28 ايلول, 2007
الانترنت بطبيعته غير قابل للضبط
محمود الريماوي
القرار بإخضاع ما ينشر على الانترنت محلياً ، لقانون المطبوعات والنشر جاء مفاجئاً ، فالأردن ليس من البلدان التي تضع رقابة على الشبكة العنكبوتية ، ولا هو من الدول التي يجري تصنيفها وتسميتها "معادية للانترنت " . ويكاد المرء يكون على يقين ، بأن هذا الوضع لن يتغير ، فذلك يتماشى مع التوجهات الرسمية الأساسية ، بالتواصل مع مخرجات تكنولوجيا الاتصالات والميديا ، بغير تقييدات تذكر .
حدثت تجاوزات وتحدث مثلها وأكثر في كل مكان في العالم .غير أن الضرر يظل أقل من ذلك الذي ينجم عما تنشره المطبوعات الورقية ، وما تبثه الإذاعات ومحطات التلفزة . الضرر أقل ، بسبب الإدراك العام بأن للإنترنت إلى جانب مزايا الفضاء المفتوح والذي لا حدود له ، فإنه كذلك قابل لأن يتسم بالارتجال والعشوائية ، وحين يجري استقبال ذلك المنتوج بهذا الإدراك ،فإن التأثير يصبح أقل ويكون إذا حدث آنياً وكما يحدث في ميادين الخطابة المفتوحة ، حيث يختلط الجد بالهذر بالاستعراضات الذاتية للمتحدثين ، كما في حديقة هايد بارك الشهيرة .. وبالمناسبة فقد كانت هناك نية حكومية معلنة ، باستحداث فضاء كهذا عندنا في الأردن .وليس معلوماً ما مصير هذه الفكرة ..
ليس التسبب بالإيذاء الشخصي أو العام مقبولأ على أي وجه . فهنا يحق للأشخاص المتضررين كما للحق العام التحرك . وهنا يبدأ التحدي القانوني : التحرك لإنفاذ أي قانون ؟ .
الجواب : التحرك تحت سقف قانون المطبوعات والنشر ، فهو الأقرب إلى طبيعة عملية التقاضي هذه . الأقرب حقاً .. لكنه لم يصدر لتنظيم ما يبث على الانترنت وبما يتفق مع طبيعة وسيلة البث والنشر هذه . وإلا لكان على من يرغب بتخصيص مدونة له أن يتحصل على ترخيص . وكذلك لمن أراد الانضمام إلى أحد المنتديات الالكترونية ( أحدها يضم عشرات الآلاف من الأردنيين ) ، أو شاء التحاور عبر غرف المحادثة ( التشات ). . وهو أمر غير قابل للتصور منطقياً أو التطبيق عملياً .
هناك فراغ قانوني حول هذه المسألة ، وليس من المتيسر أن يُملأ بمجرد الاستناد إلى قوانين سارية .فمن لا يتاح له النشر في هذا الموقع لسبب من الأسباب ، بوسعه الانتقال إلى موقع آخر باللجوء لبضع نقرات فقط . والمواقع تتكاثر وتتناسل بلغات شتى ، وبصورة تفوق قدرة أي فرد أو مجموعة ، مؤسسة أو هيئة على الرصد والمتابعة . هذا هو عالم الانترنت بمرونته الهائلة .. بل ذلك هو غيض من فيض هذا العالم ، الذي لم يحسب له أحد حساباً في العالم المتقدم .
أعداد بلا حصر من البشر يتحاورون ويكتبون وكل منهم يقرأ ويتابع ويشاهد ويستمع، لطرف أو نزر يسير من مشتملات هذا العالم . وتؤدي الوفرة التي لا يحدها حد ، لإشباع الفضول وغريزة المعرفة لكنها تولد قوة سلبية موازية : قوة النسيان ، فالتزاحم الهائل يدفع الذهن المتلقي للاستزادة وللشطب من الذاكرة ، كوسيلة دفاعية للذهن أمام التدفق .
هذا هو المقصود بعشوائية واختلاط هذا العالم .لكن ذلك لا يمنع أطرافاً سياسية وغيرها في عالمنا لاستخدام هذه الوسيلة على أكثر من وجه لخدمة مصالحها وتحقيق أهدافها . وبذلك تحول الانترنت إلى ميدان لمواجهات إعلامية وحروب نفسية . كما بات مصدرا للأخبار ينافس وكالات الأنباء .
هناك إذن حاجة لملء الفراغ القانوني، ويمكن الإفادة من خبرات وتجارب دول متقدمة لإنجاز هذه المهمة ، إذا كان ممكنا إنجازها على الوجه المتوخى الذي يحفظ حقوق جميع الأطراف .
mdrimawi@yahoo.com