على النقيض لما تقوم الدعاية السياسية الأمريكية بتوجيه جمهور الناس كي يتم تصديقها، فقد أبدت الشخصيات التي أسست أمريكا—أي الآباء المؤسسون—شكوكهم وقلقهم تجاه الديمقراطية. فقد كانوا على وعي وإلمام بالشرور التي تصاحب الطغيان والذي هو في هذه الحالة "طغيان الأغلبية."
ما هي المؤسسات؟ هل عي عبارة عن أبنية من حجر؟
إن المؤسسات السياسية والاقتصادية هي عناصر رئيسية في أية منظومة مؤسسية فاعلة، وهي تحدد جميعها تكلفة التعامل. إن التاريخ الاقتصادي، كما جادل عالم الاقتصاد دوغلاس نورث، هو إلى حد كبير قصة الاقتصادات التي فشلت في إخراج مجموعة من القوانين الاقتصادية للعبة التي تحفز النمو الاقتصادي المستدام. والمسألة الجوهرية لتاريخ الاقتصاد والتطور الاقتصادي هي تعليل تطور المؤسسات السياسية والاقتصادية التي تخلق بيئة اقتصادية تحدث إنتاجية متزايدة.
يستلزم السوق وجود حماية لحقوق الملكية عبر الوقت، ولن يتطور ببساطة في الوقت الذي يستطيع فيه القادة السياسيون مصادرة الممتلكات اعتباطياً، أو تغيير قيمتها جذرياً. إن ترسيخ التزام ذي مصداقية لحماية حقوق الملكية على مر الزمن يقتضي إما حاكماً يمارس الليونة وتقييد استخدام القوة التعسفية، أو تقييد سلطات الحاكم لمنع المصادرة الاعتباطية للممتلكات.
تتخذ القرارات في اقتصاد السوق بشكل مستقل من قبل المشاركين—إن كانوا مستهلكين، أو مالكي موارد، أو منتجين أو أصحاب مبادرات—على أساس ما يعتقده الأفراد كأفضل الخيارات المتوفرة لديهم. إن السوق عبارة عن مؤسسة تنسيقية هائلة، والمشكلة بمجملها هي كيفية الانسجام مع الندرة أو الشحة على نحو ممتاز. وعلى نحو مماثل، فالمشكلة الاقتصادية-الاجتماعية هي كيفية الانسجام مع لامركزية المعرفة التي لا مناص منها.
من الواضح أن التخطيط البيروقراطي يعمل على عرقلة مستمرة للحياة الهادئة التي قد يتم التمتع بها من قبل الذين يتابعون أنماطاً معينة لسلوك السوق. وإن ما هو أكثر جدية هو حقيقة أن السيطرة الحكومية على الأسعار والكميات ونوعيات إنتاج المخرجات وتوظيف المدخلات، قد تقوم—عن غير قصد—بمنع أو حجز الأنشطة التي لم تكن قد خطرت ببال أحد. وبينما يمكن أن تكون هذه الأنشطة الممنوعة أو المعطلة أنشطة نافعة من الناحية التجارية، فإن احتمالية اكتشافها تكون حينها قد اضمحلت بالكامل نتيجة لأهواء وأفعال البيروقراطيين.
إن "اليد الخفية" للسوق الحرة هي خفية حتى على أعلم العلماء المختصين والمنظمين الحكوميين أنفسهم. فلنبتعد عن الأوهام: بأن البيروقراطيين "يعلمون ما يفعلون".
إن التجربة النظرية والعملية لمنافع معونة البطالة—حتى في البلدان المتقدمة—غير واعدة، ولها أثر تشويهي على الاقتصاد حيث أنه تشجع الناس للتوجه نحو الحصول على وقت فراغ أكبر وعمل أقل.
بدأت بعض الدول العربية في التفكير لتبني برنامج المعونة ضد البطالة في وزارت العمل أو مؤسسات الضمان الاجتماعي. قبل أي شيء، على مشاريع السياسة العامة الهادفة إلى تخفيف الضغوط الحالية والحصول على نتائج أفضل أن تعالج التيبسات الهيكلية في سوق العمل، بما في ذلك دور الدولة المتعاظم كناظم لكل من أصحاب العمل وسوق العمل. ينبغي خلق الحوافز لتشجع الناس على العمل في القطاع الخاص بدلاً من الاعتماد على خطط المعونات.
قبل الاستعجال في اتخاذ القرارات، نحن بحاجة إلى إعادة النظر في مقترحات التأمين ضد البطالة.
في كتابه الهام، "لغز رأس المال"، يشير العالم الاقتصادي هيرناندو دي سوتو إلى بروز اقتصاديات ما قبل الرأسمالية ذات التوجهات الرأسمالية في شتى أنحاء العالم. في مصر، يملك الفقراء 92% من جميع البنايات و88% من جميع المشاريع وكل ذلك خارج إطار القانون، مشكّلة ما مقداره 248 مليار دولار، وما يوازي 55 ضعفاً لكل الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر منذ خروج نابليون، وهذا يشمل قناة السويس وسد أسوان، إضافة إلى 70 ضعفاً لكل المساعدات الثنائية التي تحصل عليها مصر!
حقوق الملكية أكثر صلابةً من إلقاء الدروس في "الوطنية" و"مصلحة الأمة".المُلكية الخاصة تقوم على عقد اجتماعي متجذر في التبادلية بين مصلحة فرد لآخر، وليس بين أمة وأخرى، أو بين الفقراء والسياسيين! لنتعلم من قول دي سوتو لمفكري الغرب يوماً ما: "إن أغلبية الموارد لا تأتي من عندكم... لا شك أنكم طيبون ونحن نقدّر ونتقبل ما تقدمونه لنا كدول نامية، إلا أنه نقطة في دلو، مقارنة بما نملك في الواقع".
على الرياديين العرب تفعيل مبادرات تجارية من الداخل من أجل كسر المثلث الحديدي من "المنتفعين، والسياسيين، والبيروقراطيين".
أثبتت دراسات السياسة النقدية أن الحفاظ على معدلات تضخم منخفضة ضروري للمحافظة على النمو المستدام. إن استخدام سياسة نقدية ناشطة كثيراً ما يؤدي إلى أخطاء ينجم عنها تقلبات في دورات الاعمال أشمل من تلك الممكن حدوثها في حال عدم استجابة البنك المركزي ببساطة للصدمات الخارجية الاقتصادية.
يتوجب على صناع القرار في البنك المركزي الأردني العودة إلى مسلّمات السياسة النقدية: عليهم أن يهتموا أولاً باستقرار الأسعار في المدى الطويل بدلاً من الاهتمام بالاستقرار الاقتصادي في المدى القصير. يبدو أنهم غضوا الطرف عن ارتفاع التضخم في الأردن إلى أمور أخرى. عذراً، أن يكون البنك المركزي مستقلاً عن السلطة التنفيذية لا يعني البتة أن يكون معصوماً عن الخطأ!
فجوة الثراء بين البلدان ذات الأنظمة الاقتصادية المنغلقة والبلدان ذات التجارة الحرة تستمر بالنمو. في الدول التي فتحت أنظمتها الاقتصادية للتجارة والاستثمار، نمت الطبقات المتوسطة مما قلل التباين في الدخل بدلاً من ازدياده.
حتى وإن كان الشخص الذي يجلس أمامي أفضل مني في كل شيء، فإن كلاً منا سيستفيد من التجارة إذا ما تخصص هو في العمل الذي يجيده وتخصصت أنا في العمل الذي أجيده.
شكل الهولنديون أول جمهورية أوروبية، كانت تستوعب كافة الأديان (في الوقت الذي كانت فيه باقي أوروبا تميز بقسوة ضد الكثيرين) وفيها الآن حقوق راسخة للمُلكيات الخاصة. أكبر مزايا المشاريع الخاصة هي أنها تنزع المركزية عن صنع القرارات وتتجنب الاستمرار في ارتكاب الأخطاء.
ولذلك عندما تواجه الشركات صغيرة الحجم الاختبارات المالية فإنها تتوسع. ولو أخفقت فإن الخسارة التي يتكبدها المجتمع تكون أقل بكثير من خسارة المشاريع الكبيرة التي تشرف عليها الحكومة والتي لا يُسمح لها غالباً بأن تمنى بالفشل.
تشترك هونغ كونغ، وسنغافورة، وتايوان وألمانيا الغربية من الناحية التاريخية مع تاريخ أمستردام. لاحظوا هنا أن الدين لم يكن العامل المشترك وراء الازدهار؛ إذ وفرت الحكومة مظلة قانون ونظام في كل من هذه الأماكن، وفرضت ضرائب منخفضة نسبياً ومنحت الشعب حصة من الذي كان يحققه مجتمع الأعمال، وبذلك تم جذب المهاجرين وأصحاب المشاريع الفردية من مختلف أنحاء العالم.
أيّد الفلاسفة السياسيون الأوائل، مثل جون ستيوارت ميل، والاقتصاديون الأسطوريون، مثل آدم سميث، طريقة منفعية للحياة السياسية والاقتصادية، بحيث أن التحسن في مصالح ومنافع الفرد الواحد يساعد كذلك الآخرين. وقد أثبتت الدراسات أن الدول ذات حرية اقتصادية أكبر تنتج أفراداً أكثر ثروة، إلا أنه يبدو أن تأثير الحرية الاقتصادية على مستوى دخل الفرد يفوق ذلك للحرية الدينية والحريات الاجتماعية والسياسية الأخرى.
هل هذا يقلل من أهمية الحريات الأخرى بحيث ندع الحكومات العربية تسرح وتمرح بيد من حديد وفي نفس الوقت تترك الحرية الاقتصادية لتسيّر أمور الناس؟ بالطبع لا... فبازدياد الحرية الاقتصادية يصبح الناس أكثر اهتماماً بحرياتهم الأخرى: السياسية والمدنية والاجتماعية، فتلعب السببية هنا على مر السنين كعامل ضغط على الحكومات لتصحيح وتحسين شتى المجالات، سياسياً واجتماعياً. مع الأسف، نقول، السببية قلما تعمل بالعكس (الحريات السياسية والمدنية والاجتماعية لخلق الحرية الاقتصادية)، فذلك يأخذ وقتاً أكبر بكثير (وهنا نعني عقوداً إن لم يكن قروناً).