الشهيد د. على فضل
عدت من الغربة حوالى عام 1986 وكان مقرى المؤقت ديم سـعد حيث تقطن أسرة زوجتى . كانت أسوأ أيام حياتى فى إنتظار الحصول على منزل للإيجار بعد بعزقة الفلوس فى جدة بين تغير الأثاث والموكيت والصرف على الصندل والدخان وسوق الدهب وخاصة الصرف على ثورة الصومال فى شوارع الرويس .
وأيضآ شنط الهدايا الدورية التى تتحدى أتخن شيلة عرس . ده غير المريض الذى سافر مصر للإستشفاء و الذى إنقطع فى أوربا والطهر ولدو والعرس لى بتو . كلو كوم وكشوفات المغتربين المقبلين على الزواج كوم . وناس العمرة والمتخلفين قصة تانية
الشـاهد ترجع سـمين وعريان يد ورا ويد قدام .
بعد جهد وبمجهود سمسار حبشى ظهرت الشقة الحلم تكفى لى ولزوجتى وطفلتى . عدنا بعد معاينة الشقة والحبور يملأنا فتفاجئت بنسـيبتى سـامحها الله وتولاها برحمته بفاصل نكد . تغنت بفقدها لزوجها ورحيل إبنها الى العراق لم تصدق بأن وجدت رجلآ يسـند ظهرها . وهاهو يقرر الرحيل يترك إمرأة وبنتيها وحيدين عرضة للزمن ومصائبه مكسـورى الجناح .
سقط فى يدى ولم يكن لى الخيار إلا أن أصبح رجل لأربع نسـاء . المشكلة الحقيقية كيف سأسترجل وسط هؤلاء الديامة المتجهمين خاصة أنا أسكن فى قلب أرض الحيوان .
توكلت على الحى القيوم وتركت شقة الأحلام وأثنت والدتى رحمها الله على نخوتى وتندر أخى سليمان على تبرمى وقال لا تحزن ركز معانا ونضمن العرقى الجيد .
بدأت المشـاكل مع أزهرى رحمه الله . كان المرحوم سكير من الدرجة الأولى . يأتى ليلآ ويقف أمام المنزل ويلقى خطبة طويلة يهين فيها سلسفيل الأقباط وينادى نسيبتى بإسمها وبأقبح الألفاظ . أتصنع النوم العميق وأدعو ربى أن ينتهى أو تخفس به الأرض فأنا الرجل الآن وما السبيل لمواجهة هذا المارد الديامى .
طفح بى الكيل وتحبست له بقارورة واردة من إمتداد ناصر حيث لم أكن أعرف بعد وارد الديم . أتى المسكين بطوله الفارع وإحتل مكانه المعهود أمام الباب وقبل أن يبدأ توكلت على البارى متأبطآ عكازآ يصعب حمله وخرجت له . وإنتهرته بحزم أن يواصل فى طريقه وأنا متنبه بكل إحساسى للخطوة التالية ويدى على العكاز ترتجف .
تسمر أبو الزهور كأنه لم يكن يتوقع ردة فعل مثل هذه . قال لى (يا أستاذ ..) قاطعته بحزم فقط أن يواصل طريقه بعيدآ . بآلية مخمورة تحول الى الخلف وواصل طريقه بدون توقف وولج منزله .
فى صباح اليوم التالى تحول إنتصارى الى هزيمة شنيعة . بدأت من داخل المنزل . وبخنى كل من فى المنزل على تصرفى و ما قد سببته من حرج لأسرته ولهم . هم دائمآ يعتذرون والكل يخاطرهم خاصة أ إنه كان رجل نبيل ولكنه لمأساة شخصية صار عليه ما صار .
زاد تأنيب الضمير بقدوم والديه معتذرين . خفف علىّ جارى بقوله لا بأس فهو يحتاج أن يوقف قليلآ . والنتيجة إنه توقف تمامآ .
المنظر الخارجى والأحكام المسـبّقة تجعل الإنسـان بمعزل عن الآخرين . فالمعدن الثمين يحتاج خبرة وحنكة لإكتشـافه . هذه الحادثة كانت بداية علاقتى مع الديامة من الداخل وبداية حكايتى مع الحى الوطن .
أواصل
كنت أسكن حى الرياض (الشريحة) وهو تابع مدينة الرياض الدرجة الثانية . تمتد كحائط شرقى لإمتداد ناصر حتى شارع النص . يقابله الحائط الغربى بمحازات المطار حى الصفا توأمه لمدينة الرياض حيث يخرجا منها كحرف ال (U) يملأ فراغه حى إمتداد ناصر الدرجة الثالثة الذى تبناه الرئيس المخلوع جعفر نميري كحى ثورة للغلابة وكان قد خططه الشريف حسين الهندى (إمتداد البرارى) للإنتخابات التى أجهضها النميرى .
أعاد النميرى جدولة الإستحقاق فقفذ كثيرون فى قائمة الإنتظار منهم والدى رحمة الله عليه . حصل حولنا أناس من علية القوم منازل متفرقة حولنا . هذا سفير وذاك ضابط إدارى دكتور ، رجل أعمال ....
سيارات وعمم بيضاء نظيفة وضحكات مميزة .
وجدت نفسى بين أناس متشـابهون فى اللبس وطريقة المشى على الأرض . الفقر (بمقاييسنا) هو الغالب . كنت أفاجأ بمن هو وكيل نيابة ، ضابط جمارك ، عقيد شرطة ، طبيب ، محامى ، مهندس ... ولا تفرقهم مشـية ولا عمامة بيضاء . كل الرتب وكل الألقاب وكل المهن تزوب على أعتاب الديم وتكون فقط ديامى .
مدينة لم يحلم بها إفلاطون ولو رآها لينين لحقن كثير من الدماء . فردوس خالى من الأشجار ولكنه ملفح بضمير ناصع وإنتماء غير مصنوع . ولا يفوتنى قبل أن أصورها مملكة علوة المسالمة التى تلاشت بقبضة الفنج و الأعراب فى غمضة عين بأن مدينتى لحمها لا يسـتساغ ولا يبتلع ولا زال تجار الموت المزين بالدين حائرون على أعتابها .
لا تنتظروا منى تأريخ . فأنا هنا فقط بخواطري كآت من جنة لم تجر من تحتها الأنهار وغالبآ مياهها مقطوعة بفعل فاعل ولكنها بعذوبة الوطن .
*****
قبل أن أحصل على المواطنة وأحصل على لقب ( مدير ) كنت فقط (راجل بت عايدة) . عايدة وبناتها كن قد حصلن على المواطنة الديامية منذ زمن طويل . المواطنة الديامية ليست لها مقاييس للمنح أو الخلع . تجد نفسك ذائبآ فيها دون أن تدرى .
بعد مغادرتى وفى غمار الجهوية و صراع العنصرية خطر فى ذهنى شيئ صاعق . لوكا كان جنوبيآ شريف كان نوباويآ سعيد محسيآ ناصر لا أدرى ولكن كانت له علاقة بالمسيد عوض دنقلاويآ الطيب من غرب السودان لا أدرى من أين ولكنه حكى لى بتيار برد كان يحرق الأشجار ويقتل الأطفال . لا تراه ولكن تري الأشياء تزبل فى مساره كما تأكل النار القصب . يمكن تفاديه بالعدو منه أو تغيير المسار .
محمد من بطانة دار فور ويبدو لى إذا تتبعته قد يكون من مليشيات الجنجويد . وقد يبرر ذلك تحيته لى بالدافورى الذى طرحنى على الفراش أسبوعان . تصوروا تحدانى بعد أن صرع المريخ الهلال ؟ نزلنا الميدان وأنا تعودت منذ صغرى أن أراوغ أربع مدافعين فى متر مربع وسط تهليل المتفرجنين . راوغته نصف دقيقة فإنتهى من الوصلة بطريقة ديامية . لم تصفق له الجماهير بل حملونى على الأعناق وسلمونى بت عايدة بدون مسئولية السائق على العفش داخل البص .
كنا ثلاثة مريخاب فى الحى كله أحمد ومدثر وأنا . تربع المريخ عامآ كاملآ ونحن نتربع على صدور حى كامل . لم يناصرنا ديفد والطيب المورداب ولكن كانوا معنا بقلوبهم . مات أحمد شريك محمد وتلاه مدثر جمعة (سيكا) فى عز شبابه . زارنى محمد على الفراش وقال بأنه يساعد عزرائيل فى آخر المريخاب .
محمد الغسال من دار فور ولا يزال يرطن مع الوافدين الجدد بالبقجات الكبيرة الذين سرعان ما يكونون من ملوك الضمنة .
قد أكون محتاج لبعض التاريخ لأقول سعد أفندى مؤسس (بلك) ديم سعد هو من أتى بهذا الخليط . وقد يتوارد فى الذهن بأن هذا الخليط تعايش فقط ولكنه تربطه جزور بالمصاهرة
قبل تمدد صفوف البنزين كنت أعمل مساءآ بسيارتى نصف التاكسى فى خط الصحافة مابين جبرا والخرطوم وسط عند الغالى . كانت فترة دسمة قد أكتب عنها يومآ . وكان تكلفة الأجرة لا تزيد عن عشرة جنيهات . إمتداد جبرا والصحافة ونمرة تلاتة والخرطوم وسط والسجانة والديوم الشرقية نسل واحد تمدد بالزواج وميلاد الأسر الجديدة . فى الفترة ما بين السادسة والتاسعة تضج زيارات الأسر بين هذه المناطق . ثلاثة ساعات دخلها لا يقل عن 250 جنيه تضاهى راتب وكيل وزارة .
إلتقطت فتاة خمرية اللون ساحرة الإبتسامة ودودة الكلمات واثقة النظرة . توقفنا فى عدة نقاط . تسليم أمانة فى الصحافة إستلام حاجيات من مغترب فى حى الزهور وشراء بيض من الغالى وقفلنا عائدين الى جبرا . كانت حركتها رشيقة وأنيقة مستعجلة كأنها صاحبة السيارة . فى جبرة أعطتنى إسمها وطلبت توصيل تحياتها الى عمها الطيب . من عمك الطيب ؟ جارك . هل أنت قريبة الطيب ؟ إسترخت فى جلستها . الطيب عمها بقرابته بوالد أزهري المتزوج من قريبة بلالة . إذآ مجدى قريبك . وبالتلى عبدالله والد جعفر ! نعم لكن عم عبدالله يقرب لى أيضآ بخالتى .... كم المشوار ؟ إنتى خليتى فيها مشوار وأنا طلعت وسط كماشة . ردت إذا كان ملح أعود معك الحلة .
ديامية واعية
*****
خطرت لى فقط الآن خاطرة بأن مشروع (العنبلوق) قد تكون فكرة وتخطيط محجوب . محجوب شخصية لم أقترب منها كثيرآ . ولكنه يثير جدلآ دائمآ فى نفسى وأتحين التودد إليه ولكنه ينهى الحديث بإنشغاله بسقاية النيمة أمام المنزل أو بالذهاب معى الى الدكان وتركى هناك منسحبآ.
كان من قيادات صك العملة وهو فى المعاش . يقوم بمشاريع صغيرة لا تخطر على بال وغير متوافقة مع تخصصه . مثلآ أحضر كمية من كتاكيت الديوك الرومى وقام بسعايتها فى قفص خارج المنزل . ويطلق صراحهم أحيانآ فيملأون الدنيا ضجيجآ . كبروا وصاروا فراخآ كبيرة جميلة وفجأة إختفوا . سألته عنها قال إنتهت مهمتهم وظهر فى زريبة فحم أمام مخزن صغيرإستأجره فوفر مشوار سوق القنا للجميع . وأصبح يبيع السجاير الذى تمتلئ به جيوبه .
كنت داحل المنزل أتتنى بنتى مهرولة وقالت ألحق ناس جعفر كسروا عربيتنا . خرجت فوجدت صبية الحى أخرجو مقاعد السيارة الأمامية والخلفية ويغسلون السيارة بالماء والصابون من الداخل والخارج حتى المكنة والضهرية . فعلآ كانت السيارة بحالة يرثى لها . سألت ماذا هداكم على هذا ? قالوا مبوظة شكل الشارع يا مدير .
جلست معهم قليلآ وذهبت الى محجوب لأشترى سجائر مثل كل يوم فى هذا الوقت . وجدت بجانب الزريبة الصغيرة عتوت فتى مربوط . عرضه على بلا مقدمات . قبل أن أتردد لضخامة العتوت قال لى لم يرش إذا ذهبت بدون أن تأخذه سأبيعه فأنا أنتظرك به .
دفعت ثمن العتوت وقلت له سيأتى لاحقآ الأولاد لأخذه . عدت فوجدت سيارتى كالعروسة . أخبرت آدم لإحضار العتوت لأنه متعهد الذبح . دخلوا المنزل مع زوجتى وبعد ساعتين كان العتوت مأدبة شاركناهم فيها أنا والطيب وعبدالله رحمه الله
هذه ليلة من ليالى الديم لا ينظمها وبحنكة إلا الديامة الصغار .
****
شيوعية الديم قد تكون صفة لاصقة به من الخارج أكثر منها من الداخل . وحتى لا ندخل فى جدل وأكون مخطئآ فأنا تحت خواطرمدينة وليس جدال سياسة . لم أحتاج فى الديم أن أعتنق مبدأ لأكتسب مواطنة أو أولد عداء . حتى أبناء الديم الذين يوزعون الميدان يوزعونها والسلام . لا أنفى شيوعيتهم ولكنها تتلاشى داخل الديم فلا هى تميز أو زم .
الذين يختفون داخل الديم هم يختارون المكان الصحيح . ليس للمليشيات المنظمة ولا السرية الأمنية كمن يصورون الديم مخيم للفلسطينين . ببساطة أهل الديم ليسوا متلصلصين ولا إستعدائين ولا جبناء . قد يعرفون وجودك من الوهلة الأولى . شيوعى هارب . أمن مزروع . إسلامى أو حتى لص . لهم حدود من الديمقراطية الممارسة قد تصل حد اللا معقول . أماكن الفساد لا تحارب بل تعزل من الداخل . كثير من الأماكن يمكن ريادتها فى الديم من الخارج وتكون من الداخل ليس لها وجود . والذين يمارسون هذه النشاطات يفضلون العزلة . لأن الإحتكاك السلبى عقابه صارم . عقاب غير منظم قد يقرره واحد أو إثنان ولكنه صارم الى حدود الندم . وليسوا معزولين فى الإحتكاك الإيجابى فلا يوجد منبوذ .
البيت الذى كانت تصدر فيه صحيفة الميدان سنين وسنين وقبض فيه على التجانى الطيب بالقرب من منزلى ويسكن فيه الآن صباحى . سكن فيه بإسم حركى وخالط الناس بدماثة خلقه . وبعد القبض عليه لم يلومه أحد . وحادثة القبض عليه التى هزت كل الأوساط مرت بدون ضجيج داخل الديم . هذا حال إحترام نقد فليس لشيوعيته ولكن لخلقه .
ُزرع أحد رجالات الأمن داخل المنطقة . وصلت أخباره الى الجميع إعلام بدون ضجة فلا يوجد ما يخافون منه أو عليه . كان متزوج من أثيوبية شبه معتقلة داخل المنزل . وكعادة أهل الديم لا يقابلونك لا بالعداء ولا بالترحاب لأنك ليس ضيف بل إحتللت بقعة من الوطن الذى يسع الجميع . وينتظرون المبادرة منك . وهذا ما يجعل الإنسان فى توجس فى بادئ الأمر . يمكن أن تعيش منفردآ بنفسك أعوام وأعوام ولا يوجد ما عكر صفوك . ولكن دخولك فى المواطنة يكسبك بما لا قد تتصور .
ذلك الأمنجى نال المواطنة وزوجته صارت صاحبة دار وزوار ومعلوماته صارت من الخارج للداخل بدون أن يتم تجنيده .
*****
عام 88 السيول والفيضانات الشهيرة كنت مدعو فى حفل على شرف للأخ دفع الله زوج أخت الصديق عادل أمين (سمساعة) المحامى وهم رفقاء صبا . كان الحفل فى العمارات شارع 25 بمنزل العم مرغنى طه رحمه الله والد الشهيد عصمت مرغنى وكان موجود معنا العميد معاش عصام مرغنى .
عندما هطلت الأمطار دخلنا المنزل . طال إنتظارنا لتوقف المطر وزاد من قلقنا كمية تدفق المياه وتسربها داخل المنزل . فى البداية قام عادل وحيدآ لمكافحة تدفق المياه وإنضممنا له بعد أن زاد الأمر . شعرت بالقلق وقررت الرحيل لأن زوجتى وأختها وطفلتى وحدهم بعد أن توفت والدتها وإنتقلت أختها الأخرى الى بحرى بعد أن تزوجت .
هالنى الأمر عندما خرجت الى الشارع ووجدت سيارتى داخل بركة مياه غطت إطاراتها كاملة . قطعت المسافة فى الشارع الذى يقع خلف مستشفى إبن خلدون حتى شارع محمد نجيب حوالى الساعة والصف . كل خمسة أمتار تتوقف السيارة لدخول المياه فى مركز كهربئها وتحتاج عشرة دقائق للتجفيف . شارع محمد نجيب كان أعلى من مستوى المياه . بقليل من المعاناة قطعت الشارع الفاصل بين بيوت البنك العقارى والكلية المهنية . شارع الصحافة زلط كان محنة حقيقية لوجود حفر كبيرة يصعب مفاداتها فى الأحوال العادية .
تبرع أبناء المنطقة بالوقوف داخل الحفر وإرشاد السيارات بالبعد عنها . عند نقطة باشدار الشارع الذى يوصل جنوبآ الى أبو حمامة بمحازاة الخور وجنوبآ الى العمارات مرورآ بسوق القنا . كنت قد نفاديته فى طريق عودتى خوفآ من الخور رغم إنه طريقى التقليدى والأقرب الى المنزل . أيضآ وجدت أبناء الديم يقودون السيارات بعدآ عن الخور .
عند دكان صالح فى منزل صالح اليمانى وبجانب مربط خيوله منطقة مرتفعة هناك أوقفت سيارتى . واصلت سيرآ على الأقدام وسط يركة من المياه إبتلعت نصفى السفلى تمامآ . كنت أسير متوجسآ ببطؤ والشارع خالى تمامآ وصوت إنهيار المنازل مثل هدير الرعد لاأعرف من أين يأتى .
وصلت الى شارع منزلى وأنا متوجس من المصير . كان الشارع يرتفع عن المنزل وهذا ما كان يؤرقنى . وجدت خورآ خارج من المنزل جافآ تمامآ . دلفت داخل المنزل وجدت الخور داخله عبر الحوش حتى المبانى وكل شئ جافآ تمامآ وزوجتى وأختها فى هدؤ تام . ذكرا أولاد الحلة عندما لم يجدو سيارتى أفلسوا باب المنزل وقاموا بإخراج المياه وتوجهوا لمنطقة أخرى .
عندما سألتهم فى اليوم الثانى بأنى لم أجد أحد فى الطرقات قالوا بعد تأمين المنازل الجيدة و إخلاء المنازل الآيله للسقوط توجهنا للحى القدامى .
هؤلاء أهل الديم لا ينفعلون ولكن يتفاعلون بكل موضوعية ورباطة جأش . والمعقولية والموضوعية ديدنهم . وفى اليوم الثانى كيوم القيامة حيث كل يكسب بما إقترفت يداه . توزعت الأسر بدون هلع ونحيب وقناعة بالنصيب على بعضها البعض وتقاسموا اللقمة والمصير .
وهنا ظهرت المواطنة الحقيقية . الأسر المعزولة أصبحت معزولة فى العراء . لم تصلهم يد المساعدة لم تلفهم الشماتة . هناك أسرة منحلة نسائهن يحملن ويضعن ودخانهن إيجار وفسادهن ودار . لم يعترضهن أحد حقوقهن من التموين ولم يقام عليهن حد اليمين. إنتقلن الى هيكل بص متهالك بعد سقوط منزلهن . كان طعام أطفالهن و غطائهم يصلهم ولكن لا إيواء لهم .
من أراد المواطنة يصون الوطن من أبى جارت عليه المحن
*****
علاقة الأثيوبين بالديم وتفردها جزء مهم من ما أحاول نقله من إنطباعات عن الديم . بالطبع المناطق المتاخمة للديم مثل الزهور والحلة الجديدة والسجانة حتى نمرة 3 لا تقل أصالة عن الديوم . وقد يكون الأثيوبين كانوا أكثر إنجزابآ للديم لصغر المنازل وبالتالى إرخص الإيجار , أضفت هذه الملاحظة لتبرير ملاحظات غير جيدة أريد إدراجها وأريد إثتثناء هذه الأجزاء منها .
علاقات الأثيوبين بالسودان قديمة وكانت متركزة فى شرق السودان بالتحديد كسلا والقضارف والكرمك وطوكر وبورتسودان وماجاورهم من من قرى ومدن صغيرة . ومعروف التمدد السودانى متداخل بنفس المستوى داخل أثيوبيا حتى تسنى وكرن وغيرها .
كما ذكرت لست بصدد تأريخ ولكن كانت توجد فى شرق السودان عوائل أثيوبية متميزة ومتداخلة بالزواج مع بعض الأسر السودانية الكبيرة ولهم وزن إقتصادى وإجتماعى . وفى كل منطقة يوجد شيخ للحبش ومعابد صلاة ومقومات إجتماعية .
فى الخرطوم كانت توجد جالية متميزة وتوجد لهم كنيسة بإمتداد الدرجة الأولى . إختلاطهم كان أكثر بالجاليات الإغريقية والشامية و من السودان الجنوبين وكان الرابط بينهم الكنيسة الكاثلوكية . أيضآ لا أريد الدخول فى هذا التشعب لقلة المعلومات .
الفرع الثانى من الحبش كان فى قاع المجتمع ويمتهن بصورة أساسية مهنة الدعارة . كان يربطهم بالجزء الأول الإنتماء الكنسى والوجود المشترك تحت الولاء لمشيخة الحبش ويلجأون لشيخ الحبش لفض المنازعات أو للولاء القومى .
الحبش الجدد الوافدين للخرطوم تواجدوا على الشريط الشرقى كلاجئين منذ إندلاع المقاومة المسلحة بعد إنهيار نطام الإمبراطور هيلا سلاسى وفترة تولى أمان عندوم السلطة . وتفاقمت الأزمة ببداية نظام منقستوا هيلا ماريام وقيام الجماعات المسلحة داخل السودان برعاية سودانية للمنشقين الأثيوبين والثوار الأرتريين فى إطار الحرب الباردة بين البلدين . وهرب الى الخرطوم كثير من الأثيوبين والسودانين أيضآ .
وفى فترة نميرى تدفق اللاجئين الأثيوبين بطريقة منظمة الى الخرطوم بالتنسيق مع الحكومة فى إطار الحرب الدبلماسية بواسطة الأمم المتحدة . وتميزت هذه الفترة بالتسول الدولى على حساب اللجوء الأثيوبى .
تم توطينهم بصورة منظمة فى منطقة الجريف غرب بما يشبه المخيمات وكانوا فى معزل من الجتمع وإمتهنوا أكثر المهن إستغلالآ وإضطهادآ . وتعرضوا للإمتهان والسلب والسخرة خاصة من الشرطة وقوات الأمن . ولا إثتثناء للمواطن العادى بمعاملتهم بالدونية و إستغلال نسائهم جنسيآ وخادمات بالمنازل بإمتهان أقرب الى العبودية بإستغلال عوزتهم وتشردهم لعدم دعم الدولة لهم رغم حصولها على الملاين بإسمهم التى ضاعت فى تمويل الحروب وفى جيوب الأفراد .
منطقة الديم وما جاورها كما أسلفت توجد بها مقومات الحياة الكريمة للإنسان بضوابط موروثة وليست موضوعة . وجد الأثيوبين ضالتهم هناك وأصبح الإنتقال للديم جزء من أحلامهم . إستقروا ومارسوا جياتهم الإجتماعية بدون أى مضايقات . كانوا يزبحون على سنتهم ويتزاوجون ويقيمون أفراحهم كما فى بلادهم وإنصهروا فى المجتمع الى حدود . وأيضآ أستطاعوا إنشاء مشاريع صغيرة مثل المطاعم والقهاوى وبيع (الأنجيرا) . كما مارسوا مهن الحدادة والسباكة مع أصحاب الورش من سكان الديم . وإنخرطوا فى المهن الهامشية مثل السمسرة وبيع الدولار .
جارى كان السيد تولدينو السائق الخاص للسفير الأثيوبى كان يعيش مواطن عادى وأدخل أبنائه المدارس وكان إبنه الكبير يقدم الدروس الخصوصية لأبناء المنطقة . وزوجته من أميز نساء الحى . وكانت عائلته كعائلة قديمة وليست من الوافدين الجدد . تولوا رعاية للأسر الجديدة ومفتاح لعالم الديم وكان كل من يأتى عن طريقهم يحظى بسهولة التعايش والإستقرار .
يوم سقوط أديس أببا على يد ملس زيناوى وتلاها فى نفس اليوم قرار فصل أرتريا رقص الأثيوبين طربآ فى شوارع الديم وفى المساء توالت إحتفالاتهم داخل البيوت . فى قمة النشوى يبدو أن الخمور لعبت دورها ظهر الصراع الداخلى بين المليشيات الى السطح . فتحولت (برحات) الديوم الى ساحات معارك . إلتزم أهل الديم الحياد وكتموا ضيقهم بما يحدث . فى صباح اليوم التالى تحدث كبار الحى مع الجماعات المؤثرة فى الجماعات . تم الإعتزار وإحتواء الأمر بدون تدخل الشرطة والأمن المركزى وبدون إعتقالات . يحدث ذلك فى الديم فقط
الديم من أول المناطق التى فتحت صدرها للأثيوبين وحتى الآن فى أوربا تجد العلاقات المتميزة بين الأثيوبين والديامة حتى من الذين لم يسكنوا الديم وقد يكونوا لم يروا الخرطوم أصلآ ولكن يعرفونه جيدآ .
*****
قصة الشرطى الشهيرة الذى كان يسـتوجب أحد المتهمين وقام بإطلاق النار عليه من قرب كان من سكان الديم . جاء فى أقواله بأنه لم يقصد قتله بل تهديده لنزع المعلوماات ولم يكن يدر أن أن االسلاح معمر .
مر بى كشف (الدية) رفضت الدفع لرفضى لمبدأ التعذيب . لم يجادلنى أحد ومر الأمر بهدؤ كامل . ولكنى شعرت بعد فترة بأنى قد إثتثنيت من كشوف التكافل فى الحلة بدون أى ضجة أو عداء . شكوت ذلك الى عبد الله لم يناقش معى الأمر فقط طلب منى آخر تبرع تم دفعه وقام بتسديده نيابة عنى وبعدها إنتظمت الأحوال .
التكافل متكامل بدون بحث الأسباب . والخروج عن المجموعة لا يدعمه الحق . إذا عقلنا ذلك التطبيق نجد سـيادة المبدأ هى التى تسير المجموعة . دعم الشرطى لم يكن دعم لقضيته . كان دعم أسرة داخل المجتمع وتكافل جماعى لا يخلط الأوراق . قد يكون تعليل يطول شرحه .
الصيوان لدى جمعة وتطرقت له يومآ فى بوست ديمقراطية صيوان عم جمعة ( دعوة للإنفصال) كقوة للتكافل تكفى لبناء أمة . أدوات الحفر والكفن لدى الطيب . يتزوجون وينجبون ويطلقون ويموتون فى هدؤ ونظام .
كما ذكرت من يريد أن يعيش وحيدآ له ما يريد ومن يريد أن ينصهر مرحب به . الآداب العامة مفروضة على الكل . قد يسمح أحدهم بالقصاص لصالح المجموعة بدون تفويض . ولكنها عادة متفق عليها ضمنآ . المسئولية تقع على الأقربين .
أحدهم ، وهنا أتوقف عن ذكر أسماء ، حضر حديثآ رغم عائلته سبقته بفترة طويلة . معاقرة الخمر تخرج من نفسه مأفون العنصرية التى أتى بها من بلاد العرب بأقبح الألفاظ . تم الصمت عنه لمدة كافية للعودة لنفسه . ليلآ بهدؤ فى طريقه من المأخور تم (كسره) تمامآ وحمل ما تبقى منه وسلم لآهله . الآن مواطن صالح لا يستهان به .
تناقش أحوال الحلة والأحوال االسياسية والإجتماعة بدون مؤتمرات . عند كل جديد تجد تجمعات غير معلنة أمام المنازل . يكفى أن تخرج بإحساسك وتجد الجميع . تجمعنا كان أمام دكان محمد الغسال مهما كانت المناسبة . هلال مريخ . مناقششة خطبة الجمعة ، الإتفاق لزيارة مواساة أو مشاركة فرح أو حتى إنقلاب عسكرى .
أزكر بعد البيان الأول لعمر البشير تجمعنا أمام دكان محمد . كان التوجس العام للإنقلاب موجود بعد مذكرة الجيش الشهيرة وخاصة بعد مراوغة الصادق المهدى فى الإلتزام بالمقررات وبدأ فى تفكيك القوات المسلحة بمجموعة من التنقلات إحالة بعض القيادات المؤثرة للمعاش . كنا من المتابعين لوجود عدد لا يستهان به من الديامة داخل المؤسسة العسكرية . أخبار الإنقلاب قوبلت بإرتياح مشوب بالحذر . قلت لهم هناك شئ مريب فى البيان . لم يذكر من قريب أو بعيد شئ عن إعادة السلطة المدنية وهذا ضد مذكرة القوات المسلحة . ثار لوكا وإتهمنى بالتشكيك الهدام و و و
ظللت صامتآ والجميع وهو يرغى ويزبد .
كان لوكا يعمل فى مطبعة جريدة الأسبوع . يعود الى المنزل فجرآ ويرمى لى كل صحف اليوم من أعلى باب المنزل . حرمنى منها بعد هذه الواقعة . بعد أقل من شهر سقطت الجرائد من أعلى الباب وكنت صاحيآ . خرجت له فورآ فقال لى أنت أول من عرف هؤلاء . حدثنى عن مصادرة صحف تحت الطباعة وسيطرة جماعة الجبهه على كل كلمة تكتب . لم أكن أنا أول من عرف بل هو أول من أتى بالخبر اليقين .
*****
خاتمة وليس ختام فالحديث عن الديم حديث وطن ليس له نهاية والسرد لا ينتهى فهو وطن إقترن صباحه بمسائه إمتداد للخليقة .
وعندما نزكر الخليقة تكون النساء عصب الحقيقة . النساء فى الديم لسن جنس مستضعف . يتزوجن وينجبن ويعتنين بمنازلهن مثل باقى النساء . ويمارسن أعمالهن بشتى ضروبها كأفراد من المجتمع وليس هناك ما هو قاصر على الرجال أو على النساء .
يضج الصباح حركة نسوية . طالبات الى المدارس . محاميات الى أعمالهن موظفات الى البنوك والدواوين الحكومية . طبليات الشاى والزلابيا نيرانها متوهجة . تسبقهن حاجة فاطمة ذات الستون ربيعآ أو يزيد فجرآ الى عملها راجلة الى المطافى عند كبرى الحرية . تكمل عملها كساعية وتعود والكل مغادر لتقوم بأعمال أخرى والعناية بزوجها الضرير . لصغر المنازل تسمع تحايا الصباح فتلك سميرة تبحث عن ( شمار) وعوضية إبنة فاطمة لا وقت لها فهى تعمل فى الأطراف الصناعية . يكملان الكلام وطريقهما متفارق وترتفع الأصوات كلما فصلت بينهما المسافة . لا يوجد متسكعات أو متعطلات .
زوجة أحمد كانت واقفة فى محله تمارس أعمال زوجها بعد أسبوعين من وفاته . هناك أطفال يأكلون ويتعلمون وقبول بقضاء الله ولا مجال للخزعبلات والقيل والقال . كانت تتلقى العزاء فى مكان عملها . بخيتة رحمها الله داية الحى على أهبة الإستعداد . شقيقتها سعدية لا تنسى أن تأتى (لحقنة) الملاريا لإبنتك وأنت تنساها لإعتمادك عليها .
(قفة السوق) عمل المرأة ولا إتكال على الرجال . من الطريف إذا إضطررت للذهاب الى محمد على لشراء لحمة أو بعض الخضار يفسح لك النساء المجال كضيف إضطرارى . عندما توفى شقيقه عبد الباقى فى ريعان شبابه إستأجر نساء الحى عربة الى رفاعة لتقديم العزاء .
لا يوجد تصنيف نسائى . لاهمس على مطلقة ولا إنكسار لعانس ولا إستثناء لأرملة . الكل يمارس حياته بكل الثقة وكل الحرية . تقام بيوت الزار لمن له زار أم له فى الزار . لا إنتقاد ولا مضايقات . تقوم الأفراح بلا ضجة والمآتم فى حدود المعقول . الكل يشارك بما يريد ولا توجد مزايدات .
صدام النساء يتم نسائيآ ولا يتدخل الرجال ويا له من صدام . لا تمد الصراعات لا تنشأ الحزبيات وينتهى بين أطرافه . لا عراك على الأطفال فهم أطفال الجميع . يكافؤ الطفل حيث هو ويعاقب في موطئ خطأه .
عندما تريد خدمة من إمرأة لاحجاب بينكم . وتأتى إليك مباشرة إذا كانت لديها حاجة لديك . الثقة غير ممنوحة بل موروثة . يحب الشباب بعضهم البعض تحت نهار الوطن . العلاقات الممنوعة يمنعونها بأنفسهم ولا يفرضها أحد . بت الحلة لها قدسية لا تدنس . يتزاورون داخل منازلهم وفى صباح نبيل .
إذا ضل من الشباب أحدهم عقابه صارم ولكن إذا تاهت إحدائهن تضرب عليها العزلة بدون عداء من النساء والرجال ولا مجال للرؤية الضعيفة ولا إستغلال فهى تنتسب الى الحلة . وهو قصاص لو تدرون أعظم من حد اليمين أن تجد نفسك خارج الوطن .
لم أسمع بمن ضرب زوجته أو سجن إبنته أو حرمها من التعليم , وإذا تخليتم عن تناحركم وكففتم عن أصوليتكم و قررتم فى يوم أن تسوسكم إمرأة مطلبكم لدينا فى الديم . المرأة عندنا ليست منصفه بل مصنفة تناطح السحاب .
توجد لدى الإنسـان علاقة خاصة بينه وبين نفسـه يخفيها وبعناية عن أقرب الأقربين . وأحيانآ يحجبها حتى عن نفسـه . علاقة خصوصية لا يوجد لها إطار لوصفها ووضعها داخله .
