امريكا، السياسةالامريكية،الكيان الصهيوني،الصهيونية،فلسطين،الشرق الاوسط،البلدان العربية،المخططات الصهيونية،اليهود،العالم العربي،دول الخليج،القدس المحتلة،مسجد الاقصى،حركة فتح ،حركة حماس،حركة الجهاد الاسلامي،الثقافة العربية،الاسلام،الشيعة و السنة،الدين،وكالات الانباء،الاخبار المشوهة و الملفقة،منوعات ،كتب و دراسات،اخبار و آراء، السياسة
04 كانون اول, 2007
إدارة بوش ومأزق خياراتها تجاه إيران
بقدر ما نتلمس قلقا إسرائيليا متزايدا من امتلاك إيران التكنولوجيا النووية، التي تمكنها من تعزيز قدراتها على كل المستويات التنموية والعلمية ما يجعلها في مصاف الدول المتقدمة القوية، بقدر ما تظهر المزيد من المؤشرات على تنامي مأزق ادارة الرئيس الأميركي جورج بوش في مواجهة إيران، وتبرز ان خيار الحصار الاقتصادي عبر فرض العقوبات، والذي بات يتقدم على خيار الضربة العسكرية، يواجه طريقا مسدودا في السعي لفرضه، وما يلفت الانتباه ان التوجه الإسرائيلي - الأميركي في هذا المنحى يأتي بعد حملة من التهديدات بتوجيه ضربة عسكرية لبرنامج إيران النووي، إذا لم تستجب وترضخ للشروط الأميركية للتخلي عن هذا البرنامج، فيما جرى استعراض للقوة الأميركية في مياه الخليج (الفارسي)، حيث تم حشد حاملات الطائرات والسفن الحربية الأميركية في اكبر استعراض للقوة لإرهاب إيران.
غير ان هذه التهديدات ومحاولات التخويف والإرهاب
لم تفلح في ثني طهران عن مواصلة برنامجها النووي للاغراض السلمية، وفي نفس الوقت عمدت إلى تظهير قوتها العسكرية وجهوزيتها لمواجهة أي عدوان يستهدفها، وقامت باجراء مناورات استخدمت فيها صنوف الاسلحة المتطورة، ووجهت الرسائل الواضحة لكل من واشنطن وتل أبيب بأن اللعب بالنار مع إيران سوف يؤدي إلى حرق أصابع الجميع وأخذ المنطقة إلى الحرب الشاملة التي لا تبقي ولا تذر، وسوف لن تخرج منها إسرائيل إلا وهي في حالة إعاقة، فيما القوات والقواعد الأميركية في المنطقة وحقول النفط لن تنجو وستوجه إليها ضربات موجعة.
ويبدو أن هذه القوة والجهوزية الإيرانية خلقت معادلة توازن رعب دفعت إدارة المحافظين الجدد في واشنطن إلى اعادة دراسة خياراتها في مواجهة إيران لصالح تقديم خيار الحصار الاقتصادي على خيار الحرب.
لكن السؤال الذي يطرح بقوة هل سوف تنجح أميركا في محاصرة إيران واقناع دول العالم بالالتزام بنظام العقوبات الذي قررت فرضه على إيران؟
وبالتالي هل ستتمكن من اقامة جبهة دولية لتحقيق هذا الهدف لتركيع طهران ونزع عناصر قوتها العملية واعادتها إلى عصور التخلف والتبعية ومنع اي دولة اخرى في المستقبل من الحذو حذو إيران أو مجرد التفكير بذلك؟
بالتوقف أمام الخطة الأميركية لفرض الحصار على إيران يتبين ان واشنطن وضعت خطة تقوم على العناصر التالية:
÷ العنصر الأول: مراقبة أي نشاط اقتصادي له علاقة بالحرس الثوري الإيراني.
÷ العنصر الثاني: عزل إيران دوليا عبر تعميم العقوبات لتصبح دولية على غرار ما حصل مع العراق قبل الغزو الأميركي.
÷ العنصر الثالث: الضغط على الدول الأجنبية التي تتعامل مع المصارف الإيرانية أو تقوم شركاتها بالعمل في إيران لوقف أي تعاون معها، كما حصل مؤخرا من خلال ممارسة واشنطن الضغط على المانيا لدفع شركاتها للخروج من إيران وكذلك معاقبة من يتعامل تجاريا معها.
والسؤال الذي يطرح هو: هل ستنجح واشنطن في فرض مثل هذا النظام من العقوبات؟
إذا تمكنت واشنطن من خلال هذه الاستراتيجية من تنفيذ سياسة حصار محكمة على إيران فانه سيكون لذلك تأثير اقتصادي ومضاعفات سلبية على إيران، لأن أي دولة مهما امتلكت من قدرات وامكانات اقتصادية ذاتية لا تستطيع الاستمرار أو العيش طويلا في عزلة عن العالم الخارجي.
غير ان قراءة متفحصة للوحة الاقليمية والدولية تظهر بأن مثل هذه الاستراتيجية الأميركية غير ممكنة التحقق، ذلك ان الشروط والظروف التي مكنت واشنطن من فرض حصار دولي على العراق غير متوافرة لفرض حصار مماثل على إيران.
ان خطة المحافظين الجدد لمحاصرة إيران وتقويض عناصر قوتها واخضاعها كانت تقضي اولا بفرض السيطرة على افغانستان وجمهوريات آسيا الوسطى وخاصة تلك التي لها حدود مع إيران ومن ثم احكام السيطرة الأميركية على العراق، لتصبح إيران محاصرة من كل الاتجاهات البرية والبحرية وتحت الرقابة الأميركية، وبالتالي تتمكن واشنطن من فرض حصار محكم على إيران والزام دول العالم بالموافقة على تطبيق نظام عقوبات متشدد حتى ترضخ طهران لشروطها بوقف برنامجها النووي وتفكيكه، لكن كما يقول المثل الشعبي فإن (حساب الحقل لم يتطابق مع حساب البيدر)، فالولايات المتحدة فشلت في تحقيق هدفها في فرض سيطرتها على افغانستان والعراق حيث غرقت قواتها المحتلة مع القوات الحليفة في حرب استنزاف متصاعدة انهكتها وأدت إلى وقف واحباط المخطط الأميركي، ليس إزاء ايران فحسب، بل وايضا تجاه اعادة صياغة خريطة المنطقة العربية ومنطقة آسيا الوسطى، واستطرادا الفشل في احكام الهيمنة الأميركية الأحادية على موارد الطاقة والقرار الدولي، كما خطط المحافظون الجدد من وراء استغلال هجمات ۱۱ سبتمبر لشن حربهم على ما يسمى الإرهاب، لتكون الحجة أو الذريعة لتحقيق مشروع جعل القرن الواحد والعشرين قرنا أميركيا، القرار والسيطرة فيه للسيد الأميركي.
وكان من الطبيعي ان يؤدي مثل هذا الفشل إلى عجز الإدارة الأميركية عن تطويق إيران، وفي نفس الوقت إلى تحرك دول كبرى، ودول اقليمية، متضررة من سياسة الهيمنة والتفرد الأميركي، والتكتل لخلق واقع جديد يدفع واشنطن إلى التراجع والتسليم بقواعد القانون الدولي والتعددية العالمية، وفي هذا السياق ولدت منظمة شنغهاي التي تضم روسيا والصين والهند وجمهوريات آسيوية، تشكل قوة كبيرة من حيث الامكانات والقدرات البشرية والاقتصادية والعسكرية والنووية والعلمية، كان من نتيجتها احداث تبدل في لوحة موازين القوى في منطقة آسيا الوسطى والمحيط الحيوي لايران من جهة، وعلى مستوى صوغ القرارات في مجلس الامن الدولي من جهة ثانية الامر الذي اعاق قدرة واشنطن على استصدار عقوبات جديدة ضد ايران.
