هناك مصادرة يجري التسليم بها دون مساءلة، كأنها من البدائه ومن تحصيل الحاصل، هي القائلة بأن حرية السوق، التي ترتقي لدى دعاتها إلى مرتبة "أم الحريات"، ستجترح لا محالة، وقد سادت وتعولمت، على الصعيد الكوني ما سبق لها أن حققته، في مبتدئها، على صعيد أوطان الغرب وأممه، أي أنها ستكون قابلة الديمقراطية وشرطها الضروري. ويفترض الرأي هذا، بل يجزم، أنه يكفي ترك حرية المبادرة تفعل فعلها "يدا خفيّة" في المجال الاقتصادي، حتى تنجرّ عنها سائر الحريات الأخرى، من سياسية وسواها.
كل ذلك صحيح وليس محل خلاف جدّي. المشكلة ليست هنا؛ بل في النظرة الليبرالية المغالية التي أضحت سائدة، سيادة مطلقة تقريبا، والتي تضع السوق في مواجهة الدولة، وتفترض بينهما علاقة تنافٍ متبادل، أو عداء مستحكم، بحيث لا يمكن، وفق تلك النظرة، للدولة إلا أن تكون، لنزوعٍ فيها طبيعي ملازم، معرقلة للسوق حادّة من حريتها، ولا يمكن للسوق، بالمقابل وبالتالي، إلا أن تكون في حالة صدام مع الدولة، فلا تزدهر إلا بانحسارها.
مما يدعو إلى السخرية أن أحد الأسباب التي وصلنا إليها ضمن أزمة الرهن العقاري هو أن واشنطن قد أمضت عقود السنوات القليلة الماضية في انتقاد وتغريم المقرضين بسبب عدم قيامهم بإقراض أرباب المنازل من ذوي الدخل المتدني الذين لديهم سجلات ائتمان رديئة، وهي ممارسة سميت باسم "ريد لايننغ" (أي امتناع البنوك عن إقراض طبقة معينة من العملاء). أما في الوقت الحالي، فيخطط مرشحا الرئاسة الديمقراطيان هيلاري كلينتون وباراك أوباما إلى حلول ستعمل على تفاقم الأمور ليصبح الوضع اكثر سوءاً إلى درجة كبيرة.
يخلق
إعلان استقلال كوسوفو عن صربيا مشاكل خطيرة على جبهات متعددة. إن قرار واشنطن
والبلدان الرئيسية في المجموعة الأوروبية تشجيع انفصال كوسوفو سوف يسجَّل كأحد
الأخطاء الفادحة في السياسة الخارجية. فإعلان برشتينا الاستقلال من جانب واحد،
يسجل سابقة مقلقة في نظام دولي مليء بالحركات الإقليمية الانفصالية العديدة.
بلدانٌ كبيرة مثل روسيا والهند والصين تشعر بالقلق بسبب أقلياتها الإثنية
والسياسية المتململة والتي يمكن أن تسعى إلى تقليد كوسوفو.
بينما
ينظر كل من الإسرائيليين والفلسطينيين إلى واشنطن باعتبارها مركزا بالنسبة لأي حل
للنزاع بينهما، فقد بقي الاتحاد الأوروبي مهمشا في هذه العملية. فالاتحاد الأوروبي
يُعتبر المانح الأكبر للمساعدات بالنسبة للسلطة الفلسطينية والشريك التجاري الأكثر
أهمية بالنسبة لإسرائيل. ومع ذلك، فقد اخفق في ترجمة ذلك النفوذ الاقتصادي إلى
تأثير دبلوماسي.فجأةً، وبعد فترة من الطريق المسدودة، يشهد
الشرق الأوسط موجة من المحاولات تهدف إلى تنشيط الجهود من أجل إيجاد حل للنزاع
الفلسطيني الإسرائيلي الذي طال أمده.
الرئيس بوش، ونائب الرئيس ديك تشيني، ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس قد تجولوا في المنطقة على أمل إعادة إحياء عملية السلام. هذا الجهد الأخير لم يؤدّ إلى أكثر من مجرد استعراض للنوايا الطيبة وفرصة لالتقاط الصور. التسوية النهائية بين الإسرائيليين والفلسطينين على ما يبدو تثبت بأنها هدف صعب المنال. وفي الحقيقة، فإن الكثيرين يعتقدون بأن انعدام القيادة الفعالة في الطرفين هو الذي يؤدي إلى الجمود الحالي. ولكن قد تكون هنالك أسباب ديموغرافية أخرى نادراً ما يتم التطرق إليها.