سـأحاول خلع هذا الثوب قليلآ وأجزم بأنى لسـت لسـت خالعه متجردآ ولا أسـتطيع . فطعم التفاحة التى أطعمنى لها آدم لا أزال أشـعر بالعرى الذى كان قبلها .
فلنهمس قليلآ ونحن صامتون ولا أظن الصمت وحده أكثر بلاغة .
تمر فى حياتنا العادية أحيانآ أشـياء مبهمة وغير مبررة . أشـياء قد تشـوش أفكارنا أحيانآ للحظات وأخرى لأيام وقد تدوم العمر كله . ننسى هذه الأحداث أو نتناسـاها ولكنها تظل لا صقة بالوجدان .
هذه الأشـياء مثل أن تري أحدهم ويتولد لديك الإحسـاس بأنك قد تقابلت معه من قبل . وأحيانآ يدور حديث معك أو أمامك تجزم بأنك سـمعته من قبل . أو تدور أحداث أمامك واقعة تتداركك رؤيا بأُلفة ليس فقط ما يدور أمامك قد تتكهن بما ما سـيحدث بعد ذلك لكن دون أن تذكره وعندما يحدث تكون متأكدآ بأنه ما كنت تحاول أن تتذكره .
سأواصل بأحداث مرت بى وأخري سمعتها أو قرأتها
حكى لى أخى مرة بأنه كان مسـافر فى منطقة (الإنقسـنا) فى قافلة عسـكرية . عندما وصلوا إلى مكان ما إعتراه شـعور بأنه يعرف هذه المنطقة من قبل . طلب من السـائق التوقف . حكى لمرافقيه ما به من إنتماء . وكان أمامهم تل صغير فذكر لهم بالتفصيل ما يوجد خلف هذا التل . فذهبوا ووجدوا ما وصفه لهم بتفاصيله !
*****
الأحلام
هذا أيضآ لغز غريب . أحيانآ يتحدث الناس على الرؤيا أو الحلم الواضح . فى يوم فى السـودان إسـتيقظت زوجتى ليلآ وهرولت الى سـرير إبنها وصارت تقبله وتحضنه بطريقة غريبة كأنهما كانا فى فراق طويل .
تعجبت وسـألتها عن هذا التصرف الغريب . قالت لقد حلمت بأن إبنها وقع فى بحر عميق وقفزت خلفه ولم تجده . لم أُعقب ونمت ونسـيت الأمر .
كان صيفآ . وكنت أحب أن أشـترى السـمك طازجآ من (الشجرة) فذهبت معى زوجتى و أبنائى . يوجد فى الشـجرة خليج صغير ترسـوا فيه مراكب الصيادين . ذهبت اليه وتوجهت زوجتى الى النيل الذى كان يكتظ بالناس . بعد شـراء السـمك الطازج والشـراء هو أيضآ متعة أخرى بالتفاضل فى أنواع السـمك وسـماع قصص الصيادين وأخبار الصيد والبحر .
وجدت خلفى زوجتى تحمل إبنها وهما غارقان فى الماء يرتجفان ومعهما صبيّان من أبناء المنطقة أيضآ بكامل ملابسهم المبتلة . ما حدث توغل إبنى فى النهر وإبتلعته المياه فجأة فجن جنون أمه إسـتنجدت ورمت نفسـها فى الماء وضاعت هى الآخرى . لولا شـهامة ومهارة أبناء الشـجرة لضاعا الى الأبد .
تركت السـمك فى مكانه وأخذت الصبيّان الى منازلهما وذهبت الى بيتى . لم أناقش الأمر ، فقط رجوتها إذا رأتنى فى المنام أن لا تخبرنى أبدآ.
*****
كنت مرافقآ عزيز لدى فى إحدى المسـتشفات الألمانية . أجرى عملية تبديل صمام فى القلب . حدث خطأ ما بعد إخراجه فى العناية المكثفة فأعيد الى عرفة العمليات مرة أخري وفُتح الصدر ثانية . ظل تحت التخدير التام لمدة 48 سـاعة . وعندما قابلته وجدته يخاطب الجميع باللغة العربية وبحدة بالغة و قد أربك الجميع . وحاولت تهدئته ورجوته أن يتكلم بالإنجليزية رفض وقال إنهم يتكلمون ويفهمون العربية وبطلاقة فقط يدعون . تم نقله الى غرفة منفصلة . أتت ممرضة لتركيب الأجهزة فكان يتحدث معها بالعربية ويشـرح لى بأن كل ما يحدث معاد وحدث من قبل وهذه فقط تمثيلية . وكان يشـرح متهكمآ بما يجب أن تفعله وبالعربية ولا حظت إنها تفغل ما يقوله .
بمسـاعدة طبيب إيرانى تناول حبوب مهدئه ونام . وبعد يومين عاد لحالته الطبيعية وهو رجل هادئ جدآ بطبعه بل أصبح أكثر هدؤآ . بالطبع لم أتحدث معه عن ما قد حدث . بعد أيام وجدته سـاهمآ فسـألته عن ما يشـغله . فاجأنى بأنه يتذكر كل ما حدث وهو مقتنع بأن الكل كان يتكلم العربية . وحكى لى سـبب ثورته .
قال أثناء وجوده فى غرفة الإنعاش كان هناك ممرضتان ألمانيتان ومعهما طالبة طب كمرونية سـوداء . قال ثلاتهم كانوا يتكلمون بالعربية وبطلاقة . كان هناك فيما يبدو خطأ ما فى العمل وإتفقتا الألمانيتين بأن يلبسـوها الى الكمرونية . وقال الغريب الفتاة الكمرونية كانت تتصرف كأن الأمر يعنيها . قال حاولت أن ألفت نظرها إلى خطورة موقفها ولكنها كانت تقول لى وبالعربية إنها لا تفهمنى . فتكلمت معها برغبتها باللغة الإنجليزية شـارحآ لها ما يحدث . فثارت إحدى الممرضات وقالت لها إنه يكذب . قال صرت أتكلم بالإنجليزية وهم بالعربية . قال لهن و أنتن بهذا السـؤ كيف أضمن سـلامتى أنا وروحى تحت أيديكم . قال بكت إحداهم وخرجت .
وسـألته كيف تسـمعهم الآن ؟ قال الآن لا يتحثون العربية ولا أفهمهم . تفاكرنا فى الأمر كثيرآ وخلصنا بأن ما قد حدث قد كان حقيقة . لم يكونوا يتحدثون العربية ولم تكن طالبة الطب تفهم كلامهن لأنها لاتتكلم الألمانية ولكنه كان يفهمهم تمامآ ولذلك كان يتخيلها لغته الأم . لا زال يذكر هذه الحادثة عن إقتناع وهو يمارس حياته العادية مع أسـرته .
*****
لى عودة بروايات سمعتها أو قرأتها
أبدأ الكتابة بفكرة طارئة . قد يكون مقال قرأته قد يكون تعليق عابر يهيج مكنون يتدفق بإنسياب . ترتبك الأحداث فى صياغة أخرى مكونة مولود جديد . قد يظن القارى أحيانآ إنها أحداث بها حياة وشخوص لهم وجود
أتفاعل مع كلمة ترتبط بذكرى تتكون فكرة لها عينان وأذنان وقلب . أكون كالكاذب الذى يكون أول المصدقين . ينطفى هذا الحريق ويجف نهر التدفق فى لحظات أو ساعات وأحيانآ أيام وشهور ولكن غالبآ بلا نهاية . لا يقلقنى ذك فالحياة تتوقف فجأة ولا يوجد ما يحكمها فى الإسترسال مهما ملكنا من الحكمة . لذلك أطلقت على تدوينى من طلق (هواتف القلب) التى قد تأتى أو لا تأتى و لافرق
سأبدأ بتدوين ما قد كتبت وقد أكمل أو أستمر أو يكون هناك هاتف آخر
(1) الحصان الجامح
جاء صوته عبر الهاتف بنفس "اللكنة" الخفيفة على لسـانه التى تميزه بين آلاف الأصوات :
( هل أنت نائم)
رددت بنبرة متكاسلة وصوت متقطع و أنا أمط جسـدى أمامى إلا ما لا نهاية بتلزز الخمول وخدر النوم :
(بعض الشئ)
قال بصوت مليئ بالأسف :
(آسف أدعك تنوم)
رددت بلهفة متداركآ بصوت كله تنبه خوفآ أن يتنازل من الحديث :
( لا لا أنا كنت قد صحوت لتوى )
ضحك فى حبور وأردف بسـخرية بأنه لم يتبقى لنا من زكرياتنا سـوى هذه المكالمات . كانت الحياة تدب فى جسـدى وهو يجترها معى كأنها بالأمس .
سـألنى بلهفة :
(هل إتصلت به ؟)
كذبت عليه دون تردد بأنى لم لم أتمكن من الإتصال . بدأ يحكى لى كيف حصل على هاتفه . وكيف إتصل به مرارآ وكان الهاتف دائمآ مشـغولآ .
ربما كان مشـغولآ معى أو لم يضعه جيدآ . تحايلت عليه ليابدلنى الحديث . ولكنه إكتفى أن ينادينى بعد فترات صمت بكنية كان يحب أن يطلقها علىّ فى صبانا . كان يكابد البكاء أو هكذا خيل لى أنهيت المكالمة وأنا أتكلم كأنى فقدتها . لم يكن لى خيار آخر . فأنا أيضآ لم أقوى على الإسـترسـال .
كيف وصل به الحال الى هذا الحد من الإنكسـار ؟
أفقت على صوت صديقى على الهاتف :
(كم كان جسـور . كان يقتحم "القطاطى" ويخرخ من واحدة ويدخل الأخرى كالحصان الجامح)
لم أر يومآ حصانآ جامحآ فى حياتى فتخيلته وهو ثائر ذلك الحصان . خلفه "الفلاته" يضربونه بالعصى وهو أمامهم يخترق "القطاطى" غير آبه بالعصى التى تنهال على جسـده وترتسـم على وجهه المتعب إبتسـامة زهو وتحفز . توقف فجأة وتوقف مطارديه وتوقف الزمن . كأنهم أمام مارد من الجن . لم يعبأ بهم وعاد نحونا ومطارديه يتبعونه كحاشـية تزفه خوف أو فخر . إنضم إلينا وتابعنا سـيرنا فى صمت . لم يتبعوننا ولكن وقفوا يرصدوننا حتى غادرنا القرية تمامآ .
لم أكن أدرى هل كنت أحبه ؟ الحقيقة لم أكن أكرهه . كنا برفقته دائمآ فى مصادمات كان من الحكمة تفاديها . ولكن وجوده يحول الحكمة الى تخازل والعقل الى خوف وكنا مرغمين على القتال . معاركه لا تنتهى وكان دائمآ هو الخاسر . مواجهته دائمآ لمن هم الأكثر عددآ . لا يأبه بإصاباته حتى يفقد الوعى أحيانآ . لم يكن أعدائه سـعداء بمنازلته رغم تفوقهم بل يفضلون البعد عن طريقه .
واجهته يومها بعنف وحال بيننا الأصدقاء . لم يتحرك من مكانه وهو جالس على الأرض يعمل أصابعه فى التراب . وكنت أرقبه خفية وأعلم إنه يعلم أننى أراقبه وليس قادر أن أغير من الموقف شـيئآ . فجأة هب واقفآ وترك المكان دون أن يلتفت الى الخلف . شـعرت بنظرات العتاب فى أعين الرفاق .وكنت أعلم وكانوا يعلمون كم أنا مميز عنده . فشـعرت بالأرض تهوى من تحت قدميّ .
هالنى صوت صديقى على الهاتف كأنه يجول فى خاطرى يقول :
(لم تكن هى تلك المرة الأولى التى تقهره فيها . أتذكر تلك المرأة التى كانت تعمل فى الحقل خلف القرية ؟ فقد كان يعشـقها)
شـعرت مرة أخرى بالأرض تميع من تحتى . شـعرت بأنفاسها تلفحنى . وريحة الحصير والقماش المعطونة تزكم أنفى . كانت تعمل فى فى الحقل طيلة النهار كأن الكون توقف من حولها . لا ترى إلا الأرض وهى تفلحها . إلتف جسـدها بإحكام بثوب أزرق مهترى مظهرآ سـاعديها المفتولتين ومفاتنها رسـمآ مفصلآ . لا تعيرنا إنتباه ونحن نمر بجانبها تلتهمها أعيننا بشـبق الفتوة المتدفق . لم أراها يومآ فى سـوق السـبت فى القرية حيث يأت البعيد قبل القريب فقط فى الحقل وهى تفلحه فكأنها جزء منه .
عندما يسـدل الظلام يترائى ضوء خافت من "قطيتها" فى ركن من الحقل يبعد من القرية قليلآ . قد يكون منار للمخمورين الذين الى يلجون القرية بعد ليلة حمراء قضوها فى الجوار .
تسـللت يومها الى "قطيتها" بعد زوال الشـمس بقليل حيث يري الإنسـان بالكاد موطئ قدمه . أزحت ببطء الثوب الأسـود الذى تدلى مغلقآ الباب , لم أبحث عنها فكانت أول ما وقعت عليه عيناى. كانت مسـتلقية على الحصير وعيناها مثبتان على عينيى كأنها تعلم بمقدمى . لم تتحرك ولم أع ما في عينيها . ولكنه لم يكن رعب أو إسـتعداء أو قبول .
تسـللت داخلآ تاركآ الثوب يسـقط خلف ظهرى يعزلنى معها عن كل العالم . جلست قربها . تلاحقت أنفاسـى ويدى تزحف ملامسـة يدها نحو صدرها . قبل أن أبلغ غايتى و بحركة خاطفة قبضت على يدي . . لم يتحكرك فىّ سـاكنآ رغم قبضتها التى أوجعت مرفقى . لم تزيح يدى بعيدآ بل وضعتها على نهدها برفق وعيناها لا زالتا مثبتان على وجهى . صارت تحركها حيث تريد هى . دون أن يتحرك جسـدها أطفأت شـعلة النار بيدها الأخرى . جذبتنى نحوها برفق وأطعتها حتى لامسـتها وهى مازالت بنفس القوة ممسـكة بيدى . طافت بها فى مواضع أخري من جسـدها وأنفاسـها تلفح وجهى . وبحركة مباغتة أخري كبلت يدى الأخرى وصارت فوقى . و فى ذلك الظلام الحالك كنت أشـعر بعينيها ترمقانى بثبات . تحركت ببطء زاد عنف وعنفوان . أصيبت ببعض إغماءه وأنا فى ذروة الألم . عندما تمالكت نفسـى وهدأت أوصالى وجدتها مسـتلقية بقربي وشـعلة النار متوهجة وهى ترمقنى بنظرة أخري .
تعالت ضحكات صديقى حتى تحشـرجت الكلمات فى حلقه وهو يقول :
(هل شربت شـيئآ يوم أن ذهبت إليها ؟ )
وأعفانى إسـترسـاله فى الحديث من الرد على سـؤاله :
(أتذكر تلك الجثة التى وجدناها بالقرب من مخفر الشـرطة ؟ لا أعتقد بأنهم من قتلوه فقد كانت متعفنة الى حد ما .)
تزكرت ذلك اليوم ولكن طاف بى شـبح آخر . ذلك الطفل وهو محمول من ذلك الرجل وهو يحث السـير ورفيقه يحاول من إصلاح وضع ذلك الجسـد النحيل بين يديه.
إنها تلك الشـجرة "المسـكونة" . كانت شـامخة فى وسـط الحقول وحيدة تراها من من كل مكان وكل صوب .
يحكى بأن فقيه كان مسـافرآ للحج جلس تحتها يأخذ قسـطآ من الراحة . هجم عليه قطاع الطرق وقتلوه وإسـتولوا على زاده و ماله . منذ ذلك الحين وعند مغيب الشـمس تُسـمع منها أصوات. وتشـتعل النار فيها ليلآ . أو هكذا يقولون .
فى موسـم الزراعة لا يتثنى فى الطريق الى المدرسـة إلا أن يمر الأطفال من تحتها . كانوا يعبرون هرولة كأنه جزء من الطريق يجب إجتيازه هكذا . تتلاحق أنفاسى عندما أصير تحتها ويصيب قدماي خدر سـرعان ما يزول بعد أن أتخطاها .
فى الليالى المقمرة كنا نتجمع كل أطفال القرية كأنه إتفاق ملزم لنلعب " شـليل وحرينا وأم الحفر ..." وكل ألعاب القمر .
وكان هو طفل رشـيق الحركة نحيل الجسـد . يكاد يكون متفوق فى كل ضروب ألعاب القمر التى لا تخلو من البدائية فى عنفها وصلابتها كأنها حرب لها قوانينها وصرامتها العسـكرية والكفاح فيها لا يقبل التهاون أو التأنى .
بيننا ولد لايكبرنا كثيرآ فى عمره له جسم مفتول وثقة زعامة غير محببه . وكان الجميع يعلم غيرته من ذلك الطفل الرشـيق الذى يتفوق عليه . يعيد اللعب مرارآ بأعزار واهية ويبذل فى كل مرة كل طاقته ويكون دائمآ هو الخاسـر .
ليلتها كأنه كان على موعد مع القدر. تفوق من المرة الأولى . فأصاب الجميع وجوم كأنهم كانوا يحسـون بخطر ما . وقف الصغير فى إسـتسلام برئ ليلبى رغبة المنتصر . إنتبه الجميع متوجسـين من الحكم الذى يفرضه المنتصر .
أشـار الى الشـجرة بتشفـى كأنه يحقق حلمآ . أمره بالذهاب تحت الشـجرة والبقاء هناك ويحسـب له إلى الألف .
ذهب الولد نحو الشـجرة بين وجوم الأطفال وإبتلعه الظلام . تصايح الأطفال بأنفاس متلاحقة بدون توافق فى الأصوات الحسـاب بصوت عال نحو الألف . بنهاية العد لم يحضر الولد . بدأت الأصوات تتلاحق بمناداته ولا يجرؤ أحد من التقدم نحو الظلام الذى يلف الشـجرة . أتى رجلان عدوآ على الأصوات المحمومة التى تنادى . ودخلا الى الظلام وعادا يحملان ذلك الجسـد النحيل مفارقآ للحياة .
تكاسل صوت صديقى عبر الهاتف وأصبح يتمتم بعبارات غير مرتبة تنزر بإنتهاء المكالمة . لم أجزع ولم ألجأ الى فخ إجتزابه لمواصلة الحديث بما يثير مكامن الرغبة . لقد إكتفيت كما أكتفى هو لهذا اليوم .
فجأه دبت الحياة فى صوته وهو يقول :
(نعانى هذه الأيام من تتبع الشـرطة فى كل مكان . وإلتزمت المنزل تمامآ . أحد المجهولين يُعتقد إنه سـودانى قد إعتدى على ثلاثة من رجال الشـرطة أحدهم الآن فى المسـتشفى بالعناية المكثفة )
لم أبد إهتمامآ فلقد كنت قد وصلت الى قناعة نهاية الحديث . إسـتودعته متمنيآ له وبسـخرية حظ أوفر مع الشـرطة . وأردفت ضاحكآ :
( لقد كُتب علينا مواجهة الشـرطة الى الأبد .)
ضاع النوم تمامآ. خرجت من الغرفة فى طريقى الى "المطبخ" . وكدت أن أخطئ وأفتح الباب الى خارج المنزل . الثلاثة أبواب فى "متر مربع" (حمام ، مطبخ ، غرفة نوم) .
(ماذا تريد منا الشـرطة فنحن فى سـجن طواعية) . فكرت فى نفسـى متهكمآ .
فتحت "البراد" وصرت أبحلق داخلها دون أن أعرف ماذا أريد .أغلقتها برفق ووقفت خلف النافذة أنظر لذلك الكسـاء الأبيض يغطى كل شئ وبعناية وتنسـيق .
(لماذا كل السـودانين ؟ قبل فترة قتل معتوه إحدى عشـرة شـخصآ داخل "كنيسـة" بإطلاق النار عليهم . لم تتابع الشـرطة بنو جلدتهم جميعآ . هل إذا كان القاتل سـودانيآ كان الحال هو الحال ؟ لقامت الدنيا ولم تقعد (ونصير كلنا قتلة ) .
ضحكت بصوت مسـموع وأنا أتذكر صديقى الذى ذهبت به زوجته الى مخفر الشـرطة بتهمة الشـروع فى إغتصابها .
ها قد صرنا محمد "المكوجى" عن أى عنصرية نتحدث نحن !!
كان محمد من قبائل جبال النوبة . كان يعمل "مكوجى" يأتى مرة فى الأسـبوع . هو رجل هادئ قليل الحديث . يؤدى عمله بإتقان ونظام تام . يتناول وجبة الطعام وحده ويعيد "الأوانى" نظيفة بدون كلمة شـكر فكانت جزء من مخصصاته . آخر النهار دون أن يُراجع عمله ودون أن يحسـب أجره يأخذه ويذهب .
إختفى محمد عن كل المنطقة وإختفت معه أشـياء ثمينة من المنزل . تم إبلاغ الشـرطة التى قامت (بإجراءات أمنية واسـعة النطاق !!) كما قالوا . لقد ألقت القبض على كل أبناء النوبة فى (الحارة) .
ذهبت مع أبى الى مخفر الشـرطة نسـأل عن القضبة .
كان مركزآ صغيرآ يتناوب عليه أربعة جنود وظابط نادرآ أن يأتى . رحب بنا عند الباب أحد الجنود وطمأننا أن لا نقلق فالتحقيق فى مسـاره الصحيح . فى الداخل تبادلنا التحايا مع آخر وعرفنا من زميله إنه المحقق . ذكر المحقق بأنه لا مانع لديه حضورنا جلسـة التحقيق .
أمر المحقق بإحضار المتهمين . فُتح الباب وأدخل أربعة رجال عاريين تمامآ ويمشـون على أربع وخلفهم شـرطى يأمرهم بالزحف كما يقود الدواب . رأيت من بينهم حسـن الذى كان يعمل معنا قبل محمد . قفز والدى واقفآ كمن لدغته عقرب . وغادرغرفة التحقيق وأنا أركض خلفه . ذهب الى الجندى خلف المكتب وطلب منه حالآ تحرير تنازل عن "البلاغ" وبين زهول الشـرطى أتى آخر وأكمل أوراق التنازل بدون جدال وبدأ عليه إضطراب واضح . وعند خروجنا من المخفر على البعد كان المتهمين يحثون السـير و هم لا يزالون يكملون إرتداء ملابسـهم .
رن جرس الهاتف ولكن الهاتف فى نفسى كان أقوى فلم أرد .
الإخوة أحمد ومحمد والقارئ العزير وكل من مر من هنا
أشكر لكم جميل القول ما يحفزنى كثيرآ . التواصل هو أصل الوجود
عظيم محبتى
(2) فى القلب صقيع من وهج الصحراء
ألصقت وجهى بالنافذه مراقبآ تسـاقط الجليد كريش الحمام الأبيض الناصع . بدأ قليلآ وزاد فجأة فى كميته وسرعته . فتحت النافذة قليلآ وكأنه كان ينتظر إنهمر الى الداخل بقوة . قفلت النافذة بشـدة وعدت الى الخلف كأنى تعرضت الى هجوم خاطف . تبلبل وجهى بقطرات ندى مسـحتها بيدى . وعدت ولصقت وجهى مرة أخرى أنظر الى الخارج .
كنت فى الخامسـة عشرة من عمرى وأنا أسـافر أول مرة بالقطار وحدى . عهد والدى بى الى أسـرة لا يعرفها برعايتى أثناء الرحلة. تقبلوا ذلك بكل ترحاب . إمتعصت لذلك وأنا أحس بأن رجولتى قد خًدشـت . جلسـت معهم بنفس (القمرة) .
كانت أسـرة من رجل وزوجته ووالدته ولديه طفلتان . إحدى الطفلتان فى حوالى التاسـعة من عمرها . تكثر من الحركة والسـؤال وكثيرة التذمر. شـعرت نحوها بالغيظ وتولدت بى الرغبة فى إيذائها . لم أحتمل وجودى فتزرعت بذهابى الى الحمام وهربت الى عربة أخري من القطار .
لم أجد مكان للجلوس فوقفت ملتصقآ بالنافذة أحدق فى الرمال على مد البصر . عند المسـاء وأنا ألصق وجهى بالنافذة أظلمت الدنيا من حولى وكأن ظل عملاق قد غطى الكون فجأة . بدون تفكير جذبت النافذة الى الأسـفل . إختلط صرير القطار مع أزير الرياح وإندفع الى الداخل دخان كمارد خرج من القمقم لتوه ولم يجد طريقآ له سـوى عبرهذه النافذة . قفزت الى الخلف مفزوعآ وتعالى الصياح من حولى مخلوطآ بعبارات غاضبة . إندفعت هاربآ وأنا أفرك عيناى بكلتا يداى . إصتدمت بشـخص و أنا أركض و لا أري أمامى . جائنى صوته معاتبآ :
( أين أنت يا بنى لقد بحثت عنك كثيرآ)
تبعته دون أن أرد وأنا لا أزال أعالج عيناي .
طاف بى كل ذلك وأنا أمسـح قطرات الماء من وجهى . فتحت الباب فكان الجليد لا يزال منهمرآ . تقدمت خطوات حتى صرت تحته تمامآ وتوقفت بتلذذ أراقب المارة المسـرعين أمامى . مرت أمامى إمرأة حسـبتها تخبئ طفلها تحت ملابسـها متعثرة فى سـيرها . ولما إقتربت منى وجدته كلبها . عدت الى داخل المنزل وأنا أبتسـم وأهز رأسى .
ذهبت الى (البراد) للمرة الثالثة . صرت أنظر داخلها أتحسس الأشـياء بيدى بدون إهتمام . قفلتها وذهبت مرة أخرى الى النافذة . كم أنا جائع ولكن نفسى تأبى الطعام .
لم تكن السـيدة الكبيرة مرتاحة لوجودى أو هكذا تخيلت . عندما هجد الجميع أخذت حقيبتى وتسـللت خارجآ . كنت أحس أنها تراقبنى ولكنى لم أهتم لذلك فكنا متفقين على أن أذهب. ذهبت الى عربة أخرى بعيدة وبالقرب من الحمام قضيت ليلتى نائمآ على الأرض .
صحوت باكرآ من حركة متعمدة من إحدى السـيدات تريد الدخول الى الحمام . أخذت حقيبتى وذهبت الى مكان آخر . أحسـست بالجوع فذهبت الى (السـنطور*) . قابلنى شـيخ جليل وأخبرنى أن أعود بعد سـاعة زمان فالإفطار له مواعيد . وجدت نافذة مفتوحة وكان الجو صحو . أخرجت رأسـى أملأ رئتاى بالهواء النقى . أبطأ القطار فى السـير مرورآ ( بمحطة ) صغيرة يبدو أنه لا يتوقف عندها .
رأيت من البعد جمهرة من الناس . مددت رأسى خارج النافذة ترقبآ والقطار يقترب منهم . كانوا فتية وفتيات يطاردون القطار الذى يسـير متمهلآ يبيعون أشـيائهم الى المسـافرين . إلتقت عيناي بفتاة جميلة تلبس طرحة بيضاء ولباس أبيض ووجه جميل أخذنى حتى الغيبوبة . كانت تجرى وعيناها معلقتان بعينى وتحمل مناديلآ بيضاء فى يدها وبفمها إبتسـامة سـاحرة . إقتربت منى وهى تمد لى منديلآ . تعلقت به كالغريق وأخذته بكل جوارحى . وهى دون أن تتكلم لا تزال تعدو وتنظر إلىّ بإبتسـامتها الفاتنة . إزدادت سـرعة القطار قليلآ فتنبهت بأنى لم أدفع لها شـيئآ . أخرجت (كيس) نقودى بإرتباك وأنا أنظر إليها بإنجزاب جارف فسـقطت من يدى (كيس النقود) . جزعت وأنا أنظر إليها والقطر تزيد سـرعته . توقفت الفتاة وإلتقطت (كيس النقود) وصارت تعدو نحوى . فرأيتها على البعد تشـير الىّ ورمت به إلى أحد المسـافرين بالقطر . أدخلت رأسى وصرت أعدو داخل القطر ولكن لم أعرف من أسـأل وماذا أفعل . ضاعت نقودى ولم أجد طريقى الى حقيبتى .
عدت الى غرفتى و إسـتلقيت على السـرير وأنا أفرك وجهى بقوة بيدىّ . كأنى أطرد الجوع الذى تنوء به أحشائى . أخذت الهاتف وإتصلت بصديقى فى الجوار . جاوبتنى زوجته وأخبرتنى بأنه غير موجود ولكنه قد يأتى فى أى لحظة . أردفت بأنه خرج لإحضار خبزآ . ومتداركة قالت :
( تفضل معنا لقد طبخت اليوم (ملاح*) بامية رااااااائع)
إنفجرت ضاحكآ بصوت مجلجل وهى تصيح ماذا هناك وأنا لا أسـتطيع التوقف من الضحك . تمالكت نفسى ومسـحت دموعى وقلت لها :
(أنا فى طريقى إليكم )
يا له من يوم لا ينسـي . تعطل القطار فى قلب الصحراء . إفترشـت الأرض خارجآ مثل كل المسـافرين . غطيت وجهى بالمنديل الأبيض الذى لم أسـخط عليه بل أحببته . شـعرت بيد تربت على كتفى . وجدته ذلك الشـيخ الجليل ذو الوجه المريح .
قال لى متسـائلآ :
(لماذا لم تأت للفطور يا إبنى ؟)
أخبرته بصوت خافت بأنى فقدت نقودى . لم يسـألنى عن شئ وسـحبنى من يدى وأخذنى الى غرفته داخل القطار . أجلسـنى على طاولة صغيرة . ومن "براد" صغيرة أخرج طبق به "بامية" وقطعة من الخبز . إعتزر لى بإنه بارد قليلآ وتمنى لى شهية طيبة وخرج لكى يزيل الحرج عنى . كان أشـهى( إدام بامية) أكلته فى حياتى .
فجأة دخل رجل آخر تبدو عليه صرامة وضيق خلق شـديد . نظر إلىّ شـذرآ ونظر الى الطبق أمامى وفتح البراد بعنف وصار يصيح بصوت عال وغاضب .
(عصماااااان فين البامية الى كان هنا أنا كنت عايز ناكله)
تمنيت لحظتها لو إبتلعتنى الأرض وهرولت خارجآ وهو ينادى
(تعالا يا إبن ... إهرق ..... أهلك)
(3) لغتهم وفسقنا وحالهم
أشار على جارى الذى سـبقنى بأربعة سـنوات بقراءة الصحف اليومية لإكتسـاب اللغة . ونصحنا أسـتاذ اللغة أن نتصنت أحاديث الآخرين فى المركبات العامة (لتسـليك) الأذن .
جلسـت ذات مرة بالقرب من زوجين بينهما خلاف حاد . لم يعتنيان بوجودى وقد يكونان متأكدين من جهلى بلغتهما . شرح الرجل وجهة نظره للزوجة فى محاضرة مهذبة ( ليس بها أى منطق) محملها كل أخطاء الزوجية . ترقبت منها ثورة ولكنها كانت باردة تمامآ كمن أراد الإغتيال كما نسـمع فى نشـرات الأخبار (بدم بارد) ردت بأنها لم تسـمع جيدآ ولا تفهم ما يقول . فرد بنفس البرود :
(أفهم تمامآ قأنت لا تجيدين اللغة العربية )
غالبنى الضحك وغادرت مكانى . لاحظت المرأة ذلك وضحكت لا أعتقد بأنه فهم فقد كان مغتاظآ .
كنت جالس أمام منزلى على (بمبر) صغير أحتسى كوبآ من القهوة . أتى جارى (المقاول) غاضبآ . طلب منى أن أحضر له كرسى ليجلس . كنت أعرف إنه يريد أن يشكى ظلم زوجته كعادته . تنازلت له من (البمبر) وجلسـت على كوم صغير من الرملة . تجاهلت غضبه وتمنيت فى نفسى أن لا يتحدث عن زوجته . ولكنه كان مبيتآ للأمر فبدأ حديثه مباشرة :
(هذه المرأة لا تفهم كأنى أتحدث معها (باللاوندى))
ضحكت مغيرآ الحديث متسـائلآ بإهتمام مفتعل لأى جنس (تنسـب هذه اللاوندية ) ؟
تجاهل ما قلته وإسـترسل . بأن وضعه الآن جيدآ وعمله ناجح جدآ ولكنه يسـتنزف كل وقته . طلب منها ترك العمل والتفرغ للمنزل والصغيرة . ولكنها متمسـكة بعملها وراتبها الذى لا يكفى (شربة موية) بتعبيره . عذرها بأنها تخاف غدر الرجال بعد أن (تجرى) النقود فى أيديهم . أردف غاضبآ :
(هذا عيب الزواج من المرأة المتعلمة )
داعبته قائلآ :
( كنت تفضلها "مرة سـرير وحلة ملاح")
لم يتجاوب مع غمزى فى تغير مجرى الحديث . فكنت دائمآ محايدآ أو أسـاند الزوجة . وفيما يبدو هذا ما يجعله يختارنى للشـكوى ويريحه رأيي فى زوجته التى يحبها كثيرآ . يفرغ ما فى جوفه ويعود إليها مرتاحآ .
قال غاضبآ :
(كلما أتيت (بحبشـية) للإعتناء بالطفلة فى غيابنا أعود الى المنزل أجدها قد تخلصت منها )
ضحكت عاليآ ضحكة زات مغزى . فلم يتمالك نفسـه وخرج عن وقاره وضحك حتى أصابه السـعال . طلب منى كوب من القهوة فإقترحت عليه الذهاب الى (سـحس) صاحب قدرة (الفول) نأكل فوله (المدنكل) ونحتمل أكاذيبه التى لا تنتهى .
جلسـت على مقهى وطلبت من النادلة الإيطالية الحسـناء كوب من القهوة . تناولت صحيفة يومية . قد أقرأ بنصيحة صديقى ولا يضير أن أعلم ماذا يجرى حولى . تخطيت عدة صفحات بحركة آلية وتوقفت أمام صورة ثلاثة فتيان وثلاثة فتيات فى العقد الثالث متعانقون وعيونهم ملئها السـعادة . العنوان تجربة مثيرة يخروجون منها بصداقة متفردة . بدأت القراءة متعثرآ كبداية أكادمية تتأمل الأفعال والتصريف اللغوى .بعد فقرة والثانية صرت أقفز للوسط وقبل الأخير والخاتمة . فى أى مصيبة نحن . أتت الحسـناء بالقهوة مبتسـمة بوقار . لم أبتسم متقذذآ وقررت حرمانها من كلمة الشكر المعتادة .