وما زاد الامور تعقيدا امام الخطة الاميركية اجتماع قادة الدول المحيطة ببحر قزوين في ايران مؤخرا بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وما نتج عنها من قرارات تضامنية مع ايران ان كان على صعيد رفض استخدام اراضي اي دولة منطلقا للعدوان ضد ايران او لناحية نفي وجود اي معلومات او وقائع تشير الى عدم سلمية برنامج ايران النووي، ويعتبر مثل هذا الموقف الدولي الاقليمي ردا عمليا مباشرا على الاستراتيجية الاميركية لتشكيل جبهة دولية لفرض الحصار على ايران ورسالة واضحة بأن هذه الدول لا توافق على تأييد السياسة الاميركية، ويبدو واضحا ان قدرة الولايات المتحدة على ممارسة الضغوط على الدول الاجنبية لجعلها تلتزم بنظام عقوباتها مرتبط اولا واخيرا بمدى استجابة وتعاون دول كبرى اساسية لاخضاع الدول العربية، لكن طالما ان دولا مثل الصين وروسيا ترفض التعاون مع الولايات المتحدة في هذا المجال ان كان بسبب مصالحها الاقتصادية والتجارية التي تربطها بإيران او لمنع اميركا من الهيمنة على القرار الدولي. وكذلك هناك دول اوروبية ترى في ايران دولة نامية ولديها قدرات نفطية واقتصادية كبيرة تشكل فرصة لحصول شركاتها على عقود مهمة وبالتالي تحقيق مكاسب اقتصادية ومالية في وقت يشهد العالم الرأسمالي اشتداداً في التنافس على الاسواق العالمية للحصول على الفرص الاستثمارية لمواجهة التحديات الاقتصادية المستجدة وما يجعل هذه الدول الغربية غير محبذة للطريقة الاميركية في التعامل مع ايران.
التجربة المرة التي حصلت مع العراق والتي ادت الى نشر الفوضى في المنطقة واضاعة فرص اقتصادية كبيرة كانت تستفيد منها فيما الصورة بالنسبة لايران مختلفة كليا ولا يوجد افق لامكانية فرض حصار دولي شامل عليها وبالتالي فإن هذه الدول تشعر بأن مسايرة اميركا في مثل هذه السياسة سوف يؤدي ليس فقط الى حرمانها من فرص الاستثمار بل ويجعل ايران تتجه في علاقاتها الاقتصادية شرقا وتوطيدها مع الدول الاخرى التي تقف في جبهة معاداة الهيمنة والتفرد الاميركي مثل الصين وروسيا والهند وغيرها من الدول وهذا ما يفسر تردد وامتناع دول غربية من مقاطعة ايران ما دفع واشنطن مؤخرا الى محاولة ممارسة الضغوط على حلفائها لدفع الشركات الغربية للتوقف عن العمل في ايران حيث افادت الصحافة الالمانية الى ان وجود ضغوط اميركية على حكومة برلين من اجل العمل على خروج شركتين المانيتين تعملان في ايران.
والامر لم يقتصر على الدول الغربية بل ان دولا اخرى في المنطقة تصنف في خانة الدول الحليفة للولايات المتحدة لم تلتزم بالتوجهات الاميركية المذكورة انفا مثل باكستان التي وقعت في ۸ تشرين نوفمبر ۲۰۰۷ عقدا مع ايران يقضي بمد خط انابيب غاز من ايران الى باكستان بقيمة ۷ مليارات دولار والموافقة على تسعير الغاز وفق معادلة اسعار السوق العالمية ما يعني ان قدرات ايران من النفط والغاز وحاجة دول العالم المتزايدة لهذه المادة الحيوية يجعل من الصعب على اقرب الدول لاميركا الاستغناء عن العلاقة مع ايران ما يشكل اكبر تحد للاستراتيجية الاميركية الجديدة.
هذا الامر يدفع الى الاعتقاد بأن الادارة الاميركية باتت تترنح في مأزق خياراتها تجاه ايران حيث تعاني من العجز في محاولتها اجبار ايران على الرضوخ لمطالبها وبالتالي يبدو ان ليس امامها في نهاية المطاف سوى التسليم بايران قوة نووية لا تخضع لسياستها.
حسين عطوي