مقال (5) - صحيفة العرب اليوم ( لماذا الندوات الأدبية والمحاضرات الثقافية مُملة؟)

    ( لماذا الندوات الأدبية والمحاضرات الثقافية مُملة؟)
عمران     : غياب الاهتمام الإعلامي وفن الإلقاء التقليد وراء الملل

دريهم      : أغلب الندوات تقام بغير الإعلان عن موعد إقامتها أو مكانه

 الريماوي  : طرح موضوعات لا تهم الصعيد الفكري والإبداعي

السواعير   : سيطرة مدير الندوة وطول ورقة البحث.. سبب هجر الندوات

 

3/11/2009

العرب اليوم - آيه الخوالدة

 

تقام الندوات الأدبية والمحاضرات الثقافية لمناقشة إحدى الأطروحات الأدبية والقضايا المعاصرة التي تختص بعالم الكتابة الأدبية, وأحيانا تقام لتكريم أعلام الأدب والثقافة الراحلين, إلا أنها في الغالب لا تحقق النتائج المرجوة, حيث تتم دعوة العديد من المفكرين والكتاب للمشاركة ويتاح لهم بضع دقائق قليلة ليدلوا بدلوهم, ضمن سيطرة مدير الندوة الذي لا يعدو كونه منظما للوقت,  قبل ان ينتقلوا إلى الاستراحة أو لتناول وجبة الغداء. وهكذا.

من ناحية أخرى, لا تشهد هذه الظاهرة إقبالا من الإعلام أو الجمهور, لطغيان سحابة الملل عليها, إذ يلتزم المحاضر بأسلوب التلقين والقراءة من الورقة, ويخوض في غمار مادة جامدة لا تثير الانتباه.

العرب اليوم التقت عددا من الأدباء والمثقفين العرب وسألتهم عن أسباب فشل هذه الندوات, وهل يتعلق الأمر بالمحاضر نفسه؟ توقيت المحاضرة؟ أم غياب التغطية الإعلامية؟ فماذا قالوا

يشير الشاعر المصري السيد بخيت, في حديث معه إلى ان الندوات الثقافية لا تحظى باهتمام الكثيرين لأسباب عديدة من بينها أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العامة في الوطن العربي لا تشجع على الاهتمام بالموضوعات العامة, فالظروف الاقتصادية طاحنة وتجعل من البحث عن لقمة العيش أهم من حضور ندوة, وتهميش دور المواطن سياسيا يجعل له من الأجدى أن يبحث عن هم خاص وليس شأن ثقافي ينشغل به.

ويضيف : ثمة ظروف متعلقة بالمناخ الثقافي العام الذي لا يتوافر لديه شيء جدي وحقيقي وأصيل وخالص ونابع  من هموم واهتمامات وتراث وثقافة العرب, ومن ثم فهو تقليدي ومقلد ومقتد بالآخرين, ناهيك أن الثقافة أصبحت وظيفة وليست موهبة أو تطوعا أو مساهمة خاصة تجعل المعنيين بها يؤدونها من قبيل المهمة الثقيلة وليس من قبيل نشر المعرفة وخلق مجتمع معرفي عربي, مما لا يجعل لندواتهم صدى

وحول قضية توقيت الندوة ومساهمتها في جذب الحضور, يقول رئيس نادي القصة اليمنية محمد الغربي عمران: التوقيت ليس العامل الوحيد لإنجاح أي فعالية ثقافية, إنما الموضوع والإعلام, فمتى ما كان الموضوع جديدا ويهم الناس ويثير اهتمامهم كان الحضور جيدا.

فالجميع يعلم أن كل ما يطرح ويلقى مكرر ومستهلك والجميع يعلم أن  العمل النوعي دوما يجذب الناس, إضافة إلى الجانب الإعلامي .. فالعديد من الندوات الثقافية لا يهتم بها الإعلام.. من حيث التغطية بداية بإعلان المكان والزمان أو بعد التنفيذ بنشر ما دار.

ويتابع عمران حديثه : ومن الجانب الأخر, هناك عدم وجود لأي تحديث في الإلقاء, إذ على الكتاب خاصة كتاب السرد ابتكار وإدخال أساليب جديدة في فن الإلقاء وما يصاحبه حتى يكسب ثقة المتلقي .. وعند إذ يتم جذبه.

ويضيف: وكذلك ما اضعف نسبة الحضور تعدد وسائط التواصل, فالمتابع  تصله المعلومة في يسر عبر الانترنت والقنوات الفضائية, الصحف.. الخ ذلك.. وبذلك يكون ذلك التطور قد حدث على حساب جمهور الندوات الذين كانوا في الماضي لا يجدون أمامهم إلا ان يذهبوا  إلى مواقع إقامة الندوات. إذا لقد حل أكثر من منافس ليجد المهتم ما يريده  في يسر.

بينما يذهب القاص الأردني ناصر الريماوي إلى ان المسألة أكثر عمقاً  ولا تتعلق فقط بأسلوب المحاضر وقابلية المتلقي كتشكيل ثنائي يحلق بمعزل عن الحركة الثقافية, فالحركة الثقافية بالمجمل تشكو من كسل عام, والمشهد الثقافي أيضاً غدا معها شبه باهت وغير مشجع بعد أن راح يفقد بريقه مع الوقت, لتأتي الندوات والمحاضرات هنا كمحاولات هامة وإيجابية للتغلب على حالتي الكسل والتكلس المستشرية في المفاصل الأدبية المختلفة, لكن وبالنظر إلى الحضور كماً ونوعاً فان المراقب يصاب بخيبة, فالحضور قليل ويعاني تشتتاً ذهنيا مما يؤكد وجود إشكالية حقيقية يمكن تلخيصها بعدة نقاط أساسية, منها عدم ربط الجانب الإبداعي والثقافي بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية (إن جاز التعبير هنا), فالمبدع محاصر بتنفيذ أجندة طويلة من الالتزامات العائلية والاجتماعية تحت ضغوط اقتصادية قاهرة, وفيما يخص المتلقي فإن تعدد الوسائل في استخلاص المعلومة - الأدبية والثقافية - كالقنوات الفضائية وثورة الاتصالات والشبكة العنكبوتية, جعلت من الندوة أو المحاضرة وسيلة تقليدية بحيث تصنف بالوسيلة الأقل جذباً.

ويوضح الريماوي : في حالات معينة نلمس أسباباً مباشرة تساهم في تسرب الملل للمتلقي كسوء التخطيط لمثل تلك الندوات, نتيجة ضلوع أناس غير أكفاء في العملية التنظيمية, وأحيانا يتم طرح موضوعات لا تهم أحدا وليست ذات قيمة لا على الصعيد الفكري ولا على الصعيد الإبداعي, دعوة بعض المدّعين للثقافة والإبداع ممن يعانون شعوراً عميقاً بالاضطهاد والإقصاء ليمارسوا دوراً استعراضيا منفراً أمام المتلقي .

أما التشكيلية الكويتية نادية الدريهم, فتذهب إلى ان الأوساط الثقافية في الوطن العربي بشكل عام تعاني من عدم اهتمام الجمهور العربي بأي نشاطات ثقافية أو علمية, ولا يقتصر الأمر على المحاضرات والندوات بل يمتد إلى معارض الفنون التشكيلية والأمسيات الموسيقية التي تقيمها فرق عالمية.

وتفسر ذلك : لو قمنا بالمقارنة بين الوطن العربي والعالم الخارجي نجد أن الجمهور الأوروبي -على سبيل المثال - يقوم بدفع مبلغ مالي لدخول صالات العرض الفنية أو لمشاهدة استعراض شعبي أو لحضور ندوة ثقافية بينما لا يستغل الشعب العربي حضور مثل تلك الأنشطة الثقافية التي غالبا ما تكون مجانية وعامة.

وحول سبب عدم اهتمام الجمهور العربي بالأنشطة الثقافية, تبين دريهم: ربما يعود لعدة أسباب منها الشعور الكبير بالإحباط الذي يعاني منه الشارع العربي سواء من ناحية ظروفه السياسية المتقلبة أو تطلعاته لمستوى اقتصادي أفضل والسعي الدائم لتوفير قوت العيش في ظل تلك الأزمات المتلاحقة , فالإنسان العربي اعتاد الانشغال الدائم بما يحيط حوله من مشكلات سياسية واقتصادية متأزمة جعلت منه أداة مجردة الاهتمام بكل ما هو حسي و روحي في زمن غلبت فيه الماديات.

من جهة أخرى نجد تقصيرا واضحا من وسائل الإعلام بالاهتمام بطبقة المثقفين وأنشطتهم المتنوعة, على سبيل المثال نجد أن الإعلان عن ندوة ثقافية ينشر بحجم صغير يكاد لا يلاحظ بينما تحتل صفحات الجرائد مواضيع لا تغني ولا تسمن من جوع عن من تطلق ومن تزوج ومن قام بآخر عملية تجميل من الفنانين وكأن الشارع العربي لا ينقصه إلا هذا النوع من الثقافة التي تشغل العقول بمواضيع تافهة لا تعود بأي فائدة على عقلية هذا الإنسان العربي الذي توجه بشكل لا إرادي لمتابعة هذه النوعية من الأخبار السطحية بسبب تسليط الأضواء الإعلامية عليها. 

أغلب الندوات تقام بغير الاهتمام عن الإعلان الواضح عن موعد إقامتها أو مكانها, وهناك اعتقاد سائد بين الناس أن تلك الندوات وجدت لطبقة معينة بالمجتمع هي خليط من المثقفين والطبقة الراقية وهو اعتقاد لا يشجع على حضور تلك الندوات.

وبالغالب يغيب عامل الجذب الجماهيري عن تلك الأنشطة والندوات التي يفتقر القائمون عليها إلى الاهتمام بعوامل الجذب والإعلان وكأن لسان حالهم يقول نحن لا نهتم بحضور العامة وهم بذلك يساهمون بتوسعة الفجوة بين الجمهور وتلك الأنشطة الثقافية.

ومن وجهة نظر الصحافي الذي يقوم بتغطية هذه الفعاليات الثقافية, يقول الزميل الصحافي إبراهيم السواعير:أعتقد أن أسلوب المحاضر يلعب دوراً مهمّاً في جذب جمهوره أو خلق هوّةٍ بينه وبينهم, ومما نقف عليه كإعلاميينَ أن الأسلوب الممل يمثّله محاضرٌ يقرأ بحثاً طويلاً دون أن يرفع عينيه عن الورقة, في الوقت الذي يتمنى فيه الجمهور- قلّوا أم كثروا- أن يداخلوا أو يسألوا أو يشاركوا, وقد يكون الأسلوب الممل في سيطرة مدير المحاضرة أو الندوة وتنطّعه للإجابة بدلاً عن الضيف, أو هيمنته; فلا يترك للمتحدث فرصةً, وكأنه يشاركه في ندوته أو يحب أن يظهر نيابةً عنه في الصحف ووسائل الإعلام الأخرى, وقد يكون المحاضر غير قادرٍ على توصيل رسالة محاضرته إلى الجمهور لسببٍ ما; قد يكون عيباً في نطقه أو شخصيّته خوفاً, أو خجلاً.

ويضيف:ربّما يكون السبب, أيضاً, في عدم تمكّن المحاضر من ورقته; كأن يكون غير متخصص بها, وجاء يحاضر فقط لكي يكون شخصاً معروفاً, وهؤلاء نشاهدهم كثيراً في الأمسيات والندوات, وهم, علاوةً على إخفاقهم في المعرفة بأصول الخطاب الحواري, فإنهم يطلبون من الإعلاميين أن يكتبوا عنهم ويوهّجوا صورتهم أمام الناس, وعلى أيّة حال فإنّ الغث لا يدوم.

ويتابع حديثه: قد يكون المطلوب, فعلاً, التوصل إلى باحث أو محاضر يلخّص ورقته أو محاضرته ويناقش; لأن الوسط الثقافي والإعلامي لم يأتِ ليسمع كلاماً مملاً مكروراً, بل ليقف على حقيقة الاجتهاد والرؤية التي توصل إليها هذا الباحث أو ذاك, وللحقيقة فإنّ محاضرين ونقّاداً ما يزالون أشبه بمعلمي الصبيان; يحسبون أن ما لديهم هو الأحق أن يُتّبع, بل لا يؤمنون بالحوار.

 

ويستنتج: إذا استطعنا أن نكاشف وسطنا الثقافي والإعلامي بهذه الظواهر والحالات التي لا تلغي المحاضرين الجيّدين والمنتدين الواعين الذين يفقهون أهمية فكرة البحث أو المحاضرة ومدّ الآخرين بها, إذا استطعنا ذلك فإنّ توقيت المحاضرة يبدو هيّناً يمكن تدبّره أو معالجته; مع أن المحاضر الجيّد يجلب جمهوره ولو كان في آخر الدنيا, وفي ظلّ فتور الناس عن القراءة والمتابعة والسعي للمحاضرات فإنّ كثيراً من الباحثين والمحاضرين يختارون عناوين برّاقة تجذب الناس; كأن يحاضرون في آخر مستجدات السياسة, أو يعارضون مذهباً دينيّاً أو يتجنّون على مبدأ; فقط لجلب الناس والإعلام; وللإنصاف فإنّ التجني والرجم البحثي كثر هذه الأيام; وعلينا أن نكون واعين قبل حضور محاضرة أو الترويج لها أو متابعتها في وسائل الإعلام.

ويختم السواعير بأنّ كثيراً من المنتديات والجامعات تحشد ثمانين باحثاً في ثلاثة أيّام, وتضيّق الخناق على الباحث في عشر دقائق- هذا إن كان من المحظوظين- عدا التلويح بأنّ موعد الغداء قد حلّ وعليه أن يعجّل ما استطاع في ورقته, والأدهى والأمر أن الجهات المستضيفة لهؤلاء الباحثين في المؤتمرات تطلب من الإعلاميين الكتابة عن باحثيها, وهي أصلاً لم تلخّص أوراقهم!


حوار (1) - حوار مع جريدة "العرب اليوم" الأردنية

القاص ناصر الريماوي لـ العرب اليوم : اللغة الشعرية تسبب ارباكا للقارئ في القصة التي توصف الحدث


http://www.alarabalyawm.net/pages.php?news_id=187572

10/10/2009

العرب اليوم - آيه الخوالدة

يؤمن الكاتب الاردني ناصر فالح الريماوي بضرورة الحفاظ على إستقلالية القصة القصيرة ككيان أدبي لا غنى عنه, مع التأكيد على خصوصية هذا الكيان في تلبية الحاجات الملحة في وقتنا الراهن, ويذهب الريماوي في ابداعه الى اللغة الشعرية بكل تناقضاتها لينفرد بايقاع اللغة وتلقائية السرد.

والريماوي عضو ومشرف في إتحاد كتاب الأنترنت العرب, وله مجموعة قصصية صدرت حديثاً عن دار تالة في دمشق عنوان  جاليريا. التقته العرب اليوم وحاورته.

* يذهب كبار القاصين الى وجود خطر يحدق في مصير القصة القصيرة, ما رأيك في صحة هذا الكلام?

- لقد ذهب البعض إلى أكثر من ذلك, وهو تأبين القصة القصيرة بعد موت مبرمج, والبعض الآخر إلى إلحاقها بغيرها من الأجناس الأدبية بعد حكم استباقي بحتمية إندثارها, من وجهة نظر متفائلة أجد نفسي ميالاً لتصديق فكرة وجود أزمة تمر بها القصة القصيرة وليس خطراً محدقاً يهدد مصيرها كجنس ادبي له أهميته, اما دواعي هذه الأزمة في رأيي الشخصي, فهو إنتفاء الثقة بالقدرة الكامنة التي تميز القصة القصيرة عن غيرها من الاجناس الادبية الأخرى, أو الإفتقار إلى المحاولات الجادة في إستثمار تلك القدرة الهائلة بحدها الأقصى كما ينبغي, هذا ربما أدى بمرور الوقت إلى تلاشي روح العقيدة بين العديد من معتنقي ومريدي هذا النوع من الكتابة, فأوقعها في ذلك المأزق.

أجد نفسي منحازاً وبشدة إلى تعدد الأصوات في تمثيل الأغلبية والتي تنادي بتطوير القصة القصيرة مع ضرورة الحفاظ على إستقلاليتها ككيان أدبي لا غنى عنه, مع التأكيد على خصوصية هذا الكيان في تلبية الحاجات الملحة في وقتنا الراهن. أنحاز إلى تطور القصة القصيرة من الداخل بالإطالة والتمدد -مع الأبقاء على مبدأ الأقتصاد اللغوي - بحيث يمكن للقصة القصيرة أن تستوعب عندئذٍ إضافات نوعية جديدة على صعيدي الشكل والمضمون, كالأسطورة والموروث الشعبي والحدث التاريخي, والحدث القائم على جمع المعلومة والتحليل النفسي الذي يستند إلى دراسة معمقة. لست منحازاً إلى التطور الذي يؤدي إلى إنشطار كيانات سردية متعددة كالقصة القصيرة جدا والخاطرة والنصوص العابرة نحو تجنيس محتمل… فهذا من شانه ان يفاقم أزمة القصة بل ويعمل على إندثارها.

* عمدت في بعض قصصك الى استخدام اللغة الشعرية, فكيف يخدم ذلك ولوجها الى قلب وفكر القارئ سريعا?

- أعتقد أن اللغة الشعرية تمتلك مقومات النفاذ السلس بامتياز نحو القلب والعقل, لكنها قد تسبب إرباكاً محتملا للقارىء في نص قصصي يقوم على توصيف الحدث.

في حالة التداخل الشديد بين الموضوع والشكل تتجلى تلك الروح الشعرية والتي يتطلب التعبير فيها تكثيفاً لغويا كبيرا للمعاني بايجاز ومن دون فائض لغوي لا مبرر له, كما تأخذ فيه الإنزياحات اهمية كبيرة واولوية على الحدث.

هناك أيضاً الطبيعة الفطرية, المسكونة بإيقاع اللغة والتي قد تنفذ إلى البنية السردية بتلقائية شديدة من خلال لغة شعرية في مرحلة ما من النص من دون الخضوع لسيطرة ذهنية.

* تفرض كتابة القصة القصيرة نوعا من القيود على صاحبها, فكيف تصف لنا علاقتك مع هذا النوع الادبي?

- لا توجد قيود مفروضة إنما ضوابط وقوانين أساسية تحكم فنيات السرد وتقنياته, يجب أخذها بعين الإعتبار عند الشروع في الكتابة.

 أنطلق بحرية تامة لحظة الكتابة الإبداعية دون قيود بعد أن تتبلور الرؤية القصصية لدي وتتضح, عندها فقط تتحول تلك الورقة البيضاء إلى بيئة ملائمة للتجريب الحر في حضور تلك الرؤية.

يختلط الترتيب على صعيد الحدث او التسلسل الزمني في بعض كتاباتي, وفي تلاشي التوصيف الزماني والمكاني يبرز التركيز على البيئة المختلَقة والحركة العشوائية للشخوص ضمن المتن القصصي, وذلك لدفع القصة على صعيد الشكل والمضمون نحو الإنفتاح على فضاءات رحبة يكون من شأنها إستقطاب أيُّ تجديد محتمل.

