الملف الشخصي
الاسم: الشاعر الكبير رمضان عمر
القائمة
بحث

صهيونية المشروع السياسي الأمريكي في المنطقة
26 حزيران, 2008
صهيونية المشروع السياسي الأمريكي في المنطقة
رمضان عمر ـ باحث وكاتب فلسطيني
الاربعاء 21 جمادى الآخرة 1429 الموافق 25 يونيو 2008
عدد القراء : 21    


 

إعادة تشكيل الهوية الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية- في المنطقة العربية - وفق الرؤية (الصهيو – أمريكية) لم تكن - في يوم من الأيام - مجرد نزق سياسي استعراضي, لكشف مكنونات القوة الاختراقية لدولة الـ(super power ) الأمريكية , أو نوعا من المشاركة السياسية الوجدانية الظريفة؛ من أجل حل إشكاليات الصراع المحتدمة في المنطقة, وإنما كانت - ولم تزل- منهجا فكريا وأيديولوجيا استراتيجيا, ينبع من طبيعة العقلية الصهيونية, التي تقود القرار الأمريكي, منذ أن سلبت تلك الإرادة الأمريكية على يد اليهود, ووظفت لصالحهم, وهذا وحده يكفي لتفسير طبيعة الدعم والشراكة - في الإجرام - بين صنوي الجريمة في واشنطن وتل أبيب.

ولنا أن نعرج على أهم اهتمامات السياسة الأمريكية؛ لاستكشاف طبيعة وأسباب ذلك التحرك الأمريكي, المتقاطع استراتيجيا مع الكيان الصهيوني الغاصب متناولين أهم ثلاثة أعمدة سياسية في بنية هذه المشاريع الضخمة في منطقتنا:

 اقتصاديا: حرصت أمريكا منذ عقود طويلة على فرض هيمنتها على منطقة الخليج العربي, وصولا إلى الذهب الأسود, مصدر الطاقة الفعال في القرون المتأخرة, وخاضت – من أجل ذلك - حروبا طويلة كان أحد أسبابها هذه الغاية, وتناطحت مع الدب الروسي على ضفاف نهر جيحون حيث الغاز في القوقاز, وعلى تخوم رمال الصحاري العربية في أرض الجزيرة, حيث البترول في الآبار العميقة.

وربما كان لهذا السبب ما يبرره, كما يرى الباحث زكريا البرادعي في كتابه " الإنسان والطاقة" الصادر عام 1996, حيث يرى: أنه يجد تفسيراً بترولياً للتدخل الأمريكي والدول الصناعية الكبري من أجـل السيطرة المباشرة على منابع إمدادات البترول في الخليج, ذلك أنه بينما كان احتياطي البترول الأمريكي 34.1 مليار و طبقاً لمعدلات الاستهلاك فإنه سينضب تماماً مع مطلع القرن الواحد والعشرين أي بعد أربع سنوات أي في عام 2000.

فإذا علمنا أن احتياطي البترول لدى بعض الدول العربية يسعفها لمائة عام قادمة أو يزيد؛ فإن حربا ضروسا - من أجل الهيمنة على منابع النفط - قد تكون ضرورة أمريكية.

           ومن هنا, فقد تسابق الدبان (الروسي والأمريكي) في منتصف القرن المنصرم, رغبة في الوصول إلى هذه الكعكة الشهية, وانتصرت أمريكا سريعا؛ لتبدأ عملية العولمة وفق النظام الرأسمالي المعقد, الذي شكل جملة من التحالفات العنصرية؛ ليصطف العالم الغربي بجشعه وإجرامه خلف أمريكا ضد الفقراء, وتتحرك البوارج العملاقة لتأخذ مواقعها في البحار والمحيطات, حماية للمصالح المشتركة, وقد بلغت القواعد العسكرية الأمريكية أكثر من 1000 قاعدة انتشرت في أكثر من 130 دولة, حظيت منطقة الخليج العربي بأكثرها وأخطرها.

           هذه الرؤية الاحتلالية الاقتصادية لمصادر الطاقة تناغمت إلى حد التماهي مع الرغبة الصهيونية في التوسع الدائري لدولتها المسخ, وصولا إلى منابع النفط في الخليج, ومنابع المياه في سوريا وتركيا, ولذا بدأت إسرائيل كما فعلت أمريكا بتشكيل تحالفات لضمان وصولها إلى هذه الغاية؛ فكان السلام المزعوم واحدا من الخدع السينمائية التي تصل بالمخرجين إلى مشروع الشرق الأوسط الكبير, وفق رؤية (إسحاق رابين) للسلام المزعوم, وهو سلام يصل الدولة العبرية بحدودها المفترضة من الفرات إلى النيل.

ومن هنا, فما إن دخلت إسرائيل في عملية السلام عام 77, حتى بدأت أنظارها تتطلع إلى تطبيع اقتصادي واسع مع دول الخليج؛ فكانت المؤتمرات والمكاتب الاقتصادية والاستثمارات والتبادلات التجارية تأخذ خطها التصاعدي العنيف, ليصل حجم التبادل الاقتصادي مع هذه الدول- مع بدايات هذا القرن الحالي - حدا غير مسبوق تستفيد منه إسرائيل في بناء ذاتها وحصار جيرانها.

          إذًا تلاقى الدور الأمريكي المهيمن من أجل تأمين مصادر الطاقة للعدو, وحرمان دول المنطقة من الاستفادة من مصادرها, وتفتيت بنيتها؛ مع الدور الصهيوني التوسعي؛ لتصبح أحلام العرب رهينة الاستجابة لمنطق العبودية المفروض عليها من هذا السباق وتلك الشراكة.

 وإذا ما أردنا تطبيق هذه الهيمنة الاقتصادية على مجريات الأحداث السياسية؛ فإن نماذج الحصار في غزة والسودان أمثلة حية على طبيعة الدور الاقتصادي الفاعل في إعادة تشكيل هوية المنطقة سياسيا؛ ففي فلسطين أغلقت الأبواب أمام الاقتصاد الفلسطيني المستقل ليفتح باب واحد؛ باب المنح الأوروبية والمعونات المرهونة بمشاريع التسوية, حيث كان حجم الإنفاق فيها مخصص للجانب الأمني المسؤول عن حماية دولة إسرائيل, لذا فقد حرمت حكومة حماس العاشرة من هذا الدعم بالمطلق وفرض عليها حصار شامل, وجاء مؤتمر أنابوليس ومؤتمر باريس الاقتصادي لتكريس الرؤية الأمريكية في تشكيل نظام اقتصادي داعم للمشروع الصهيوني من خلال شخصية أمريكية بحتة لها عداء فطري ومباشر مع الوطنية والمقاومة.

أما في السودان فقد كانت مشكلات الجنوب والغرب بغية تفتيت وحدة السودان وشل قدراته الاقتصادية وإذابة هويته الإسلامية لصالح قوات جرنج واحدة من الإجراءات الأمريكية العنيفة في هذا البلد الإسلامي الكبير.

ثقافيا: أدرك الساسة والمفكرون الغربيون أن معركتهم مع المشرق معركة حضارية - كما جاء في كتابات (هنتنغتون) - وأن التوجه إلى الشرق في أي حملة عسكرية جديدة هو استكمال للحملات الصليبية في القرون الوسطى.

ولا أدل على ذلك من تصريحات (بوش) إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر, وإصرار العالم على كبح جماح تطور الفكر المقاوم- في كل من فلسطين والعراق وأفغانستان- واختياره العنوان التلميحي للمعركة - "الحرب على الإرهاب" كتوصيف لجملة من الأبعاد الثقافية والفكرية والأيديولوجية, تختصرها عبارة تفسيرية بسيطة واحدة, هي "الحرب على الإسلام".

والمتتبع لطبيعة الخطوات التي قامت بها أمريكا, ومن خلفها أوروبا لترجمة مفهوم الحرب على الإرهاب؛ يجد أن لا مناص من الوصول إلى الحتمية الحقيقية في أن هذه الحرب الدائرة حرب صليبية عقدية بامتياز؛ حيث أصرت الولايات المتحدة – من خلالها - على تغيير المناهج في العالم العربي, بما ينسخ هويتها الثقافية, ويصبغها بالصبغة (الصهيوأمريكية), وتفسيخ البنية الحضارية التاريخية المبنية على الطبيعة الدينية للمنطقة, وحاولت انتزاع المرأة من خدرها المكنون وإلقائها في جحيم التحرر تحت ذريعة اضطهادها ومنعها حقوقها.

ولو أخذنا مثالا على هذا السعي الأمريكي المحموم لتحطيم منابع القوة في المجتمع الشرقي المتماسك, لوجدنا أن تركيز الغرب على العنصر النسوي له علاقة مباشرة بمحاولات الفتك المريع لمقومات المجتمع الاساسية المبنية على أساس البناء الأسري المتماسك, وفي هذا تقول الباحثة الإسلامية الدكتورة لينة الحمصي:

"نلمح هذا واضحاً في محاولته لفرض قرارات المؤتمرات العالمية بخصوص المرأة واتفاقية رفع التمييز ضد المرأة (السيداو) بجميع آلياتهما وفعاليتهما, من رفعٍ لقوامة الزوج عن زوجته, وإباحة الشذوذ الجنسي والاعتراف بحقوق الشاذين (المثليين), والتأكيد على حرية المراهقين الجنسية, وتوفير الإجهاض الآمن لهم, وتأمين وسائل منع الحمل. .. إضافة إلى محاولة بسط النفوذ حتى على قانون الأحوال الشخصية المستمد من الشريعة الإسلامية, بحجة أن في هذا القانون مواد تتعارض مع كرامة المرأة ورفع التمييز ضدها..."

 ولم تكتف المؤسسة الصهيو أمريكية بهذا الحد من التدخل السافر في مكوناتنا الفكرية والثقافية والدينية, بل تحركت أساطيلها إلى المنطقة تحت شعار فرض الديمقراطية, وتغيير الأنظمة الدكتاتورية، وما إن وطئت أقدامها أرض العروبة حتى بدأت في إعادة تشكيل الهوية, من خلال جملة من القوانين، والممارسات, للحد من الأثر الفطري للدين والأخلاق في المنطقة.

 وقد عملت وزارات الإعلام الممنهجة أمريكيا، ومؤسساتها الضخمة - كالفضائيات, والشبكة العنكبوتية, والصحف، والمجلات - على تكريس ذلك؛ فكان الكبت الإعلامي في المنطقة العربية لكل ما هو تراثي أصيل يدعو إلى الفضيلة, ويحافظ على الثوابت, لشل حركة التحرر ومنع إمكانية بناء الذات وتجديد المجد الغابر وتطوير الواقع النهضوي بعد سريان مفعول الصحوة في أصقاع المعمورة, و كان دعم وتشجيع البديل الهابط والمنزلق والمتصهين والمتأمرك؛ حيث عشرات الفضائيات الإباحية، مثل باقة روتانا وغيرها أو السياسية ذات الطابع الصهيو أمريكي كالحرة والعربية والبي بي سي - مرحبا بها في الأوساط الرسمية العربية المنسجمة أخلاقيا وثقافيا وسياسيا مع المشروع الأمريكي.

 بل تعدى ذلك الضغط العالمي حدوده المنطقية؛ ليشمل حملات تشويه مسعورة - قادتها دول ذات علاقات وطيدة مع الكيان الصهيوني - ضد أخص مقدسات هذه الأمة ورموزها الدينية, كما حدث في قضية الرسوم المسيئة للرسول - صلى الله عليه وسلم- في الدنمارك والأفلام المشينة في هولندا, والتصريحات الاستفزازية في كل من إيطاليا وفرنسا, وقضايا الحجاب في فرنسا وتركيا, وقانون معاداة السامية في العالم كله.

- سياسيا: ليس غريبا أن نشهد سباقا محموما من التملق والتودد للصهاينة في معارك الانتخابات الأمريكية بين أوباما وماكين؛ أحدهما يبدو ملكيا أكثر من الملك, والآخر يقرر أن حل القضية الفلسطينية يكمن في طردهم خارج بلادهم, وجعل الأردن وطنا بديلا لهم. وليس غريبا - أيضا - أن نتابع جولات رايس المكوكية بين واشنطن وتل أبيب, عبر سنتين من الزمن - حاملة خلالهما حزما من الضغوطات على الجانب الفلسطيني من أجل أنهاكه وتركيعه, بل وإدخاله في دوامات من الفوضى الهدامة, تحت ذرائع مكافحة الإرهاب, والوصول إلى سلام وهمي مزعوم. وليس غريبا- أيضا - أن نجد في تصريحات بوش ووعوده الكاذبة, نمطا استفزازيا عابثا, يجعل كافة المفردات الدولية المتعلقة بحق تقرير المصير وتحرير الأرض, مجرد عبارات هلامية, لا تحمل في قيمتها أكثر من الحبر الذي كتبت به أو المدة الزمنية التي قيلت فيها. لا نستغرب ذلك كله - رغم ضخامة الهالة الإعلامية التي تصور الجانب الأمريكي على أنه الراعي الوحيد للديمقراطية والسلام - ذلك لان ارتباط السياسة الخارجية الأمريكية بمشروع الحل السلمي في المنطقة قائم على مبدأين اثنين:

1-      تكريس واقع الاحتلال ومساعدته في التصدي لكل محاولات المس بأمنه القومي أو الفردي, وذلك من خلال الضرب العنيف لأي تحرك ممانع لهذا الكيان, أو مساع حقيقة للتحرر والاستقلال في المنطقة.

2-      فرض حالة من التقنين والشرعنة لديمومة هذا الكيان, من خلال الهيمنة على مراكز القرار في الأمم المتحدة وغيرها, حيث تعطل كافة القرارات المساندة للقضية الفلسطينية وتدعم كل القرارات المساندة للإجرام الصهيوني والشواهد في هذا أكبر من أن تحصى وتعد؛ فقد استخدمت أمريكا حق الفيتو - في هذا الجانب - أكثر من ثلاثين مرة, واستطاعت أن تشرعن للمجازر الصهيونية وبناء المستوطنات, وتعطيها صفة قانونية تحت زعم الدفاع عن النفس.

وعلى الرغم من إن الولايات المتحدة قدمت نفسها كوسيط نزيه في عملية السلام, واستطاعت - بتنسيق مع الكيان الصهيوني - أن تلغي دور الرباعية والاتحاد الأوربي وجامعة الدول العربية؛ إلا أنها لم تستطع أن تقدم مشروعا مقنعا واحد أو مبادرة خاصة بالحل, وإنما اكتفت بالوعود الهلامية المفرغة من أي قيمة عملية أو برنامج محدد المعاير والزمن, بل اكتفت بتكثيف اللقاءات الثنائية بين الجانب الفلسطيني والجانب الصهيوني. وحتى حينما كانت تعبر عن امتعاضها لبعض التجاوزات الصهيونية, فقد كانت تكتفي بالتلميح كما في تصريح رايس الأخير حول الاستيطان, الذي رأت فيه عائقا أمام تقدم المفاوضات, ولكنها بدل أن تطالب بوقفه, طالبت باستمرار اللقاءات الثنائية, موضحة أن الاستيطان لا يجوز أن يكون عائقا أمام التنسيق الأمني لمواجهة الإرهاب الفلسطيني.

 إذًا لا مشروع سياسي أمريكي لصالح القضية الفلسطينية سوى حماية المشروع الصهيوني, وسلب الإرادة العربية السياسية الفاعلة, وفرض حالة من الفوضى والتشتت تمنع قيام مشروع عربي أو إسلامي قويم يتخذ من الإسلام السياسي معينا لتشكله, ولا أدل على ذلك من تصريحات عباس الأخيرة, التي رأى من خلالها،: أن خلافه مع حماس لا يقع تحت دائرة الخلافات السياسية المتعلقة بشقي الوطن, وإنما يتعلق بشكل صريح ومباشر بتخوف عباس من نية حماس إقامة دولة إسلامية في المنطقة, ولنا أن نعلم أن عباس - عين المشروع الأمريكي في المنطقة- لا ينطق عن هوى نفسه, وإنما يترجم رغبات المحور الصهيو أمريكي الذي يدور هو ومن هم على شاكلته في فلكه.

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba