hayahooha

امريكا، السياسةالامريكية،الكيان الصهيوني،الصهيونية،فلسطين،الشرق الاوسط،البلدان العربية،المخططات الصهيونية،اليهود،العالم العربي،دول الخليج،القدس المحتلة،مسجد الاقصى،حركة فتح ،حركة حماس،حركة الجهاد الاسلامي،الثقافة العربية،الاسلام،الشيعة و السنة،الدين،وكالات الانباء،الاخبار المشوهة و الملفقة،منوعات ،كتب و دراسات،اخبار و آراء، السياسة

« | »

هجوم في الظلام

هجوم في الظلام

 سيمور هيرش 

لقد مر نحو خمسة شهور منذ القصف الذي وجهته "إسرائيل" لموقع قيد الإنشاء بالأراضي السورية، إلا أن ذلك الاستفزاز العسكري لم يلق ردة الفعل الجديرة به من قِبل حكومة دمشق، كما لم تهلل به "إسرائيل". وقد أثار ذلك العديد من التساؤلات حول الأسباب التي دفعت الجانبين لتحري الحذر والسرية بشأن الحادث. ومن خلال التحليل التالي، يحاول صحافي التحقيقات الأمريكي البارز "سيمور هيرش" البحث وراء ملابسات الهجوم، ووضع الافتراضات الممكنة ومحاولة استقاء الحقائق التي أحجم عن إعلانها الطرفان. وجاء في تقريره:

في وقت ما، بعد منتصف ليل يوم 6 سبتمبر 2007، اخترقت على الأقل أربع مقاتلات منخفضة التحليق تابعة لسلاح الجو "الإسرائيلي" المجال الجوي السوري وقامت بتنفيذ عملية قصف سرية على ضفاف نهر الفرات، على بعد نحو 90 ميلاً شمال حدود العراق. والقصف الذي يبدو بلا استفزاز مُسبق ـ والذي أتى عقب شهور من توترات متزايدة بين "إسرائيل" وسوريا بشأن تدريبات عسكرية وحشد للقوات من جانب الطرفين على طول مرتفعات الجولان ـ كان، تقريبًا باستخدام أي تعريف، "عملاً حربيًا". غير أنه في الأعقاب المباشرة للقصف لم يُسمع شيء من جهة حكومة "إسرائيل". بعكس ما حدث عام 1981، عندما دمر سلاح الجو "الإسرائيلي" مفاعل أوزيراك النووي بالعراق، قرب بغداد، حيث كانت الحكومة "الإسرائيلية" مبتهجة بالنصر، تنشر صورًا استطلاعية للضربة الجوية وتسمح للطيارين بالمقابلات الصحفية على نطاق واسع.

وفي غضون ساعات من الهجوم، اتهمت سوريا "إسرائيل" باختراق مجالها الجوي، لكن بياناتها الرسمية كانت ناقصة ومتناقضة، وهكذا أضافت إلى حالة الغموض. وقال ناطق عسكري سوري فقط: إن الطائرات "الإسرائيلية" قد أسقطت بعض الذخيرة في منطقة غير مأهولة بعد أن تصدت لها الدفاعات الجوية السورية، "التي أجبرتهم على الفرار". وعقب ذلك بأربعة أيام صرح "وليد معلم"، وزير الخارجية السورية، في خلال زيارة رسمية إلى تركيا أن الطائرات "الإسرائيلية" استخدمت الذخيرة الحية في الهجوم، لكنه أصر على عدم وقوع أية إصابات أو أضرار في الممتلكات. ولكن شيئًا لم يحدث حتى يوم 1 أكتوبر حين أقر الرئيس السوري "بشار الأسد"، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية BBC ، أن الطائرات الحربية "الإسرائيلية" قد قصفت هدفها، والذي وصفه بأنه "منشأة عسكرية غير مستخدمة". وأضاف الأسد أن سوريا تحتفظ بحقها في الرد، إلا أن تعليقاته تم التعتيم عليها.

وعلى الرغم من الصمت الرسمي في تل أبيب (وفي واشنطن)، فإن الأيام التي أعقبت القصف اكتظ فيها الإعلام الأمريكي والأوروبي بتقارير، تعتمد بصورة أساسية على معلومات من خلال مصادر حكومية لم تُسمَ، تزعم أن "إسرائيل" قد دمرت مفاعلاً نوويًا وليدًا كان يجري تجميعه سرًا في سوريا بمساعدة كوريا الشمالية. وبناء مفاعل نووي بصورة سرية سيكون انتهاكًا لالتزامات سوريا في إطار معاهدة منع الانتشار النووي، كما يمكن أن يوفر عناصر لسلاح نووي.

وقد كانت الدلائل غير مباشرة لكنها مُدينة على ما يبدو. وظهرت أولى التقارير بشأن تعاون نووي بين سوريا وكوريا الشمالية في 12 سبتمبر بصحيفة "التايمز" وغيرها. وبحلول نهاية شهر أكتوبر، كانت التقارير الإعلامية المختلفة تتفق بشكل عام على أربع نقاط هي:

أن دائرة الاستخبارات "الإسرائيلية" قد علمت بصلة لكوريا الشمالية بموقع قيد البناء بمنطقة زراعية شرقي سوريا؛ وأنه قبل القصف بثلاثة أيام وصلت "سفينة كوريّة شمالية"، تسمى الحامد، إلى ميناء طرطوس السوري، على البحر المتوسط؛ كما أن اللقطات المأخوذة بالقمر الصناعي تفترض بقوة أن المبنى الذي هو تحت الإنشاء صُمم لاحتواء مفاعل نووي عند اكتماله؛ وعلى هذا النحو، تكون سوريا قد تخطت ما يعتبره "الإسرائيليون" (خطاً أحمر) على الطريق لبناء قنبلة نووية ويجب إيقافها.

وقد كان هناك تقارير كذلك - لشبكة ABC News وغيرها- حول أن بعض المعلومات الاستخبارية "الإسرائيلية" تمت مشاركتها مسبقًا مع الولايات المتحدة، التي لم تثر أية معارضة للقصف.

ولا تزال الحكومة "الإسرائيلية" ترفض إصدار أي بيان بشأن الواقعة. وقد فُرضت رقابة عسكرية على التقارير الصحفية حول الهجوم لعدة أسابيع، وقد لجأت الصحافة "الإسرائيلية" إلى إعادة معالجة التقارير التي تخرج بها الصحافة الأجنبية. وفي أول الأيام التي أعقبت الهجوم، كانت هناك العديد من الروايات الحرجة بالصحافة "الإسرائيلية" تتأمل بشأن واقعة القصف، واحتمالية أنها يمكن أن يؤدي إلى نزاع مع سوريا. ووصف "لاري ديرفنر"، كاتب عمود بصحيفة "جيروزاليم بوست"، الهجوم بأنه "نوع من الأشياء التي تبدأ بها الحروب". غير أنه بمجرد انتشار التقارير حول القضية النووية وتفاصيل أخرى، أخذ الانتقاد الداخلي للقصف في الضمور.

الرئيس الأمريكي يرفض التعليق على حادث القصف

وخلال مؤتمر صحافي يوم 20 سبتمبر، سُئل الرئيس "جورج دبليو بوش" بشأن الحادث أربع مرات إلا أنه قال: "لن أُعلق على الأمر".

إن ندرة البيانات الرسمية أصبح جزءًا من القضية. وقد كتب "ديفيد إجناتيوس" في صحيفة "واشنطن بوست" إن "الصمت من قبل كافة الأطراف يصم الآذان"، مضيفًا: "ولكن الرسالة الموجهة لإيران"- التي طالما اتهمتها الإدارة بالسعي لحيازة سلاح نووي- "واضحة: إن أمريكا و"إسرائيل" يمكنهما تحديد الأهداف النووية واختراق الدفاعات الجوية لتدميرها".

وكان من الواضح أن المسئولين في "إسرائيل" والولايات المتحدة، على الرغم من عدم رغبتهم في النقل عنهم، تواقين إلى أن تكتب وسائل الإعلام الإخبارية بشأن القصف. وفي وقت سابق، أطلعني ضابط سابق بقوات الدفاع "الإسرائيلية" تربطه صلات قريبة بجهاز الاستخبارات على نسخة من القصة الأساسية، تضمنت تفاصيل ساطعة ولكن، كما اتضح، غير مؤكدة: الاستخبارات "الإسرائيلية" تقتفي أثر السفينة منذ اللحظة التي غادرت فيها أحد موانئ كوريا الشمالية، الجنود السوريون يرتدون ملابس حماية بينما يفرغون الحمولة، الاستخبارات "الإسرائيلية" تراقب الشاحنات من أرصفة الميناء وحتى الموقع المستهدف.

بالرغم من ذلك فإنني، خلال الشهور الثلاثة في الإعداد لهذا المقال، أُخبرت مرارًا عن طريق مسئولين استخباريين، ودبلوماسيين، وتابعين للكونجرس حاليين وقدامى أنهم لم يكونوا على دراية بأية دلائل قوية بشأن وجود برامج قائمة للأسلحة النووية في سوريا. ومن المحتمل أن "إسرائيل" قد رفعت المعلومات الاستخبارية مباشرة إلى كبار أعضاء إدارة بوش، دون أن يتم فحصها من قبّل وكالات الاستخبارات. (هذه العملية، التي تعرف باسم "دفع الفرن" أو Stovepiping، سيطرت على الاستخبارات الأمريكية قبل الحرب في العراق).

لكن "محمد البرادعي" مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية ـ الهيئة التابعة للأمم المتحدة التي تقع على عاتقها مسئولية مراقبة الالتزام بمعاهدة منع الانتشار النوويـ قال: "إن خبراءنا الذين حللوا لقطات القمر الصناعي قالوا إنه من غير المحتمل أن هذا البناء كان منشأة نووية".

وقد أخبرني "جوزيف سيرينسيون"، مدير السياسة النووية بمركز التقدم الأمريكي، وهو مركز أبحاث في واشنطن، أن "سوريا ليس لديها القدرة التقنية، أو الصناعية، أو المالية اللازمة لدعم برنامج للأسلحة النووية. إنني أتابع هذا الأمر منذ 15 عامًا وبين حين وآخر يطفو اشتباه ونقوم بالتحري عنه ولكن لا شيء هناك. لم يكن هناك ولا يوجد تهديد أسلحة نووية من جانب سوريا. إن القضية برمتها سياسية".

وقد ظهرت رسالة مماثلة خلال تقارير موجزة قُدمت إلى أعضاء مختارين بالكونجرس في غضون أسابيع من الهجوم. وركزت التقارير ـ التي أجرتها وكالات الاستخبارات ـ على ما علمته واشنطن بشأن هجوم السادس من سبتمبر. وكان أحد المخاوف هو ما إذا كانت كوريا الشمالية قد فعلت شيئًا قد يدفع الولايات المتحدة للانسحاب من محادثات الدول الست المتعلقة ببرنامجها النووي. وقال فيما بعد مُشرع كان قد شارك بأحد تلك التقارير، وفقًا لما ذكره أحد أعضاء طاقمه، إنه لم يسمع شيئًا يجعل "لديه أية شكوك" بشأن مفاوضات كوريا الشمالية، "لاشيء من شأنه أن يتسبب في توقف". وأضاف عضو الطاقم أن المُشرع انتهى إلى أنه: "لا يوجد هناك شيء يثبت أي خداع يتورط فيه الكوريون الشماليون".

وأخبرني "مورتون أبراموفيتز"، مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشئون الاستخبارات والبحث، أنه أدهشته ندرة ردود الأفعال. وقال: "أيما وقت تقوم فيه بتوجيه ضربة لدولة أخرى، فتلك قضية رئيسة"، "ولكن أين الاحتجاج، وخاصة من قبل الدول المعنية والأمم المتحدة؟ إن هناك شيئًا ما غير صحيح".

إن "إسرائيل" يمكن، بالطبع، أن يكون لديها أدلة حرجة ترفض الكشف عنها. لكن هناك تناقضات جدية وغير معلوم صحتها بالتقارير المتعددة المنشورة بشأن قصف السادس من سبتمبر.

وكان الدليل الرئيس الذي أُطلق علنيًا بشأن أن سوريا كانت تقوم ببناء مفاعل قد ظهر يوم 23 أكتوبر، عندما كشف "ديفيد أولبرايت" من معهد العلوم والأمن الدولي ـ وهو مؤسسة بحثية مرموقة وغير ربحية ـ عن صور بالقمر الصناعي للهدف. وقد تم التقاط الصور عن طريق شركة تجارية للأقمار الصناعية، شركة "ديجيتال جلوب"، من لونجمونت بكولورادو، في 10 أغسطس ـ قبل أربعة أسابيع من القصف ـ وأوضحت مبنى مربع الشكل ومحطة قريبة لضخ المياه. وانتهى أولبرايت، وهو عالم فيزيائي عمل كمفتش عن الأسلحة بالعراق، خلال تحليل ظهر في التوقيت نفسه إلى أن المبنى، كما يُرى من الفضاء،  له تقريبًا نفس طول وعرض مبنى لمفاعل في يونجبيون يُعد هو المنشأة النووية الرئيسة في كوريا الشمالية. وقال أولبرايت: "إن المبنى المرتفع في الصور ربما يأوي مفاعلاً تحت الإنشاء وأن محطة الضخ على طول النهر ربما يُقصد منها توفير المياه الباردة للمفاعل".

وأوضح هيرش أن أولبرايت قبل إعلان وجهة نظره كان قد التقى بشكل سري مع مسئولين "إسرائيليين":

لقد أخبرني أولبرايت أنه قبل أن يتحدث علنًا كان قد التقى بصورة سرية مع مسئولين "إسرائيليين". وقال أولبرايت: "لقد أردت أن أتيقن في نفسي من أن "الإسرائيليين" يعتقدون في أنه كان مفاعلاً، وقد تأكدت". وأضاف: "إنهم لم يقولوا على الإطلاق بصورة صريحة أنه كان مفاعلاً، ولكنهم استبعدوا احتمالية كونه موقعًا لصواريخ، أو أسلحة كيميائية، أو موقع رادار. وبإجراء عملية حذف، لم يبق لدى سوى الخيار النووي".

*****************************


رفض بين الخبراء لتحليل أولبرايت

وهاجم خبراء الانتشار النووي بالوكالة الدولية للطاقة الذرية وآخرون من مجتمع مراقبة الأسلحة تفسير أولبرايت للصور. وقد أخبرني شخص دبلوماسي في فيينا - حيث يوجد مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية (I.A.E.A)- أن "الناس هنا اندهشوا من ذلك، واعتبروا أن أولبرايت قد وضع نفسه في مخاطرة... إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية دأبت على إخبار الصحفيين أنها متشككة بشأن القصة النووية المتعلقة بسوريا، إلا أن الصحفيين لديهم قناعة كبيرة بها".

وحول الدلائل التي تفيد بزيف الروايات التي ذهبت إلى أن المنطقة التي استهدفتها "إسرائيل" موقع نووي، أوضح هيرش:

أن خبيرًا استخباريًا سابقًا بوزارة الخارجية الأمريكية، يعمل حاليًا بقضايا الانتشار النووي لصالح الكونجرس، صرح أن العديد من الأشياء التي يمكن للمرء أن يتوقع رؤيتها في محيط موقع نووي سري كان يفتقر إليها الهدف. وقال: إنه "لم يكن هناك وجود أمني حول المبنى... ولا ثكنات للجيش أو العاملين، ولا عقدة ارتباط". وأخبرني "جيفري لويس"، الذي يترأس برنامج عدم الانتشار التابع لمؤسسة أمريكا الجديدة، وهي مركز بحثي بواشنطن، أنه حتى إذا كانت أبعاد المنشأة من عرض وطول مماثلة للموقع الكوري، فإن ارتفاعها ببساطة لم يكن كافيًا لاحتواء مفاعل بحجم مفاعل يونجبيون وتوفير حجرات كافية لسحب قضبان التحكم - مرحلة حيوية في عملية تشغيل المفاعل - كما لم يوجد كذلك دليل في اللقطات المنشورة على عمليات بناء كبرى تحت سطح الأرض. وقال لويس: "إن كل ما يمكنك أن تراه هو صندوق ... ولا يمكنك الرؤية بما يكفي لتعرف كيف سيكون حجمه أو ما الوظيفة التي سيقوم بها. إنه صندوق فحسب".

وقال مسئول استخباري أمريكي رفيع سابق، لديه اطلاع على المعلومات الاستخبارية الحالية: " ليس لدينا أي دليل على وجود مفاعل. فليس هناك إشارات استخبارية، ولا استخبارات بشرية، ولا بالقمر الصناعي".

وعندما ذهبت إلى "إسرائيل في أواخر ديسمبر، كانت الحكومة لا تزال تلتزم السرية حيال الهجوم، إلا أن بعض المسئولين الحاليين والقدامى وضباط الجيش كانوا يتطلعون للتحدث دون الإشارة إليهم. وكان معظمهم مصرًا على أن المعلومات الاستخبارية "الإسرائيلية" كانت دقيقة.

أما أولبرايت فقد بدا أكثر حرصًا عندما تحدث إليه الكاتب في شهر ديسمبر حيث قال له: إن الصور لا تؤكد يقينًا أن المنشأة السورية كانت مفاعلاً. وجاء في مقال هيرش:

عندما تحدثت إلى أولبرايت في ديسمبر كان أكثر حذرًا بكثير عما كان عليه في أكتوبر، وقال: "لم نقل مطلقًا "نحن نعرف" أنه كان مفاعلاً، بناءً على الصور". وأضاف: " لقد أردنا التأكد من أن الصور تطابق شكل مفاعل، ومن وجهة نظري، إنها بالفعل كذلك. غير أن هذا لا يؤكد أنه مفاعل".

وكانت رحلة الحامد- وهي سفينة تجارية صغيرة - قد صارت محورًا مركزيًا في التقارير المتعلقة بقصف السادس من سبتمبر. غير أن هناك دلائل على أن الحامد لم يكن من الممكن أنها تحمل شحنة من المواد الحساسة - أو أي شحنة أخرى - قادمة من كوريا الشمالية. فحركة الملاحة الدولية تتم مراقبتها بعناية من قبّل وحدة الاستخبارات البحرية التابعة لشركة لويد، وتعتمد الوحدة على شبكة من العملاء وكذلك على سجلات الموانئ وغيرها من السجلات. إضافة إلى ذلك، فإن أغلب السفن التجارية مطالبة في الوقت الحاضر بتشغيل جهاز إرسال واستقبال يطلق عليه نظام التعريف التلقائي A.I.S وهذه التقنية على متن الحامد تعمل بأسلوب مشابه لأجهزة الإرسال والاستقبال  Transponder التي تعمل في الطائرات التجارية، حيث تبعث تقريرًا مستمرًا وعالي التردد بشأن مكان التواجد. ووفقًا لسجلات وحدة الاستخبارات البحرية، فإن الحامد تعمل منذ أعوام في منطقة شرق البحر المتوسط والبحر الأسود، ولا توجد إشارات إلى أية زيارات حديثة قامت بها إلى كوريا الشمالية.

ونقل الكاتب عن أحد مسئولي منظمة "جرين بيس" الدولية المستقلة - وهي من بين المنظمات التي على اتصال بحركة الملاحة الدولية - قوله: إن الحامد ليس لديها القدرة على حمل شحنات ثقيلة. وقال هيرش:

لقد أخبرني "مارتيني جادج"، والمسئول عن مراقبة عمليات الصيد غير الشرعي، قائلاً: " أنا أعمل بالبحر منذ 41 عامًا، ويمكنني أن أخبرك، كقبطان، أن الحامد ليست شيئًا ونوعها رديء. لن يمكنك وضع حمولة ثقيلة على متنها، حيث إن ألواحها الأرضية لن تكون بهذه القوة".

أما عن زياراته التي قام بها إلى دمشق، قال الصحفي البارز:

وخلال زيارتين إلى دمشق في أعقاب الهجوم "الإسرائيلي"، قمت بإجراء مقابلات صحفية مع عدد من كبار المسئولين بالحكومة والاستخبارات. غير أن أحدًا من المستشارين المقربين من الرئيس الأسد لم يرو لي نفس الرواية، بالرغم من أن بعض الروايات كانت أكثر ذياعًا - وأكثر معقولية - عن غيرها. وبوجه عام، فإن المسئولين السوريين بدا أنهم أكثر اهتمامًا بتحليل دوافع "إسرائيل" أكثر من مناقشة ما الذي تمت مهاجمته. وقد قال لي "فاروق الشرع"، نائب الرئيس السوري: " إنني أتردد في الرد على أية أسئلة صحفية عن هذا". وأضاف: "لقد قامت "إسرائيل" بالقصف من أجل استعادة مصداقيتها، وهدفهم هو أن نستمر نحن في التحدث عن هذا. وبإجابة أسئلتك أقوم بدعم هدفهم، فلم يجب أن أتطوع لفعل ذلك"؟

والتقى هيرش مع ضابط رفيع بالاستخبارات السورية، حيث أجرى معه مقابلات صحفية خلال الزيارتين، وتساءل الضابط:

" إن هناك بلدة كبيرة - دير الزور - تبعد 50 كم، فلم تقوم سوريا بوضع مواد نووية بالقرب من بلدة سكنية"؟

وحول السبب الذي جعل سوريا لا تتخذ ردة فعل أكثر حدة، إذا كانت المنشأة المستهدفة غير خطيرة، قال الضابط: "إن ذلك ليس عن خوف، وهذا كل ما سأقوله". وبينما كنت أغادر سألته: لماذا لم تدع سوريا ممثلين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لزيارة موقع القصف وإعلان عدم وجود أي نشاط نووي هناك؟ فأجاب: " هم لم يطلبوا المجيء ... وسوريا ليس لديها سبب لمطالبتهم بالحضور".

وبينما أشار مسئول بالوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أنهم قد طالبوا سوريا بالسماح لهم بزيارة الموقع ورفض السوريون ذلك، دافع "عماد مصطفى"، السفير السوري لدى واشنطن، عن قرار بلاده بعدم استدعاء مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قائلاً خلال مقابلة مع هيرش:

" إننا لن ننزلق إلى لعبة استدعاء خبراء أجانب لزيارة كل موقع تدّعي "إسرائيل" أنه منشأة نووية"، مضيفًا: " لو قدمنا بهم وقالوا لا يوجد شيء هنا، فسنجد "إسرائيل" تقول إنها ارتكبت خطأ وستقصف موقعًا آخر بعد ذلك بأسبوعين. ولو لم نسمح بعدها لمراقبي الوكالة بالحضور، ستقول "إسرائيل": " أرأيتم؟" ... فلماذا يجب أن نفعل ذلك"؟

وقد دفعت المقابلات الصحفية التي أجراها هيرش في دمشق إلى وصوله إلى وجهة نظر أوردها في مقاله حيث قال:

أيًا ما كان ما هو تحت الإنشاء، بمساعدة كوريّة شمالية، فيبدو أنه كان لا علاقة له بالزراعة - أو بالمفاعلات النووية - ولكن يتعلق بدرجة كبيرة بوضع سوريا الدفاعي، وعلاقتها العسكرية مع كوريا الشمالية. وهذا، ربما، كان كافيًا لإسكات الحكومة السورية في أعقاب قصف السادس من سبتمبر.