* تقف القصة دوما على مفترق طرق بمواجهة الشعر, حيث ادعى بعضهم ان الشعر ديوان العرب, فما رأيك?

- لكل جنس ادبي إستقلاليته التامة عن الآخر, لا اعتقد بأن المفاضلة بين جنسين مختلفين تماماً هي مفاضلة منصفة أو مفيدة, فقد إستطاعت القصة القصيرة وبالرغم من عمرها القصير والذي لا يقارن بعمر الشعر أن تحقق حضوراً ملفتاً على الساحة الادبية في العالم العربي, مما يجعلها الآن مؤهلة وبقوة لأن تقف إلى جانب الشعر للمشاركة في صفحات ذلك الديوان لا أن تقف امامه على مفترق للطرق.

* هل يستطيع الاديب ان يلزم نفسه بفترة زمنية محددة لانجاز عمل ابداعي ما اجازة التفرغ الابداعي?

- اذا كان هذا الإلزام الزمني المحدد وفقاً لبرنامج يضعه الكاتب لنفسه, فلا ضير, لكن المشكلة قد تنشأ في حال إعتباره قيداً ملزماً من طرف آخر بحيث يتم فرضه على الكاتب, هنا أصبح عنصر الوقت يشكل قيداً من نوع ما, والابداع لا يمكن أن تحكمه قيود من أي نوع.

التفرغ مسألة مختلفة, فهي شرط أساسي لإنجاز أي عمل أبداعي, ربما تكمن إشكالية التفرغ بذلك التقييد الزمني, على أيّ حال هناك امثلة عملية تشير إلى إمكانية التعامل مع هذا الوضع بنجاح ربما من خلال القدرة على التكيف النفسي والذهني, فالكاتب والروائي جمال ناجي أنجز روايته الرائعة  عندما تشيخ الذئاب في ظروف مماثلة.

 

* هل تعتقد بأن سهولة النشر, السبب الرئيسي الذي يكمن وراء كثرة الاصدارات ذات المحتوى الفارغ, ام هناك اسباب اخرى?

- بالمقابل فإن سهولة النشر كانت سبباً في الكشف عن مواهب دفينة و أعمال إبداعية مميزة تستحق الثناء, ربما تؤدي سهولة النشر لتبني سياسة الكم على حساب النوع لدى الكثيرين, لكنها ليست السبب الرئيسي في تراكم تلك الإصدارات السطحية عديمة المحتوى, فالإنجاز المتسرع بقصد النشر هو الدافع الاكبر, لكن الأسباب المباشرة سوف تتجلى بالضرورة سواء كانت هناك سهولة في النشر أم لم تكن, منها التخلي عن الجانب الثقافي والاعتماد على نواة الموهبة فقط, عدم الرغبة في إختيار مضامين يتطلب إخضاع محتواها للدراسة أو السعي الضروري للتقصي حولها, عدم الرغبة أو القدرة على المعايشة الضرورية بشكل كاف لإبراز العناصر السردية كما يجب (نتحدث عن القصة والرواية هنا), غياب الرؤية القصصية والسردية تماماً, الكتابة بلا ضوابط فنية من دون أي اعتبار للحد الأدنى من تقنيات السرد… واسباب مباشرة أخرى لا مجال لذكرها الآن.

 

* ما هو مشروعك القادم?

- خوض غمار القصة الطويلة او الرواية القصيرة, لتجسيد فكرة لا زالت تختمر عن نشأة مدينة أردنية لا زالت تحيا في داخلي بكل متناقضاتها الجميلة, مدهشة بتلك التناقضات إلى حد مثير وبدعوة ضاغطة في النزوح إلى عمق التفاصيل البعيدة نحو لجة القاع, حيث البدايات المغمورة تحت ركام الزمن الغابر, عن التكوين والنشأة, عن نفض الغبار بحنو لإستحضار القديم بروح الزمن الأول.

أتمنى ان اوفق بذلك مبتعداً عن التوثيق الصرف, مازجاً بفنية بين ما هو تاريخي وما هو تخيلي ومكتسب.

مقال (4) - عبده حقي يكتب عن مجموعة (جاليريا) القصصية


عبده حقي

جاليريا بين الرسم بالكلمات والسرد بالألوان

إمدادات هذا الكاتب  عبده حقي27 أكتوبر 2009

(جاليريا)
بين الرسم بالكلمات والسرد بالألوان
مقاربة نقدية في المجموعة القصصية (جاليريا) للقاص الأردني ناصرفالح الريماوي


