مقامهم عنده وأخذته شفقة على قومه واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف عمل شعراً يعرض لهم بالانصراف وأمر القينتين أن تغنياهم به فقال

ألا يا قيل ويحك قُْم فَهَيْنم

لعلّ الله يُصْبحُنَا غَمَاما
فَيَسْقي أرضَ عادٍ إنّ عادًا

قَد امْسَوا لا يُبِينُونَ الكَلاما
من العطش الشديد فليس نَرجُو

به الشيخَ الكبيرَ ولا الغُلاما
وَقَْد كانَت نساؤهُم بخيرٍ

فقد أمست نِسَاؤهم عَيَامى
وإنّ الوحشَ تأتيهمْ جِهارا

ولا تَخْشَى لعاديَ سِهَاما
وأنتم هاهُنَا فيما اشتَهَيْتُمْ

نهارَكُمُ وَلَيْلَكُمُ التماما
فقُبّحَ وَفُْدكم من وَفْدِ قَوْمٍ

ولا لُقُّوا التحيَّةَ والسَّلاما

قال فعند ذلك تنبه القوم لما جاءوا له فنهضوا إلى الحرم ودعوا لقومهم فدعا داعيهم وهو قيل بن عنز فأنشأ الله سحابات ثلاثاً بيضاء وسوداء وحمراء ثم ناداه مناد من السماء اختر لنفسك أو لقومك من هذا السحاب فقال اخترت هذه السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء فناداه مناد اخترت رَماداً رِمْدَدًا لا تبقي من عاد أحداً لا والدًا تترك ولا ولداً إلا جعلته هَمداً إلا بني اللّوذيّة المهندًا قال وبنو اللوذية بطن من عاد مقيمون بمكة فلم يصبهم ما أصاب قومهم قال وهم من بقي من أنسالهم و ذراريهم عاد الآخرة قال وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التي اختارها قيل بن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد حتى تخرج عليهم من واد يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا قالوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا

قصة هود عليه السلام 3

يقول تعالى بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ*تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا أي تهلك كل شيء مَرّت به فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون امرأة من عاد يقال لها مَهْدد فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صُعِقت فلما أفاقت قالوا ما رأيت يا مَهْدد قالت ريحاً فيها شُهُب النار أمامها رجال يقودونها فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً كما قال الله و الحسوم الدائمة فلم تدع من عاد أحدًا إلا هلك واعتزل هُود عليه السلام فيما ذكر لي ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه ومن معه إلا ما تلين عليه الجلود وتلْتذ الأنفس وإنها لتمر على عاد بالطعن ما بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة وقد قال الله تعالى وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ قال الإمام أحمد عن الحارث البكري قال خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقالت لي يا عبد الله إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة فهل أنت مبلغي إليه قال فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله وإذا راية سوداء تخفق وإذا بلال متقلد بسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما شأن الناس فقالوا يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهاً قال فجلست فدخل منزله أو قال رحله فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت فسلمت قال هل بينكم وبين تميم شيء قلت نعم وكانت لنا الدّبَرة عليهم ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب فأذن لها فدخلت فقلت يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزًا فاجعل الدهناء فحميت العجوز و استوفزت فقالت يا رسول الله فإلى أين يضطر مُضطَرُك قال قلت إن مثلي مثل ما قال الأول معْزَى حَمَلت حتفها حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصماً أعوذ بالله وبرسوله أن أكون كوافد عاد قال هيه وما وافد عاد وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه قلت إن عادا قُحطوا فبعثوا وافدًا لهم يقال له قيل فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مَهْرة فقال اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير فأفاديه اللهم اسق عادًا ما كنت تسقيه فمرت به سحابات سُودُ فنودي منها اختر فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها خذها رماداً رِمْدِداً لا تبقي من عاد أحدا" قال فما بلغني أنه بُعث عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا قال أبو وائل وصدق قال وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا لا تكن كوافد عاد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم مستجمعاً ضاحكاً قط حتى أرى منه لهوانه إنَّما كان يبتسم و قالت كان إذا رأى غيمة أو ريحاً عُرِف ذلك في وجهه قالت يا رسول الله إن الناس إذا رأُوا الغيم فرِحوا رجاء أن يكون فيه المطر و أراك إذا رأيته عُرِف في وجهك الكراهية فقال يا عائشة ما يُؤمنني أن يكون فيه عذاب قد عذب قوم عاد بالريح و قد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا أي سحاب و عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا عصفت الريح قال اللهم إني أسألك خيرها و خير ما فيها و خير ما أُرسِلت به و أعوذ بك من شرها و شر ما فيها و شر ما أُرسلت به قال إذا غَمِيت السماء تغير لونه و خرج و دخل و أقبل و أدبر فإذا أمطرت سرى عنه فعرفت ذلك عائشة فسألته فقال يا عائشة كما قال قوم عاد فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا

قصة نوح عليه السلام 1

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ 59 قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ60قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ61 أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ لما ذكر تعالى قصة آدم في أول سورة الأعراف وما يتعلق بذلك وما يتصل به وفرغ منه شرع تعالى في ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام الأول فالأولَ فابتدأ بذكر نوح عليه السلام فإنه أول رسول إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام وهو نوح بن لامك بن متوشلح بن خَنُوخ وهو إدريس النبي عليه السلام فيما يزعمون وهو أول من خط بالقلم ابن برد بن مهليل بن قنين بن يانش بن شيث بن آدم عليه السلام قال محمد بن إسحاق ولم يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبي قتل وقال يزيد الرقاشي إنما سمّي نوحًا لكثرة ما ناح على نفسه وقد كان بين آدم إلى زمن نوح عليهما السلام عشرة قرون كلهم على الإسلام قال عبد الله بن عباس وكان أول ما عبدت الأصنام أن قومًا صالحين ماتوا فبنى قومهم عليهم مساجدَ وصوروا صور أولئك فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم فلما طال الزمان جعلوا تلك الصور أجسادًا على تلك الصور فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين ودًا و سواعًا و يَغُوث وَيَعُوق ونسرًا فلما تفاقم الأمر بعث الله سبحانه وتعالى وله الحمد والمنة رسوله نوحاً يأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له فقال يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي من عذاب يوم القيامة إنْ  لقيتم الله وأنتم مشركون به قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ أي الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة وقالوا لا تذرن آلهتكم أي لا تتركوا عبادة آلهتكم وهي الأصنام والصور التي كانت لهم ثم عبدتها العرب من بعدهم وبهذا قال الجمهور ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا أي لا تتركوا عبادة هذه و هي أسماء القوم الصالحين كانوا بين آدم ونوح فنشأ بعدهم قوم يقتدون بهم في العبادة فقال لهم إبليس لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأسوق إلى العبادة ففعلوا ثم نشأ قوم من بعدهم فقال لهم إبليس إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فاعبدوهم فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك الوقت وسميت هذه الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صورة أولئك القوم فكانت أسماء لأولاد آدم وكان ود أكبرهم و أول صنم معبود سمى ودا لودهم له وكان بعد قوم نوح لكلب بدومة الجندل وأما سواع فكان لهذيل بساحل البحر وأما يغوث فكان لغطيف من مراد بالجرف من سبأ وأما يعوق فكان لهمدان وأما نسر فكان لذي الكلاع من حمير قال تعالى وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ وقال تعالى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أي ما أنا ضال ولكن أنا رسول من رب كل شيء ومليكه أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ وهذا شأن الرسول أن يكون بليغاً فصيحاً ناصحاً بالله لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعاً أيها الناس إنكم مسئولون عني فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكتُها عليهم ويقول اللهم اشهد اللهم اشهد أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 63 فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ يقول تعالى إخبارًا عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي لا تعجبوا من هذا فإن هذا ليس يعجَب أن يوحي الله إلى رجل منكم رحمة بكم ولطفاً وإحساناً إليكم لإنذركم ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ و في سورة نوح قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً أي قال نوح منادياً لربه وحاكيا له ما جرى بينه وبين قومه وهو أعلم به منه إني دعوت قومي إلى ما أمرتني بأن أدعوهم إليه من الإيمان دعاء دائماً في الليل والنهار من غير تقصير فلم يزدهم دعائي إلا فراراً عما دعوتهم إليه وبعداً عنه وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم أي كلما دعوتهم إلى سبب المغفرة وهو الإيمان بك والطاعة لك جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا صوتي و استغشوا ثيابهم أي غطوا بها وجوههم لئلا يروني وقيل جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامي فيكون استغشاء الثياب على هذا زيادة في سد الآذان وقيل هو كناية عن العداوة وأصروا أي استمروا على الكفر ولم يقلعوا عنه ولا تابوا عنه واستكبروا عن قبول الحق وعن امتثال ما أمرهم به استكباراً شديداً ثم إني دعوتهم جهاراً أي مظهراً لهم الدعوة مجاهراً لهم بها ثم إني أعلنت لهم أي دعوتهم معلناً لهم بالدعاء وأسررت لهم إسراراً أي وأسررت لهم الدعوة إسراراً كثيراً قيل المعنى أن يدعو الرجل بعد الرجل يكلمه سراً فيما بينه وبينه والمقصود أنه دعاهم على وجوه متخالفة أساليب متفاوتة فلم ينجع ذلك فيهم و معنى أعلنت صحت و معنى أسررت أتيتهم في منازلهم فدعوتهم فيها فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا أي سلوه المغفرة من ذنوبكم السابقة بإخلاص النية إنه كان غفارا أي كثير المغفرة للمذنبين وقيل معنى استغفروا توبوا عن الكفر إنه كان غفارا للتائبين يرسل السماء عليكم مدرارا أي يرسل ماء السماء عليكم ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات يعنى بساتين ويجعل لكم أنهارا جارية قال عطاء المعنى يكثر أموالكم وأولادكم أعلمهم نوح عليه السلام أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في الدنيا ما لكم لا ترجون لله وقارا أي أي عذراً لكم في ترك الرجاء والرجاء هنا بمعنى الخوف أي ما لكم لا تخافون الله والوقار العظمة من التوقير وهو التعظيم والمعنى لا تخافون حق عظمته فتوحدونه وتطيعونه وقد خلقكم أطوارا أنه سبحانه قد خلقكم على أطوار مختلفة نطفة ثم مضغة ثم علقة إلى تمام الخلق صبياناً ثم شباناً ثم شيوخاً على اختلافهم في الأفعال والأقوال والأخلاق والمعنى كيف تقصرون في توقير من خلقكم على هذه الأطوار البديعة قال الله تعالى فَكَذَّبُوهُ أي فتمادوا على تكذيبه ومخالفته وما آمن معه منهم إلا قليل فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وهي السفينة كما قال فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كما قال مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا وقوله إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ أي عن الحق لا يبصرونه ولا يهتدون له فبين تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه وأنجى رسوله والمؤمنين وأهلك أعداءهم من الكافرين مما خطيئاتهم أغرقوا أي من أجلها وبسببها أغرقوا بالطوفان فأدخلوا ناراً