ومن غير الواضح إلى أي مدى تورطت إدارة بوش في الهجوم "الإسرائيلي". وكان أكثر التقارير تفصيلاً حول التعاون قد أعدته شبكة ABC News في منتصف أكتوبر. ونقلت الشبكة عن مسئول أمريكي رفيع أن "إسرائيل" قد شاركت في معلومات استخبارية مع الولايات المتحدة وتلقت في المقابل معلومات مُرادة وتعاونية بالقمر الصناعي.

ونفى مسئولون "إسرائيليون" فكرة حصولهم على تعاون كبير من قبّل واشنطن في التخطيط للهجوم، وقال مسئول "إسرائيلي" رفيع في لقاء مع الكاتب:

" لم يعاونا أحد. لقد نفذنا ذلك بأنفسنا". وأضاف: "ما أقوله هو أن أحدًا لم يكتشف ذلك بالنيابة عنا".

وقد امتنع البيت الأبيض عن التعليق على ذلك.

هل الهجوم على سوريا تحذير لإيران؟

قدم "سيمور هيرش" إجابة لمثل ذلك الافتراض حيث أشار في مقاله إلى أن:

هناك دلائل على أن الهجوم الاستباقي على سوريا كان يُقصد به كذلك تحذير بشأن - ونموذج لـ - هجوم استباقي ضد إيران. وعندما زرت "إسرائيل" هذا الشتاء، كانت إيران هي الشغل الشاغل لدى المسئولين السياسيين ومسئولي الدفاع الذين تحدثت إليهم، وليست سوريا. وقد كان هناك غضب واضح إزاء واشنطن، في أعقاب تقييم للاستخبارات القومية الأمريكية... انتهى. إلا أن إيران لا تبني في الوقت الحالي سلاحًا نوويًا. وينظر الكثيرون في "إسرائيل" إلى طموحات إيران النووية كتهديد قائم؛ ويعتقدون أن التحرك العسكري ضد إيران ربما كان حتميًا، بينما يساورهم القلق من أن أمريكا ربما لن تكون هناك عند الاحتياج إليها.

وترى واشنطن من جانبها أن "إسرائيل" جادة في قلقها بشأن إيران وبرنامجها النووي، ويقول هيرش:

وفي أعقاب القصف بفترة وجيزة، التقى في واشنطن مبعوث صيني وأحد كبار مسئولي الأمن القومي بإدارة بوش. وأخبرني شخص مطلع على المباحثات أن المبعوث الصيني كان عائدًا لتوه من زيارة إلى طهران وأراد إعلام البيت الأبيض بأن هناك أشخاصًا معتدلين راغبين في إجراء محادثات. وقد رفض مسئول الأمن القومي ذلك الاحتمال وأبلغ المبعوث - بحسب ما ذكر المصدر المطلع - قائلاً: " أنت على دراية بالبيانات "الإسرائيلية" الأخيرة بشأن سوريا. إن "الإسرائيليين" جادون إلى أقصى درجة بشأن إيران وبرنامجها النووي، وأعتقد أنه إذا لم تنجح حكومة الولايات المتحدة في تعاملاتها الدبلوماسية مع إيران، سيقوم "الإسرائيليون" بإنهائها عسكريًا". ثم أخبر المبعوث بعد ذلك أنه يريد منه نقل شيء إلى حكومته، أن "الإسرائيليين" جادون.

*****************************

سيمور هيرش/ مجلة نيويوركر الأمريكية

ترجمة: شيماء نعمان

سيمور هيرش، صحفي تحقيقات أمريكي وكاتب بارز حاصل على جائزة بوليتزر. ويكتب بصورة منتظمة لمجلة "ذا نيويوركر" حيث يشارك بمقالات تتعلق بقضايا عسكرية وأمنية.


وكانت أعماله قد حظيت باهتمام واسع حول العالم عام 1969 بعد كشفه تفاصيل مذبحة "ماي لي" في فيتنام، والتي قتل خلالها الجيش الأمريكي أكثر من 500 مدني في فيتنام سنة 1969. وهو الموضوع الصحفي الذي حصل هيرش عنه على جائزة بوليتزر المرموقة.

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba