| واقعنا السياسي؛ كيف نقرأه ؟ |
| كتب أ. رمضان عمر* | |
| 09/06/2008 | |
لا بد لنا ونحن نتناول موضوع الحركات الإسلامية القائمة على الشمول الإسلامي بما فيه مسألة السياسة، وقضية الحرب الصهيو أمريكية على الإسلام أن نفرق بين الخلافات المذهبية والفكرية ذات الطابع التاريخي والعقائدي والتي تشكل جزءا أصيلا من طبيعة التنوع الاجتماعي في جسد الأمة الكبير؛ فأهل السنة والجماعة يعتقدون وفق منهجهم الوسطي أن الاختلافات الفكرية والسياسية لا تعالج بحد السيف ما لم تعطل شرعا او تذكي فتنة، وتاريخ الإسلام الطويل شاهد على ذلك حيث عاشت الفرق والمذاهب الإسلامية جنبا إلى جنب وما بلغت المناوشات بينها حدا يمثل ظاهرة إفناء أو إزالة كاملة، وإن كان من أصول منهجهم الرد على المخالف والتنبيه على انحرافاته.---------------------------------------- الواقع السياسي الذي تعيشه الأمة واقع مؤلم مذل، لا يسر صديقا ولا يغيظ عدوا، وهذا لا يختلف عليه اثنان ولا يتناطح فيه عنزان؛ لكن الإشكالية في ذلك تعود إلى طبيعة القراءة السياسية لتوصيفه، والتحليل المنطقي لمسبباته. ولعل الناظر إلى خارطة العالم الإسلامي من شرق طنجا إلى غرب جاكرتا، ومن شمال القوقاز إلى جنوب السودان؛ يجد أن هذه الخريطة قد لونت بحمرة الدم المسفوك على مسلخ جرائم الحرب العالمية ضد الإسلام، وجودا وفكرا وحضارة وتاريخا. وإذا أردنا أن نختزل المشهد المأساوي، بأن نأخذ المنطقة العربية شاهداً على ما يجري؛ فإن العراق ولبنان وفلسطين والسودان والصومال، كلها تصلح أمثلة حية تعكس طبيعة المعركة، وتختصر جدليات التحليل ، وتقف عند حقيقة واحدة : أن العالم الصليبي الحاقد متمثلا بأمريكا وحلفائها، والعالم الصهيوني المتغطرس قد أعلنا حربا مفتوحة شاملة ضد وجودنا الحضاري في هذه المنطقة ، تحركهم في هذا الإجرام اللا إنساني شهوة شيطانية حاقدة ، وضلالات تلمودية مزيفة - لا قيمة معها لشرعية دولية أو حقوق إنسانية - فالدم العربي مستباح ، ولا غاية لهذا الإجرام إلا الإبادة والتطهير وبناء ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير . وإذا افترضنا أن لا حروب في هذا العالم تستحق الوقوف حيالها ، وتتبع آثارها إلا الحرب العالمية الدائرة على الإسلام ، فان سؤالا استفزازيا مريبا يقفز على واجهة التفكير- في محاولة منه لفرض مفاتيح جوهرية لحل جملة الألغاز المعقدة ذات العلاقة بطبيعة هذه المعركة - ولعلي أسارع- هنا- إلى وضع السؤال في مكانه ؛ فأقول : ما سر هذا التناغم اللامتناهي في العلاقة الإجرامية بين الصهاينة والأمريكان؟ وهل الحرب الأمريكية في المنطقة مختلفة عن الحرب الصهيونية كما يروج بعض الساسة ؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال يتجلى المشهد التكاملي في إثبات بعض الأرقام ودلالاتها : منذ عقود طويلة - وبالتحديد بعد آن أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية دولة عظمى ، بدأت محددات سياساتها الخارجية تدور في فلك المنطقة ، وما الحرب الباردة بينها وبين روسيا إلا سباق محموم من اجل الوصول إلى المياه الدافئة في خليجنا العربي. وكان لهذا الاهتمام علاقة مباشرة بالوجود الصهيوني في المنطقة ، حيث ارتبط هذا الوجود بدعم خيالي؛ فمنذ حرب أكتوبر 1973م ، زودت واشنطن إسرائيل بمستوى دعم عالٍ جداً لدرجة أنه كان على حساب الغير من المستحقين . وقّلل الدعم الأمريكي لدول أخرى في العالم. وأصبحت إسرائيل منذ عام 1976م، المتلقي الأكبر للدعم السنوي المباشر من الولايات المتحدة الأمريكية اقتصادياً وعسكرياً، وأكبر مستقبل لهذا الدعم منذ الحرب العالمية الثانية، حتى بلغ مجموع المالية الأمريكية لإسرائيل عام 2003م 140 مليون دولار بل ويزيد ، وإسرائيل تستقبل حوالي 3 بليون دولار مساعدات مباشرة سنوياً والتي تساوي حوالي خمس المعونات الأمريكية الخارجية لجميع دول العالم. أما على المستوى السياسي فأمريكيا تقدم دعما سياسياً ودبلوماسياً ثابتاً، فمنذ عام 1982م استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض الفيتو في مجلس الأمن 32 مرة لصالح السياسة الإسرائيلية المتطرفة وأحبطت 32 قرراً محرجاً ضد ممارسات إسرائيل في المنطقة . كما عملت الولايات المتحدة على أن تصبح هي نفسها مفتاح حل عقبات السلام وخاصة في المفاوضات التي سبقت اتفاقية اوسلو عام 1993م وفي المفاوضات اللاحقة لها. أما المشروع الفكري الأمريكي- في سياستها الخارجية وأعني بذلك الديمقراطية بالتحديد - فإن طموح إدارة بوش الاستراتيجي في دعم الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط بدءاً من غزو العراق وأفغانستان؛ فهذا في واقع الحال كان جزء منه بنية تثبيت إسرائيل ودعم إستراتيجيتها في المنطقة . لقد اعترف( شامير ) فقال "لا الأخلاق اليهودية ولا التقاليد اليهودية تحرمنا من أو تجردنا من استخدام الإرهاب كإحدى وسائل الصراع، وأكثر من ذلك فإن الإرهاب له دور عظيم وكبير لنستخدمه في حربنا ضد المحتلين ويقصد البريطانيين". إذا فأمريكا بغضها النظر عن الإرهاب الصهيوني واهتمامها بديمقراطية العرب إنما تدفع باتجاه تمكين دولة الكيان من رقاب الضعفاء. قضية أخرى نستعرضها هنا وهي أن المنطق الأمريكي في التبرير يعتمد على الرؤية الدينية وهو ذات المنطق الذي يستخدمه الصهاينة ، ولا ننسى حديث بوش بعيد أحداث سبتمبر ، وحديثه عن الحرب العادلة والمقدسة ، وتحديد العدو بأنه الإرهاب والتطرف الإسلامي. إذا نخلص من هذه الأرقام والشواهد أن المشروع الامريكي في المنطقة هو ذات المشروع الصهيوني، ولا يجوز التعامي عن هذه الحقيقة والقول أنهما مختلفان،وان الحرب الصليبية على الإسلام هي ذاتها الحرب الصهيونية ؛ فالإسلام هو الواجهة الأساسية المستهدفة في هذه المعركة . ومن هنا ، فان أي قراءة سياسية تغفل هذا الجانب الأساسي فإنها ستقع في تخبطات وسرابات لا تصل بصاحبها إلى شيء ؛ فالجانب الصهيو- أمريكي أدرك أن المشروع الإسلامي هو سر قوة هذه الأمة ، فأعد عدته لهدم هذا الصرح الشامخ والعرين المتين مستخدما في ذلك كافة أدوات التزييف والتضليل والتنفير والتشويه. ولا بد لنا ونحن نتناول موضوع الحركات الإسلامية القائمة على الشمول الإسلامي بما فيه مسألة السياسة، وقضية الحرب الصهيو أمريكية على الإسلام أن نفرق بين الخلافات المذهبية والفكرية ذات الطابع التاريخي والعقائدي والتي تشكل جزءا أصيلا من طبيعة التنوع الاجتماعي في جسد الأمة الكبير؛ فأهل السنة والجماعة يعتقدون وفق منهجهم الوسطي أن الاختلافات الفكرية والسياسية لا تعالج بحد السيف ما لم تعطل شرعا او تذكي فتنة، وتاريخ الإسلام الطويل شاهد على ذلك حيث عاشت الفرق والمذاهب الإسلامية جنبا إلى جنب وما بلغت المناوشات بينها حدا يمثل ظاهرة إفناء أو إزالة كاملة، وإن كان من أصول منهجهم الرد على المخالف والتنبيه على انحرافاته. أما العلماء المسلمين في العصر الحديث ، فقد وقفوا من الحركات والأحزاب موقفا اعتداليا حضاريا، فإذا ما عارضوا، فإنَّما يعارضون بالحجة والبيان - خصوصا إذا كانت الأمة تتعرض لهجمة استعمارية شرسة- كما هو الحال في زماننا - ففي فلسطين مثلا ولبنان والعراق أيضا تنوعت حركات المقاومة وتنوعت معها منطلقاتها الفكرية والعقائدية؛ فبعضها انطلق من الفكر الماركسي , وآخر من الفكر العلماني، وثالث تبنى الإسلام فكرا واعتقادا ومنهج حياة، ولكنهم في تنوعهم يشكلون كلا اسمه الشعب لهم حق العيش فيه، وحق الدفاع عن الوطن. وإذا كان الله جل في علاه قد اختار لعباده الإسلام دينا ورفض كل دينا سواه ؛ فان هذا لا يعني ان منهج تبليغ دين الله في دائرة الوطن الواحد ، يؤدى من خلال حرب أهلية تحرق الأخضر واليابس ، وتحيل الوطن إلى قاع صفصف لا امن فيه ولا آمان . القراءة السياسية الواعية المنطلقة من الفكر الإسلامي الصافي تنظر إلى الأمور بعين الحكمة ولا تخلط الأوراق ؛ فهذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما أن دخل المدينة حتى بدأ يتعامل معها على أنها دولة للإسلام فالهيمنة فيها لهذا الدين، ولكنَّه كذلك اتَّسعت هذه المدينة لمن يعيش فيها من غير المسلمين كاليهود بل المنافقين، ولم يتخذ صلى الله عليه وسلم قرارا ضد اليهود إلا بعد أن رأى منهم نقضا للعهود والمواثيق . ان اعترافنا بخلاف سني شيعي أو حمساوي فتحاوي لا يمنعنا من ان نقرأ الواقع السياسي وفق معطيات تعين على بناء الجسد وتشكل جبهة قوية في وجه العدو الأساسي الذي يواجه كلنا الفلسطيني، او كلنا العربي او كلنا الإسلامي ، وهنا تتجلى الحقيقة الواقعية بأن المعركة الشاملة التي تدار في عدة محاور عربية وإسلامية هي معركة المشاريع الكبرى ، معركة بين مشروع مقاوم سمته الأغلب إسلامي سني وفيه شيء من القومية والثورية والشيعية التي تتمثل في حزب الله وبعض القوى الشيعية الأخرى، ومشروع آخر صهيو امريكي تقوده أمريكيا وتنفذه دول وأنظمة قررت أن تدير ظهرها لشعبها وتعلن ولاءها لعدوها . فالنظم السياسية القائمة في عالمنا الإسلامي بنيت على عين المستعمر، وغذيت بثقافته ، فكانت عينه التي لا تنام، وقلبه الذي لا ينبض الا بحقده، وسمعه الأمني الذي يكبل الحريات، ويتتبع العورات، ويقدم المعلومات . هذه الأنظمة الدكتاتورية لم تكن في يوم من الأيام نتاجا وطنيا خالصا، وانما كانت بضاعة مستوردة بامتياز، سمتها الأزلي الهمجية والدكتاتورية، وبيئتها التي تنمو بها وتكبر الفساد بشقيه:الأمني والأخلاقي؛ فاستعبدت شعوبها شر استعباد ، فلا وظيفة إلا بثمن ولا حرية إلا بخنوع، فاستشرى في الوطن النفاق والدجل، وعمت الرشاوى والحيل وانكسر عمود الكرامة وارتحل، وتبلدت الأحاسيس والمشاعر تنافس المتنافسون على حطام زائل؛ فضاع من ضاع، وفرط من فرط، وانزلقت الأمة في دهاليز الخنوع والانهزام والجهل والفساد، وما ذلك إلا لبعدهم عن عقيدة الولاء والبراء ونفورهم من منهج الأنبياء والصالحين. فهل نقول:إن حكامنا الذين ساوقوا المحتل، وقبلوا بأن يكونوا أذنابا له يمثلون منهج أهل السنة والجماعة من أتباع عمر وأبي بكر!! ما لهم كيف يحكمون ! أم لهم كتاب فيه يدرسون ؟ ولنا أن نتصور أن دولة محتلة كفلسطين دمرت بنيتها التحتية وشرد أهلها، وقتل شبابها واسروا وحوصروا ثم تأتي سلطة تزعم أنها تمثل شعبها فترهن الشعب والقضية بيد عدوها ، تقبل أن تتحول إلى مؤسسة أمنية لا عمل لها سوى ملاحقة المجاهدين والتضييق عليهم والتنسيق مع عدوهم لينال منهم على مرأى ومسمع من العالم اجمع. هذا نموذج لحركة علمانية تتهم حماس بأنها حركة شيعية، وتتلقى دعما من إيران، وحماس ابعد ما تكون عن الشيعة، لكن القضية هنا ليست في الإطار الفكري أو العقدي فأي قيمة للزعم الايديلوجي بعد السقوط الأمني والاعتقادي! |