قصة نوح عليه السلام 2

قال تعالى إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ*يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ وهذه سنة الله في عباده في الدنيا والآخرة أن العاقبة للمتقين والظفر والغلب لهم وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً قال نوح رب إنهم عصوني لما آيس عليه السلام من إيمانهم وإقلاعهم عن الكفر دعا عليهم بالهلاك قال قتادة دعا عليهم بعد أن أوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فأجاب الله دعوته و أهلك قوم نوح عليه السلام بالغرق حين أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم وأعقم أرحام النساء وأصلاب الآباء قبل العذاب بسبعين سنة وقيل بأربعين قال قتادة لم يكن فيهم صبي وقت العذاب وقال الحسن وأبو العالية لو اهلك الله أطفالهم معهم كان عذاباً من الله لهم وعدلاً فيهم ولكن أهلك ذريتهم وأطفالهم بغير عذاب ثم أهلكهم بالعذاب إنك إن تذرهم يضلوا عبادك أي أن تتركهم على الأرض يضلوا عبادك عن طريق الحق ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً أي إلا فاجراً بترك طاعتك كفاراً لنعمتك ثم لما دعا على الكافرين أتبعه بالدعاء لنفسه و والدية والمؤمنين فقال رب أغفر لي ولوالدي وكانا مؤمنين وأبوه لأمك بن متوشلخ كما تقدم وأمه سمحاء بنت أنوش وقيل أراد آدم وحواء ولمن دخل بيتي يعني مسجده وقيل منزله مؤمناً متصفاً بصفة الإيمان فيخرج من دخله غير متصف بهذه الصفة كامرأته و ولده الذي قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ثم عمم الدعوة فقال وللمؤمنين والمؤمنات أي واغفر لكل متصف بالإيمان من الذكور والإناث ثم عاد إلى الدعاء على الكافرين فقال ولا تزد الظالمين إلا تباراً أي لا تزد المتصفين بالظلم إلا هلاكاً وخسراناً ودماراً وقد شمل دعاؤه هذا كل ظالم إلى يوم القيامة كما شمل دعاؤه للمؤمنين والمؤمنات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة ونجى نوحاً وأصحابه المؤمنين و كانوا قوم نوح قد ضاق بهم السهل والجبل و ما عذب الله قوم نوح عليه السلام إلا والأرض ملأى بهم و ليس بقعة من الأرض إلا ولها مالك وحائز عن ابن عباس أنه نجا مع نوح عليه السلام في السفينة ثمانون رجلاً أحدهم جُرْهم وكان لسانه عربياً وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ 71 فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ 72 فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أي أخبرهم واقصص عليهم أي على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك نَبَأَ نُوحٍ أي خبره مع قومه الذين كذبوه كيف أهلكهم الله ودَمّرهم بالغرق أجمعين عن آخرهم ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ أي عَظُم عليكم مَقَامِي أي فيكم بين أظهركم وَتَذْكِيرِي إياكم بِآيَاتِ اللَّهِ أي بحججه وبراهينه فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ أي فإني لا أبالي ولا أكف عنكم سواء عظم عليكم أو لا فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ أي فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون الله من صَنَم و وثن ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً أي ولا تجعلوا أمركم عليكم ملتبساً بل افصلوا حالكم معي فإن كنتم تزعمون أنكم محقون فاقضوا إلي ولا تنظرون أي ولا تؤخروني ساعة واحدة أي مهما قدرتم فافعلوا فإني لا أباليكم ولا أخاف منكم لأنكم لستم على شيء كما قال هود لقومه إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي كذبتم وأدبرتم عن الطاعة فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ أي لم أطلب منكم على نصحي إياكم شيئا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي وأنا ممتثل ما أمرت به من الإسلام لله عز وجل والإسلام هو دين جميع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم كما قال تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا قال ابن عباس سبيلاً وسنة فهذا نوح يقول وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وقال تعالى عن إبراهيم الخليل إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وقال يوسف رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ وقالت السحرة رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وقالت بلْقيس رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وقال الله تعالى إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وقال تعالى وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ وقال خاتم الرسل وسيد البشر قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أي من هذه الأمة ولهذا قال في الحديث الثابت عنه نحن معاشر الأنبياء أولاد عَلات ديننا واحد أي وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت شرائعنا وذلك معنى قوله أولاد علات وهم الإخوة من أمهات شتى والأب واحد وقوله تعالى فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ أي على دينه فِي الْفُلْكِ وهي السفينة وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ أي في الأرض وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ أي يا محمد كيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا المكذبين ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ يقول تعالى ثم بعثنا من بعد نوح رسلاً إلى قومهم فجاءوهم بالبينات أي بالحجج والأدلة والبراهين على صدق ما جاءوهم به فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي فما كانت الأمم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم بسبب تكذيبهم إياهم أول ما أرسلوا إليهم كما قال تعالى وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وقوله كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء فما آمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم هكذا يطبع الله على قلوب من أشبههم ممن بعدهم ويختم على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم والمراد أن الله تعالى أهلك الأمم المكذبة للرسل وأنجى من آمن بهم وذلك من بعد نوح عليه السلام فإن الناس كانوا من قبله من زمان آدم عليه السلام على الإسلام إلى أن أحدث الناس عبادة الأصنام فبعث الله إليهم نوحاً عليه السلام ولهذا يقول له المؤمنون يوم القيامة أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض وقال ابن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام وقال الله تعالى وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا وفي هذا إنذار عظيم لمشركي العرب الذين كذبوا بسيد الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين فإنه إذا كان قد أصاب من كذب بتلك الرسل ما ذكره الله تعالى من العقاب و النَّكَال فماذا ظن هؤلاء وقد ارتكبوا أكبر من أولئك

قصة نوح عليه السلام 3

قال تعالى قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ يخبر تعالى عما قيل لنوح عليه السلام حين أرست السفينة على الجوديّ من السلام عليه وعلى من معه من المؤمنين وعلى كل مؤمن من ذريته إلى يوم القيامة كما قال محمد بن كعب دخل في هذا السلام كلّ مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة وقال محمد بن إسحاق ولما أراد أن يكف الطوفان أرسل ريحاً على وجه الأرض فسكن الماء وانسدت ينابيع الأرض الغمر الأكبر وأبواب السماء يقول الله تعالى وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ لم يجعل الله لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسل و عقب سوى نوح عليه السلام قال تعالى و جعلنا ذريته هم الباقين فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني آدم عليه السلام يُنْسبون إلى أولاد نوح الثلاثة و هم سام و حام و يافث قال الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه و سلم سام أبو العرب و حام أبو الحبش و يافث أبو الروم فولد سام العرب وفارس و الروم و ولد يافث الترك و الصقالية و يأجوج و مأجوج و ولد حام القبط و السودان و البربر عن ابن عباس كان مع نوح عليه السلام في السفينة ثمانون رجل معهم أهلهم و أنهم كانوا في السفينة مئة و خمسين يوماً و أن الله وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوماً ثم وجهها إلى الجودي فاستقرت عليه فبعث نوح عليه السلام غراب ليأتيه بخبر الأرض فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون و لطخت رجليها بالطين فعرف نوح أن الماء نضب فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية و سماها ثمانين فأصبحوا ذات يوم و قد تبلبلت السنتهم على ثمانين لغة إحداها العربية و كان بعضهم لا يفقه كلام بعض فكان نوح عليه السلام يعبر عنهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال مر النبي صلى الله عليه و سلم بأناس من اليهود و قد صاموا يوم عاشوراء فقال ما هذا الصوم فقالوا هذا اليوم الذي نجى الله فيه موسى و بني إسرائيل من الغرق و غرق فيه فرعون و هذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح و موسى عليهم السلام شكراً لله عز و جل فقال النبي صلى الله عليه و سلم أنا أحق بموسى و أحق بصوم هذا اليوم فأمر أصحابه بالصوم و قال لأصحابه من كان منكم أصبح صائم فليتم صومه و من كان منكم قد أصاب من غداء أهله فليتم بقية يومه

ذِكْرُ إِدْرِيسَ عليه السلام

وهذا ذكر إدريس عليه السلام بالثناء عليه بأنه كان صديقًا نبيًّا وأن الله رفعه مكانًا عليًّا وقد ورد في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به في ليلة الإسراء وهو في السماء الرابعة وقد روى ابن جرير قال سأل ابن عباس كعبًا وأنا حاضر فقال له ما قول الله عز وجل لإدريس وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا فقال كعب أما إدريس فإن الله أوحى إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم فأحب أن يزداد عملاً فأتاه خليل له من الملائكة فقال إن الله أوحى إليّ كذا وكذا فكلم لي ملك الموت فَلْيؤخرني حتى أزداد عملاً فحمله بين جناحيه حتى صعد به إلى السماء فلما كان في السماء الرابعة تلقاهم مَلَك الموت منحدرًا فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس فقال وأين إدريس فقال هو ذا على ظهري قال ملك الموت فالعجب بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة فجعلت أقول كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض فقبض روحه هناك فذلك قول الله وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات وفي بعضه نكارة والله أعلم عن ابن عباس أنه سأل كعبًا فذكر نحو ما تقدم غير أنه قال لذلك الملك هل لك أن تسأله يعني ملك الموت كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل وذكر باقيه وفيه أنه لما سأله عما بقي من أجله قال لا أدري حتى أنظر ثم نظر قال إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين فنظر الملك تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض عليه السلام وهو لا يشعر به عن ابن عباس أن إدريس كان خياطًا فكان لا يغرز إبرة إلا قال سبحان الله فكان يمسي حين يمسي وليس في الأرض أحد أفضل عملاً منه وذكر بقيته كالذي قبله أو نحوه وقال ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا قال إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى وقال سفيان عن منصور عن مجاهد وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا قال رفع إلى السماء الرابعة عن ابن عباس وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا قال رفع إلى السماء السادسة فمات بها وقال الحسن وغيره في قوله وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا قال الجنة

قصة آدم عليه السلام 1

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ يخبر الله تعالى بامتنانه على بني آدم بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم فقال تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ أي و اذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً أي قوماً يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل كما قال تعالى وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ وقال وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ وقال وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ وقال فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ والظاهر أنه لم يرد آدم عينًا إذ لو كان كذلك لما حسن قول الملائكة أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ فإنهم إنما أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص أو بما فهموه من الطبيعة البشرية فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صَلْصَال من حمإ مسنون أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ويقع بينهم من المظالم ويرد عنهم المحارم و المآثم أو أنهم قاسوهم على من سبق وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله ولا على وجه الحسد لبني آدم كما قد يتوهمه بعض المفسرين وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول أي لا يسألونه شيئاً لم يأذن لهم فيه وهاهنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًاً وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك يقولون يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك أي نصلي لك كما سيأتي أي ولا يصدر منا شيء من ذلك وهلَّا وقع الاقتصار علينا قال الله تعالى مجيباً لهم عن هذا السؤال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ أي إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم فإني سأجعل فيهم الأنبياء وأرسل فيهم الرسل و يوجد فيهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء العاملون والخاشعون والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم وقد ثبت في الصحيح أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده سألهم وهو أعلم كيف تركتم عبادي فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون وذلك لأنهم يتعاقبون فينا ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال كما قال عليه السلام يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل فقولهم أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ وقيل معنى قوله جوابًا لهم إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ أن لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها وقيل إنه جواب لقولهم وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ فقال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ أي من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به وقيل بل تضمن قولهم أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم فقال الله تعالى لهم إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم دُحِيت الأرض من مكة و أول من طاف بالبيت الملائكة فقال الله إني جاعل في الأرض خليفة يعني مكة وهذا مرسل و المراد بالأرض مكة و الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك قال تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قالوا ربنا وما يكون ذلك الخليفة قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً مني يخلفني في الحكم بين خلقي وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه عن ابن عباس قال أول من سكن الأرض الجنُّ فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء وقتل بعضهم بعضاً قال فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال فلما فعل إبليس ذلك اغتَرّ في نفسه فقال قد صنعت شيئاً لم يصنعه أحد قال فاطلع الله على ذلك من قلبه ولم يطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه فقال الله تعالى للملائكة الذين معه إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً فقالت الملائكة مجيبين له أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ كما أفسدت الجن وسفكت الدماء وإنما بعثتنا عليهم لذلك فقال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ يقول إني قد اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره فبعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض إني أعوذ بالله منك أن تَقْبض مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ وقال رب مني عاذت بك فأعذتُها فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها فرجع فقال كما قال جبريل فبعث مَلَك الموت فعاذت منه فقال وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره فأخذ من وجه الأرض وخَلَطَ ولم يأخذ من مكان واحد وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين فَصعِد به فَبَلَّ التراب حتى عاد طيناً لازباً واللازب هو الذي يلتزق بعضه ببعض ثم قال للملائكة إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه ليقول له تتكبر عما عملت بيدي ولم أتكبر أنا عنه فخلقه بشراً فكان جسداً من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم فزعاً منه إبليس فأخذ يدخل في فيه ويخرج من دبره ويدخل من دبره ويخرج من فيه ثم يقول لست شيئاً للصلصلة ولشيء ما خلقت ولئن سُلِّطْتُ عليك لأهلكنك ولئن سُلِّطْتُ علي لأعْصيَنَّك قال فلما نفخ الله فيه من روحه أتت النفخة من قبل رأسه فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودمًا فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فلما انتهت النفخة إلى سُرَّته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده فذهب لينهض فلم يقدر فهو قول الله تعالى وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولاً قال ضجر لا صبر له على سراء ولا ضراء قال فلما تمت النفخة في جسده عطس فقال الحمد لله رب العالمين بإلهام الله فقال الله له يرحمك الله يا آدم قال ثم قال الله تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السماوات اسجدوا لآدم فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار فقال لا أسجد له وأنا خير منه وأكبر سناً وأقوى خلقاً خلقتني من نار وخلقته من طين يقول إن النار أقوى من الطين قال فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله أي آيسه من الخير كله وجعله شيطاناً رجيماً عُقُوبة لمعصيته ثم خلق آدم وأسكنه إياها  فلذلك قال إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة ما الله خالق خلقاً أكرم عليه منا ولا أعلم منا فابتلوا بخلق آدم وكل خلق مبتلى كما ابتليت السماوات والأرض بالطاعة فقال اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ من تفسير قوله إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ وقيل معنى قوله جوابًا لهم إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ أن لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها وقيل إنه جواب لقولهم وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة بما اختصه به من عِلم أسماء كلّ شيء دونهم وهذا كان بعد سجودهم له عن ابن عباس وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا قال عرض عليه أسماء ولده إنسانًاً إنسانًاً والدواب فقيل هذا الحمار هذا الجمل هذا الفرس وقال الضحاك عن ابن عباس وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا قال هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودابة وسماء وأرض وسهل وبحر وجمل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ يعني المسميات ثم عرض تلك الأسماء أو عرض الخَلْق أو عرض أصحاب الأسماء على الملائكة فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ عن الحسن وقتادة في قوله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ إني لم أخلق خلقًاً إلا كنتم أعلم منه فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ هذا تقديس وتنزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء وأن يعلموا شيئاً إلا ما علمهم الله تعالى ولهذا قالوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ أي العليم بكل شيء الحكيم في خلقك وأمرك وفي تعليمك من تشاء ومنعك من تشاء لك الحكمة في ذلك والعدل التام قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قال زيد بن أسلم قال أنت جبريل أنت ميكائيل أنت إسرافيل حتى عدد الأسماء كلها حتى بلغ الغراب فلما ظهر فضل آدم عليه السلام على الملائكة عليهم السلام في سرده ما علمه الله تعالى من أسماء الأشياء قال الله تعالى للملائكة أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أي ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وأعلم مع علمي غيب السماوات والأرض ما تظهرونه بألسنتكم وما كنتم تخفون في أنفسكم فلا يخفى عَلَيَّ شيء سواء عندي سرائركم وعلانيتكم والذي أظهروه بألسنتهم قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها والذي كانوا يكتمون ما كان عليه منطوياً إبليس من الخلاف على الله في أوامره والتكبر عن طاعته فأعلم السر كما أعلم العلانية يعني ما كَتَم إبليس في نفسه من الكِبْر والاغترار

 
A service provided by Al Bawaba