الغموض القائم على الرمز والكناية والمحسنات البديعية
تشكل الكناية البعيدة واحدة من روافد الغموض في بنية النص الشعري ؛ ذلك ان الكناية لا تعمد الى التصريح المباشر، بل تتوارى خلف الكلمات والظلالات، باحثة لها عن علاقات غير مباشرة ، لا يراد منها المعنى القريب. بيد اننا لا نستطيع ان نثق بمفهوم الكناية لحل اشكالات الغموض في الشعر الصوفي ؛ ذلك ان الرمز في الشعر الصوفي لا يتكئ على فكرة الكنايات البعيدة وحدها ، واطلاق اسماء من قبيل الرموز الخفية فقط، وانما يتعامل مع المفردة من خلال معجم المصطلحات الصوفية .
اما البديع بانواعه فهو ايضا قيمة غير ايحائية بالمفهوم الصوفي ، واذا تم وروده فقد لا يكون مقصودا بذاته ، من مثل قول ابن الفارض :
سائق الاظعان يطوي البيد طي منعما عرج على كثبان طي
فربما احتملت (طي ) الثانية معنى قدسيا يخرجها من دلالتها الاولية ، التي يفترضها الجناس مع ( طي ) الاولى .
واذا عدنا الى التعريف المشهور - لابن جني - بان اللغة :"أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم" (25) . فإن الصوفي يستخدم اللغة للتعبير عن حالاته المختلفة، وهي حالات ليست من الأغراض التي تعارف عليها القوم ، ولا تنتمي إلى واقعهم؛ فالصوفي بين حضور وغياب، بين اتصال وانفصال، بين صحو وسكر، فهو دائم التنقل بين عالم الشهادة وعالم الغيب. فإذا انفصل عن العالم الواقعي الذي نعرفه وخرج عن نفسه، وارتقى في مدارج الصعود، ودخل عالم الحقيقة المطلقة، فإنه لا يستطيع أن يصف تجربته تلك بلغتنا الاعتيادية الصالحة لعالمنا الواقعي ، التي تحكمها قواعد المنطق وقواعد النظم والبلاغة ، وقواعد علم الدلالة. وإذا اضطر الصوفي إلى استخدام هذه اللغة ؛ فإنه مضطر إلى تجاوز تلك القواعد وتحطيم العلاقة القائمة بين الألفاظ ومعانيها المعتادة ، وجعل تلك الألفاظ تشير إلى مدلولات جديدة.
فقد تكون سعدى ولبنى وليلى اسماء تدل على المحبوب الالهي الاعلى كما يقول الشاعر : -
اسميك لبنى في نسيب تارة وآونة سعدى وآونة ليلى
حذارى من الواشيين ان يفطنوا بنا والا فمن لبنى ؟ فدتك ومن ليلى
وبهذا نقرأ للشاعر ابي مدين التلمساني :
مفتاح اقفال القلوب اتتك في خزائن اقوالي فهل انت سامع
وها أنا ذا اخفي واظهر تارة لرمز الهوى ما لسر ذائع
واياك اعني فاسمعي جارتي فما يصرح الا جاهد او مخادع
ذلك ان اغلب رموز الشعر الصوفي تجليات في الجمال الالهي ؛ فالاشفاق الرمزي - في المفهوم الصوفي - يرجع الى كل مظاهر الحزن في الوجود ، مما يجعل هذه التجليات تجليات للجمال الالهي الذاتي؛ فالمحبوبات العربيات لا يتعدين كونهن اشارة حسية للجمال الازلي. يقول ابن الفارض :
وتظهر للعشاق في كل مظهر من اللبس في اشكال حسن بديعتي
ففي مرة لبنى واخرى بثينة واونة تدعى بعزتي عزتي
اذا هذه الرموز العربية يوهم بها الصوفي العامة بان محبوبته انساني ، صونا لسر محبته من الشيوع في غير اهله ، واشفاقا على السامعين - من اهل السلامة - ان يفتنوا بطريق اقواله ؛ فالحقيقة ان الصوفي لا يعرف الا حبيبا واحدا هو ربه ومولاه ، يقول النابلسي:
عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل الى ذاك الجمال يشير ،
اسباب الغموض في الشعر الصوفي
ويرى البعض ان الصوفية إنما فعلوا ذلك للاستسرار ، او خوفا من السلطة العامة ، او من اجل اظهار الحيرة والقلق ، او لان عالم الروح لا تناسبه اللغة المباشرة .وربما فعلوا ذلك- ايضا - هربا من الفقهاء الذين تتبعوا شطحاتهم ، ورموهم بالغي والزيغ والضلال .
ولا شك ان مبدأ التأويل وحمل العبارة الصوفية على غير دلالتها المعجمية ، هو ما نحتاجه في قراءة النصوص الصوفية ، ذلك ان الصوفية نظروا نظرة عميقة ترمي الى الكشف عن الجوهر في الاشياء ، وعن الثابت في المتغير ؛ فاستخلصوا مالم يستخلصه غيرهم ، ولو توقفنا قليلا عند الامام القيشيري واخذناه مثالا على التاويل الصوفي للقرأن الكريم، ناظرين في ثنائية الظاهر والباطن ، وكيف تجسد المفاهيم الصوفية بمذاقات خاصة ؛ فمثلا يقول القشيري في تأويل قوله تعالى : " وكلوا مما ذكر اسم الله عليه ان كنتم باياته مؤمنين "" الانعام " (118)
فمع ان الاية واضحة الدلالة في تعلقها بالذبيحة ، ولكنه - أي القشيري - يبين ان المقصود : أي الاكل على غفلة من ذكر الله وحضوره بالقلب، فهذا التأويل الاشاري وان انطبق للمعنى الظاهر للأية ؛ فان له علاقة بالبطون الملتحق بعالم الغيب ، الذي هو ضد عالم الشهادة ، أي ان المعنى تحول من معنى الوجود الى مسرح الرموز والاشارات .
ومن هنا ، فان ابن عربي في تأويله لاشعار الترجمان، نهج نهجا باطنيا ليكشف لنا عن المغطى واللائذ ، ويطلعنا على عالم اخر نسرح فيه دون ان نعي ، عالم يتنفسنا ونتنفسه، يتميز بالشفافية وسهولة الاختفاء والانزواء ، وهذه الحركة التأويلية تعتبر شكلا من اشكال تفلت المعنى حينما يفتقر المعادل الموضوعي اللغوي، فتأتي الدلالات الخفية ذات الخصوصية الصوفية مشكلة بديلا امام حركة التداخل الموارنة .يقول ابن عربي ، مقدما تمهيدا لهذا التأويل الشعري : ( فلم ازل فيما نظمته في هذا الجزء على الايماء الى الواردات الالهية ، والتنزلات الروحانية جريا على طريقتنا المثلى " ، ويقصد بالطريقة المثلى : الطريقة التي تحتفي بقراءة الظاهر بوصفه رمزا لمعنى باطني ،ولا غرابة في ذلك ؛ فابن عربي يرى ان الوجود كله يعتبر مسرحا تتجلى فيه صفات الذات الالهية واسمائها تجليا ماديا تدركه الحواس المركبة في الانسان .
واذا اردنا ان نأخذ امثلة تطبيقية على انحراف التأويل من منطقه العقلي الى منطق الالهام والبصيرة فنجد - مثلا في ابيات متفرقة - لابن عربي :
ناديت اذ رحلت للبين ناقتها يا حادي العيسي لا تحد بها العيسا
وفي بيت اخر:
قف بالمطايا وشمر من أزمتها بالله في الوجد والتبريح يا حادي
والبيت الثالث :
حتى اسائل اين صارت عيسهم فقد اقتحمت معاطبا ومتالفا
وفي البيت الاخير :
قطعت اليها كل قفر ومهمه على الناقة الكوماء والجمل العود
لو تتبعنا المعجم اللغوي للمفردات الواردة في الابيات ،فإننا لن نصل الى شيء ما لم ننهج منهج التأويل الصوفي في تبيان دلالة المفردات ؛ فالناقة، والمطايا ، والعيس ، مترادفات تؤل في الهمم في اغلب المواقف ، والناقة الكوماء في البيت الاخير تؤل بالشريعة ، والجمل العود يؤل - عندهم - بالعقل المجرب ، وهذا التأويل يدل على انزياح في المعنى الباطني لحدوث صفة جديدة على المعنى الظاهري ، ويبدو الامر اكثر وضوحا حين ننشئ علاقة جدلية بين الناقة والهمة ، من خلال استحضار كلمة الهمة متجسدة في هذا الكائن، الذي يقوم بهذا الجهد ، غير ان الهمة - بوصفها معنى مجردا- تتنزل الى عالم التصوير والتجسيد في مظاهر متنوعة ، وهذا ينسجم مع تنوع الصور في عالم الشهادة .
ولا بد لقارئ الشعر الصوفي من تتبع معجم المصطلحات الصوفية ، حتى يتسنى له معرفة التأويلات الباطنية للكلمات المجردة من خلال سياقاتها المتنوعة
والصوفي يلجأ الى التهويل والمبالغة عن شدة الشوق والوجد والحنين الى الروح العلية :
فلو ان لي في كل يوم وليلة ثمانين بحرا من دموع تدفق
لأفنيتها حتى ابتدأت بغيرها وهذا قليل للفتى حين يعشق
لغة الاغتراب في الغزل الصوفي
الغزل العذري يشكل ارهاصا ومدخلا لرمز المرأة في الشعر الصوفي ؛ حيث يرى بعض الباحثين : ان الزهاد كانوا اسبق من العذريين في هذا اللون . ومهما يكن الامر فقد تجاوز الصوفيون حدود الغزل العذري ، وشكلوا لهم ظاهرة غزلية خاصة ، انطلقت من تجاوز مفهوم الغزل، الدال على ذاته، الى غزل يعبر عن دواخل المتلقي مع احتياجاته السمعية ، من اجل الاستجابة لبعض الافكار الصوفية ، لا سيما الحب الالهي ؛ فلغة الشعر الصوفي ليست لغة غزل ، وان اوحت الى ذلك ، فهي لغة تستمد وجودها اساسا من اللغة الخاصة، التي اتخذها الشعر الصوفي لنفسه منذ القرن الثالث ، فقارئ شعر الحلاج او ابن عربي يلاحظ بوضوح ان اللغة التي يستخدمانها للتعبير عن معاني الصوفية ؛ هي لغة خاصة ليست كاللغة التي يتداولها الناس ، فهي لغة ذات اصطلاحات من مثل : السفر والطريق والمقام والحال والانس والفناء واليقاء واليقين ، اما الطباق والتورية والجناس والمقابلة - في شعريهما - ربما جيء بهما لاظهار الحيرة والقلق التي يرتاح لها الصوفيونولا يعنينا في هذا الباب ما ذكره بعض النقاد من ان ابن الفارض - في شعره - لا يعدو ان يكون شاعرا مقلدا كثير التلف والتصنع ، يتعمد المحسنات البديعية معنوية ولفظية على انواعها ولا سيما الجناس .
فهذا الذي ذكره البستاني قراءة في القشور، وعدم تعمق، وقياس بلا علة ، ولا اجد له سندا؛ لان الرمزية الصوفية ، وان كانت تجمع بين الرمزية الاسلوبية والرمزية الموضوعية ، الا انها تتشكل في نهاية الامر من خلال المعجم الفلسفي الصوفي ، يقول الامام القشيري صاحب الرسالة القشيرية : "ان لكل طائفة من العلماء الفاظا يستعملونها ، انفردوا بها عن سواهم وتواطؤا عليها لاغراض لهم من تقريب الفهم على المخاطبين بها ن اوتسهيل على اهل تلك الصنفة للوقوف على معانيهم باطلاقها ، وهذه الطائفة – يعني الصوفية – يستعملون الفاظا فيما قصدوا اليها الكشف عن معانيهم لانفسهم ، والاخفاء والستر على من يباينهم بطريقتهم ، لتكون معاني الفاظهم مستبهمة على الاجانب ؛ غيرة منهم على اسرارهم ان تشيع ، في غير اهلها ، اذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلف او مجلوبة بضرب تصرف، فهي معان اودعها الله تعالى قلوب قوم واستخلص لحقائقها خصائص قوم )
يقول ابن عربي :
وعني بالتلويح يفهم ذاق غني عن التصريح للمتعنتي
بها لم يبح من لم يبح دمه وفي الاشارة معنى ما العبارة حدتي
ولا يقف حد الاغتراب - في الشعر الصوفي - عند هذا الحد حيث ان الادب الصوفي يتضمن مبادئ بارزة من الفلسفة الوجودية الحديثة ؛ فنحن عاثرون في الفكر الصوفي على اسس قامت عليها الوجودية الحديثة ، لكن هذا التقارب بين الوجودية والصوفية لا يعني انهم من مشكاة واحدة ، ويكفي هنا الى ان نشير الى فلسفة الحلاج وفكرته في تأليه الانسان من خلال ادعائه : ان الحقيقة الالهية مكونة من ناسوت ولاهوت :
سبحان من اظهر ناسوته سر سنا لاهوته الثاقب
فبدا في خطه ظاهرا في صورة الاكل والشارب
هذا الانزلاق في التركيب الفلسفي الصوفي ، لا يجوز ان يقرأ بسطحية - كما يريد الاستاذ كرم البستاني - في التصوف الاسلامي عند الحلاج وابن عربي. وابن الفارض يؤمن بكلية الوجود عبر ادراك ذوقي ، يجعل الذات الالهية مندغمة اندغاما شاملا ، يعيد تشكيل العلاقة المنبثقة من عاطفة الذات الدنيا الى الذات العلية ؛ حيث ان الصوفية ترى : ان الفرد هو محور التماهي مع الوجود ، وهنا نستطيع ان نفهم طبيعة الشطح في العبارات الصوفية من مثل قولهم :
انا هو ، او : انا ليلى ، او : ما انا الا انا ؛ فهي تعني انا الحق ، او انا الله ، من خلال مفهوم الاندماج عندما تتجلى ذات الله في ذات الصوفي ، واذا ما عدنا الى المقارنة بين الغزل الصوفي والغزل العذري، فإننا نجد تقاربا شكليا بين الانساق التعبيرية يجمع بينها القاسم اللغوي المشترك في دلالاته اللغوية الاولى. غير انه يفترق مع ظلالات الظلال في منهج التاويل الصوفي .
يقول ابن عربي : في ترجمان الاشواق :
كل ما اذكره من طلل او ربوع او مكان كل ما
وكذا ان قلن ما او قلت يا والا ان جاء فيه او اما
او نساء كاعبات فهد طالعات كشموس او دما
كل ما اذكره مما جرى ذكره او مثله ان تفهما
منه اسرار وانوار انجلت او علت جاء بها رب السما
لفؤادي او فؤاد من له مثل مالي من شروط العلما
صفة قدسية علوية اعلمت ان للصدق قدما
فاصرف الخاطرعن ظاهرها واطلب الباطن حتى تعلما
والحب الصوفي مزج بين الروحي والميتافيزيقى ، من خلال مادة التصوير وهي الطبيعة ، اي بعبارة اكثر صوفية بين الالهي والانساني وفي هذا التوحيد يتم تجاوز ثنائية الاطراف ، بحيث يبدو الروحي والفيزيائي وجهين وتجليين لحقيقة واحدة .
الزمن في الشعر الصوفي
الشعر الصوفي شعر وجداني روحي يشف عن تجربة قلبية تسبح في ملكوت غيهبي ، وتتشكل وفق رؤية ميتافيزيقة ، تتجاوز الواقع او تشكله بعيدا عن القيمة المادية الحدثية القاصرة، فأبجدية الكشف الروحي ، او رحلة العروج والاتصال في ثنائية الاتحاد والفناء تعبث بالقيمة الزمنية الرتيبة ، ليتشكل معها النص الابداعي تشكلا جديدا ذلك " ان تشكل النص الادبي – على نحو او آخر _ يتوقف الى حد كبير على الكيفية التي يتم بها عنصر الزمن ومعالجته "
ولو تتبعنا النص الشعري الصوفي- من حيث تركيباته الزمنية او تداخلاته - لوجدنا ان النسق التعبيري في النص الصوفي يميل الى التتابع والانزياح ، محطما بذلك الاسس الروتينية لهذا الزمن الخاص ، ويمكن هنا ان نتناول ثلاثة ازمنة ذات علاقة بالنص الصوفي وهي :
الزمن الطللي 2- زمن التجربة 3- الزمن المعلقاما الزمن الطللي ، فاننا نلمح انه يشير في احدى تعلقاته الى الماضي باعتباره علامة عليه ، لكنه سرعان ما ينزاح عن هذه الدلالة التاريخية ، ليتحول الى قوة مدمرة يولدها الزمن في مروره على الاشياء ، مما ينتج علاقة جدلية تخفي في ثناياها تحديا للزمن .
ومن هنا ، فأننا نجد ان للطلل في القصيدة الصوفية منطقا في ترتيب الزمن يجمع بين المحنة والفجيعة، ويؤكد على حركة التضاد والنهوض ؛ مما يجعلنا نقفز عن الدلالة الزمنية المجردة من خلال علاقة الطلل الماضي الى منطق حركة الماضي في اشعاعات الذكرى وعلاقتها بالحاضر ؛ لتبدأ المقابلة المؤسسة لرصيد التجربة الصوفية ، ليوظف الطلب توظيفا ابداعيا يؤسس الى الزمن الثاني وهو زمن التجربة الشعورية ، يقول ابن الفارض :
قف بالديار وحي الاربع الدرسا فنادها فعسها ان تنادي عسى
وان اجنك ليل من توحشها فاشعل من الشوق في ظلماتها قبسا
ولعلنا نلاحظ كيف يتوقف الزمن مع الاطلال ، حتى يسبح القارئ في ذكريات الماضي مع الفعل (درس )؛ بيد ان هذه العودة التي بدأت جامدة مع الفعل " قف " سرعان ما تدب فيها الحياة ليبدا التحدي مع اعادة تشكيل الزمن الحاض في الفعل "نادها" ، وتبدو المقابلة الثنائية بين الليل والشوق والتوحش ليتشكل الزمن ببريق الشوق المؤسس لمضمون الشعر الصوفي الوجداني من خلال فهمنا المسبق لمصطلحات الصوفية ، كالقبس والاشراق وغيرها .
وكذا نجد في قول التلمساني : -
لله بلغ سلامي ايها الحادي الى غزال الصريم الرائح الغادي
وقل له : لي على مغناك حق الهوى لأن دمعي غوى ربعه الصاديكلمة " بلغ " في هذا السياق تفترض دلالتين :
احداهما : مطابقة لزمن السرد والثانية: ذاهبة الى المستقبلوكذا الفعل قل .
ومن هنا ، فان الحديث عن لغة اعتيادية في بناء المقدمة الطللية- تقربنا الى ما كان لدى العذريين - كلام فيه تبسيط للقيمة الرمزية الصوفية ، المبنية على تداخلات الزمن لتدل احيانا على الزمن الابدي ، او الزمن المطلق في معادلات يشف عنها السياق عند ورود مصطلحات صوفية بعينها ، من مثل الشوق والقبس والمنادى والوصل فهي مصطلحات في مجملها ذات علاقة بموضوع الابدية او الفناء.
المكان وقيمته الرمزية في الشعر الصوفي
اذا كنا تحدثنا عن هذا التشكل الثنائي لنظام الزمن المنبثق من داخل الطلل نفسه ، وامكننا اقامة موازنة بين بكائية النص الصوفي الوجداني ، وثورته الاشراقية ؛ فان الحديث عن المكان او الطبيعة في الشعر الصوفي ، يحمل جملة من اشعاعات الزمن المقدس : كالنار والبرق والنسيم والقبس ، وهي اطلالة من الحاضر على الماضي. ولطالما ارتبطت القيمة الزمنية – للشعر الصوفي – بالقيمة المكانية من خلال المقدمات الطللية ، ومن ذلك قول احدهم :
نسيم الصبا ذكرتني العهد بالوادي وهيجت اشواقا شققن فؤادي
فان كنت تحي ميت الهجر والجوى بقتل الهوى احييتني بمرادي
فالمكان في الشعر الصوفي يعتبر تجسيدا للزمن وعلامة عليه، وهو وسيط مجانس يجمع بين طبيعتين يرى من خلاله الصوفي ذاته ذاتين : 1- ذاته الخالدة بالنظر الى اصله الالهي
2- ذاته الزائلة بالنظر الى وجوده الجزئيومن هنا ، جاءت خصوصية المكان المقدس في النص الصوفي من نحو قول التلمساني : -
قفا بالمطايا بين نجد وشعبه يؤدي تحيات الغرام لصبه
أما الفضاء ، فهو عالم الصوفي المتقن بعمق المأساة انه فضاء المنفى والاغتراب ، لكنه مشبع بالقداسة والجمال لأنه فضاء الإلوهية : كما يقول الشاعر :
عليك حمامات الاراك تنوح وباسمك انفاس العبير تفوح
فهل حدثت عنك الرياض فانني ارى البشر في وجه الرياض يلوح
هذا الانقسام في الطبيعة يجمع بين جسد الطبيعة وجسد الصوفي ، ليختفي كل منهما خلف وجوده في معالم الالوهية ؛ ذلك ان فضاء الوجود هو فضاء المنفى ، وهو فضاء التجلي االهي من جهة اخرى ، وتأتي هذه المقابلة الجمعية بين ذات الطبيعة وذات الشاعر ، اكثر وضوحا في نص الشاعر ابن الفارض:
واي بلاد الله حلت فيها فما اراها وفي عيني حلت وفي غير مكة
واي مكان ضمها حرم كذا ارى كل دار اوطنت دار هجرتي
رمزية الخمر في الشعر الصوفي
عند تناول النص الصوفي نلاحظ انه مليء بذكر الخمر والندماء والكأس ، ومن تتبع النصوص الصوفية يتبين لنا ان الخمر ترمز للوجد الصوفي، والنديم والعارف، والسالك. يقول ابو المدين التلمساني :
ادرها لنا صرفا ودع مزجها عنا فنحن اناس لا نرى المزج مذ كنا
هي الخمر لم تعرف بكرم يخصها ولم يجلها راح ولم تعرف الدنا
مشعشعة يقسو الوجوه جمالها في كل شيء من لطافتها معنى
اما السكر فهو النشوة في عالم الوجد الالهي ، يقول التلمساني : -
يحركنا ذكر الاحاديث عنكم ولو هواكم في الحشا ما تحركنا
فقل الذي ينهى عن الوجد اهله اذا لم تذق معنى شراب الهوى دعنا
اذا اهتزت الارواح شوقا الى اللقا نعم ترقص الاشباح يا جاهل المعنى
وهكذا نلاحظ ان الصوفيين اخذوا هذه الصفات المحسوسة للخمر، ثم اعادوا صياغتها بحيث تلائم ما يتعاطونه من مذاقات في المقامات والاحوال.
فالخمر في صفائها تشكل من الناحية الرمزية دلالة التوحيد الخالص ، وشهود الحق بالحق والتحقق في فناء ما سواه . اما الخمر الممتزجة فهي تدل على الرمزية العرفانية في مزج الوجود الحق بصورة الكائنات العدمية . وتعدى خمريات ابن الفارض من اهم النماذج الصوفية التي تخدمنا في سياق هذا التأويل ومنها قوله :
شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل ان يخلق الكرم
لها البدر كأس وهي شمس يديرها هلال وكم يبدو اذا مزجت نجم
ولولا شذاها ما اهتديت لحانها ولولا ثناها ما تصورها الوهم
وليس خفيا على القارئ ما في هذه الابيات من غموض ، لا تحله الا الاشراقات الصوفية من مثل كلمة الحبيب والثنا والشذا والبدر ، بل اننا نقرأ لابن الفارض اكثر غموضا وايغالا في الرمزية
وهي قول :
وقالوا شربت الاثم كلا وانما شربت التي في تركها عند الاثم
هنيئا لاهل الدير كم سكروا بها وما شربوا بها ولكنهم هموا
وعليك بها صرفا وان شئت مزجها وعدلك عن ظلم الحبيب وهو الظلم
ولا يخفى على القارئ الحادق ما في هذا التنويع بين الصرفة والممزوجة من دلالات على وحدة الوجود وامتزاج الالوهية بعالم الطبيعة .
رمز العدد ولعبة الضمائر في الشعر الصوفي
تناول الصوفيون العدد بخصوصية ؛ فالواحد عندهم رمز على الاله، والعدد الكلي رمز على العالم باعتبار الكثرة والتبعيض والتركيب ، وهم يرون ان العالم المرموز له بالاعداد هو محل التفصيل، وظهور الواحد في مراتب مختلفة في هذا المعنى الرمزي يعني ان العالم مجمل في الواحد الخالق يقول ابن عربي :"ظهرت الاعداد للواحد في المراتب المعلومة ، فأوجد الواحد العدد ، مفصلة العدد الواحد ، وما ظهر حكم العدد الا بالمعدود ، فلا بد من عدد ومعدود ، ولا بد من واحد ينشئ ذلك لينشأ بسببه "
وقد عبر الصوفي عن معنى الواحدية والوحدة والواحد والتوحيد بواسطة هذه الرموز العددية يقول الهروي :
ما وحد الواحد من واحد اذ كل من وحده جاحد
توحيد من ينطق عن نعته عارية ابطلها الواحد
توحيده اياه توحيده ونعت من ينعته لاحد
وكما اهتم الصوفيون بالقيمة الرمزية للعدد ، ودلو بها على وحدة الوجود ، فقد اهتموا أيضا بالقيمة الرمزية للحرف ؛ فكانت الألف رمز الاحدية ، واللام الاولى في لفظ الجلالة عبارة عن الجلال ، واللام الثانية رمز الجمال ، أما الالف الساقطة في الكتابة ، فهي الف الكمال الذي لا نهاية له، اما الهاء فتشير الى هويه الحق يقول ابن عربي :
الف الذات تنزهت فهل لك بالكوان عين ومحل
ويقول ابن الهزة ك
همزة تقطع وقتا وتصل كل ما جاورها من متصل
وعن الهاء
هاء الهوية كم تشير لكل ذي انية خفيت له بالظاهر
ويقول عن العين
عين العيون حقيقة الايجاد تنظر اليه بمنزل الاشهاد
اما الحاء المهملة
حاء الحواميم سر الله في السور اخفى حقيقته عن رؤية البشر
ويقول في الباء
الباء للعارف الشبلي معتبر وفي نقيطتها للقب مدكر
سر العبودية العلياء مازجها لذاك ناب مناب الحق فاعتبروا
والضمائر في الرمز الصوفي لها قيمة استثنائية ، خاصة "الانا" و" الهو" و " الانت" تلوح عند الصوفيين الى المدارج التي يتجاوزها الشعر العرفاني ، عندما يقيم شهاده على الوحدة ، فالانا الالهية التي تلاشي الانا الانسانية ، او الانا الانساني الجلالي عند تجلي الانا الالهية . اما "الهو" فهي تشير الى توحيد الهوية ؛ بحيث يبدو معها ان كل آخر هو الله ، الهوية التي تشعر بالغائب هي هوية الاله صفة الكمال اللامتناهي ، واما الانت فهي تدل على توحيد الحضور على حد قولهم: لا انت الا انت ، وعندما تسقط تاء المخاطبة لا يبقى الا الانا والا وهي ما انا الا انا ، ويقول ابن عربي :
فقد رفعت تاء المخاطبة بيننا وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي
ويبدو ان ارتفاع تاء المخاطبة بين الشاعر والله تمثل تعبيرا رمزيا مرموزا عن مدرج الاتحاد كما يفهمه الصوفية بوصفه شهود الوجود من حيث واحديته واطلاقه ومن حيث قيام الاشياء به لا بذواتها
خاتمة
لا شك ان الظاهرة الصوفية في تنوعها وامتدادها التاريخي ، عبر قرون طويلة ، لن تخضع لمنطق رياضي في تحديد معالم الوضوح والغموض في تجربة شعراء كثر، تنوعت اشربتهم وتباينت مستوياتهم ، لكن معين التجربة الصوفية، الذي يميل الى شيء من الشطح والتاويل قد احدث انزياحا نسبيا في القيم الدلالية ، وافرد نمطا نوعيا في المشاهد الشعرية المنضوية تحت هذا الباب ، وقد بينا جملة الاسباب التي ادت الى نشوء مثل هذا الانزياح المتشكل على شكل رمزيوهذا الانزياح يكفي - الى حد ما - لتوصيف الظاهرة الشعرية البنيوية في الادب الصوفي ، ويستدعي جملة من التفسيرات التي قدمناها في سياق العرض ، دون اغفال لاحتمالات اخر ، قد يفرضها المنطق التذوقي في القراءة التاملية، ذلك ان العلم الدلالي في الابداع الشعري لن يكون قطعي الثبات ما دمنا نتحدث عن لغة الظلال ، او لغة ظلال الظلال . ومهما يكن من امر ، فان الشعر بحد ذاتها يجنح الى نوع من الغموص ويسمو الى شيء من التالق ، من خلال استئثاره بالخيال دون المباشرة وبالصورة دون التقرير ، وبالايقاع المتجدد دون النثرية الجامدة ، مما يجعله اسلس وارق ن واكثر وقوعا في النفس وادق ، وهذا ما كان يتوخاه الصوفي في لغته ، التي تميل الى الاطراب ، وتنفر من الجمود فاستنطق الطبيعة ولاذ بها على طريقة الرومنسين ، وهام في الملكوت الفوقي على طريقة العذريين، وتوارى خلف الظلال على طريقة الحداثثين والسرياليين ، مما شكل- له- اغترابا في بناء النص ، وجنوحا او انزياحا في عالم المعاني عنده .
المراجع والمصادر
ا1- القران الكريم
ديوان ابن الفارض ، دار النجك ، بيروت ، الطبعة الاولى ، 1994،ص6
الدكتور علي الخطيب ، اتجاهات الادب الصوفي بين الحلاج وابن عربي ، دار المعارف ، القاهرة ـ1404 ه ،
ديوان ابي مدين التلمساني ، تحقيق الدكتور يوسف زيدان ، نقلا عن موقع الدكتور يوسف زيدان للتراث والمخطوطات http://www.ziedan.com/
أمين يوسف عودة ، تأويل الشعر وفلسفته عند الصوفية ، رابطة الكتاب الاردنيين ، الطبعة الاولى 1995 ،ابو نعيم ، حلية الاولياء وطبقات الاصفياء ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، الجزء العاشر ،
كرم البستاني ، ديوان ابن الفارض ، دار صادر ، بيروت ، ص 25
القشيري ، الرسالة القشيرية ، دار الكتاب العربي ،2003 ، تحقيق الدكتور عبد الرحيم محمودراشد عيسى ، الخطاب الصوفي في الشعر المعاصر ، اصدارات وزارة الثقافة الاردنية ، 2006 ، ص16
، الدكتور عاطف جودة نصر ، الرمز الشعري عند الصوفية ، دار الاندلس للطباعة والنشر ، بيروت ، ط1، 1978،
وفيق سليطين ، الزمن الادبي الشعر الصوفي ، دار المركز الثقافي للطباعة والنشر ، دمشق ، الطبعة الاولى ، 2007 م ،