عبـــده حـــقي


إلى ماتؤشردينامية الإبداع القصصي الراهن في الوطن العربي ، وإلى ما يؤشرهذا المد الحكائي بمستوياته السردية المتباينة من قصة وقصة قصيرة وقصة قصيرة جدا ؟ وإلى أي حد أسهم النشرالإلكتروني في تفجيرالطاقات القصصية العربية ، وهل هذا التراكم هوبالضرورة إعلان عن تحول في بنيات السرد القصصي موازاة معا ما أفرزه إنفجارمجتمع الإعلام والإتصال من تغييرفي إثراء لقنوات التواصل ؟
يقينا أن للشبكة العنكبوتية إسهامها المائزفي بسط جسورالتواصل الفوري والآني بين الأصوات القصصية العربية خصوصا من جيل التسعينات ومقتبل الألفية الثالثة ، وقد ورط تجربتها السردية على محك النقد العربي الرصين فضلا عن تذييلها بالتعاليق التي تختلف بين تعاليق موضوعية وانطباعات تحفيزية وتوقيعات محاباتية … ومما لاشك فيه أن للفضاء الإلكتروني فضله أيضا في إستجلاء خصوصية وملامح الإبداع الأدبي بعامة والقصصي بخاصة ، والكشف عن مميزات هوية الأنا الكاتبة والمنكتبة .. هوية الذات / النص المبدع . وإلى الأمس القريب قبل سنوات قليلة لم يكن يغمرالمكتبة العربية من الإصدارات سوى المنشورات التي قبلت بلعبة التحدي والمجازفة مع طواحين دور النشروتفاقم الأمية على المستوى العربي ، بيد أن المعجزة النتية بما أتاحته على مستوى سهولة التلقي على سندات وطرائق النشرالمختلفة قد خففت إلى حد ما من استنزاف الكاتب(ة) والتخفيف أيضا وقبل كل شيء من أزمة النشربما يتغياه أساسا من ربط لعلائق التواصل وباعتباره رافدا من روافد المعرفة والعلوم والفكر…
ولسنا هنا بصدد النفخ في حطب النارلتلتهم المزيد من الورق والبحث في تداعيات وآثارالنشرالإلكتروني على حركية إقتصاد النشرالورقي ولكن لايفوتنا أن نتعرض لزائنات النشرالإلكتروني على إختلاف مستويات سنداته المشبعة بذرات الإلكترون من بوابات ومواقع ومنتديات ومجلات إلكترونية . فلولا هذه الدعامات الإلكترونية الجديدة لأقبرت العديد من الكتابات في مهدها ولبقيت العديد من الأصوات العربية قابعة في كهوفها الجوانية وأخيرا لخسرت البيبليوغرافيا العربية العديد من الأقلام الرفيعة والمائزة .
هذه الطفرة الشبكية جعلت المشهد القصصي يموربالكثيرمن الأسماء الإلمعية .. أسماء أغنت التراكم الإبداعي القصصي بالعديد من الأعمال البديعة التي راهنت في أشغولتها على تحقيق الفرادة والإنفلات من إجترارتجارب الرواد الأسلاف إن على المستوى المحلي أو العربي وقد يعود الفضل في بلورة هذا التصورالجديد للإبداع القصصي إلى إنخراطه في أوراش المنتديات بما تتيحه من مواكبة ومتابعة نقدية وتعليقات لايخلوحظها من ومضات عالمة وموضوعية وقراءات عاشقة لم تنفك الدهشة تشرق من بين سطوربوحها .
متعة ورفعة القص الشبكي قد ترفع من درجة لذتنا بالنص وبالقص حين يتحقق توأمه بين دفتي أثرورقي بما يمهره من قدسية أزلية وأبعاد جمالية ونوستالجيا وحرارة حين نحضنه بين أيدينا ونلفه بهما في قماش الإحتفاء … هذا ما تحقق في تجربة القاص الأردني الصديق ناصرفالح الريماوي حين أتم ألق مساره الإبداعي القصصي الإلكتروني بإصدارالطبعة الورقية الأولى من إضمامته التي وسمها ب (جاليريا) ناهزت 255 صفحة من القطع المتوسط إختلف متنها بين نصوص قصصية طويلة ونصوص قصصية قصيرة ونصوص قصصية قصيرة جدا وكلها توزعت بين عناوين رئيسة وعناوين فرعية .
وتشكل قصة (جاليريا) الربوة النيسانية المائزة في تضاريس المتن القصصي ككل . ولم يأت العنوان (جاليريا) إعتباطيا أو إنبهارا بجرس نبرته بل إن إنسحابها على الحقل الدلالي للإضمامة كان بقصدية توجيه عملية التلقي منذ العتبة الأولى للأثرنحو مدارات التشكيل والرسم وانكمانهما في تلافيف الذاكرة البعيدة للقاص ناصرالريماوي بما وظفه من أدوات ومرهمات قزحية في بنيات العديد من النصوص وتعتبرقصة ( جاليريا ) أوج درجات الولع وهي التيمة المهيمنة والقصة التي إستطاعت أن تحقق تقاطعاتها مع فن التشكيل إلى درجة تماسها مع القراءة النقدية التشكيلية المحمولة على متن السرد .
إن السرد في قصة (جاليريا) لم يتوقف كي يفسح المجال للوصف بل إن القاص ناصرالريماوي قد أفلح في تحقيق كميائه الخاصة بين رؤية بصرية وصفية وانسياب السرد يقول السارد في الصفحة 117 : (متقنة توشك أن تنطق أو هكذا تراءى لي ، النظرة الحانية تطغى في تحولاتها الرصينة لتثقب صفة الضوء الخافت عند طرف اللوحة المقابل ) ويقول في الصفحة 41 : ( وأيقنت أني سأبدء يرسم لوحتي الأولى من هذا المكان فالرسم مثل ولادة القصيدة قد تقوده الإنفعالة الأولى ) ومن خلال هذا المقطع المقتطف من قصة (سيرة الأيام ) يتبدى تماهي كينونة القصيدة مع كينونة الرسم اليتوحدان في نطفة الإنفعال بماهو العامل الأساس في تفتق اللحظة / البدء في الولادة الشعرية والتشكيلية وبالتالي فإن القاص ناصرالريماوي يكون قد عثرمن خلال إضمامته القصصية ( جاليريا) على المدارة التي تلتقي فيها الأجناس الإبداعية من قصة وشعروتشكيل وهي مدارة التقاطع التي تتوغل بعيدا في تخوم الطفولة وانكمانها في أغوار الذاكرة الريماوية يقول في الصفحة 55 : ( نفذت أصابع الطبشورالملونة قبل أن تكتمل جدارية الصيف ، البعض يومئ بحركات تدل على إعجابهم الشديد بمهارتي في الرسم أمام والدي بينما قلة منهم تثور وتهتزفي إنزعاج مبهم لتلك الخربشات )
ولقارئ (جاليريا) أن يستشف ذلك الميثاق العلني الذي وثقه القاص ناصرالريماوي على الصفحة 7 حيث يقول : ( قصص هذه المجموعة المتواضعة هي الإنعكاس الطبيعي للمشاهدات أو اللحظات المعايشة والتي تتميز بخصوصية عالية ، من خلال مدلولات نفسية يصعب على المرء تفسيرها ببساطة لعدم تجليها بوضوح أو لارتباطها بعقلنا الباطن والتي تستوقفنا بغتة ودون اللجوء لنية البحث عنها أو الترتيب للعثور عليها ، لكنها حين تمربنا بغتة فإنها تستدعي جيوشا من الصور العالقة في الذاكرة المختزنة والذاكرة المتخيلة على حد سواء ليبدء عالم حر بالتشكل من غير ملامح واضحة ومن غير نهاية محددة سلفا ثم يأتي دور اللغة والثقافة وتراكم التجربة في تفكيك هذا العالم إلى قصص قصيرة )
إنه إذن ميثاق كل علاماته وشروطه إنتصبت من أجل إستكناه التجربة القصصية إنطلاقا من مواضعات مقدمة هي بمثابة (خارطة طريق ) لعملية التلقي .
وقد لانغالي في القول إذا ما أشرنا إلى أن ذاكرة السارد هي ذكرة بجدران مطلية بأبهى اللوحات التي تجاوزت حدود متعتها البصرية إلى مستوى نقشها على جدارالذاكرة حيث باتت ألوانها ولغتها تضج بإواليات وأدوات لتعرية الذات وانشغالاتها اليومية من جهة وتفسير ماهيات العالم من جهة ثانية ، ففي كل مكان هناك لوحة وأينما توجه القارئ ألفى أنامل الرسام ناصر الريماوي تعد كيمياءها اللونية المنصهرة بالسرد وهذه تجربة لايمكن أن تتحقق وتفرض تميزها وفرادتها إلا لقاص خبرشعاب القص وانغمرمنذ الطفولة في فلسفة اللون .
وثقودنا هذه التيمة المهيمنة على الحقل الدلالي للمتن القصصي الريماوي إلى إستغوار وظيفة الوصف .. الوصف ليس باعتباره محطة للوقوف في مسار السرد بهدف إلتقاط الأنفاس بعد اللهاث السردي ولكن باعتباره إمتدادا بنيويا في معمار القص حيث تلتئم وظيفة الوصف مع الرغبة الكمينة في التشكيل وبالتالي وتأسيسا على الميثاق السابق (الصفحة 7 ) يخلق السارد لغته الخاصة التي تمتح من معين واحد هو معين الفن ، فن التشكيل وفن القص والبحث عن مسافة التوافق بينهما والتي تتجلى في رقعة الصورة وبلاغتها السردية باعتبارها آلية من الآليات الجمالية المتحكمة في الإنتاج القصصي حيث تستقي حدودها العامة من مجالات الحسية والتخييل يقول السارد في قصة (جاليريا) الصفحة 117 : (كان نصف الوجه يتكئ على راحة اليد أسفل الذقن بينما تناثرت خصلات كستنائية اللون حول شلال من الشعرالمرسل تدفق من خلال حزمة واحدة إنبثقت للتو على الجانب الأيمن للنافذة .)
تتجذر الصورة هنا عميقا في تيمة التشكيل .. فالصورة في هذا المقطع تصف وتستثيرتراكيبها جملة من التصورات الذهنية وبالتالي فهي تمنح نفسها بكل يسرللمتلقي … إنها تحاكي نفس الصورة التي وثقها على ظهرالغلاف الذي يحمل من بين دلالاتها إشارة مائزة تتساوق ونص (جاليريا) بمعنى آخرأن لوحة الغلاف هي بالأساس قطعة من صور النص السردي يتغيا الإمتاع التشكيلي بعيدا عن ضروب الصور التجريدية التي دأبت على ركوب سروجها جل الإصدارات العربية في الموضة الأخيرة .
وفي رأينا المتواضع أن إنتقاء عنوان الإضمامة (جاليريا) لهو بمثابة بطاقة تعريف الإبداعية الحقيقية للقاص ناصر فالح الريماوي ، فالأبعاد السيكولوجية لاتخون المتلقي في إستجلاء إفتتان الكاتب بفن التشكيل (كنت أخضع لتأثيراللوحة الحانية من جديد ) بل إنه يتجاوزحدود وتقاليد البرتوكولات وتقاليد المشاهدة بدافع الهوس التشكيلي إذ ( غافل الحضور بالتطاول فوق الشريط الفسفوري الذي يرتكزعلى مساند فضية على إمتداد الصالة ) لكن لكل سارد رقيبه ولسارد (جاليريا) أيضا رقيب يتقفى حركات إنبهاريحول بينه وبين اللحظة الذروة وهي لحظة التوحد باللوحة وبالتالي نعتقد أن هذه اللحظة / التوترتشكل دائما تلك البرهة الأسطورية التي لايمكن أن تنبثق لتبقى أجمل وأشق المسافات بين جمالية الصورة ومفاصلها وبمعنى آخرإن عطش اللقيا هو ما يحقق إبداعية التشكيل وتواترالسرد في أعمال ناصر فالح الريماوي .
ومما يميز هذا الأثرالقصصي الجديد (جاليريا) وتوظيفه لطرائق السرد وفضلا عن جنس القصة في المجموعة على ظهر الغلاف فقد إرتاد القاص ناصر الريماوي أجناس قصصية أخرى مثل القصة القصيرة جدا والقصة الومضة بل هناك في هذه الإضمامة من القصص ما يمكن إعتبارها مشاريع سردية بنفس روائي ونحيل القارئ بهذا الصدد إلى قصة (منزل الأقنان) ص 201 الذي أعتبرمن العلامات الناتئة في المتن القصصي ككل … إنه نص يوثق لسيرة الشاعرالعراقي بدرشاكر السياب وكريمته غيداء اللذان شكلا الشخصية المحورية بالإضافة إلى أسماء أخرى وازنة كنازك الملائكة ومهدي الجواهري وبلند الحيدري وأكرم الوتري ومحيي الدين إسماعيل وخالد بصمت الشواف …
وإذا كانت قصة (جاليريا) قد إنشغلت بوظيفة الوصف فإن (منزل الأقنان) قد رام دينامية سردية متواترة وراهن على مجموعة من الأنساق الزمنية ضمن سياق مكاني له دلالته التاريخية على مستوى الخارطة العربية إنه العراق الجريح بهمومه اليومية الممهورة بالدم والعنف والإحتلال في زمن السؤال : أين توارى دورالمثقف العراقي في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة …؟ وإذا كان الشيء بالشيء يذكرفإن تبئير شخصية السياب في ( منزل الأقنان) قد رام وظيفة التناص المباشر.. تناص سلس ومطواع أسهم كثيرا في الإرتقاء ب (منزل الأقنان) إلى ذروة الإنغمارفي هموم السياب واغترابه . والتناص هنا في هذه القصة وقصص أخرى تناص ظاهروتناص دلالي حيث توفق القاص في إدراج بعض المقاطع الشعرية من قصائد السياب وقد إقتبس منها هنوان القصة :
منازل فانزع الأبواب عنها تغد أطلالا
خوال قد تصك الريح نافذة فتشرعها إلى الصبح
تطل عليك منها عين بوم دائب النوح
وسلمها المحطم مثل برج دائر، مالا
يئن إذا أتته الريح تصعده إلى السطح
سفين تعرك الأمواج ألواحه ………………………….
……………………………………………………..
ألا يامنزل الأقنان ، سقتك الحيا سحبا
تروي قبري الظمآن
تلثمه وتنسحب
(مقتطف من قصيدة منزل الأقنان للسياب)
يقينا أن إضمامة (جاليريا) بانضمامها إلى بيلييوغرافيا القصة العربية الحديثة تكون قد قدمت إضافات نوعية بخصوصيتها الإبداعية في جنس القصة القصيرة الأردنية والعربية الورقية منها والإلكترونية ومهما حاولت هذه القراءة العاشقة وهذه المقاربة النقدية لبدائع السرد القصصي عند صديقنا القاص ناصر الريماوي فهي مهما باحت ولفت وطافت مدارات الحكي فإن (جاليريا) ستبقى ذلك المتن المائج تارة والهادئ تارة أخرى متنا طافحا بسرالإمتاع والمؤانسة وإلى (جاليريات) أخرى إنشاء الله .

مقال (3) - محجوبة أمرير تكتب عن بعض قصص مجموعة جاليريا " الطفولة المزمنة "

 .. الآلهة الصغيرة تحتاج لمزيد من الضوء كي تعلن الواح الحقيقة ..

الرابط: فضاءات عربية
قراءة  في  قصص "الطفولة المزمنة 

   وهي بعض قصص مجموعة جاليريا -

للكاتب ناصر الريماوي 

http://www.arabvoice.com/modules.php?op=modload&name=News&file=article&sid=14156&mode=thread&order=0&thold=0

بقلم : محجوبة أمرير


ناصر الريماوي عرفته من خلال قراءتي لعدد من نصوصه القصصية، وكنت أعجب كلما صادفني عملا قصصيا له، حيث أنه كاتب متمكن من أدواته، ومتجدد ولا يكرر نفسه،  كما أن نصوصه تمتاز بالعمق والمتعة، فلن تجد صعوبة في الاستمتاع من كتاباته، لدرجة الحميمية ، بل تحفزك على الشغف بها، وهذا ما يجعل كتابات ناصر الريماوي في متناول القاريء العادي والمتخصص .

طفولة مزمنة مجموعة قصصية لهذا المبدع الجاد، تتناول نصوصها عوالم خاصة بالطفولة وأزماتها الداخلية، وهذا يظهر من خلال عنوان المجموعة كمدخل للبعد الرمزي والدلالي للنصوص، حيث نكتشف من خلال الحوار الداخلي للطفل مدى معاناته لعالم باهت وغريب "عالم الكبار" إلى جانب عالمه  الذي  يعتمد على الخيال الإبداعي، بحيث نجد عالم الكبار فقد الكثير من هذا الجانب، ومن هذا الحدث تتكون أزمات داخلية نفسية، تتفاقم مع المد الشاسع لعالم خاص، وهش، غالبا ما يكون وعي الآباء به غائب تماما، مما يخلق معاناة وأزمات تؤثر على الطفولة، وتتسبّب في انكساراتها  الداخلية .

 المجموعة تسير في خط واحد،  وهو أزمة الطفولة، بأسلوب شيق وشاق في نفس
الوقت، فهو لا يقدم عملا مباشرا، لكنك تندهش للحبكة واللغة الشعرية التي تمتاز بالإيحاءات،  مما يزيد في إغناء النص، ويحفزك لقراءة النصوص، و متابعة هذا الكاتب الجاد في سعيه للوصول إلى شخصية.. مبدعة.. متفردة !.

في هذه المجموعة يشدك الكاتب إلى طفولتك من خلال استعادة أحزانك الصغيرة القابعة هناك بصمت.. و حسرة .. وعناء، إننا فعلا لم نحاول التعبير عن صرختنا في وجه الكبار، لنقول لهم كفى! فهذه الرغبة تصبح كبيرة كلما كبرنا، فهل كان ناصر الريماوي يعبر في نصوصه عن هذه الرغبة المشتركة ؟.

 لقد قادنا لهذه الثورة الصغيرة للدفاع عن عالم مدهش. عن أحلامنا الصغيرة، والكشف عن غربتنا، حين يتعامل هذا العالم مع خيالنا بمزيد من الاستغراب، والإهمال أيضا. نختبئ خلف هذا الحلم، ونحرص أن لا يعتدي على شفافيته عالم  يتخبط  غالبا في الغربة  والجهل والمُوات، وفي نفس الوقت نتذكر كم من المعاناة عجنت وعصفت بوعينا الصغير ؟ .

هذه التجاوزات التي تقع باسم التربية، وباسم الحماية من الأذى، ثمّ التعاويذ التي كانت دائما تحتل أجسادنا، مثل شيطان الآلهة الشريرة، وتنتشر كوابيسها هناك في نومنا وصحونا، ونقاتل من أجل هذه الأخطاء التي لم نرتكبها.

فالآلهة الصغيرة البريئة تحتاج لمزيد من الضوء، كي تعلن ألواح الحقيقة، في صفحة حلم بيضاء من الشمس، ففي هذه المرحلة تكون البداية الحقيقية سواء للتألق أوللإحباط في تكوين الشخصية.

المجموعة تتناول أيضا علاقة الطفولة بالأرض والصراع الإنساني، والتشوه الذي أدمى تاريخ البشرية،  كما في "جدار من طين وعروق الدالية " و الإشكالية القائمة بين الخيال الشاسع للطفل وبين مُوات هذا الجانب عند الكبار، كما ذكرت سابقا، حيث تتفاقم غربة الطفولة، فكانت النصوص عبارة عن صرخة احتجاج، فالاحتجاج ظاهرة صحية ضد كل التعسفات التي ظلت تغلي داخلنا بركانا، دون أن نفجرها ذات عناء، كما فعل ناصر الآن، لقد فجر هذا البركان النائم في داخله وداخلنا ، إننا هنا نجرُؤ على الكلام, نبوح بما يثقل كاهلنا الطفولي, إنها صرخة رائعة لاحترام حقوق الطفولة بأن تمارس حرية الخيال، وتأخذ نصيبها من الأمان والرعاية الواعية، وأن تجد صدرا لاستعابها، وعدم الحكم على خيالنا ودهشتنا بالموت، دون الالتفات إلى هذه الجريمة ،هنا تأتي الصرخة قوية ولو على صفحة بيضاء!.

أقول خيالنا ودهشتنا، لأن هذا المبدع  نجح في أن يجعلنا ذاك الطفل، لدرجة التماهي مع شخصيته، و هذا ما قصدته بالحميمية، فأصبحنا نحس أننا ذاك الطفل، لأننا  فعلا كنا ذات يوم ذلك الطفل  .

 المجموعة  عالم مدهش  يشتغل على تعدد البنيات السردية، وتنامي الحدث الجمالي بفنية وقدرة تشهد للمبدع، ثم جانب اللغة وأبعادها السيميائية تعطينا تأويلات عديدة لقراءة النصوص، وهنا يظهر جليا، تعددا في تشكيل البنية واللعب المتداخل للزمن، مما يحمل عنصر المفاجأة والدهشة، والتنقل دون أن يؤثر ذلك في المتن وسلاسة النص، ثم الانفتاح السردي الذي يجعل القاريء جزء من اللعبة الإبداعية، ممّا يميز أسلوب هذا المبدع الحداثي، ثم الحبكة  المتقنة، كما تمتاز الصورة الفنية بلغة شعرية تنقل بعمق الومضة والكثافة التي تعتبر من أهم دعائم القصة القصيرة، كي تصل النصوص لهدفها   .

طفولة مزمنة تنثر عالما مدهشا ، وفي نفس الوقت تحمل عناء طفوليا، وهو الهدف الأساسي لموضوع المجموعة حيث نرى الطفل ….. يسرد معاناته في مونولوج داخلي، حاول ناصر الريماوي من خلال هذه الأداة، أن يدخلنا إلى عالم ساحر ومزمن, عالم لطفولة مدهشة، وأطياف تشبه أطياف السحرة والعفاريت، لكن السحرة هم الكبار، بكل ما يحملون من  خوف وجهل يثقل كاهل الطفولة، ويحوّل عالم الدهشة والحلم إلى عالم كله كوابيس، مليء بالرعب والتمائم والسوداوية   كما في قصة " قطار المساء" .
 
وحين أقول عالما مدهشا، فإنني أتحدث هنا عن الجانب الموازي للمعاناة، والذي
يكتشفه الطفل النائم بداخلنا، حين نقرأ هذه النصوص، ويعبر عنه الكاتب بشكل
يبعث على دهشة أخرى لمستوى النص .

 ناصر الريماوي يدخلنا إلى عالم بهذه الكثافة الفنية ، والواقعية ، والإثنان لا ينفصلان ، بل يقدمان صورة فنية عميقة، حتى نصل إلى الهدف المعرفي للنص،  وكذلك الرموز التي يتخذها كهاجس نحو الارتقاء إلى معنى هذه الطفولة بكل أزماتها   .     

وإذا استعرضنا في عجالة هذه النصوص، نجد القصة الأولى :


1 "جدار من طين"

هنا رائحة الماء والطين، تلك الرائحة التي تحمل معاني كثيرة لكل واحد منا، هذه العلاقة الأبدية التي لا ينهيها سوى المثول الأبدي بين ذرات التراب، هنا في هذا النص يحضر كل هذا الحنين بجمل سلسة شاعرية , هنا الأرض والبيوت الطينية والمقبرة وريهام البعيدة القريبة من الروح، ثم النافذة  الرمز الوحيد الذي يربط البطل بريهام، وما عسى أن تمنح هذه النافذة للحلم، إنها تشبه الكوة التي تعينك على تحمل الحزن والألم في انتظار شيء مّا،
 
أنا عني لم أصحُ إلا على ليل يقف وراء ستارة النافذة الصغيرة، كان والدي يشير إلى خيط غير موصول من خلال النافذة لكنه مضاء وسط  المساحة البعيدة المظلمة،
 ثم يهمس في أذني: من تلك الطريق ستأتي ” ريهام ” ذات يوم

ريهام الوجع والانتظار والحلم لكنها عودة بلا محاولة ليظل الإنتظار هو الإنتظار !!

سألت والدي ذات ليلة، هل نحن بعيدون جداً عن ” ريهام”… ؟ ظل صامتا

الصمت هو دائما التعبير عن الحسرة فالأرض والعودة ستظلان الأمل المضيء وسط
المساحة البعيدة المظلمة، إنه الحلم والضوء الذي لا ينطفيء، هنا يحضر وعي الطفولة بالأرض ومعنى الأمل في حق العودة الذي ستتوارثه الأجيال القادمة، فهي من سيصنع تاريخا جديدا للأرض ؟؟

ثمّ نجد اللعب بالزمن كبطل يفرض وجوده في قصة تتداخل فيها الرموز بشكل يجعل القاريء يعيد قراءة النص أكثر من مرة، خصوصا هذه الخيبة التي أصابت كبرياء الطفل، وتدفقت وراءها مزاريب من الحزن والألم وكسر الأمل، خصوصا أن الأب غادر معلنا انه لا أمل هناك في الأفق. كما يقول الطفل معللا على خيبته " كيف لطفل أن يميز بين الطين وجدار قديم للمقبرة" الطين هو الطين سواء في بيت قديم أو في جدار قديم للمقبرة، فالجدار في النص هو ذاك الشيء الذي يبتلع الأشياء الجميلة، ولهذا ظلّ الجدار كرمز غامض للموت !! فالموت أيضا شيء غامض، وسيظل جدارا غامضا حتى بالنسبة للكبار ،إنه السؤال الذي يحمل الحقيقة الكبرى ورغم ذلك ظل الكبار كذلك أمامه صغارا.  فالطفل حين شاهد الجدار عند الجدول غاب الأب ولم يعد ؟

النهاية جددت شعوري بالعلاقة التي تربطنا بهذا الوجود، الأرض هي البيت هي القبر والحلم أيضا لايوجد فرق ؟ هذا حزن آخر استفزته داخلي هذه القصة، وربما هو جانب كوني في وعي الكاتب، جاء عن قصد فعلاقتنا بالوجود من الطفولة إلى اللحد، جاءت في هذا النص متراكمة بملامح شتى  تجدد هذه العلاقة الأبدية  !  لذلك رائحة الأرض تنتشر بعبقها والأمل في العودة واسترجاع ريهام يكبر في تلك المساحة البعيدة المظلمة التي يضيئها حلم عودتها .
 
2 "عروق الدالية"

      أحسست وأنا أقرأ هذا النص بالتماهي مع أحاسيس هذا الطفل، وكل هذه العلاقة وهذا الإنتزاع القاسي من المكان! رائحته تفوح بقوة داخل الذاكرة ، وهذا الرحيل عنه ألم يؤسس مأساته في ثقوب الزمن الآتي الذي يؤشر له البطل الصغير، وهي نتيجة طبيعية تزرع مزيدا من الأسئلة لماذا نفقد ملامحنا العميقة ؟ البيت والأرض والناس الذين نحبهم ؟ هنا ينجلي الصراع الإنساني في وعي الطفل من أجل البقاء من أجل البيت (الأرض )رغم الغموض الذي تترجمه أسئلته البريئة.

 لكن كل الأمكنة لا تشبهه، وهذا أكيد فكلها تساوي غربة فائقة وتضيق..! ولارا الأنثى، إنها حلمٌ وأرضٌ وقسوةٌ أخرى تسكن الأعماق وهنا يعبر الطفل بحرقة كبيرة  .

أخذت أدور حول نفسي، في كل إتجاه،   أين  ذهبتْ؟ وكيف اختفت؟ وحده أبي يعرف، وحده من يستطيع فعل ذلك… لكن لماذا؟ فأنا لم أرتكب ذنباً يستحق هذا العقاب! أحسست برأسي يتدلى على صدري، كان مفزعاً، لم تكن أمي قريبة، فأخذت أصرخ بصوت عالٍ وأنادي على  ” لارا” ولما لم يجبني احد … عاودني الإختناق، فبكيتُ بحرقة.

هنا  يطرح  ما يريد إيصاله للقارئ بفنية ولغة جميلة ، رغم أن النهاية دائما مزمنة كهذا الواقع الذي يحتلنا، وهذه القصة فيها حزن كبير لعلاقة ( الطفولة )الإنسان بالأرض، والصراع من أجلها،  ثم الذكريات وحميمية العلاقات التي تضيع في هذا الخضم من الصراع.

القصة تبدأ بألم طفولي لضياع الأرض حين يصحو الطفل على فضاء آخر كئيب , البيت لم يعد هو البيت، لقد ضاق أكثر بجدار أسدل غمامة قاتمة على صدر الطفل ، وحزن الطفولة كبر أكثروتبقى لارا الرمز للأرض والبيت.؟

يقول الطفل:

بكيت بحرقة، حين أطبقت على صدري تلك الدهشة الممزوجة بألم خفي ، كان ذلك في الصباح التالي، فقد ولجت الباب الخارجي للبيت بنزق كعادتي… فلم أجد المصطبة ولا علب الصفيح المملوءة بالرمل الاحمر ونبات “المدّاد” المتسلقة من حولها، لم تكن الأرجوحة أيضاً، ولا ظل الدالية، نظرت حولي في دهشة… بحثت عن ممرنا الوحيد المرصوف ببلاط  أبيض والذي يقودني دوماً لبيت  ” لارا “… فلم أجده،  الفسحة الباقية، كانت ضيقة وفارغة، محاطة بسور مرتفع قليلا، ومرصوفة بالكامل … لكن بلون مستهجن، لم أعرف له إسماً،

 هنا ينقل لنا ناصر الألم الكبير الذي يعانيه الطفل الفلسطيني الذي فقد أشياءه الجميلة، والجدار كرمز فلسطيني حاضر بقوة في هذا النص ..! فبهذه الحميمية للأرض والبيت والناس يكون الألم عظيما . ثم نسافر معه في دورة الألم والحزن، كأنها قطعة من جسده بُترت للتو،  والسؤال يطعن أوصال البراءة، لِمَ نفقد أشياءنا الجميلة؟ .

النص فعلا حملنا لنلامس تلك المنطقة الخاصة للبراءة، والألم حين يبتر سكينتها بمزيد من القلق، ويشوه حلمها بهمجيته !!

بعد الظهيرة لم تعد ” لارا ” لبناء قلعتها، كانت المكعبات لا تكفي … وعدتها بالمزيد حتى نصل بها إلى القمر ذات يوم … لم تذكرني بوعودي السابقة… لكنها قفزت لدراجتها الهوائية، أشارت لي فقررنا المضي حتى ولجنا عتبة المساء بالتناوب.

وهنا يأتي المساء كرمز للزمن السلبي الذي يشهد على غربة الحلم وعنصر الغياب  الذي يشير لهذا الحزن ولكلّ هذا البتر الداخلي،  والتداخل بين الظهيرة الزمن الحالي والمساء الزمن الماضي  دون ان نلمس أي خلل في السرد ؟؟ 
 
الغياب حاضر بشكل فيه معاناة إنسانية عميقة في هذا النص، حيث يعري الحزن
الإنساني، والألم الذي سحق البشرية على مر التاريخ البشري .

قال والدي… ثم نظر إلي وقال هيا… نصل عند الفجر… أدركتُ نية مبيته بالذهاب لمكان ما ثم العودة، رجوته ان أظل مستيقظا حتى الوصول، فوافق… أحطتُ ما حولي بنظرة عادية قلت لـ” لارا ” أن تنتظر عودتي عند الصباح … لنكمل قلعتنا… لوحتْ لي بيدها… كستها ظلال موسمية

هنا نجد الرحيل أشد قسوة ، وكنهاية محزنة في هذه القصة، ثم الغياب والحضور الطاغي للارا داخل أعماق الطفل، فالرحيل القصري وجع حاول ناصر أن يصوره بأدوات جميلة ومتمكنة، و حلم الإنسان بالعودة لأرضه يظل "لارا" القمر المضيء في عتمة المنفى ؟؟

3" قطار المساء"


النص يحمل الكثير من الملامح الطفولية في سياق تجريدي يدفعنا لقراءة النص بحذر، حتى نتواصل مع الفكرة ومدلولاتها التي يصوغها لنا الكاتب بسلاسة، القصة تغوص في أعماق الطفل، وتمتح خلاصة المعاناة ، حتى تعطينا صورة ومدلولا لأزمة غاية في التعقيد! الشخوص الخارجية كالأب والأخ ساهمت في تسليط الضوء على معاناة الطفل الداخلية. ثم هذا البون الشاسع الذي يفصل عنصر التواصل بين الطفل ومن حوله ويعبر عن عدم فهم حاجة الطفل والتعامل معها بجهل وأمية عالية, لذلك كان اللجوء للخرافة واحدا من هذه الطرق التي تنمّ عن هذا الجهل، وعدم الفهم السيكولوجي للطفل وحاجته للأمان، مما يزيد من معاناته، يقول الطفل:  :/ ثم لا يأتي الصباح هكذا أنتظر بلا طائل!! الصباح هذا التوق للأمان ، والذي يمثله الأب الغائب دائما عن البيت.. فتصبح الأمنية أكثر إلحاحا " لو أنه يحملني إلى حيث يغيب عني شهورا ؟) فالأب الصدر الغائب والأمان الذي لا غنى عنه، ثم الحالات المفتعلة للطفل كي يكون الأب دائم الحضور، فلا شيء يجعله كذلك سوى ما يحصل للطفل, النص تشكيل سريالي،   ولوحة استمتعنا بالحركات الفنية التي شكلتها ريشة الكاتب عليها، فكل الرموز أعطت وظيفتها في رسم أبعاد هذه المعاناة ، فالأخ الذي غادر الحياة وترك أزمة في نفسية الطفل،  ومحطة القطار، والطيور، والعمى رموز أعطت مدلولها وجاءت كي توضح الجانب الأكثر عمقا لهذه المعاناة، لكن بشكل تجريدي وصورة مكثفة تجعل النص بين أيدينا نصا مميزا  .

ناصر جعلنا نقف بذاكرتنا إلى الوراء ونستعيد هذا الجانب الغامض من الطفولة، فهو يملك ذاكرة خصبة لمرحلة الطفولة بكل غموضها  وعنائها .

4 "جدار مائل"

في هذا النص، كما علّق الكاتب  الجزائري المبدع الشاب طارق لحمادي،  في تعليقه حول هذا النص، بأن هناك "سريالية ".وذلك من خلال الرمز لمجموعة النمل التي اتخذها الكاتب لإبراز الأزمة الداخلية للطفل لغياب صديقته رهف، ثم تداخل الواقع بالحلم، لكن ما غاب عنه أنها  في نفس الوقت تفاصيل لواقع موجود بكل معاناته، إنها الطفولة بكل ملامحها المنطقية والشاذة، فالخيال الطفولي خيال خصب، حتى في حالات الخوف أو الحزن التي تصيب الأطفال، ربما في حالة الخوف تجد قمة الغرابة فهي سريالية واقعية، لما يعانيه الطفل من شذوذ بين الواقع المرّ والحلم الجميل، خصوصا حين يصطدم بغياب شخص عزيز، فيعيش حالة من الحلم، وينزوي بعالمه الداخلي المدهش، فحين تتراكم هذه الملامح يتناسل خيال الطفل المليء بالشذوذ، بالإبداع، و الدهشة .

أجمل ما شدني لهذا النص، هو اللقطة التي يحسن ناصر التقاطها بعمق تصلك رغم استعمال الرموز، في تقديم أجمل وأدق المعطيات في تكوين هذه الأزمة، لكائن عاجز وخائف من الابتعاد عن البيت مرتع الأمان، والذهاب لأول مرة إلى المدرسة، وقد شكل لدينا الدخول المدرسي جميعا كابوسا حقيقيا!!  فكنا نعتبر أنفسنا  تحت رحمة الآخرين (الكبار) .

5 " زقاق معتم "


في هذا النص يلتقط علاقة الطفولة بالطبيعة والدهشة الجميلة التي تترجم الإحتفال برموز الطبيعة، وفي الجانب الآخر هناك الهلع الذي يزرعه الكبار في وعي الصغار،  مما يفاقم من حجم الخوف . لقد ذكرني هذا النص، بالأيام الأولى لموسم المطر، التي كنا نعيشها بفرح، حيث كنّا نخرج لطلب المطر من السماء. الكبار يقولون أن الله يستجيب لدعاء الصغار الأبرياء ! كنا نضع مغرفة خشبية أسمها (تاغنجا) باللغة الأمازيغية، ونضع عليها نبات الريحان، ثمّ نضعها في عصا ويحملها أحدنا ثمّ نردد( تغنجا يا تغنجا يارْبي تْجيبْ الشْتا ) هنا شعرت بحميمية كبيرة لذكريات مشتركة استعدناها مع ناصر، بالرغم من اختلاف العادات والبعد الجغرافي ، فلقد وفق الكاتب في إيصال هذه الإحساسات الطفولية لنا، بلغة تحمل صورا جميلة، وهذا الرعب الطفولي من صوت الرعد ووميض البرق والشغب أيضا ، كانت فوبيا من نوع خاص، صورها في هذه القصة بمنتهى الإتقان، كنا نلوذ بالكبار من هدير الرعد ووميض البرق ،  كي نستمد منهم الأمان،  لكننا لا نجني  سوى المزيد من الرعب، إننا نرى هنا في هذه المجموعة جوانب متعدد من الدهشة والرعب لهذا الكائن العجيب، الذي يسمى طفلا بريئا ، أنا أحيانا أفكر أن الطفولة الإنسانية هي من أوجد الأساطير  .

وأخيرا كل من يتابع كتابات ناصر القصصية يخرج بانطباع. أن هذا القاص الشاب يحمل الكثير من الموهبة ،ويملك أدوات تقنية وفنية، وقدرات إبداعية تجعله في مصاف المبدعين الجادين والمتميزين،  و مجموعة طفولة مزمنة من خلال نصوصها شاهد على هذه الموهبة ،فهي  تقدم لنا إبداعا  متميزا يغوص في عالم خاص وحساس جدا، وهي عمل جميل لموضوع واحد، وهذا ما يعطي للمجموعة ميزتها، خصوصا أن القاص ناصر الريماوي يتميز بأدواته التعبيرية وإبداعه الجاد 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .

محجوبة أمرير / المغرب

مقال (2) - قراءة نقدية للناقد المصري سمير الفيل لإحدى قصص المجموعة "هيرات الغوص" من (جاليريا)

لمحة نقدية عن حلم عصري في أقانيم قديمة!
( قراءة نقدية لقصة ناصر الريماوي" بانتظار الشاعرة ـ هيرات الغوص " )

 

 

رؤية نقدية: سمير الفيل

هذا السرد الكثيف ، بتفصيلاته الممعنة في الدقة ، والمشغولة برهافة شعرية ، لا تخلو من إطناب وتنويعات على النغمة الأصلية المائزة ، وبتلك الكيفية الطازجة في رؤاها ، أقرب إلى الحس الروائي ، ففي النص تمكن واضح ، وصحة لغة ، وخيال خصب. وهي عناصر تشي بإمكانيات فنية ناضجة وواعية بالشرط السردي ، ومفاتيحه نحو الإجادة والنفاذية.

أعتقد انها رحلة نحو البحر الحلم ، واللؤلؤ المستكن ، والحسناء المبهجة. امتلأ النص بالمصطلحات ؛ فالعمل يحوي جزء معرفيا ، وفيه انطلاق للتماس مع عوالم الغوص في الخليج لاقتناص اللؤلؤ . أما السرد نفسه فيحوي محاولة فيها اصرار للغوص في حياة واقع قد انحسر واصبح قطعة من التاريخ العتيق . ثمة محاولة من الكاتب ليمتعنا فنيا وجماليا و تشكيليا بالانعكاسات الفريدة لهذا المحار الذي تحول مع الزمن إلى شيء ثمين لا يقدر بمال.

تبدأ الرحلة ـ وكأنها معراج عصري ـ من أمام طاولة ممددة تحت سقف " المقهى التراثي " ، وتنتهي بمقابلة " الدانة " ابنة النوخذة. إنها أشبه ما تكون بالجارية التي تفتن كل من رآها فتسحره بالكلام والإيماءة . لكن مسار النص نفسه يحوي مساحة للدهشة والأسطرة فقد بدا البطل مخطوفا ومأسورا ضمن " حدوتة " عربية لها نشغ سحري متاصل ، حيث يساق البطل لأماكن لا يعرفها ، وهو يحاول التخلص من مأزقه بلا جدوى . إنه متورط بمعرفته وهم مأخوذون لماضيهم ولن يلتقي الطرفان إلا بصعوبة بالغة .

منطقة وسطى . منطقة متأرجحة في نواياها ومختلطة في ملامحها بين الواقع والخيال خاصة أن القرن العشرين يبقى علامة على زمن حاضر هو زمن البطل فيما تكون الوقائع كلها منتشلة من زمن ماضي ، هو زمن الغوص من أجل اللؤلؤ ، وقد حاول القاص أن يربط بين زمنين: زمن الوقائع اليومية لعناصر الغوص بكل تراثها الخبيء وبين عصر قائم في الراهن يعتمد على رقاع مليئة بمعلومات ، لا أكثر . يجمع بينهما البطل في ترحاله وخيالاته. والبنت التي اختطفت قلبه تنتمي لهذا الماضي البعيد ، وهو يرقب الرحلة من مبتداها حتى منتهاها.

مثل هذا النسق من الكتابة يحتاج إلى كم معلوماتي هائل كما يحتاج في نفس اللحظة إلى تدفق تخييلي ليصبح التضافر طيعا ، وطبيعيا.

هناك موازة في الأحداث بين قافلة البر والإبحار في الخور وثمة غلالات تحيط بالمشاهد خاصة فيما يخص الهودج ـ وهو يلتصق في ذاكرتنا بما يحمله من نسوة حرائرـ ولكن يبدو أن البطل قد دخل طرفا في الرحلة فقد اقتيد إلى غرفة غامضة في سماتها اقتيادا قسريا مع أنه يحمل " الرقاعة" ، وهذا لم يعفه من أن يكون محل شك كبير ، و تساؤل مستمر .

يتسمع البطل أهزوجة تفيض بعذوبة الصوت الجميل ، ويجد نفسه في إحدى " البراجيل " في انتظار عودة النوخذة . يتبع الخادم في الطريق إلى البلدة حيث تحيط بالأخوار ، والكل في انتظار يوم " القفال" وعودة مراكب الصيد محملة بالخير.

فيما يبدو فالبطل من زمن مغاير ، يدل على ذلك استغرابهم من شكل ملابسه ومن تصرفاته. إنه قادم من زمن متقدم فيما الزمن الفني للنص يدخلنا لزمن مختلف عرف أمجاد الغوص وأهازيج " النهام " والرزق يفيض فيملأ الجيوب بالمال ، والقلوب المسرة.

رقعة موقعة بأزمنة لاحقة. نفس الجدل القائم بين الأزمنة في صراعها الدائم لامتلاك الحقيقة ، والحصول على الجواهر والممتلكات : اللؤلؤ والنساء الحسان والمسك والعنبر.

زمن آفل ومراكب الصيد تتأخر في العودة ، والنسوة بلثماتهن ، والمحامل نفسها لم تصل من مومباسا ، لكان الظروف كلها تجتمع لاستأصال الحلم كي يتحول رمزيا إلى كابوس مميت .

لقد تحول كابوس الرحلة إلى إنهاك جسدي اقترن بتشتت ذهني ، فكان قرار الفرار. إنه المراوغة داخل الحلم . مثلما يأخذك الحلم وأنت نائم لموقف صعب فتهرب منه بالنوموانت تدرك انك تحلم . حيلة معهودة يفسدها شيء خارج الإرادة . أن يجد الحسناء " دانة " تقف بكحلها الرباني تمارس معه فكرة الإغواء ؛ فتعطل فكرة الهروب.

تتأمله ويبدأ الحوار بين شخصيتين وزمنين وتوجهين. هل يتبعها بأشواقه وأحلامه ووجوده المادي الملتصق بالأرض ام ينفلت من سطوتها وجمالها ورغبتها في ان يصبح تابعا لها ليحقق ذاته المتعبة ؟

إنه السؤال الصعب الذي يواجه كل محب في مفصل محدد للتوجه شرقا أو غربا. شمالا أو جنوبا.

لذة الحلم وفتنة الاكتشاف تسور رحلتهما معا ، وينفتح النص على سؤال معرفي وآخر وجداني ، ونتوجس خيفة أن ينهار الحلم في منعطف من منعطفات تحركهما معا.

تقوده إلى سفينة قديمة غائرة في رمال الصحارى . من بين الشقوق يرى الشاعرة ، ويدهمه النغم ، فيسري في أوردته الخدر اللذيذ . وتكون العودة إلى المقهى . مجرد هبوط اضطراري من قمة الحلم إلى أرض الواقع وخشونة الحياة .

من يمكنه أن يفلت من العناكب والشقوق والغبار وكافة القيود التي تحيطه ؟ لا يمكن أن يحدث ذلك بتلويحة عابرة أو عبر حلم قريب من الخذلان .

هل له أن يودعها بتلويحة من بعيد أم يكتفي بعذوبة الذكريات الافلة ؟ ذلك هو المسكوت عنه في النص فقد اكتفي القاص برصد الرحلة تاركا المتلقي يكيفها بالصورة التي تعجبه. أما هو فقد فر في سيارة أجرة كانت تنظره خارج النص . بعد ان وضع آخر نقطة على السطر السردي وفر هاربا دون أن يتمكن ناقد من الإمساك به وإعادته للرقعة البيضاء للنص حيث ترك بها فراغات مشغولة بأنغام السيكا والنهاوند والصبا!

ما أجمل أن يتحول السرد المعاصر إلى لحن عربي أصيل في زمن عتيق لم يعد منه غير حلمه : حلمه الذي يتعطر بقدمه ورصانته وقدرته الفائقة على الافلات من كل تحديد !

 

سميرالفيل

دمياط 23 /4/2009

……………………………..

* رابط النص :

http://arabicstory.net/index.php?p=text&tid=13461

سمير الفيل
كاتب مصري
Samir_feel@yahoo.com

مقال (1) - محجوبة امرير تقدم لإصدار المجموعة القصصية جاليريا

 

  • o/t/otman_amarir/profile/otman_amarir.jpg

    الاسم: mamass


  • صدور المجموعة القصصية الأولى جاليريا للكاتب ناصر الريماوي

    كتبهاmamass ، في 3 تشرين الأول 2009 الساعة: 19:27 م

     

    صدور المجموعة القصصية الأولى (جاليريا) للكاتب ناصر الريماوي


     

          صدرت للقاص الأردني ناصر الريماوي مجموعته الأولى جاليريا عن دار تالة للنشر والتوزيع بدمشق، وهي من القطع المتوسط وعدد صفحاتها 250 صفحة.  وتتضمن المجموعة  القصص التالية:

    طفولة مزمنة 5 نصوص
    الغرباء 3 نصوص
    من سيرة الأيام 4 نصوص
    لم أكن وحدي  (قصة)
    تداعية الربوة المعتمة 2 نصوص
    جاليريا(قصة)
    هيرات الغوص(قصة)
    ‘نهم إلينا لا يرجعون (قصة)
    صخب (قصة)
    إنكسارات صباحية تتحتوي على 12 نص
    شروط اللعبة (قصة)
    صباح ممطر (قصة)
    فانتازيا المفردات (قصة)
    نصوص هامشية
     منزل الأقنان (قصة)

             وما يوحد بين هذه القصص هو تجربة الكاتب الإنسانية و الإبداعية  و هاجس التجربة الثقافية،  فهذه  المجموعة الحافلة  بتجربته الأولى جديرة بالقراءة،  إذْ نجد هذه المجموعة  ممزوجة بعناءات تقنية وإنسانية تقودنا لاكتشاف فضاءات من الخيال بكل جمالياته، والواقع بكل جموده وحزنه فيختلط الواقع بالخيال في وحدة متكاملة أعطتنا نتاجا راقيا.

          المقدمة كانت من توقيع الكاتب ناصر الريماوي حيث يقودنا إلى أجواء هذه المجموعة، من خلال هذا التقديم، لنتخذ الإستعداد النفسي  كي نكتشف منابع هذه العصارة التي أنتجها الكاتب بملامح عميقة  وموحدة تجمع هذه النصوص حيث قال :


           قصص هذه المجموعة المتواضعة هي الانعكاس الطبيعي للمشاهدات أو للحظات المعايشة والتي تتميز بخصوصية عالية، من خلال مدلولات نفسيه يصعب على المرء تفسيرها ببساطة لعدم تجليها بوضوح أو لارتباطها بعقلنا الباطن، والتي تستوقفنا بغتة ودون اللجوء لنية البحث عنها، أو الترتيب للعثور عليها، لكنها حين تمر بنا بغتة فأنها تستدعي جيوشاً من الصور العالقة في الذاكرة المختزنة والذاكرة المتخيلة على حد سواء، ليبدأ عالم حر بالتشكل من غير ملامح واضحة ومن غير نهاية محددة سلفاً، ثم يأتي دور اللغة والثقافة وتراكم التجربة في تفكيك هذا العالم إلى قصص قصيرة."

     
          إذا نتمنى للكاتب المزيد من العطاء، والنجاح، مع العلم أن الكاتب طبع هذا الكتاب على نفقته وبجهده الخاص، وإذ نثمن هذه التجربة الجريئة للكاتب، بإصداره هذه المجموعة دون اللجوء لأي مساعدة من أي جهة، وتحمله مشقة إصدار باكورة أعماله في هذه المرحلة الحساسة من المدّ الثقافي الإليكتروني ،التي ضاعفت من غربة الكتاب، وأصبحت منافسا قويا للنشر الورقي، وأصبح القاريء يفضل التصفح على شراء كتاب، لذلك نتمنى لجهد ناصر كل النجاح، ويبقى الأمل في أن يظلّ لِلكتاب دوره الثقافي القوي، وأن لا يتحول لمجرد وسيلة لتوثيق الأعمال الأدبية وحمايتها من الضياع أو القرصنة.

     

    اصدار المجموعة القصصية الأولى (جاليريا)

    ‘جاليريا’ مجموعة قصصية تعتني بالتفاصيل الدقيقة

     

    صحيفة العرب اليوم الأردنية

    الكاتب الأردني ناصر الريماوي يصدر أول أعماله القصصية في دمشق وتحتوي على 15 عنوانا.

    دمشق ـ عن دار تالة للنشر والتوزيع بدمشق، صدرت المجموعة القصصية الأولى للكاتب الأردني ناصر الريماوي، وتحمل المجموعة عنوان "جاليريا"، وهي من القطع المتوسط وعدد صفحاتها 250 صفحة.

     

     تضمنت المجموعة 15 عنوانا، وكل عنوان اندرجت تحته مجموعة من العناوين الفرعية التي تتبع في محتواها العنوان الرئيسي.

    وتتميز قصص ناصر الريماوي بالاعتناء بالتفاصيل الدقيقة التي تشد القارئ وتلهب حماسته لمتابعة النص المتوهج بالضوء كما يبتعد الريماوي من خلال مجموعته القصصية عن الطرح المباشر وأسلوب النصح والإرشاد والإنشاء والتقرير.

    يتمتع الريماوي بموهبة متدفقة حيث يغوص من خلال قصصه في عالم خاص وحساس، وبأدوات تقنية وفنية، وقدرات إبداعية تجعله في مصاف المبدعين الجادين والمتميزين، وقد كتب عنه الكثير من الكتاب والنقاد.

    ولعل مقدمة "جاليريا" التي كتبها الريماوي تختصر الكثير، فهو يقول:

    "قصص هذه المجموعة المتواضعة هي الانعكاس الطبيعي للمشاهدات أو للحظات المعايشة والتي تتميز بخصوصية عالية، من خلال مدلولات نفسيه يصعب على المرء تفسيرها ببساطة لعدم تجليها بوضوح أو لارتباطها بعقلنا الباطن، والتي تستوقفنا بغتة ودون اللجوء لنية البحث عنها، أو الترتيب للعثور عليها، لكنها حين تمر بنا بغتة فأنها تستدعي جيوشاً من الصور العالقة في الذاكرة المختزنة والذاكرة المتخيلة على حد سواء، ليبدأ عالم حر بالتشكل من غير ملامح واضحة ومن غير نهاية محددة سلفاً، ثم يأتي دور اللغة والثقافة وتراكم التجربة في تفكيك هذا العالم إلى قصص قصيرة."

       
     
    A service provided by Al Bawaba