فلسطين التاريخية وإستراتيجية الثوابت المقدسة
في فكر حماس السياسي
رغم أن الأرض والوطن قد شكلا بعدا جوهريا في تشكيل حركات التحرر الوطني الفلسطيني ، وجعل حركة الإخوان المسلمين - قديما - محط اتهام وطني - لدى هذه الفصائل ؛ إلا أن واقع التجربة السياسية سرعان ما أبان عن مفارقة تصويرية عجيبة ، تمثلت في انفراط وهم الالتزام بالثوابت وتراجع ملحوظ في الحركات العلمانية تجاه القضايا الجوهرية وقبولها المطلق بمبدأ المساومة والتفريط ، وفي المقابل تجلت حالة من التعنت الذي يشبه بلادة التيس الجبلي في عرف المجاهدين الأفغان لدى حركة المقاومة الإسلامية حماس ، في التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية، واعتبار الأرض والمقاومة صنوان لا ينفصمان ، وان أي مقاومة تجعل الأرض خارج نطاق الخطوط الحمراء تفقد مصداقيتها، وتتحول – في نظر الخطاب الحمساوي - إلى نمط سياسي يعيش خارج حدود الانتمائية الوطنية ؛ كما حصل مع حركة التحرير الوطني - فتح ، بعد أن انحرفت سياسيا وقبلت بمبدأ التنازل والمقايضة على الأرض ، حتى غدت في أواخر حياتها وكالة للتفريط ، وأنموذجا للتنازل المريع ، وخطا ناشزا لا يمثل أي قيمة وطنية في الشارع الفلسطيني .
وفق هذه الفلسفة تشكلت عقلية حماس السياسية ؛ فمنذ تشكيلها عام 87 أبدت حركة حماس نوعا من الالتزام غير المسبوق تجاه قضايا الوطن ، وبدت عليها تجليات منهجها الفكري ، الذي جعلها رائدة الصمود الأسطوري مقابل تهافتات الأخر في أحضان الغرب مع بدء العملية السياسية
فحماس ترى في فلسطين التاريخية - من البحر إلى النهر - وقفا إسلاميا لا يجوز التفريط فيه تحت أي حال من الأحوال ؛ وهذا ما سد كل هوامش المناورة في سياساتها ، وجعل طرق التسوية مسدودة أمام اطروحاتها السياسية ، فبقيت فلسطين التاريخية – في الفكر الحمساوي - كلا لا يتجزأ ، ففي ميثاقها الصادر مع أوائل التسعينات- تقريبا - تقول حماس في المادة الحادية العاشرة :
"تعتقد حركة المقاومة الإسلامية أن أرض فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها، ولا تملك ذلك دولة عربية أو كل الدول العربية، ولا يملك ذلك ملك أو رئيس، أو كل الملوك والرؤساء، ولا تملك ذلك منظمة أو كل المنظمات سواء كانت فلسطينية أو عربية، لأن فلسطين أرض وقف إسلامي على الأجيال الإسلامية إلى يوم القيامة. "
وبنا ء على هذا التصور التاريخي والديني للأرض المشكل الجوهري للصراع " الإسلامي - الصهيوني " تم رفض كل قرارات التسوية ومبادراتها القائمة على الانتقاص من حق الفلسطينين من أرضهم التاريخية ، ؛فرفضت حماس قرار التقسيم 191 وقراري الأمم المتحدة الخاصين بتقرير المصير 242 و338
ورفضت اتفاقات كامبد يفد الأولى والثانية وأسلو، وجعلت الوطن جزء لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية ن التي لا يجوز المساومة عليها أو مقايضتها ، ففي المادة الثانية عشرة من الميثاق : بينت أن الحلول السلمية القائمة على التنازل والتفريط مرفوضة شرعا ، متعارضة بالمطلق مع العقيدة ، وإنما الطريق الوحيد لحل إشكاليات الأرض والاحتلال إنما تكون بالجهاد والمقاومة :
"الوطنية من وجهة نظر حركة المقاومة الإسلامية جزء من العقيدة الدينية، وليس أبلغ في الوطنية ولا أعمق من أنه وطئ العدو أرض المسلمين فقد صار جهاده والتصدي له فرض عين على كل مسلم ومسلمة. تخرج المرأة لقتاله بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن سيده
هذه الصرامة الحنبلية في موضوع الأرض - جوهر الصراع- لا تعني انسداد الأفق السياسي في برنامج الحركة ، واصطدامها مع الواقع السياسي اصطداما يخرجها من حلبة المناورة إخراجا تاما ، بل لقد جعلت لخطابها السياسي مساحة تجيزها النظرية الإسلامية في التعاملات الخارجية ، فلم ترفض مبدأ الحوار حتى مع المحتل لان، بل وحاورته غير مرة في السجون او من خلال دول ثالثة على قضايا إنسانية كتبادل للأسرى وغيره ، ثم أنها عرضت هدنة تطول أو تقصر ، ولوحت بإمكانية قبول الحل المرحلي دون القبول بمبدأ التنازل عن حبة تراب واحدة ، ودخلت العملية السياسية ضمن وعي مسبق بان من مقتضيات العملية السياسية : قبول مبدأ التعددية والشراكة، وتناوب الأدوار وقبول الحلول المبنية على القواسم المشتركة ،- لا مع العدو بل مع الشريك الفلسطيني _ وأثبتت تجربتها الحديثة في الحكم أنها تؤمن بضرورة المزج بين العمل السياسي والعمل الجهادي ، وإنها قادرة من خلال هذه المزاوجة على تقديم أنموذج فريد وأسطوري في التعامل السياسي دون أن تضطر إلى إلقاء كافة الأوراق في سلة المحتل أو صانعيه من الامريكان أو الدول الأوروبية كما فعلت منظمة التحرير الفلسطينية عندما تخلت عن المقاومة وبدأت تستجدي الفتات على موائد الحل السلمي المزعوم