إذاً هنا بداية الطريق والتحول في نهج من رام الهدى, ورغب في التقى, شهر التفريق بين الحق والباطل من خلال هذا المنهج الرباني الفريد, شهر تنطلق فيه قوافل الإيمان رحلة العبادة, شهر يتجلى فيه رب العزة ليجدد في الناس معالم الأمل, بالرحمة والهداية، شهر حظي بهذه الميزة الفريدة والهدية الخاصة, نزول الكتاب العظيم, منهاج المسلمين وسبيل رشادهم, إنه شهر تفتح فيه أعظم مدرسة تربوية خالدة.
نعم, مدرسة شهر الرحمة والمغفرة والعتق فتحت أبوابها لتخريج أفواج الفائزين في امتحان مدرسة الصبر، ليدلف من استحق الجائزة من باب الريان إلى جنة الرضوان, كما روى البخاري - رضي الله عنه - في صحيحه حيث قال: "عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لاَ يَدْخُلُهُ إِلاَّ الصَّائِمُونَ.
وشهر رمضان اختبار للأمة كلها حيث يتجلى الصبر في أبجديات سلوكها ويتحقق النجاح عندما تمتثل الأمة امتثالاً مرضياً بما أمر الله سبحانه, وبما اقتضت غاية الصوم ؛ ومن أجل ذلك أعطيت الأمة كل أسباب النجاح, حيث صفدت الشياطين ووضعت إعلانات التحفيز والإغراء على مشارف الطرق, وفي واحات العبادة, فمن النحو الأول, قال عليه الصلاة السلام: "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ" رواه البخاري ومسلم
ومن الثاني قوله - صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
هذه المحفزات تجعل الأمة أمام استحقاقات عظيمة, لتحقق معاني الرحمة والمغفرة والعتق, استحقاقات تجعل من مفهوم الصوم حركة إصلاحية شاملة لضمير الأمة, من خلال تزكية النفوس, وحملها على المشاركات الوجدانية, وتوحيد سلوكها الأخلاقي في ثورة تضامنية شاملة, وهذا ما عبَّر عنه الفقه الإسلامية حينما اعتبر الصوم غاية أكبر من أن تكون مجرد جوع أو عطش؛ فطالب الصائم بأن يصون صومه من عبث اللسان والاعتداء على الناس.
نعم شهر رمضان شهر الجدية والمثابرة لا شهر التهاون والكسل والميوعة والسهر, وهنا نشير إلى ظاهرة خطيرة خبيثة تتمثل في محاولة الانحراف بالغاية الرمضانية وتفريغها من مضمونها الاستعلائي لتصبح روتيناً انزلاقياً, يخطط له أعداء الأمة في سم المسلسلات الهابطة, والبرامج التلفزيونية المائعة, والتركيز على الجانب الشهواني في الأكلات والتسالي, وليست كذلك أمة الجهاد والاستشهاد ؛ أمة بدر وحطين, أمة القرآن بعد الفجر والصدقات وقيام الليل.
ولا شك أن واقع الأمة اليوم وما تواجهه من تحديات جمة, ومصائب يشيب لها الولدان, مست أخص خصائص وجودها وديمومتها، يستدعي إعادة بناء هذا الجسد المترهل, وصياغة جديدة لطبيعة المنهج الفكري والسياسي الذي يحرك فيها الإبداعات, ويسهم في تشكيل معيارها الحضاري, ويبقيها ماجدة كسالف عهدها, وهي بحاجة أيضا إلى محاكمة جادة لسلوكياتها: شعوباً وحكاماً تجاه قضاياها الساخنة، بحاجة إلى إلقاء نظرة على عالمها الأخلاقي والسياسي والاجتماعي, لا من أجل جلدها والتودع منها, بل من أجل رأب الصدع فيها, واعدة بث روح العزيمة الضائعة في عروقها, فأمة الإسلام أمة حية - بلا شك - لأنها أمة الحق, لكنها تصاب بين الفينة والفينة بداء الغثائية والوهن وهو داء مبعثه حب الدنيا وكراهية الموت - ذكر الحبيب, فإن نفث في روحها, وذكرت بمعالم هديها عادت أصلب مما كانت عليه, والتاريخ شاهد على محطات نهضتها من بعد كبو وعزتها من بعد ذل, وإلا لانتهى بهدّ التاريخ مع التتار أو قبل ذلك.
شهر رمضان هذا العام - يجب أن يكون محطة استثنائية لضمير الأمة, لتقف مع ذاتها وقفة جادة؛ لأن ما يحيق بها من مؤامرات, وما تواجهه من استهدافات أكبر من أن تمر عليه مرور الكرام غافلة مستكينين, تحت دعوى باطلة أنها منشغلة بالعبادة, لاعنة السياسة والسياسيين, فحماية المشروع الإسلامي والحفاظ على بيضة الإسلام جزء من عقيدة الأمة, بل هي سنة من سنن ضمان وجودها، والأدلة في هذا كثيرة من الكتاب والسنة, فلا يجوز لأمة الإسلام أن يمر عليها شهر رمضان - هذا العام - وقد ضرب العالم نطاقا من الحصار الغاشم الظالم على أهلنا في غزة, ومنع عنهم الماء والهواء والدواء, وأغلق عليهم كل المعابر والآفاق من الأرض والبحر والسماء.
إن واقع الحصار الغاشم في غزة يفرض على أمة الصيام جملة من الأحكام العاجلة التي يتحقق من خلالها مفهوم الصوم - كما أراده الله سبحانه وتعالى - كيف لا, وقد خص هذا الشهر فيما خص فيه بأنه شهر الرحمة والإحسان, فكيف تتحقق هذه الرحمة وذاك الإحسان وقطعة عزيزة من أرض الإسلام تعيش حالة لا مثيل لها من الحصار والعزل!! كيف نكون من الراحمين وقد شغلتنا أموالنا وأهلونا عن نصرة أهلنا في فلسطين الحبيبة!!! كيف نحقق معنى التواد والتراحم في حديث المصطفى - عليه الصلاة والسلام"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" وقال النبي صلى الله عليه وسلم "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه".
ونحن منشغلون بمتابعة المسلسلات الهابطة, وتبويب أنواع الأكلات والموضات المناسبة لاحتفالات (شهر رمضان) ومتطلباته الشكلية, بينما عدونا منشغل بحصارنا وخنقنا وتمرير كل المؤامرات الخطيرة التي تسعى لسحق هذه الأمة, وتحويلها إلى أمة من الهنود الحمر, تذاب بالحمض الكيميائي لتنتهي إلى غير رجعة.
ومما يدمي القلوب ويثير الظنون ما نسمعه حديثاً من تسريبات إعلامية حول تفكير بعض الدول العربية في إرسال قوات احتلالية جديدة إلى غزة, لإكمال حلقة الحصار, ومساندة الجيش الصهيوني الغاشم الذي فشل في كسر شوكة المجاهدين - كي يحقق أمنياته على أيد عربية.
إن مجرد هذا التفكير يجعلنا نتساءل عن حقيقة الدعم الذي تشدقت به بعض الدول من أجل فك الحصار؛ فبدل أن تسير السفن محملة بالدواء والغذاء, يريدون إرسال الدبابات محملة بالموت والدمار. أهذا هو ما فهمه العرب من هدي المصطفى- صلى الله عليه وسلم - من درس التراحم والتعاطف؟؟!! أهذا ما جناه الصائمون من ثمرة المشاركة الوجدانية لإخوانهم المعذبين في أرض الإسراء والمعراج!! كيف استساغ العرب هذه الفكرة الشيطانية المسمومة التي لا تخضع إلا لتحليل سياسي واحد لا ثاني له, تفسير يصب في سيناريو القضاء على حق الشعب الفلسطيني في الوجود وتكريس مفهوم الاحتلال فيه وتحويل الأمة التي كان من المفترض فيها أن تكون الجدار والحاضنة إلى النعش الأخير, بل الضربة القاضية في معركة الأخذ والرد, وسحق حركة تحرره الوطني وغلها وتحويلها إلى حالة انفلات تقتضي المحاكمة, إن النظر إلى حركات المقاومة من خلال العين الأمريكية, ومحاولة كسر شوكتها وحرمانها من حقها في المقاومة هو مشاركة فاعلة في الجريمة التي مرَّ عليها ما ينيف على الثمانين عاماً منذ وعد بلفور حتى الآن ، بل إننا نرى في استقدام قوات عربية لسحق المقاومة في غزة خطراً يفوق آلاف المرات خطر الوعد البريطاني الخادع الإجرامي؛ لأن مشاركة العرب في ذبح إخوانهم آخر انقلابات الصور ومعجزة الإجرام الذي حلم به الكيان ولم ينل منه شيئاً، فإن تحقق فتلك الطامة الكبرى.
إن قراءة الواقع السياسي بعين العقيدة الإسلامية تستدعي نوعاً من المزج الوجداني في تحمل المسؤولية ونصرة الحق لأن من والى عدواً ونصره على أخيه برئت منه ذمة الله لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
هذه المؤامرة الخطيرة المتمثلة في إرسال القوات العربية لقتل الفلسطينيين في غزة خطوة غير مسبوقة, ولا يجوز لأمة فهمت معالم دينها, وعاشت سمو العقيدة في نفحات الإيمان الرمضانية, وتذوقت طقوس العزة في شهر الرحمة والمغفرة, أن تستكين وتستجيب لدعاوي الفرقة والضياع, لا يجوز لأمة عاشت حالة إيمانية مميزة - تتمثل في الصيام والقيام والذكر والصدقات - أن تمر عليها هذه المؤامرات وهي سادرة ساهية, تغط في نوم عميق؛ لأنها إذا قبلت هذه المعادلة, ونأت بنفسها عن نصرة الحق, ومنع الجريمة, فلا حاجة من صيامها وقيامها؛ لأن الصوم - حينها - لا يكون قد حقق غايته, وكيف يكون الصوم قد حقق غايته والأمة تنكب يوماً بعد يوم بهذا الحصار وهذه المؤامرات!!!
نعم, كنا نتمنى ونتضرع إلى الله أن تصل هذه الجيوش, ولكن لتفك عنا الحصار, وترفع عنا الضيم, وتحرر لنا الأرض, وتحقق لنا الأمن, وتنقم - لنا - ممن ظلمنا من بني يهود؛ فتجاهد في سبيل الله كما أراد الله لها أن تجاهد, أما أن تأتي - وفق رغبة صهيون وأجندة أمريكية - ليصبح الحصار حصارين, والقتل قتلى, والدمار دماراً, فهذا لعمري عين الخيانة وتلك ردة ما بعدها ردة.
غزة اليوم بحاجة إلى وقفة جادة مع الذات, ذات الأمة المسلمة, لتعلن عن رحلة حقيقية لفك الحصار كما فعلت - وللأسف - دول أوروبية, لا تربطنا بها عقيدة أو لغة, وإنما هو ذلك الشعور الإنساني الحر الذي إذا ما تحرك صادقاً أجدى وأثمر. نحن بحاجة إلى شعور إنساني إسلامي حر في شهر رمضان المبارك, لعل الله - سبحانه وتعالى - يفرج عن هذه الأمة ويتقبلها في الصالحين, ولا يكون صيامها مجرد جوع وعطش لا أجر فيه.