من معاني العيد
رمضان عمر
للعيد معان متعددة ، يجمعها ذلك الفهم الشامل الذي حدده الشرع لهذه العبادة ، وتوارثه الخلف عن أسلافهم في تقاليد منها ما اتصل بشرع ومنها ما انفصل عنه ، لكنه – في جملته - سيحتفظ بإشعاعات متعددة ، تفرضها طبائع الزمان والمكان لكل جيل من الأجيال.
وربما كان الواقع العربي بتعقيداته وانزلاقاته قد احدث انقلابات جوهرية في الفهم الاجتماعي للدين ، وانصرف بذائقة المجد إلى ذكريات الألم ، ولكن الدين هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على مستويات محددة من معاني الدين الخالدة ، وتوظيفها توظيفا إبداعيا في معامع القتال لتحقيق نصر استراتيجي يعيد – للأمة - سؤدد الفرحة ومجد الانتعاش - إن أحسنت قراءة المشهد السياسي في ظروف عصيبة - لكن بإرادة المتوكل على الله ، المقتبس من نوره إشعاعات الأمل لتحرير العبيد من عبودية التبعية إلى أستاذية الاستقلال .
العيد – في المفهوم الفكري الإسلامي - نقطة ارتكاز هامة في استراحة المحارب ، يمتشق فيها من أشداق التنين المأسوي تجليات الأمل المستقبلي ، ومن أنين الجرح النازف لذيذ اللحن الطروب ، ويعيد للروح زهو التأمل والتفكير الايجابي ، في إحداث فرص التغيير .
العيد إعادة تشكيل الروح الجماعية في مشهد سروري مثالي ، تبحث معه - النفس – عن تجليات الأنس في واحة التلاقي الجمعي ، في نسك العبادة ؛ ليوحد روح الأمة ومشاعرها الوجدانية ، ويذكرها بضرورة العمل الجاد لتوظيف طاقاتها الايجابية في البناء المنعش .
العيد تذكير للأمة بأنها قادرة على استلهام معالم الاستقرار في نشدان السرور من خلال سلوكها الجمعي في ظل تصور رباني . والنهوض من كبوة الانتكاس والضمور إلى عزة القيادة والظهور .
العيد وحدة الشعور الربانية التي وهبها الله لأوليائه ، فامتازوا عن غيرهم ، فان قبلوا بها استحقوا الأمن والأمان ، وذاقوا حلاوة المنة الربانية ، لتتجدد بذلك حياتهم ، وتورق أيامهم نضرة وأنسا واحسانا ، أما إذا مروا عليها مرور الغافلين ف " مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون "
العيد فرصة استلهام الروح الملائكية في زمن الطغيان الشيطاني ، فرصة استرجاع أدوات الإحياء والبعث في جسد الأمة المتسربل تحت ضربات الهوان ، فرصة استنطاق الأنا الجمعية حينما يستثيرها ناموس الهدي الرباني ، فتستجيب فرحة مرضية ، فرصة الانطلاق والتجديد في رحلة التحليق الغنية بعد أن رزحت الأمة في أتون غربتها وسقامها ، في أزمنة الارتداد السحيقة المؤلمة .
العيد- في خلاصة ما نريد قوله - إعادة ترسيم العلاقات الإنسانية انطلاقا من الذات نحو الجمع ، لبناء أسرة متماسكة ، وأمة موحدة ، ولتحقيق رسالة ربانية خالدة في استخلاف الإنسان للأرض ونشر الفضيلة بعيدا عن الاستعباد والقطيعة التي فرضها الجشع المادي البشع الباحث عن شهوة السيطرة والعنف في ماديات النظم والأفكار الهدامة التي تستقي منهجها من الشيطان الرجيم .