مش كاين هيك تكون

في طرف القبر حلم

   في طرف القبر حلم 

رانيه عقلة حداد

         اكثر ما يدهش له المرء رؤية أرواح تنأى بعيدا عن أجسادها المتهالكة في التجربة، تحلق بأحلامها... فلا يطالها القصل، تنسج الحكايا ... فتؤنس وحشة المكان، تعاند... فتصهر الأبواب الموصدة.     أرواح كلما توسمت في نصالها الرأفة ... كلما غاصت في الجسد، فتبعث بزفيرها المكتوم لتنفتح الأرض لها أفقا.   تلك هي بحق أسرة أوفقير، التي دفعت ثمن محاولة الانقلاب الفاشلة، التي قادها الجنرال أوفقير على الملك الحسن الثاني، في آب 1972 مرتين: مرة بإعدام الجنرال الوالد، ومرة أخرى بنفيهم عشرون سنة خارج الزمن، في شروط لا إنسانية، فنالوا ما نالوا من ألم.   ليست هذه هي المرة الأولى التي يصادر فيها الإنسان حقه، ويجرد من إنسانيته غير ان ما يزيدها قسوة، ان حكما بالموت البطيء أُنزل بستة أطفال بصحبة أمهم و امرأتين - اختارتا طوعا البقاء معهم - لم تتجاوز مليكة أكبرهم الثامنة عشرة آنذاك، أما أصغرهم فلم يتم الثالثة من عمره،  فتحوا أعينهم ... لا شيء سوى ليلٍ طويل وبارد، كان عليهم ان يأنسوا وحشته ... ليتسنى لهم معرفة طريقهم خارجه.    حملوا عبء انتسابهم الى من سولت له نفسه ان يحاول العبث برسوخ ذلك الكرسي الضارب بجذوره حتى الله، فذلك كل ذنبهم، أليس هم من رفض تسليم بزة الوالد العسكرية - شاهد الإعدام - ورفضوا طعام القصر وعطائه، ألم يكن هذا نقص في الكياسة وفي معرفة أصول التعامل والامتثال، فما كان إلا ان مُنحوا وقتا ليس بالقليل لفهم هذا فكان الجوع، والعطش، البرد، المرض، الكبت، والعزلة، لربما أُريد لهم ما هو أكثر من ذلك، أُريد ان يصلوا الى أقصى حالات الضعف، والألم، والإنهاك، والتذلل، وبالتالي فقد الإنسانية، او أي ملمح لارادة يمكن ان يلوح، فعندما تعاني الضحية، ولزمن طويل تحت وطأة الجوع، والحرمان، تغدو شيئا آخر غير الإنسان، شيئا أقرب لمسخ او حيوان ضار، تقول مليكة "... ومع الزمن سقطت حواجز الحياء الطبيعي القائمة بين الأهل و الأبناء، ورحنا نتحدث عن كل ما يخطر ببالنا دون أي محظور، فبعد عشر سنوات من السجن، غدونا كالوحوش مستعدين لكل شيء، فلا أم، ولا أولاد، ولا أخوة، ولا أخوات، وقيمنا الأخلاقية وحدها صانتنا، وجنبتنا الممارسة العملية، ولم تكن استيهاماتنا تتعلق بالجنس فقط، بل اننا تصورنا إمكانية قيامنا بأعمال قتل، رددنا: سنكون قادرين من أجل تأمين الغذاء، على بقر البطون، ونحر الرقاب بمنتهى الوحشية في الفترة الأخيرة، غدونا كوحوش في قفص، عاجزين حتى عن إظهار عواطفنا تعبين ومغتاظين، عدوانيين وقساة، لا أحد منا يريد ان يتظاهر بخلاف ذلك، إذ أننا لم نعد نؤمن بأي شيء".   عن هذه التجربة تسرد مليكة روايتها ( السجينة )، وتعود بها الى فترة مبكرة من حياتها الى عمر الخامسة، عندما أمر الملك الحسن الثاني تبنيها، فأصبحت جزءا من عالم القصر، وشاهدا في آن معا على عالم تسوده سلطته الأحادية المطلقة، تحيطه وتخدمه النساء بمختلف تسمياتهن –الملكات، الأميرات، محظيات، جواري ...، عالم معزول كليا عن الخارج، عانت فيه وباستمرار رغم الرفاهية من الوحدة والعزلة وفقدان الجو الأسري وعاطفة الأم، فكان بمثابة قفص ذهبي لعصفور طالما حلم بفرد أجنحته بعيدا عنه، وبعد أحد عشر عاما جاءت تلك اللحظة خاطفة، لم تلبث ان تعوضها عما فاتها فتوالت الأحداث، محاولة الانقلاب ثم النفي، والظروف الجائرة التي لم تطفئ عزيمتهم طوال العشرين عاما، رغم لحظات الخَور والقنوط، بعد كل محاولة فاشلة للخلاص، وما كان ينالهم من إحساس باقترابهم يوما فيوما من القبر، غير ان وكما يقول "قاسم حداد " في طرف القبر حلم: أنا الطرف الثالث للحلم " .    فمن عمق القبر هناك حلم ينبعث، وإرادة حياة، طوعت أيديهم العارية سوى من ملعقة لحفر نفق نجاتهم للعودة مجددا الى الحياة، ورغم كل استبداد وقهر قابضين على جراحهم المثخنة، متسامين فوق أحقادهم، متصادقين مع نصالهم.    raniahaddadus@yahoo.com 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba