مدونة عثمان السعيدي المتنوعة

:: ذاكرة جدي
05 تشرين ثاني, 2007
الرعد ينفجر صواعق داوية، والبرق يضيء السماء بومضات قوية، والمطر ينهمر غزيرا، من سماء ملبدة بغيوم سوداء، يحدث أصواتا مدوية على السقف المصنوع من القصدير، أحيانا أخاله قرعا للطبول. القرية أمامي يكسوها البياض، كأنها ترتدي ملاءة شفشاونية1، الثلج هذه المرة عمر طويلا، وانتصب فوق الأشجار كالتيجان المرصعة بالياقوت. أحس ببرودة فاقترب من "الكانون2"، يسري إلى شعور بالدفئ والسعادة. فجأة أسمع صوتا يناديني من غرفة جدي، إنه جدي، لقد فتح الغرفة أخيرا، غرفته التي أغلقها منذ وفاة جدتي ولم يفتحها قط، دخلت الغرفة فوجدته جالسا على سرير زواجه وأمامه دولاب عتيق، دعاني إلى الجلوس وبدأ كعادته يشكي علي شيخوخته ومرضه، ولكن أنا مازال الطريق أمامي طويلا لأفكر بالمرض والشيخوخة، أحس بالشباب يملأ كياني، فأشعر بالغبطة. أشار جدي إلى الدولاب، فأبديت حماسا مصطنعا لأعرف ما بداخله، فإذا به يحتوي على أشياء جدتي التي كان جدي يخبئها بحرص منذ وفاتها، وراح يحدق فيها طويلا كأنه يراها لأول مرة، وبدا نصف ممسوس وهو يستعرض أمام عينيه حياة كاملة لم يبق من رفات صاحبتها وشيخوخة شريكها سوى حفنه من الأشياء. تأثر جدي بالمشهد وشرع في البكاء . - ما بك يا جدي؟ - لا شيء ... لاشيء - ولنكن تبكي! - حان وقت السفر يا ولدي - إلى أين ؟! - إلى حيث تنتظري.. - من ياجدي - سأسفر إلى حيث تنتظرني جدتك - لا تقل ذلك يا جدي إنك ما زلت قويا - إنها الحقيقة يا ولدي. اعتراني خوف شديد، وأحسست لحظة أن روحه ستفيض الآن، ولكنني غالبت خوفي، وسألته في محاولة ربما للتخفيف من آهاته: - هل كنت تحب جدتي ؟ ابتسم قليلا وقال في اندهاش: - كنت أظن أن شباب اليوم لا يلقون بالا لهذه الأشياء وحتى لو أنهم انتبهوا إليها لا يفهمونها، بل يعدونها ضربا من العبث. لقد ظن جدي انه مازال في ذلك العصر السحيق، لكن هل كان في زمانه حب؟ وأطرد جدي بصوت هادئ عميق، كأنه يأتيني من أسفل السافلين: - لم يكن في البلد أجمل منها، يعجز المرء عن وصفها، انها ملاك. سرح ببصره بعيدا، وأطلق تنهدا حزينا وقال : الأيام لم تمهلنا، لقد أصيبت جدتك بمرض عجز الأطباء عن تشخيصه فأود بحياتها وهي ما زالت في عزة شبابها هذه هي المرة الأولى التي اسمع فيها بأن جدتي توفيت جراء المرض، فأنا لا أذكرها قط، لقد توفيت قبل سبع سنوات من ولادتي. تابع جدي: - مازلت أذكر تلك الليلة التي ودعتها فيها. وغاب يسترجع التفاصيل، وانطلق صوته يروي، وكأن ما يتحدث عنه ماثل أمامه. - الأيام التي سبقت موعد السفر كانت كالدهور بالنسبة لها، لم تدق طعم النوم. كنت أستيقظ في الليل وأسمع أنينها، لقد كانت تتألم كثيرا، المرض اللعين لم يدعها لحظة واحدة . مرت السنون والشهور وصورتها لا تبارح خيالي، آه يا ولدي لقد مر على ذلك اليوم خمسون سنة، هذه الليلة الباردة أرجعتني إليها، أرجعتني خمسين سنة إلى الوراء، فكأنني الآن أراها واقفة في غبش الليل، أرى لمعان عينها ونظراتها المودعة، أطلق تنهدة: - يقال من جرح قلبه في الدنيا يجبره الله في الآخرة ، حياتي كانت حزينة، فهل سأكون سعيدا معها هناك؟ أحس بألم يعتصرني، أتأمله غائصا في أفكاره، ينتظر آخر أيام شتائه، صغير منكسر، أي حب وأي حنان يعيشان في هذا الجسد المتهدم؟ سنوات وأنا أعيش معه وأجهله، منذ كنت صغيرا وأنا أراه بيننا، يعمل ويساعد، ربي أولاده وأحفاده، صبايا وصبيان، كل من تعذر عليه أمر يذهب إليه، يعمل , يساعد, يدافع، يحمي، ينهر، يضرب. وما خطر على بالي يوما أنه أحب، وأنه مازال غارقا في حبه القديم المفقود. يا جدي المسكين تذكرها لأنك ذاهب إليها، أصمت قليلا، فأسمع صوت المطر على السقف، المطر مازال ينهمر غزيرا في الخارج، نظرت إلى ساعتي فعرفت أن وقتا طويلا قد مر، بينما يحكي جدي كالمغيب. غبت بدوري متمليا هذه المرأة : الحياة التي كانت، التي اختصرت أشياء قليلا كل تاريخها، أشياء بالية هشة، صماء لكنها ماثلة حاضرة، بينما ذهبت هي، وجدي أيضا سيذهب، كلنا سنذهب، والدوام لله.

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba