إن ما يطمح إليه الليبراليون الكلاسيكيون هو ليس حكومة ضعيفة، بل حكومة فعالة، وقانونية وشرعية ومحدودة، أي حكومة تستطيع تنفيذ مهام معينة بشكل فعال وكفوء، ولكن عليها أن تكون محددة بهذه المهام فقط. ما هو ضروري حقاً أن تكون هذه الحكومة حكومة قانون، أكثر من أن تكون حكومة قوة أو عنف.
إن معظم الحكومات حول العالم تقوم بكلتا الوظيفتين معاً: أكثر من المطلوب و أقل منه. فهي تقوم بأكثر مما هو مطلوب عندما تنفذ مهاماً لا يجب تنفيذها على الإطلاق، مثل فرض الاحتكارات والقيود على التجارة الحرة، أو تنفيذها لمهام يمكن أو يجب تنفيذها بمساعدة منظمات المجتمع المدني، سواء أكانت تزويد خدمات الهاتف أو إدارة مراكز العناية بالأطفال، كما تقوم بما هو أقل من المطلوب عندما تفشل بتعريف الحقوق في استخدام المصادر النادرة، وعندما تفشل بتزويد خدمة الدفاع عن الحياة والحرية والملكية.
ما هي المؤسسات؟ هل عي عبارة عن أبنية من حجر؟
إن المؤسسات السياسية والاقتصادية هي عناصر رئيسية في أية منظومة مؤسسية فاعلة، وهي تحدد جميعها تكلفة التعامل. إن التاريخ الاقتصادي، كما جادل عالم الاقتصاد دوغلاس نورث، هو إلى حد كبير قصة الاقتصادات التي فشلت في إخراج مجموعة من القوانين الاقتصادية للعبة التي تحفز النمو الاقتصادي المستدام. والمسألة الجوهرية لتاريخ الاقتصاد والتطور الاقتصادي هي تعليل تطور المؤسسات السياسية والاقتصادية التي تخلق بيئة اقتصادية تحدث إنتاجية متزايدة.
يستلزم السوق وجود حماية لحقوق الملكية عبر الوقت، ولن يتطور ببساطة في الوقت الذي يستطيع فيه القادة السياسيون مصادرة الممتلكات اعتباطياً، أو تغيير قيمتها جذرياً. إن ترسيخ التزام ذي مصداقية لحماية حقوق الملكية على مر الزمن يقتضي إما حاكماً يمارس الليونة وتقييد استخدام القوة التعسفية، أو تقييد سلطات الحاكم لمنع المصادرة الاعتباطية للممتلكات.