جلسـت داخل البص فى مقعد منزوى . جائنى خاطر بأنى ألبس ثوب رياء . هذه حياة قد تكون أشـجع من حياتنا . تقابل هؤلاء الشـبان خلال إعلان فى الصحف . الفكرة كسـر رتابة الزواج فى جلسـات جنس جماعية لتبادل الزوجات . قالت أحداهن :
(بعد أن عاشرت الإثنان وعدت الى زوجى إسـتطعمته كما لم أفعل من قبل !)
(نادية عبد الفراج) أشـهر مقدمة برامج الجنس فى أشـهر المحطات الألمانية تفخر بأنها سـودانية . تذكرت جارتى المغتربة بمصر . عادت فى عطلة ومعها صديقات جدد. طريقة لبس مختلفة وثقة فى التخاطب أقرب الى الإسـتعلاء كأنهم فى زيارة دولة أخرى لم تصلها حضارة بعد . الحديث متهللآ بإحساس الزائر أو السـائح .
تحمس جارى الشـاب فى إكرامهن . وسـخر سـيارته فى ترحيلهن بين ضفاف النيل والهلتون و المريديان وبيوت االأعراس .
قابلته بعد فترة وسألته عن صديقاته . لعنهن وقال :
(بعد إسـتنزافى تمامآ قالن هن يعملن فقط فى القاهرة )
ذهبت إلى محطة القطار وجلست أراقب المسـافرين
(4) الأمن وضياع الأمان
يجب أن أكون غدآ باكرآ فى موقع عملى الجديد و الأرق الليلى يطاردى . أغمضت عيناى وأنا أسـتجدى النوم . يبدوأننى قد نمت وأنا أحلم بأنى لا أزال أغالب النوم . أفقت على طرق شـديد على الباب . نهضت وكلى خدر كأنى أسـير على بسـاط من ثلج هش أغرز قدماى فيه وأخلعها عنوة . فى طريقى تنبهت بأننى قد سـمعت الباب يرن عدة مرات قبل الطرق ولكنه ضاع فى رنين أحلامى .
فتحت الباب ووجدت أمامى فريق من الشـرطة رجلان وفتاة . لم أتبينها جيدآ وحاولت أن أنظر خلفهما ولا أدرى عن ماذا كنت أبحث . تراجعت الى الخلف معطيهم ظهرى ولكنى عدت مرة أخرى متراجعآ .
تمتم أحدهم بإقتضاب معتزرآ عن إيقاظى وطلب إذن بالدخول . فسـحت الطريق وسـمحت لهم بإشـارة من يدى .
تقدم فقط بضع خطوات داخل المنزل وإكتفى بها . من خلفه الفتاة تجول بنظرة سـريعة فى أركان المكان بدون إهتمام بينما إكتفى الثالت بالتقدم خطوة بعد الباب متابعآ الحديث بينى وبين زميله . كان ثلاثتهم يلبسـون ملابس زاهية تدلى منها سـلاسـل فى مناطق متفرقة . وكل لديه سـلاح فى غمده فى الجهه اليمنى متدليآ قليلآ وقد تم تحريره مثل رعاة البقر .
بعد تعريفه لنفسـه سـألنى عدة أسـألة عن هويتى بدون تدوينها . وبأدب صارم شرح لى طبيعة مهمته . جارتى (العزيزة الشـمطاء) قد فقدت قطتها وفى إفادتها ذكرت إنها رأتنى أداعب القطة قبل أيام . رددت بالإيجاب وبأنى لا أعرف عنها شـيئآ . لم يجادل وقد بدآ كأنه يهم بالإنصراف . فإسـتوقفته بذكاء مفاجئ إعترانى وطلبت منه أن يفتش معى المنزل ربما أتت القطة دون علمى . شـعرت بالإرتياح فى قسـمات وجهه كأنى زللت له شئ قد لا يكون حرج بل شئ من هذا القبيل . تم التفتيش بطريقة غير دقيقة .
بعد إنصرافهم لعنت نفسـى مالى أنا ومداعبة هذا القط الكريه . وأنا بطبعى لا أحب الحيوانات فعلتها فقط توددآ لهذه الشـمطاء .
عدت الى سريرى وإسـتلقيت على ظهرى أنظر الى السـقف . مر بخاطرى رجل السـوارى وهى يفرق الجموع المصطفة فى بوابة (الشـعب) فى سـينما أمدرمان . يغوص بحصانه بين أجسـاد المتجمهرين وصوت السـوط يطرقع فى الهواء فينزوى النسـاء على بعضهم البعض جزعآ وهم على الطرف الآخر من الشـارع . قال صديقى هل شـروط تعيين الشـرطة هى (المسـاخة) ؟
حكى لى صديقى ذات يوم ليلة القبض على التجانى الطيب . كيف إسـتيقظوا عند الفجر (بطقطة) فوق سـطح المنزل . إمتلأت أسـطح المنازل بالجنود . قفلت المداخل بمدرعتان وعربة شـرطة مصفحة . إصطف أهل (الديم) فى وجوم والشـرطة تخرج ذلك الرجل الذى عاشـوا معه وعاشـروه ردحآ من الزمان بإسـم آخرلا يزالون يتزكرونه به كأنهم لم يصدقوا كذبة العسـكر . ضحك محدثى عاليآ وهو يوصفهم وهم ملتفون حوله كل يبحث عن مكان يقبضه منه لينل شـرف ما . مسـلحين يصوبون أسـلحتهم من أعلى أسـطح المنازل . وآخرون منبطحون على الأرض . وهو يبتسـم لأهله معتذرآ . لم يغضب منه أحد بل صار بطلآ آخر .
تزكرت أن التوقيت الشـتوى سـيتعدل اليوم فقمت لضبط سـاعة الحائظ
(5) كل الأفخاخ منصوبة واللكل ضحية
قبل نهاية حصة العمل بقليل شـرعت فى لهفة جمع أشـيائى وترتبيبها بنظام و بدون تصنيف . ذهبت الى الحمام وأنا أصلح من حالى أحدق فى زوايا وجهى كأنى أرتبه بالتبحلق . أكتقيت برسـم نظرة هادئة وضعتها فى عينىّ . أعلن المحمول فى جيبى عن وصول رسـالة . فتحته وأنا فى طريقى الى درجى . إنه من إبنة عمتى . والدتها مريضة . أخذت أغير فى ترتيب الأوراق وأعيدها وأنا أرقب خلسـة سـاعة الحائط .
خرجت الى الطريق مسـرعآ ورأيتها على الجانب الآخر من الشـارع . حاولت أتصنع التشـاغل حتى ألتقى بها بغير ميعاد . ولكنها إلتقطت نظرتى ولوحت بيهدها وأتت نحوى بإبتسـامة عريضة . إرتبكت قليلآ وأنا أبادلها الإبتسـام . صافحتنى بحرارة قائلة :
(خفت أن أكون تأخرت وأفقد رفقتك)
زاد إرتباكى وتداركت بالسـؤال عن أحوالها . إسـترسـلت مسـرورة تحدثنى كيف إفتقدتنى بالأمس مما أكد لها أن هناك تميز فى علاقتنا . إسـتقلينا القطار وهى لا تزال توصف شـعورها ولا تنفك فى ترتيب شـعرها الأشـقر ورغم قصره كانت تهز رأسـها كأنها تبعده عن عينيها . صرحت لى بأنها أصبحت لا تهتم كثيرآ لغياب صديقها . شـعرت بأنى وقعت فى فخ نصبته بيدى . أخذت أحاول الإحتفاظ بإبتسـامتى وأنا أنصت إليها .
إتصلت بعمتى بالهاتف . جائنى صوت إبنتها مطمئنآ بأن أحوالها متحسـنة وقد زارها للتو إبن جارهم الطبيب . بدهشـة سـألتها متى تخرج هو ؟ إسـترسـلت منذ سـنوات وإنه الآن طبيب ماهر ومحبوب من كل أهل الحى . شـعرت بلهفتها عليه أو قد يكون قد خيل إلىّ . عرجت بالحديث عن عمتى . قالت يمكننى التحدث إليها .
جائنى صوتها واهن بالمرض ولم تنسى أن تنادينى كعادتها (ولد الحبيب) . تجاهلت لهجة الإنكسـار فى صوتها وداعبتها بأنها قد خزلتنى وأنا أبحث لها عن (عريس) هنا . ضحكت وإكتسـب صوتها بعض القوة وسـألتنى عن أحوالى . إسـترسـلت أجمل لها فى واقعى وأنقل لها ما يرضيها . إكتسـب صوتها قوته وهى تنقل طواعية أخبار أعمامى وعماتى مغلفة بالرضاء والطمأنينة بنجاح أبنائهم . سـألتنى عن عملى وسكنى وعودتى . فجأة عاد لها صوتها الجهورى وهى تسـألنى :
(عامل كيف مع بنات الخواجات ؟)
أردفتها بضحكتها المجلجلة التى أعادت إلىّ كل الإنتماء كأنى أتصل بها من منزل والدى . فرددت عليها مداعبآ :
(حلا وحمار)
جائتنى ضحكتها مجلجلة كأن المرض قد فارقها تمامآ وصاحت بصوت تحاول جعله صارم :
(هوى يا ولد يا ممسـوخ إنت أوعك تجيبا لينا (غلفا) . أعمل حسابك اللحم الأبيض ده لا الدلكة لا الدخان بتشـيل صنتو)
عمتى إمرأة فارعة جميلة قاسية القسـمات . صوتها غليظ رجولى . مات زوجها وهى فى العشـرين من عمرها تاركآ معها طفلآ وطفلة وحملآ فى أحشـائها أسـفر عن بنت أخرى . وثروة من المال والأطيان . توصى شـقيقه بها ورفض الزواج منها . عندما مات ترك كل الثروة بيدها وأوصاها على زوجتيه اللتين لم تنجبان .
فقدت إبنها أبان ثورة أكتوبر . لا يتحدث الكبار كثيرآ عن ذلك . سـمعت بأنه قتل فى المظاهرات ولم يعثر على جثته . وسـمعت بأنه قتل فى مشـاجرة مع رفاقه وأخفيت جثته . وأيضآ من يقول إنه حى يرزق وقد إتبع طريقة صوفية فى غرب البلاد .
لم أسـمعها يومآ تتحدث عنه وصورته المعلقة على حائط غرفتها تهتم بنظافتها وحدها .
إتفق والدى مع أعمامى وطلبوا منها رعايتى لضيق الحال مع والدى . وكانت تعلم جيدآ بأنهم يعوضونها الولد فىّ .
إنتقلت الى السـكن معها ولم أنقطع عن منزل والدى الذى لا يبعد كثيرآ .
لا أنسـى هذا الحى القريب من المقابر حيث كنا صبية نتسـلل إليها لإصطياد (القمري) بشـرك من سـبيب زيل الحصين . كنا نذهب إلى (حى العرب) حيث تكثر (عربات الكارو) لسـرقة الشـعر من الحصين .
نظرت الى (سـبيبتها الشـقراء) على الفراش فتمتيت فى نفسـى أن لا تعود .
(6) رائحة الجنس وطعم الموت
فى ذلك الصباح كانت موظفة الإسـتقبال ليسـت بشـوشة كطبعها . زميلها تبرع برد تحيتى نيابة عنها . عند بلوغى درجى وجدت زميلتى واجمة تمامآ وهربت الروح من وجهها وهى متعلقة بعينى جاهدة تقرأ فيهما. شـعرت بشئ جلل فسـألتها بلهفة ماذا هناك . تأكدت بأنى لا أعرف شـيئآ . قامت من مكانها وأرتمت على كتفى وهى تنخج بالبكاء :
(لقد ماتت "نويمى")
كانت أيضآ شـقراء . ليسـت على جانب من الجمال ولكنها تمتلئ حيوية . دائمآ تعمل بجد ولكنها لا تكف عن الثرثرة التى تتخللها الضحكات الصاخبة . دائمآ سـاخرة وتلوك الجنس فى فمها فى موضعه و غير موضعه . كانت تنادينى بالأسـود مما يسـبب الحرج لزميلتى فى المكتب . كنت أداعبها بأنها لو جربت الأسـود لما إلتفتت ثانية الى الأصفر أغمز إلى صديقها الفيتنامى . تضج ضحكاتها وهى تدلك على ظهر يدها تلقائيآ . عندما تعود الى العمل بعد غياب يوم أو إثنين تقابل بترحاب كأنها غابت دهر من الزمان .
أشـعلت فى جسـدها النار. لم تسـتطيع إحتمال بلوغ حتفها والنار تحرقها فقذفت بنفسـها من الطابق الخامس طالبة الموت السـريع أو هلعآ منه .
أى سـر فى حياتها . تذكرتها وهى تدلك ظهر يدها كعادة لم نلحظها . لم نسـمع عنها جديدآ سـوى ثرثرة هنا وهناك . أحد عملاء العمل المنتظمين عمد وهو يخاطب موظفة الإسـتقبال بوجودى أن يقول :
(يجب التحقيق مع صديقها)
لم يفوتنى ما يغلفه قوله . وافقته كأنى لا أفهم ما يرمى إليه :
(نعم صديقها قد يكون أدرى بأسـرارها )
خرجنا جميعنا وإسـتقلينا البص فى طريقنا الى المرسى فى رحلة نهرية منحتنا لها (الشـركة) . تذكرتها تعتذر عن الذهاب لأنها تخاف الماء وتصاب بدوار البحر .
وأنا أرقب سـطح النهر الهادئ تذكرت سـطح البحر فى بورتسـودان . تري الحياة تحت الماء كاملة التى قد يعكرها الريس حبشى وهو يبحث عن القواقع و(الأنتابوتا) كأنه كائن بحرى .
ظهيرة يوم صيف حار ترتفع درجة رطوبته فوق الإحتمال كادت أن تخلو أركان ذلك السـوق الصغير من أرجل المارة . البنيان الضخم للمحلات تتوسـطه (زريبة) الفحم بسـورها القصير تزيد غيظ النهار . أتت ربيعة ذات التسـعة ربيعآ بجسـمها المتتلئ تشـترى بعض الأغراض من صالح اليمانى . إسـتدرجها الى داخل (الدكان) وسـرق عزريتها .
توارت عن الأنظار وحل سـكون فى منزلها كما تقطنه الأشـباح . أعتاد أهل الحى على هذا الهدوء ولا تجد من من يعيره إهتمام حتى فى ثرثرة النسـاء . أتى غرباء ودخلوا المنزل فى سـكون وخرجوا بجسـمان والدتها الى مثواه الأخير . إكتفى والدها بقفل الباب دون أن يلقى نظرة على موكب الجسمان . لم يشـارك أهل الحى وإكتفوا بهمهمات إحترام لموكب الموت .
لم أر والدها مغادرآ أو عائدآ للمنزل . كنت أنضم لجوقة الأطفال ونتسـلل ببطء من تحت المنزل الخشـبى الزى يرتفع عن الأرض حوالى المتر حال كل منازل بورتسودان القديمة . نتسـلل إليها حاملين أكياس الإسـمنت الفارغة ونعود فى اليوم التالى نجدها قد صنعت لنا منها أكاس من الورق متقنة الصنع نبيعها فى سوق الخضار . نحضر لها معنا بنصف الثمن الحلوى و (حلاوة الطحنية) التى تحبها . كانت تتودد إلىّ كطفل غريب لا تعرفه ولكتى رفضت الإقتراب منها وهى لا يسـعها الدخول تحت البيت وقد صارت إمرأة . كان يتسلل لها الصبية الذين يكبرونا سنآ لمآرب أخرى .
عدت وأنا يافعآ وكان أهلى قد تركوا ذلك الحى . ذهبت لزيارة أصدقائى بالحى القديم . قضيت معهم عطلة جميلة بين رحلات صيد السـمك فى (خور كلاب) نغتسل فى ذلك النبع العذب العجيب الذى يلاصق البحر . ومناوشـة الغربان والسـباحة الى السـفينة الغارقة فى منطقة (الملاحات) .
أتى إسـمها مرة فى مداعبة عابرة بين الأصدقاء . سـألت عنها بلهفة وكنت قد نسـيتها تمامآ . رد صديقى بأسـى مملؤ بزكريات الطفولة بأنها قد ماتت .
فتحت باب المنزل إقتحامآ وهى تعدوا فى الطرقات وهى تصرخ كتلة من النار ملتهبة . يهرب الناس من أمامها لهول الصدمة وفظاعة المشـهد . حتى سـقطت فى قلب الإسـفلت . لم يسـتطيع أحد الإقتراب منها حتى فارقت الحياة .
صافرة الباخرة معلنة نهاية الرحلة قابلتهاأوصالى بإرتياح تام
(7) خلق آخر أم خرق للخلق
جارتى السـوداء .. تزوجت .. من إمرأة بيضاء .. هذا ما حدث !!
لم أعلم مصادفة . وجدت بطاقة دعوة فى بريدى. لم أتخيل لحظة أن الشـريك إمرأة .
كدت أتصل بها تلفونيآ وأشـكرها على الدعوة ولكنى عدلت . قد تكون مشـغولة وتنعدم بيننا خصوصية العلاقة . تتزامن مواعيدنا أمام منزلها صباحآ وأنا فى إنتظار البص وهى تقود سـيارتها خارجة الى العمل . تبادلنى التحية بإيماءة بالوجه وإبتسـامة مهذبة . تحية يفرضها إنتماء اللون وغربة الواقع .
ذهبت متأخرآ قليلآ عمدآ تفاديآ الإختلاط بجموع المدعوين لأتجنب حرج الغربة . وصلت كنيسـة الحى وبدت خالية من الخارج فقد بدأت المراسم بالداخل . كان عدد المدعوين لا يسـتهان به . وأنا أتلمس طريقى للجلوس تلاقت نظراتنا فحييتها بإيماءة بوجهى جاوبتنى بإبتسـامة عريضة كلها إمتنان لحضورى .
كانت ترتدى فسـتانآ عاديآ داكن اللون وبجانبها إمرأة بيضاء ترتدى فسـتان أبيض تكاد تكون عارية . كنت أحسـبها (شـبينتها) . توالت المراسـم بتفصيل مسـرحى الطقوس . كنت متابعآ لا ينتابنى أى ريب أو ظن . هب الحضور واقفين لحظة عقد القران ووسـط تصفيق الحاضرين تبادلت المرأتان قبلة محمومة . تسـمرت فى مكانى متابعآ القبلة لحظة بلحظة . تضخمت كل أحاسـيسى وشـعرت بكل شـعرة تنبت فى رأسى . تلمسـت طريقى خارجآ من وسط الجمع هلعآ كمن يسـابق أحشـائه للوصول إلى موضع يناسـب إسـتفراغها .
وأنا متكئ على الأريكة تترائى لى تلك القبلة والشـفاه تغوص بتشبث متلاحق محموم كتلاهف ذروة المتعة. لا أتابع كثيرآ ثرثرة صديقى على الهاتف و صخب ضحكاته وهو يترك لخياله العنان متخيلآ كل ما يمكن أن يحدث بين زوجين . وعرج على مكايدة أم العروس و(الحردان) ..... وتعالت ضحكاته وهو يقول لو تثنى إلى (الشفه ضكر) أن تأتى الى هنا لصارت من الوجهاء .
(الشـفه ضكر) رأيتها عن بعد مرة احدة فى غابة (أم بارونه) .
تقبلت دعوة أصدقاء من حى (دردق) لحضور حفل زفاف . صداقة حديثة و حميمة جمعتنا فيها منافسـة مدنى الرياضية . قضيت الليل فى ضيافتهم وفى اليوم التالى وبنشـوة الأفراح قرر أهل العرس الذهاب (رحلة) إلى الغابة . جلسـنا متقاربين وبنشـوة الأمس واصل الفتيات الغناء والرقص بحرية كاملة وكل الحضور من الأقارب .
كنت تقريبآ الوحيد الأكثر تحفظآ وأرى حولى جيدآ بينما الآخرون على سـجيتهم فى سـمر ونشـوى . إقترب منا فريق من الشـباب فى طريقهم بحثهم عن مكان يبدو أنهم يريدونه أكثر إنزواءآ وذلك فى ترددهم فى الإختيار مشـاورين بالأيادى فى إتجاهات تفاضلية .
حدث إختلال فى فريقنا من الإناث .سـكن الغناء و بدت حركتهن مترقبة بإنزعاج فضولى وإنتابهن تنبه أشـبه بالتنبه الذى يعترى الفريسـة وهى تشـعر بدنو الخطر قبل أن تبدأ رحلة الهروب . تردد إسـم (الشفه ضكر) فى الأفواه مما نقل لى عدوى الإسـتنفار . رأيتها عن بعد فى لبس رجالى ولو كنت وحدى لحسـبتها رجل .
أتت الى مدنى بتحويلها الى سجن المدينة لقضاء ثلاثة سـنوات من الحكم . يتردد بأن حكمها لتورطها فى جريمة إغتصاب صبي فى مدينة أخرى . إسـتقرت بالمدينة بعد قضاء حكمها . تقطن مع إمرأة مسـنة تنتظرها أمام المنزل حتى عودتها مهما تأخرت . تنفصل عن مرافقيها على مبعدة من المنزل وليس لديها نوع من التقارب مع أهل الحى الذى تقطنه .
لديها صديقة فى (الحلة الجديدة) فى منزل عام تقوم بالوصاية عليها يُقال هى التى أتت بها. تعودها غالبآ فى فترة الظهيرة ونادرآ أن تقضى معها الليل . كانت صديقتها صبية هادئة قليلة الحركة . كانت تلبى خدمات النساء فى المنزل بدون تزمر من رسـم الحناء و (مشـاط) الشـعر وما إليها من حياة النسـاء . عند حضور صديقتها تتسـلل إلى غرفتها معها ولا تغادرها وتبقى بها فترة طويلة بعد تغادر صديقتها المنزل .
لم تكن (الشـفة ضكر) تمارس الفتوة أو العدوانية ودائمآ صامتة ولا تلتفت لأى تحرشـات ومناوشـات غالبآ ما تتعرض لها . رفاقها مجموعة متفرقة لا يجتمعون إلا لمامآ وجلهم من الرجال . يُقال إنهم يقومون بعمليات سـطو ليلية على العابرين فى المناطق الخلوية . لا يعتدون على الضحايا إذا أسـلموا ما لديهم ولم يقاوموا . يقتسـمون غنائمهم فوريآ ويتفرقون .
ذات يوم ذهبت على غير عادتها الى صديقتها صباحآ . كانت الصبية تبيع الهوى مع رجل . فزعت النسـوة وحاولن منعها من الدخول . إقتلعت (الشـعبة) من قلب (الراكوبة) المنصوبة ولوحت بها أمامها مفرقة النسـوة . إقتحمت الغرفة وبوحشـية إنهالت على الرجل ضربآ . ولولا تحطم العصى الغليظ على الحائط لقضى نحبه . تحين اللحظة هاربآ تاركآ ملابسـه خلفه . لم تتبعه وتحولت الى الفتاة وإنهالت عليها بقسـوة ضربآ بيديها تأديبآ وهى تنعتها بالعاهرة .
فزعت على صوت إرتطام على الباب من الخارج . هرولت جزعآ وفتحت الباب وجدت قارورتين من الحليب اليومى .