
اعتقل هؤلاء الأخيار حتى لا تشكل نسبة الأكثرية التي أفرزتها انتخابات المجالس النيابية انقلابا استراتيجيا على خيارات التسوية الهزيلة، وحتى لا تتمكن الحكومة الفلسطينية- المشكلة من هذه الكفاءات النوعية- من رأب صدع القضية الفلسطينية، وتصويب مسارها، وإقالة عثرتها، ووضعها في مصافاتها الصحيحة، دون مساومات أو تنازلات على موائد المفاوضات الهزيلة.
ومن هنا، فقد عنيت غير دولة بتغيب هؤلاء عن ساحة الفعل السياسي الفلسطيني، واستفادت غير جهة من هذا الإجرام التعسفي.
منذ أحداث الحادي عشر من أيلول دخل العالم مرحلة لا سابق لها من الطغيان السياسي والإجرام وكبت الحريات، والكيل بمكياليين جهارا نهارا، وشكلت أمريكيا- من خلال تحالفات لها - ظاهرة فرعونية جديدة ، ولسان حالها يقول: أنا ربكم الأعلى، وأنا الخير كله، وسواي شر مطلق!
ثم جاءت بقدها وقديدها، وخيلها وخيلائها، بعد أن أسقطت كل مفردات الشرعية وحقوق الإنسان من قاموسها السياسي ، بل سحقتها بغيها وجبروتها وغطرستها الحربية،فقصفت ونسفت ، واحتلت وأسرت، وفتحت سجونا سرية وعلنية بمعاير إجرامية.
وكان سجن (جوانتانمو) أنموذجا فريدا من نماذج النازية الجديدة في معاقبة الناس وقهرهم، دون أن تأخذهم في مؤمن إلاً ولا ذمة، ووقف العالم المخادع واجما صامتا أمام هذه القرصنة المخيفة، وطوي ملف الحريات والمحاكمات العادلة إلى الأبد.
وفتحت سياسة القمع والتضليل ملف الديمقراطية ، وكشفت لنا فلسفة رعاة الأبقار عن ديمقراطية من نوع جديد، سقطت معها كل الأقنعة الخرقاء ، وتعرت كل أوراق الوهم .
احتلت الدبابات العراق، ووصلوا قلب بغداد ، وانتهوا إلى رأس الهرم السياسي ، وقطعوا جذور الشرعية التاريخية في محاكمة صورية انتهت بإعدام صدام حسين - زعيم دولة العراق - دون توجيه تهم واضحة- وفق القانون الذي استندوا عليه، ومرت الليالي والأيام دون أن يتحرك الوهم الحر في العالم المستعبد ، وكأن شيئا لم يكن .
وعلى مقربة من العراق الكسيح كانت دبابات الإجرام الصهيوني ترسم معالم خرائط الوطن الذبيح، ناسفة قرارات الشرعية الدولية لتذروها رياح التجاهل العالمي، ويغرق الوطن المقدس في أتون المحرقة النازية الإجرامية الجديدة .
وتأتي أمريكيا (بوش ) - الصليبي الحاقد - متبجحة بأنها أم الديمقراطية ، وأنها عازمة على إحلال السلام والأمن - وفق رؤية ديمقراطية - مطالبة الفلسطينيين بانتخابات حرة نزيهة ؛ علها تحصل على ما تريد من اختراق امني على يد الاسلويين ، فتصبح الخيانة رسمية مشرعنة ، فجاءت النتائج على غير ما اشتهت ، وقلب السحر على الساحر، وفازت حماس - عدو الأمريكان - بهذه الانتخابات فوزا ساحقا مجلجلا ؛ فتنكر لفوزها العالم، الذي ادعي النزاهة والحرية ، وبدأت حملة عالمية للتنصل من هذه الاستحقاقات الديمقراطية ؛ حيث قاطعوا هذه النتائج ، ولم يعترفوا بها ، وقرروا آن يضعوا رؤوسهم في الرمال ظنا منهم آن شمس الحقيقة قد تغطى بغربال .
قضية أسرى نواب الحرية، وعمالقة الشرعية الديمقراطية - التي مر عليها ما ينيف عن اثنين وعشرين شهرا، دون أن تجد- لها - في أروقة السياسة العالمية أذنا إنسانية صاغية ، تقف عند مسؤولياتها، وتقول كلمة حق أمام هذا الاعتقال التعسفي - قضية كشفت زيف العالم، وعرت ادعاءاته الباطلة على كافة الأصعدة ؛ فالعالم الذي لطالما أصم أذاننا بالحديث عن مفردات جوفاء لها شكلها المبهر اللؤلئي؛ الذي تراه فيعجبك منظره ، ولكن رائحته رائحة العفن ، وطعمه طعم الحنظل.
