| مستقبل المقاومة في ضوء مؤتمر أنابوليس | | | |
| كتب أ. رمضان عمر* | |||||||||||||
| 27/11/2007 | |||||||||||||
| خاص بموقع "قاوم" المقاومة -في وعي من حملوا السلاح إيماناً وامتثالاً- لا يمكن لها أن تخضع لقانون المساومة، أو تنزاح وفق قانون البدائل كما فعل الثوريون حينما أسقطوا البندقية، ورفعوا غصن الزيتون، وأصبحت ورقة التوت الأخيرة في خريفهم البائس هي سفينة نوح المنجية في المحيط المطلاطم... الجانب الصهيوني حزم أمره ولا يقبل من الجانب الفلسطيني إلا شقاً أمنياً يجعل عباس وحكومته وكيلاً للقمع لا نظاماً سياسياً مستقلاً.--------------------- لن يكون مؤتمر أنابوليس المد الانزلاقي الأخير في مشاريع التسوية - كما تروج له واشنطن، ويتشبث به الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ويهندسه فنياً واستراتيجياً أولمرت. ولن يكون الحسم العسكري القسامي -في غزة- نهاية المطاف في مسيرة الجهاد والممانعة؛ فتاريخ الثورات قائم على فلسفة بسيطة يختزلها قانون المد والجزر -وفقاً لظروف الساحة الميدانية- من حيث طبيعة الفعل اليومي الذي يتوقف في كثير من الأحيان لترتيب مقتضيات التخطيط والإعداد وإعادة البناء ... الخ. أما نظرياً فيصدق عليه مقولة الشيخ الإمام -أحمد ياسين-: أنا أقاوم فأنا موجود. فالوجود الفلسطيني تحت احتلال غاشم يفرض -نظرياً تشكل ظاهرة جهادية تدفع وترفض وتقاوم- ولن تنتهي إلا بانتهاء الاحتلال. ومحاولة الفصل الكلي بين دفتي الوطن -وإن بدت ممكنة من خلال التأثيرات الإعلامية والضغوطات الدولية- إلا أنها ستظل مستحيلة عند من آمنوا بوحدة المصير ووحدانية الخيار؛ خيار المقاومة والاستشهاد حتى يتحقق النصر المبين ويعود الوطن كله إلى حظيرة الإسلام والمسلمين. المقاومة -في وعي من حملوا السلاح إيماناً وامتثالاً- لا يمكن لها أن تخضع لقانون المساومة، أو تنزاح وفق قانون البدائل كما فعل الثوريون حينما أسقطوا البندقية، ورفعوا غصن الزيتون، وأصبحت ورقة التوت الأخيرة في خريفهم البائس هي سفينة نوح المنجية في المحيط المطلاطم. ومن هنا فإن إقرارنا بوجود ضغط هائل وشرس عسكرياً وإعلامياً واقتصادياً وصل إلى حد محاولة الاجتثاث والإقصاء للمقاومة بشقيها العملي والثقافي؛ فإن انتماء المشروع المقاوم إلى ربانية الولاء والبراء ستجعل منه صرحاً شامخاً صعب المراس، كما قال الشاعر:
لن ندفن رؤوسنا في الرمل، متوارين خلف تصورات نظرية مجردة؛ لتصدير أحلامنا الوردية، بل سنقرأ بتمعن جغرافية الواقع السياسي، سنقرأ دلالات الحراك الأمني والسياسي والحصار الاقتصادي والتكالب العالمي، ونقف عند أهم عنصرين تتعلقان باستمرارية المقاومة، وهما: الأمن والسياسة. الواقع الأمني: مما لا شك فيه أن العالم الآن مهووس بقضية الأمن، وأن القضية الفلسطينية -في نظر الإدارة الأمريكية- وخصوصاً بعد الحسم العسكري في غزة، لم تعد أكثر من بعد أمني استراتيجي مستعجل لعدم تكرار ما تم في الضفة الغربية، ومن هنا كانت اللقاءات المتكررة، بين أولمرت وعباس، وما تبع ذلك من جهود تركزت في نابلس تحت رعاية دايتون، حيث وصل الحد في هذا التنسيق الأمني إلى مستويات لم تصلها من قبل، نشير فيها إلى ما تناقلته الصحف عن "إيهود أولمرت الذي وافق على تزويد القوات الخاصة لإمرة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في الضفة الغربية بخمس وعشرين مدرعة مصفحة ومليوني طلق ناري". هذا التساوق الأمني يمكن أن يكون قد عمل على خنق المقاومة في الضفة، والحد من قدراتها وتكبيل أيديها وانحسارها مرحلياً في جانب التخفي والبحث عن أماكن أكثر تحصينا كالمخيمات، لكن ذلك لا يعني بالمطلق انتهاء جذوة المقاومة، واقتلاع جذورها. صحيح أن السلطة الفلسطينية -في الضفة الغربية- قد عملت على جملة من الترتيبات الأمنية غير المسبوقة -بالتنسيق مع الاحتلال الصهيوني- لضرب البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية، بيد أن تلك الحملات المسعورة قد جاءت بنتائج عكسية حيث أظهرت قوات الأمن بمظهر الوكيل الأمني للدولة العبرية على غرار قوات لحد في جنوب لبنان. أما أهم الترتيبات الأمنية التي قامت بها السلطة في الآونة الأخيرة لضرب المقاومة فيمكن حصرها في النقاط التالية: تشجيع روح الاستسلام لدى المقاومين، وذلك من خلال سياسة العصا والجزرة، وقد بدأت تنفيذ هذه السياسة مع مطاردي التيار الفتحاوي، من خلال المقايضة في صفقة تسليم السلاح مقابل التوقف عن ملاحقتها من قبل قوات الاحتلال الصهيوني، والحقيقة أن المطاردين وفق هذه القراءة ليسوا سواء؛ فهناك مطاردون بالاسم تم استخدامهم إعلامياً كطعم للتغرير بغيرهم، أو إظهارهم بمظهر من التزم بالخط السياسي لحكومة رام الله، وهؤلاء معظمهم من عناصر قوى الأمن، ولا علاقة لهم بالعمل المقاوم، بل فرغتهم فتح تحت أسماء مختلفة منها على سبيل المثال لا الحصار كتائب شهداء الأقصى. أما مطاردو التنظيمات الأخرى فقد تمت ملاحقتهم والضغط عليهم بشتى الوسائل لتصفيتهم، أو تسليم سلاحهم، وهذا شمل كتائب شهداء الأقصى غير المفرغين، ويمكن أن نعطي مثالاً عليهم كتائب فرسان الليل في نابلس، حيث تمت تصفية معظم قياداتهم من خلال تسهيلات دخول الاحتلال إلى مواقعهم، وكتائب الشهيد أبو علي مصطفى حيث تناوبت قوات الأمن الفلسطينية مع قوات الاحتلال في محاصرة مخيم العين لمدة أسبوع كامل بغية الوصول إلى مطاردي كتائب أبو علي مصطفى وكتائب القسام الذين كان لهم دور بارز في الإنكاء بالعدو، وإيلامه في عمليات ليلية متكررة على مدار أربعة أشهر كاملة. أما كتائب القسام، فقد أعلنت الحرب ضدهم علناً واعتبرت حكومة عباس كتائب القسام ميلشيا محظورة، وعملت على ملاحقتها واعتقال عدد كبير من كوادر الحركة بغية الوصول إلى قوة حماس العسكرية وتصفيتها. الواقع السياسي: وما يهمنا هنا محاولة إخراج حماس من لعبة السياسة، واعتبارها حركة محظورة، ومحاولة استصدار قرارات عالمية لعزلها، وحث فتح في المرحلة الحالية لتقديم تنازلات أحادية الجانب، مستغلين بذلك حالة التشظي والانكسار، ولا أدل على ذلك من هذا التسارع المحموم لعقد مؤتمر أنابوليس، وإنجازه بأسرع وقت ممكن من خلال حكومة على المذاق الأمريكي، برئاسة فياض المقرب من الإدارة الأمريكية، وهذا الواقع السياسي، ربما صور على أنه بديل استراتيجي عن واقع سياسي آخر، حاولت حماس تمريره من خلال تجربتها النيابية، حين قبلت باللعبة السياسية بعد التعديل عليها من خلال قراءة جديدة للمشهد السياسي تقوم على دمج التحرك السياسي مع التمسك بالثوابت ورعاية للعمل المقاوم هذا المنطق الجديد: السياسة والمقاومة أقلق أصحاب مشروع الفوضى الخلاقة فكان لا بد من مسحه من ذاكرة النضال الفلسطيني. وربما أعتقد البعض أن الإدارة الأمريكية بمقدورها حسم الواقع السياسي لصالح جماعة المعتدلين -في المفهوم الأمريكي- ووضع حد لمبررات وجود عمل مقاوم ما دامت قضايا الحل النهائي ولجت عالم التفاوض وحسمت حسماً مصيرياً لصالح رؤية بوش في وجود دولتين من خلال ما سيتم إنجازه في مؤتمر أنابوليس. ومن هنا فالمسار الذي يجب أن يأخذ حيز التجربة السياسة الكاملة -في نظر بوش- هو مسار التسوية، وهنا-أيضاً- ستطوع الروافد الطبيعية التي تغذي المسارات لصالح هذا الخيار- وهذا ما قد يتم إنجازه فيما لو قبلت -وقد قبلت- دول الاعتدال حضور المؤتمر، وهنا -أيضاً- ستصبح حماس وفق هذا الترتيب معزولة عملياً، ولن تقوى على إعادة ترتيب أوراقها -في رأي مناصري الحل السلمي- لتبقى لاعباً رئيسياً في المنطقة. أقول: إن اشتراطات المقاومة غير اشتراطات النظم والمثل؛ فوجود ممانعة في الواقع النفسي للشعب المحتل كفيلة بتوليد فكر مقاوم صالح للتبلور على شكل عمل مقاوم، ومن هنا، فإن رؤيتنا لاستمرارية المقاومة تنبع من النقاط التالية: - إن المقاومة فعل ارتدادي يتشكل مع كل إجراء احتلالي، فحيثما وجد الاحتلال وجدت المقاومة. - الإدارة الأمريكية التي تعاني من مشكلات استراتيجية، في سياستها الخارجية، غير قادرة على إقناع الشعوب بجدية التحرك السياسي، وهذا سيشكل بذور الفشل لمساعي التهدئة. - رغم السطوة الأمنية والتسارع اليومي في كبح بؤر المقاومة على يد أجهزة الأمن الفلسطينية، إلا أن هذه الأجهزة -ومن ورائها الحكومة الحالية- لا تتمتع بشعبية وقبول لدى الشارع الفلسطيني، الذي يعيش حالة من الاستهداف اليومي على يد قوات الاحتلال، تولد انفجارات تتجاوز حدود القدرات العباسية، وتنذر بميلاد انتفاضة ثالثة، ستكون الأشرس والأشد بإذن الله تعالى. - تخوفات العدو الصهيوني من احتمال وصول حماس إلى الضفة لها ما يبررها، خصوصاً أن الجانب الصهيوني حزم أمره ولا يقبل من الجانب الفلسطيني إلا شقاً أمنيا يجعل عباس وحكومته وكيلاً للقمع لا نظاماً سياسياً مستقلاً، وهذا لن يطول؛ لأن الواقع الفلسطيني يحتاج إلى حل سياسي لا أمني -هذا وفق رؤية الواقعية السياسية- وهذا لن يقدمه عباس من خلال خياراته الأمنية، وحتى لو لم تستطع حماس فعل ذلك؛ فإن الفرضية المنطقية تقتضى وجود بديل وطني عن خيارات التنازل والأمن وإن مبررات انتهاء (دحلان) وفشل (دايتون) في غزة هي ذاتها التي تنذر بفشل المسار التفاوضي في الضفة، ولا بدل بعد ذلك إلا بجولة من العمل المقاوم على طريقة حرب الاستنزاف الطويلة. * كاتب وباحث فلسطيني، ورئيس رابطة أدباء بيت المقدس. | |||||||||||||