وهل هم حقا ملتزمون بنتائج التجربة الديمقراطية التي تغنوا بها عبر سنين؟!
إن النواب الذين نتحدث عنهم \، هم صفوة الصفوة في العلم والخلق والشفافية ، في عصر عز فيه الأصفياء ؛ وقل نظراؤهم من الساسة والنجباء ، حصلوا على أعلى الأصوات في انتخابات برلمانية - رعتها الولايات الأمريكية- ووصفت بأنها الأكثر نزاهة في تاريخ الانتخابات البرلمانية.
كان العالم يزعم انه على استعداد للتعاطي مع الخيارات السلمية ، وانه يقبل باختيار الشعب إذا انتخب الشعب ممثليه، فها هو الشعب قد اختار؛ فأين ذهبت مزاعم الساسة الأوروبيين؟!
وأين هي الحصانة الدبلوماسية التي تمنح للخيار السلمي الشعبي أحقية في التمثيل ؟!!
كيف قبل العالم أن تمرر قضية اعتقال هؤلاء الأشراف، من خلال هذه البلطجة الصهيونية، والتدخل السافر في تقرير مصائر الشعوب، أين هو العالم المتحضر اليوم من هذا الجرم اللاخلاقي العنيف؟!
أين هو من وأد الديمقراطية وقتل الاستحقاقات الدولية التي توافق عليها كل من ارتضى منطق الشرعية الدولية !!.
على العالم الغربي - المتمثل في القطبيين الرئيسيين أوروبا وأمريكيا- أن يعلن لنا عن حقيقة نواياه ، ورؤيته الإستراتيجية للخيارات السلمية - التي يتشدق بها- أم انه يكيل بمكيالين؟
إنَّ مصطلحات الديمقراطية والسلم ليست إلا كلمات جوفاء، وأصباغ كاذبة ، تخفي خلفها جلدا لحية رقطاء تمرست فنون الإجرام الاستعماري، والتطهير العرقي ، وإقصاء الآخر والتمييز والعنصرية .
حينما اغتيل رجل أمريكيا في لبنان بأيدي أمريكية قامت الدنيا ولم تقعد ، ورفعت قضيته لتصبح قضية أساسية على جدول أعمال محكمة لاهاي الدولية، وبرامج هيئات الأمم، والإدارات الأمريكية والأوروبية والبرلمانات .
فأصبحت قضية رفيق الحريري أهم من كافة القضايا المصيرية التي تهدد امن واستقرار المنطقة ، فما بال هذه الشرعية تنقلب على عقبيها ، وتتبلد فيها كافة معاني الإحساس ، وتموت فيها كل معالم النخوة أمام قتل خيار الشعب الفلسطيني!!
هذا الشعب الذي سلبت أرضه وحريته ، وشرد أهله وقتلوا ، فلما من الله عليه بعمالقة أخيار - من أمثال الدكتور عزيز دويك الذي يحمل أربع شهادات علمية عالية، والشيخ الطاعن في السن حامد البيتاوي رئيس رابطة علماء فلسطين، وإخوانه الذين نافوا عن الأربعين .
هؤلاء الأطهار الأخيار زج بهم في غياهب السجن لا لذنب اقترفوه، وإنما معاقبة للديمقراطية النزيهة التي تشدق بها الغرب، ووأدا للصوت العاقل الحر المنزه عن الفساد والخيانة ، خوفا من أن ينتصر في معركة السياسة .
اعتقل هؤلاء الأخيار حتى لا تشكل نسبة الأكثرية التي أفرزتها انتخابات المجالس النيابية انقلابا استراتيجيا على خيارات التسوية الهزيلة، وحتى لا تتمكن الحكومة الفلسطينية- المشكلة من هذه الكفاءات النوعية- من رأب صدع القضية الفلسطينية، وتصويب مسارها ، وإقالة عثرتها ، ووضعها في مصافاتها الصحيحة-، دون مساومات أو تنازلات على موائد المفاوضات الهزيلة .
ومن هنا، فقد عنيت غير دولة بتغيب هؤلاء عن ساحة الفعل السياسي الفلسطيني، واستفادت غير جهة من هذا الإجرام التعسفي، وكان على رأسها دولة الكيان الغاصب ، التي لا ترغب في رؤية الشعب الفلسطيني يتعافي من تاريخه المر، بقيادة صالحة تسير به إلى بر الأمان، وتحفظ له عزته وكرامته، بعيدا عن الاستجداء المذل على موائد التنسيق الأمني المشين . كما استفادت من ذلك أمريكيا- الصليبية الحاقدة - التي رعت هذه الدولة المسخ ، وأعلنت عن نفسها- في غير مرة- أنها ملزمة بحماية هذا الكيان ، وان أمن إسرائيل من أمنها.
أما العالم الأوروبي فهو عالم مادي تحكمه مصالح نفعية دون أي قيمة روحية أو أخلاقية ، فهو يميل إلى الكفة الرابحة ، والغايات عنده تبرر الوسائل ، ثم انه ملتزم – سياسيا- بعقيدة صليبية ، عبر عنها من خلال تحالفات تاريخية ضد الشرق، ووعود كارثية ما زالت ذاكرتنا الحية تحتفظ بمراراتها من مثل:(سايكس بيكو) و(سان ريمو) و(وعد بلفور) وغيرها وغيرها!
أما عالمنا العربي، فقد بلغ منه العجز مبلغا سافرا ، وشط فيه طغيان الخيانة، وتمطت أحبال التآمر ، حتى غدا الحديث عن تآمر النظام العربي على القضية الفلسطينية حديثا روتينيا عابرا ، يتباهى به الحكام ، وتتنافس عليه أجهزة الأمن ؛ فالنظام العربي الدكتاتوري الشمولي -القائم على فلسفة القمع والسحق- لن تروق له أية انجازات ديمقراطية حقيقية ، تسمح بمحاسبة المفسد وتعطي القوس باريها، وتكنس الرويبضات ، وتجتث الأزلام الرعاديد، وتلقي بهم في مزابل التاريخ حيث قيمتهم الحقيقية.
هذا النظام العربي المخترق أمنيا وفكريا واقتصاديا، المرتهن باشتراطات المحتل؛ الذي لا هم له سوى أمن عدوه ، ولا خيار أمامه سوى التنازل ثم التنازل ثم التنازل؛ لا يمكن له أن يقبل ببروز ظاهرة إصلاح برلمانية في اخطر بقعة أرضية، حيث مركزية القضية الفلسطينية ؛ مما يعني أن آثارها الإيجابية ستفتت هشاشة هذا النظام المسخ وتحيله قاعا صفصفا .
ومن هنا، فلا غرابة أن نجد منه امتعاضا يصل إلى حد الفجيعة -بعد فوز حماس التاريخي في انتخابات عام 2006 - ولا غرابة - أيضا- أن نجد أن معظم الدول العربية منعت النواب من دخول أراضيها ، وضيقت عليهم ، وشاركت في حصار الشعب الذي انتخبهم ، وبدأت تخشاهم خشية الغريق في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه عذاب.
لقد كشفت قضية النواب الأسرى- في سجون الاحتلال - وما واكب ذلك من خمول في التفاعل السياسي والقانوني المحلي والدولي؛ جملة من الاستنتاجات التي تؤخذ بعين الاعتبار لتوضع في سياقات العمل النضالي المستقبلي :
1ـ أن العالم الأوروبي الذي زرع هذا السرطان الصهيوني الغاصب في أرضنا من خلال قرارات ووعود لا شرعية؛ لا يمكن له أن يعترف بشرعية غير شرعية الاستعمار والإجرام والكذب والضلال.
2ـ أن خيارات الشعوب في التحرير لا يجوز أن تكون رهن إرادة المتجبرين في الأرض وان ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة .
3ـ آن ما يسمى بالخيار السلمي في تقرير مصير الشعب الفلسطيني ، وحل قضيته حلا عادلا ، خيار تشوبه ضبابيات كثيرة ، وهو خيار مرتهن باستحقاقات أمنية لا تسمح في حال من الاحوال أن يتحول إلى خيار حر ونزيه نابع من إرادة الشعب .
4ـ مواقف بعض القوى الفلسطينية ، وخصوصا موقف الرئاسة وفصائل منظمة التحرير، من قضية اعتقال النواب يكشف عن حقيقة تواطؤ وتساوق مع المحتل، من اجل مصالح فئوية تضر بالمصلحة الفلسطينية العليا.
5ـ أن عجز الدول العربية - ممثلا بالنظم والبرلمانات والمؤسسات يدلل على أن الأمة تحتاج إلى إعادة تشكيل خياراتها أمام تحديات عدوها ولا يجوز أن يبقى هذا النظام الوهمي متحكما برقاب العباد تحت ذرائع واهية .