مدونة محمود الريماوي

كيوي، يازور وأوفوكاتو( قصة قصيرة)

كيوي ، يازور وأوفوكاتو محمود الريماوي وقعت عيني على الفاكهة ذات اللون الأخضرالداكن، على حبات الكيوي والأفوكوتا في ركن سوق الخضار الشعبي، فجذبتني اليها ووجدتني أهتف بصورة عفوية وبصوت ليس منخفضاً: هذه بضاعة اسرائيلية. قلت ما قلت بنبرة أسف حرصتُ أن تبدو ودية،  نبرة من يتطوع لتوجيه نُصح خالص لشخص يهُمه أمره. يستهويني هذين الصنفين من الفاكهة فقد سبق أن تذوقتهما قبل أن أعرف مصدرهما، ولم أقل ما قلته كشرطي ضبط بضاعة مسروقة، ولا كمفتش تموين اكتشف بضاعة  فاسدة.كان البائع دون العشرين من عمره: بديناً حليق شعرالرأس، بفانيلة بنية نصف كُم تحمل رسماً باللون الكحلي لم أتبينه وبنطلون جينز حائلي الألوان، يقف ببوط رياضي قماشي قديم كان لونه أبيض، بسحنة من تم زجه في هذا العمل على كُره منه. أما جناح البيع لديه فهو من أصغر الأجنحة في سوق العبدلي في عمان، الذي يفتح أبوابه صباح كل جمعة وهو يوم العطلة الأسبوعية. وفي حين توقع البائع أن أسأله عن الأسعار، أن أدخل معه في مساومات مألوفة ربما تدرب عليها جيداً، كما تدرب عليها المشترون وأنا أحدهم، فقد فوجىء بملاحظتي.. ومع سماعه للملاحظة غير المتوقعة، انتابه وجوم وبدا وقد فقد فجأة خبرته المستحدثة في التجارة، وعاد تاعساً كسيفاً لم يكمل تعليمه المدرسي، وظهر قليل الحيلة في أمورالدنيا، وبدا وقد أشاح ببصره عني اتقاء للنظر المتبادل في العينين، مثل ابن يقف أمام أبيه المحافظ وقد اكتشفه هذا وهو يرتكب موبقات. ولا أذهب بعيداً  في التشبيه فهو بالفعل في عمر أصغر أبنائي، دون أن أكون على تلك الدرجة من المحافظة. قلت لنفسي وأنا أنقل من يد الى يد أخرى كيساً بلاستيكياً أسود وثقيلاً، اشتريت محتوياته من بائع آخر في السوق.. قلت إني أرغب بهذه الفاكهة لكن مصدرها يجعلها في فمي سيئة المذاق. وأخبرته أنه ليس الخطًاء الوحيد. ليس البائع الوحيد الذي يبيع مثل هذه البضاعة. لم يكن هناك أحد سواي من الزبائن أمام ركنه، ما شجعني أن أتباسط معه بعض التبسط، دون التسبب بإحراجه أمام خلق الله. حتى أني سألته على عجل عن بلدته الأولى، فأجاب إنها يازور* وأوضح لي أنه لم يرها أبداً حتى الآن. لست أباً للشاب اللاجىء الذي تفصح سحنته عن هويته، ولم أكن أنوي التدخل من قريب أو بعيد في خصوصياته. لم يقدم لي من جهته أي عرض للشراء، فقد انكمش على نفسه،  بينما داهمتني مجدداً حالة تشاؤم خرجت بها من مزاج شراء خضار وبقوليات وفواكه وأعشاب ودخلت في مزاج مختلف، إذ عدت لتفكيري المعهود في دولة جارة حانقة أشد الحنق على شعب آخر، لأن الشعب صاحب الأرض التي أقيمت عليها الدولة عام 1948، لم ينتحر بعد ولم يعتذرعن وجوده، إكراماً لبناة الدولة الأوروبيين وهؤلاء وفدوا بأسلحتهم من وراء البحار. جرى ذلك صبيحة يوم جمعة في شهر أيار عام  2009 ، وهو الشهر الذي يحتفلون فيه على مبعدة نحو مائة كيلومتر من المكان الذي كنا فيه، بإقامة دولتهم على أرض فلسطين. كنتُ قصدتُ سوق الخضار لا للشراء فحسب، بل للتمتع بالهواء الطلق.. بأشعة الشمس الدافئة. خرجتُ لقليل من التريض بالمشي في السوق غير الفسيح، وكي أضع حداً لحديثي الدائم مع نفسي، ولاستطلاع الشوارع الهادئة غير المزدحمة بالمركبات في يوم العطلة، ورؤية الناس المهمومين المنفردين في "أكوانهم" وبعض هؤلاء من ميسوري الحال والسخرية في نفسي من هؤلاء، ولتبادل ما تيسر من أحاديث مع الباعة، ولو كان هؤلاء يبرمجون أحاديثهم لغايات اجتذاب الزبون للشراء فقط، وكذلك لرؤية أصناف الخضار والفواكه من شتى الحجوم والأشكال والألوان، التي تسرني رؤيتها واعتبرها من أفضل الأطايب. وباستثناء اكتشافي أن البضاعة اسرائيلية وهو اكتشاف لا فضل ولا أسبقية لي فيه، فهذه الفاكهة لا تزرع في الأردن ومصدرها معروف للقاصي والداني، وباستثناء إبداء رفضي لها، فلم أتبادل حديثاً مستفيضاً مع البائع  الممتلىء الوجه، وقد وهبه الفقر ويا للمفارقة البدانة لا النحول، والذي يبدو كمن انتقل منذ عهد قريب من ملعب كرة قدم في حي شعبي أو مخيم للاجئين إلى هذه المهنة، والذي لم ينجح في تجارته، ولم يفلح في العثور على سبيل للتمسك بكبريائه أمام من شردوا أجداده وأبويه، وها هو يبيع منتجاتهم ويتعيًش من فتات تجارتهم. وحين تأهبت لمغادرة ركنه فقد فاجأني إذ استدركني واستوقفني قائلاً باستسلام وتلقائية لكن بشيء من الحشرجة: إن الجزر أيضاً إسرائيلي. وشرح لي بنبرة العارف الواثق، أن الجزر الذي يباع في أكياس شبكية من النايلون القريب لونه للون الجزر، زنة خمسة أو ستة كيلوغرام، مصدره اسرائيلي وانه يباع للتجار بسعر أقل من ذاك الذي يباع من مصدر محلي. قال ما قاله وهو يشير الى كومة جزر ليس بعيداً عن كوم الأفوكاتا والكيوي على البسطة الخشبية. شكرته على الملاحظة المفيدة، ولم أشتر شيئاً فلست في وارد الشراء من منتجات الأرض المسروقة. في مرة سابقة قبل أشهر على هذه المرة، سمعت ذات مساء دفاعاً محموماً على طريقة الشُطار من بائع محترف، يبيع  منتجات من المصدر نفسه في السوق المركزي وسط البلد، ومفاد دفاعه أن منشأ بضاعته كما قال فلسطين المحتلة، وعندما أنكرت على البائع تلاعبه بالوقائع، أشاح بيده نحوي بشيء من الازدراء، إمارة عن استغنائه عن زبون لم يأت للشراء بل للمناكفة. لعلع ليس أب البائع اليافع الذي لم أسأله عن أبيه، وما كانت بي حاجة ولا كان لائقاً أن أسأله، ولا سألته عن اسمه فلا يقدم ولا يؤخر في الأمر معرفة اسمه أو الجهل به. وكان قد ابتسم بخجل المراهقين المفعمين بروح مثالية، وهو مُطرق برأسه الكبيرة الحليقة الى الأرض الاسفلتية. لقد بدا على شيء من الانشراح المكتوم لهذه النتيجة، حتى أنه جعلني أشعر بامتنانه نحوي لامتناعي عن شراء بضاعتهم التي يُضطر لبيعها .في طريق الإياب ولم تكن طويلة، وفي غمرة حذري أن أخطىء نتيجة انفعالات داخلية في توجيهي لقيادة السيارة،  فقد فكرت طويلاً كيف أن لصوصاً نقلوا العراك معهم إلى خلف الحدود.. إلى أسواق الخضار في قلب عواصمنا، وكيف أن السجال بات يدور بيننا وبيننا حول أنجع السبل للتعامل مع منتجاتهم، وليس بيننا وبينهم حول الأرض المقدسة. وقد رغبت لو يشاركني آخرون هذا التفاكر، وأن يسعوا إذا أمكننهم ذلك لاستذكار صورة بائع يافع اقتلع من جذوره بأيسر مما يُقتلع  الجزر.. وبات يبيع منتجاتهم المزروعة في أرض أجداده التي استولوا عليها. ·        يازور: قرية عُرفت ببساتينها، دمرتها مع 45 قرية أخرى ميليشيات صهيونية العام  1948  ، تقع  قرب يافا.  

الرافعي: شخص يُمسك بذراعه كلما حاول أن يكتب

الرافعي: شخص يمسك بذراعه كلما حاول أن يكتب.. محمود الريماوي في غمرة الحديث المتواتر عن أزمة يعيشها فن القصة القصيرة في العالم العربي، بما يحد من الثقة بمستقبل هذا الفن، ويلقي ظلالاً على  المنجز القصصي، فإن اكتشاف منجز كاتب على درجة عالية من الموهبة هو المغربي أنيس الرافعي، من شأنه أن يزلزل بعضاً من تلك القناعات الرائجة على الأقل، لجهة الجدارة  والتميز ،باستثناء تلك المتعلقة ب"جماهيرية" هذا اللون التعبيري وغيره من الفنون. فمنجز الرافعي على ما يصنفه هو، نخبوي. لا يرمي وهذا ما لا يجهر به لاجتذاب قارىء عابر، ولا يمحض المتلقي فرصة إزجاء الوقت بالتمتع بتسلية فورية، مفعمة بتشويق الحكايات المثيرة.دأب "النخبوي" الرافعي (37 عاماً) على كتابة قصصه في مقاهٍ شعبية في الدار البيضاء، ويقيم وهو المدرس في إحدى الثانويات في حي السراغنة، غير الموصوف بأنه حي للبورجوازية أو حتى للصغيرة منها . أما موضوعاته: أشخاصاً وحوادث وشواغل، فتتعذر نسبتها الى شريحة اجتماعية نخبوية كما الى شريحة دنيا، ذلك أن هذه الموضوعات  وما يكتنفها من الرؤى عابرة للطبقات. يتكرر موضوع قصصي  عند الرافعي عن شخصين يحلمان الحلم ذاته في مكانين متباعدين، ينجو أحدهما لأنه استيقظ من النوم أو لأن الآخر سبقه في الوصول الى الكارثة خلال الحلم نفسه. وهو نموذج لشواغل هذا الكاتب"الذي يعتنق عقيدة القصة القصيرة " رغم "أن شخصا يمسك بذراعه كلما حاول أن يكتب". النخبوية هنا ودونما حاجة للتقيد بتصنيفات الكاتب لصنيعه، تومىء الى الهوس الايجابي بالتجريب والنزوع الفائق الى لتجويد،وصرف النظر عن تطلبات القارىء وعاداته الأثيرة في الاستقبال  حتى لو كان ربما قارئاً مثقفا، والانشغال بكتابة قصة خالصة تنفذ الى جوهر القص بأقل قدر من الكلمات والتفاصيل، وبالاستغناء عن كل تأثيث من وصف للمكان أو تحديد له ولظاهر البطل وباطنه، لمصلحة الانهماك في تصوير نقطة أزمة، أو تتبع المرئيات وخلع معانٍ ورسم ظلال عليها، والرصد الدائم للعلاقة بل للتبادل والتشابك بين ما هو متخيل وما هو واقعي.في واقع الأمر أن منجزالرافعي وهو من كتاب الألفية الثالثة، يضيف الى منجز سابق اجترحه السوري زكريا تامر،  ثم العراقي محمد خضيرفي خمسينات وستينات القرن الماضي  وإرث مجلة غاليري 68  في مصر ومبادرات القصة القصيرة جداً ، ومجمل بالموجة الأولى للحداثة القصصية العربية. الطموح المشروع والنبيل للكاتب بالذهاب بعيداً في مضمار الحداثة، يخالف معتقدات نقدية سارية ( يعتنق مثلها كاتب هذه السطور) مفادها أن هجرة معاكسة قد تمت على أيدي قاصين عرب كثر، نحو الواقعية وإن بمحمولات جديدة وخاصة على صعيد الشكل والبناء الذي بات يتجه الى البساطة، وذلك بتأثير كتابات قصصية أميركية لاتينية ( وشمالية أحياناً) ويابانية وبتأثيرات غير مباشرة لتقنيات الميديا: فن التقريروتسمية الأماكن والأشخاص ومخاطبة متلقٍ على مرمى النظر يكاد يعلن عن وجوده.بعيداً عن ذلك، يراهن الرافعي على خيار الحداثة ولا يحيد عنه ،بقصة تبدأ من مفردات الواقع العياني لتنتهي في فضاء من التجريد ، وذلك في كتبه القصصية الثلاثة: "علبة الباندورا"، "ثقل الفراشة فوق سطح الجرس" و"اعتقال غابة في زجاجة" ، وقد ظهرت الكتب تباعاً خلال الأعوام الخمسة الماضية  في الرباط. خلافاً للواقعيين ممن يعيدون صوغ الواقع بقدر يقل أو يزيد من الإزاحة ، فإن  الرافعي يذهب الى رفع الحدود بين الواقعي والمتخيل، ولدرجة يمتثل فيها الواقع لإرادة السارد الذي يقوم بالتخييل، فيغدو ما هو متخيل واقعاً برسم السرد، لكن دون الوقوع في أوهام وردية أو مرضية .فالسارد يخبر المتلقي أنه بصدد التخيل ويدعوه لمشاركته اللعبة، ويفاجئه في النهاية باللبس والاختلاط بين ما يدور في المخيلة وما يجري في واقع الحال.هذه اللعبة ليست مجرد تمارين وإن كان الكاتب يجهر بغرضه في إجراء تمارين، لكنها في محمولها العميق تؤشر الى أن المخيلة حاجة وجودية وضرورة خلاقة، لتجاوز الالتصاق بالواقع والخضوع له، والسعي الى تقليبه على أوجهه الكثيرة  وتقشير"طبقاته" وتقصي ممكناته.هي بذلك تظهير للنازع الغلاب الى التحرر، وكسر صنمية الواقع لدرجة التشكيك والطعن بواقعيته، وذلك لفرط جموده وهشاشته معاً، ولمدى ما يستشعره الكائن البشري من غربة فيه.وبما أن القصص مهما بلغت جدارتها لا تلبث أن تغدو جزء من الواقع ما أن تنجز، فإن السارد يستدرك مسبقاً ولا يتورع عن التدخل، بكسر الايهام الفني وتذكير قارئه بأنه إنما يقرأ قصة، فيشير مثلاُ الى "تطور غير موضوعي" في مجرى الأحداث، أو تطور "مخالف لمقتضيات الحبكة" وإلى "بطلة القصة"  بدلاً من فلانة. في مواضع أخرى وإمعاناً في كسر الايهام،  فإن كتابة القصة تتخلق أمام عيون القارىء كما في قصة الساق من مجموعة "اعتقال الغابة". الفقرة الثانية هي تكرار للفقرة الأولى مع إضافة بضع كلمات . ثم تتكرر هذه الفقرة في الفقرة اللاحقة بإضافة مزيد من الكلمات ، الى أن تكتمل القصة بفقرة أخيرة . وكان يمكن حذف التكرار ، غير ان الكاتب رغب في تقريب عملية الخلق عنده الى القارىء، كي يكتشف حدود اللعبة  كما حدود الواقع نفسه الذي تتناوله القصة . وذلك على طرية الطهاة  الذين يقومون بتحضير الوجبة أمام أنظار الزبون. يبرع الرافعي في اجتراح كتابة تخرج  بتقصد عن سكتها ، لتتأمل ذاتها وتحاور قارئها عند الاقتضاء، لكن بضبط صارم لا تزيد فيه، ودون انزلاق الى تأمل "مجاني" يفيض عن البنية الدرامية وعن مأثرة القاص في الإيجاز المحكم. وإذ يتنقل القارىء من قصة الى أخرى ومن كتاب الى آخر ، فإنه للمفارقة لا يقبض على موضوعات أو على مادة قصصية صلبة، ترسخ في الذهن والنفس،  أو حتى على تجسدات وتمثلات للأشخاص. ذلك أن طموح الكاتب يقع في مكان آخر : تحقيق التبادلية بين الواقع والمتخيل، بناء افتراضات ومقترحات تنشط ملكات القارىء، وتحمله على رؤية ما وراء الواقع وما تحت سطحه والتحرر من سطوته الحسية . تحريك السواكن من أثاث منزلي أو تمثال في حديقة أو جدار في الشارع،  والانتقال من ذلك الى النقمة على محدودية الواقع وهشاشته، بتسييل صلابته المزعومة وتصيير الكتل البشرية والطبيعية إلى غبار وبخار، وخلال ذلك تمجيد اللعب: الحق في رؤية الوقائع بما فيها وقائع الولادة والموت كلعبة: صائد السمك الضجران لا ينجح الا في التقاط كيس أسود ثقيل يضم رأسه المقطوعة، الحبيبة تهدي حبيبها ساقها الاصطناعية عربون حب فيبادلها بجز ساقه، والوفاء لحق الكائن في اللعب: أخذ الأمور باهتمام وإدراك لكن  بخفة، بدحض تماسكها المزعوم واتساقها الشكلي.إذ ينجح الرافعي في تقنياته هذه ،عبر موهبة استثنائية وسيطرة تامة على  بنية النص القصصي،مع وعي نظري متقدم تعكسه استهلالات الكتب، فإنه حت وطاة الحماس يمعن في التصنيف والتجنيس لما يكتب، ويتخذ من ذات نفسه قارئاً ومعقباً وناقداً ليس في داخل النص ضمن لعبة محسوبة وهذا ما يُحسب له ، لكن في التقديم والتذليل ووضع حشد من الملاحظات التي تشوش القارىءوتثقل عليه. في مواضع أخرى داخل النص يكثر من النعوت ويجنح لمبالغات لفظية : نافذة مفتوحة من الوريد الى لوريد ، ابتسامة طاعنة في الامتنان،كرسيها الهزاز الذي لا يكف عن العزلة. يبدو ما سبق كتورم لغوي، يفيض عن مقاصد النصوص المقتضبة، الماكرة حيث يتركز صنيع الكاتب في محو الحدود بين الواقعي والمتخيل ثم تحقيق التبادلية بينهما، فما حاجته بعد هذا اللعب المتقن الى استعراض لفظي أو مبالغات تعبيرية..حتى لو كان ربما قارئا القراءة .ة .اتب لصنيعه، تدل على الهوس الايجابي بالتجريب والنزوع الفائق الى التجويد بصرف النظر عن تطلبات النخبوية سك بذراعه كلما حاول ا حاول ان يكتب"القصة القصيرةخصين يحلمان الحلم ذاته في مكانين متباعدين.  

ليس مسلسلاً مدبلجاً

ليس مُسلسلاً مدبلجاً محمود الريماوي التلاقي السوري التركي يمثل لا شك تطورا استراتيجياً بين البلدين الجارين، حيث اتسمت العاقات بينهما على مدى العقود الماضية بالجفاء والتوتر، إلى ان صعد حزب العدالة والتنمية الى سدة السلطة في بلاد الاناضول، باكتساح سياسي ديمقراطي لا مثيل له ، تم معه إحالى أحزب "تاريخية" الى الأرشيف.دمشق بين دول قليلة أدركت مدى عمق التغيير في أنقرة، فالهوى الغربي الأطلسي معطوفاً على تلاقٍ استرتيجي مع تل ابيب،  في سبيله الى التفكك التدريجي لكن المؤكد، فتركيا الجديدة ذات نازعين  متكاملين: مع أوروبا كعمق وفضاء اقتصادي بأوسع معاني العبارة مع ما لذلك من أبعاد سياسية وثقافية، ومع العالم العربي والإسلامي( الآسيوي) كامتداد جغرافي سياسي وحضاري، وأسواق مفتوحة ومصادر طاقة. استفادت أنقرة من الاضطراب والإخفاق في السياسية الاميركية في ولايتي بوش ، لتعزز انفكاكها عن الدائرة الأميركية دون الأطلسية ، وحتى هذا الإطار الأخير تعاملت معه أنقرة على طريقتها، فلم ترسل قواتاً الى افغانستان، ورفضت الالتزام بأية سيناريوهات أميركية في العراق،على أساس القناعة بأن العراق بلد جار لتركيا التي تعرف أوضاعه وكيفية التعامل معه، أفضل من واشنطن.في هذه الأثناء ، أي في السنوات الثلاثة الماضية وطدت دول خليجية وغير خليجية علاقاتها بأنقرة ، لكن هذه الدول لم تذهب إلى حد إقامة  علاقة عميقة وذات أفق استراتيجي. وبدلاً من الاستجابة لدواعي التقارب الوثيق، طغت الهواجس من الجار الإيراني وخاصة بعد بروز مسألة "الملف النووي". فيما تقدمت دمشق لمقاربة أخرى: الاستقواء بإيران والتكامل مع تركيا، جنباً الى جنب، مع مركزي التشدد والاعتدال معاً، مع المركز ين " الشيعي والسني" على السواء، دون أن يترتب على ذلك أي تغيير في مقاربات دمشق للوضع الإقليمي، ولا للبنية الداخلية للحكم لمماشاة التقارب مع أنقرة  مثلاً ذات النهج الديمقراطي على الطريقة الغربية( والكونية). وفي هذا الوقت فإن انقرة تتمسك برغبتها للانضمام الى الاتحاد الأوروبي مع تمسك دول مثل فرنسا وألمانيا برفض هذا الانضمام او تبطيء مراحله الى أقصى حد بحيث يصبح مكنا بعد مائة عام من الآن، لكنها بزيادة تقاربها مع دمشق تكرس خيارها الثاني بالعودة الى مواضع "الدولة العثمانية".. وقد  كان لافتاً ان التقارب مع دمشق ارتبط بتقارب مع أرمينيا، وقيل إن لدمشق دورا في هذا التقريب، الذي وضع حداً لعداء دام نحو قرن من الزمان  وبما يضفي الذيول السلبية لامبراطورية العثمانيين، ويستعيد في الوقت ذاته الحظوة التي كانت تتمتع بها تلك الامبراطورية في دول المنطقة. ولئن كانت أنقرة قد تقربت من بغداد وتعمل على تكامل مع هذا البلد الذي ما زال منهكاً، فإن الخلاف على موضوع معالجة المسألة الكردية والرؤية التركية لكركوك الغنية بالنفط، يجعل هذا التكامل يفتقد الى تفاهم مكين بأبعاد سياسية واستراتيجية، خلافاً لما جرى مع دمشق فلا خلاف حول المسألة الكردية، فيما "توظف" دمشق أنقرة للتهدئة مع الغرب، وصولاً الى التقدم لإجراء مناورات عسكرية مشتركة ، وإلغاء انقرة لمناورات كانت دائمة وروتينية مع تل ابيب، وهو تطور بالغ الأهمية ، وليس مسلسل تركي تلفزيوني مدبلج باللهجة السورية. فلم يتخيل أحد من قبل أن تنشأ علاقات دفاعية على هذا المستوى، بين بلدين جارين ظلا متباعدين لعقود بل ويتربصان ببعضهما. وهو ما يفسر الحملات الصهيونية المحمومة على أنقرة، واستغلال مسلسل تلفزيوني تركي يصور مشهداً لتنكيل اسرائيلي بطفلة فلسطينية ، كذريعة لشن حملات رسمية وإعلامية على أنقرة، فيما الحنق يدور على تحولات في القرار السياسي التركي، مع نجاح المستوى السياسي الحاكم في أنقرة في تحييد المؤسسة العسكرية.ومن حسن الطالع أن الاشتراكيين قد عادوا للحكم في أثينا، بما يوفر فرصة أقل لتل أبيب في استخدام علاقة خاصة مع أثينا للضغط على أنقرة .عليه فإن إعادة التموضع التركية السابقة على التطور الاخير مع دمشق والتي لقيت دفعة جديدة مع هذا التطور، تؤذن وينبغي لها أن تؤذن ببدء حرمان الكيان الصهيوني من العلاقة الخاصة والحارة مع البلد المسلم، وخاصة إذا اتسع مدى التقارب بين  دول عربية أخرى مثل مصر والمملكة العربية السعودية مع أنقرة.يبقى استخلاص يستحق الجهر به، وهو أنه إذا كانت دمشق برعت في صياغة هذا التحالف الجديد الذي ينعكس على حياة الشعبين ويحترم الشؤون والخيارات الداخلية للبلدين، فلماذا لا تتكرر هذه التجربة داخل العمق العربي، ولماذا التمسك بالرؤى الوحدوية التقليدية التي يعرف الجميع مضمونها الفعلي ومردودها الملموس على الشعوب، والإفادة من هذه السابقة لبناء تكامل متعدد الحلقات مع أقطار عربية، بتوسيع وتعميق كل ما هو غير سياسي في العلاقات، وصولاً لتكامل سياسي في نهاية المطاف. والمبادرة مطلوبة بالطبع من سائر الدول العربية في المشرق، لا من سوريا فحسب، فلا يعقل أن تتوطد علاقات الأطراف العربية مع أطراف غير عربية، فيما الوضع العربي والعلاقات البينية على ما يعرف الجميع من فتور وما هو أسوأ منه.                                  

مدينة يحار فيها أهلها وزائروها

مدينة يحارُ فيها أهلها وزائروها   محمود الريماوي                                                          يكاد زائرو عمان من العرب يجمعون  على  وصفها بأنها مدينة نظيفة . ولطالما طرب ساكنوها وأهلها  لهذا الوصف، دون أن يأخذوا في الحسبان، أن الوصف يراد به التأشير الى انخفاض مستوى النظافة في مدن وعواصم  عربية، بأكثر مما يتجه الى تقرير واقعة قائمة . حسناً إن عمان في المتوسط العام لمستوى الحياة في مناطقها وأحيائها، بما في ذلك شرقها وحنوبها، على درجة من النظافة . لكن هذه الميزة لا تكفي للحكم على مدينة. علاوة على أن  تحقق هذه الميزة  لا يعتبر إنجازاً بحد ذاته.. فمن طبيعة الأمور ومنطق الأشياء أن تكون المدينة نظيفة وإلا لانتفى شرط أولي للتمدن، مثل أن يؤدي الموظف عمله بغير منة ، ويقود السائق مركبته متبعاً قواعد السير والسلامة العامة.  في الغالب يبدي الزائرون هذه الملاحظة ، لأن ليس لديهم الكثير ليقولونه حول مدينة  ينغلق سرها عليهم.  فيعمد بعضهم للثناء على الخدمات الحديثة المتطورة في الفنادق والمطاعم ووسائل الاتصال المتاحة والمنابر الإعلامية. ويعتذرون عن إبداء ملاحظات أخرى لمعرفتهم المحدودة بجوانب الحياة في المدينة. لكن بعضهم يساررك بأن نسبة المساحات الخضراء محدودة، وكان يتعين الانتباه لهذه المسألة كون المدينة لا يشقها نهر ولا تقع على بحر، وكذلك محدودية الفضاءات فيها. وهناك من يبلغك أن العواصم لا تتميز بخدمات حديثة فحسب، بل بما يتوافر لديها دون غيرها من المدن والعواصم من إبداع أهلها أو من خيرات الطبيعة ،ويميزها  في النتيجة عن سواها ويترك أثراً عميقاً لدى الزائرين .. ومع افتراض أن هؤلاء مدعوون من هيئات حكومية وأهلية، فإن الزائرين الوافدين على هواهم بغير دعوات، يلتقون معهم على أنهم يحلون في الغالب الأعم خارج وسط المدينة، على طرف من الأطراف في غرب المدينة .وفي النتيجة فإنهم يأخذون بطرف من المدينة.. يأخذون بطرف اللسان بعضاً من حلاوتها .لكن سرها يبقى بعيدا عن مداركهم ومتناول حواسهم. هو الكامن في قلب المركز كما في عواصم عربية وغربية بلا عدد، يتعرف المرء عليها ابتداء من مركزها القديم والتاريخي. أهل عمان وساكنوها لا يقلون حيرة عن زائريها ،في تحديد صورة للعاصمة.ففي غضون ثلاثة عقود نشات مدينة مضافة في الشمال والغرب. مدينة مقطوعة الآصرة، مع تلك المدينة التي نشأت على مدى سبعة عقود على اكتاف وسط البلد. لا يفهم الشاب اليافع  الذي ربما أنشأ أسرة خاصة به وولد في إحدى مناطق شمال أو غرب المدينة، معنى أن عمان مدينة الجبال السبعة ، فهو لا يصادف جبالاً في غدوه ورواحه.الهوية الأولى للمدين تغيم في انظار أجيال جديدة، وأجيال أخرى من كبار السن ممن عاشوا في الخليج او في الغرب وعادوا الى عمان في ربع القرن الأخير . وبات من الوقائع المقررة والامثولات المتداولة أن لا أحد ينتمي الى عمان، حتى لو كان أحد أجداده مولوداً فيها، ولو كانت إقامة السلالة متصلة فيها  بغير انقطاع. فالأهلون يحملون قراهم في ضمائرهم وفي مخيالهم وعلى ظهورهم. فعمان دار إقامة ورزق، وموطن مدارس وجامعات ومشافٍ  وأسواق ومشاغل وورش و"شمات هوا" لكنها ليست مدينة أهلها، وقد اختار أهلها لها ولهم هذا الأمر، ولم يختره لهم أحد . وفيما كانت عمان تواكب بيروت  والقاهرة ودمشق في خمسينات  وستينات القرن الماضي في الأخذ بأسباب حياة حديثة : الغناء، الموسيقى ،دور السينما ، الإذاعة، الاختلاط  الفردي والجماعي بين الناس، الأزياء للجنسين، النوادي الاجتماعية المفتوحة، فإن عمان الألفية الثالثة باتت مدينة الروابط العائلية والمناطقية المغلقة. وفيما كان حيزها السكاني قاصراً على أهلها، فقد كانت المدينة منفتحة بذاتها على ذاتها، على مكوناتها واستناداً لقيم مدينية : احترام  الآخر، احترام الشخص كفرد ، احترام النساء كبشر لا كإناث، طرح كل تعصب جانباً ، فإن وجود غير الأردنيين من مصريين وعراقيين وسوريين وأجانب في العقدين الأخيرين، لم يزدها انفتاحاً بل زاد فضاؤها الاجتماعي انغلاقاً. لقد اختار من اختار أن تتشبه عمان بعواصم خليجية لا بعواصم مشرقية او مغاربية: اقتناء السيارات، الفصل بين الجنسين، النمط الاستهلاكي، التدين الاستعراضي،النظر الى المجتمع كقبائل وعائلات، تكريس صورة أبوية للدولة خلافاً لصورة الدولة الحديثة التي يجهر بها على الدوام رأس الدولة .  لقد لاحظ باحث عراقي ( فالح عبدالجبار) ذات مرة في مقال نشرته "الحياة" اللندنية، أن ابن الريف والبادية حين كان يقصد العاصمة بغداد فقد كانت يتزيا بزي أهل المدن ويسعى للتطبع بطباعهم ما وسعه ذلك، أما في الأوضاع الحالية فبات أهل العاصمة يزهون باللباس الريفي والبدوي ولأخذ القانون بأيديهم. ضربٌ من ذلك أصاب نمط الحياة في عمان. دون أن نتعرض والحمدلله لما أصاب بلاد الرافدين من كوارث، ما أدى لبعث أنماط الحياة القديمة بعد خراب الهياكل هناك. ابن المدينة عندنا  بات يزهو بانقطاعه عن  الحياة المدينية. المكونات الاجتماعية المختلفة تتبارى في الانغلاق . التواصل الاجتماعي والفردي يضمحل. النخب تتذيل للمجتمع  عوض أن تؤدي دوراً مدينياً وتنويرياً. هذه المعادلة باتت تستقر و"تتمأسس". هناك من يرى فيها آية على الاعتدال والوسطية ،مقابل التزمت المفرط في هوامش المدينة، ومقابل الانفلات الحداثي في بعض مناطق غرب المدينة.تنشأ هذه المعادلة التي يراد لها الاستقرار،على استعادة بعض أجواء الثلاثينات، قبل التعليم وانتشاروسائل الإعلام والإدارات الحديثة ،مع الأخذ  حالياً بمظاهر وتقنيات الحياة الحديثة من سيارات وحواسيب وموبايلات وأجهزة كهربائية في المنازل.على أن التوسط  يجري في واقع الأمر، بين النكوص إلى عمان العشرينات أو العودة الى عمان الخمسينات. السؤال المبثوث في الفضاء الاجتماعي وأحياناً السياسي هو : الى أي مدى "حري بنا" أن نرجع للوراء.. الى خمسين أم ثمانين عاماً، لا إلى أي مدى يجدر بنا أن نتقدم للأمام .في غمرة ذلك لا يعدو غريباً أن تتذرر المدينة، فيرى كل من يشاء فيها عمانه الخاصة. يقصد أماكن بعينها ويختلط بفئة محدودة، ليسوا بالضرورة من زملاء العمل أو الجيران ( لا حظ الكاتب سامر خير أحمد في مقال نشره قبل أسابيع، أن انقطاع أواصر الجيرة لا يشبه الحال القائم في الغرب،  فهناك قد يجهل المرء هوية جيرانه لأنه يحترم فردية كل منهم وخصوصيته، بينما يقوم هذا الانقطاع عندنا على التباعد وفقاً لاختلاف الأصول الجهوية والانتماءات الأولية، فكل في نظر بعضهم بعضاً أغراب وغرباء لا يؤمن جانبهم، فيصبح التباعد والحالة هذه  عندنا من ضروب الإقامة في الماضي والانشداد اليه، لا الإقامة في المدن) أو ينهكه البحث عن مصادر رزق لتغطية اكلاف الحياة المتزايدة ، أو يلوذ بحياة افتراضية بين أربعة جدران بالإبحار في الشبكة العنكبوتية والتحديق في الشاشة الصغيرة. يفاقم من ذلك النقص الفادح  الى حد الغياب في وسائل النقل العام ،بما يقطع المدينة الى جزر متناثرة،كما في انطباع  الشاعرادونيس عنها. جزر تملأها المركبات والسائقون المتوترون ويخيم على يومياتها الضغط والحنق، جنباً الى جانب مع الأحياء الراقية والبنايات الجميلة وبينها أبراج زجاجية أخذت تشق الفضاء،ومع أجيال شابة تجهد في البحث عن فرصتها، وتشق طريقها نحو التعليم والوظيفة ومحاولة التعرف الشاقة على هوية مجتمع مختلطة ،اختلاط التنوع والتنافر، وكذلك محاولة التعرف على المدينة نفسها التي لا تكف عن التمدد.مع معاينة هذه النقاط الملتبسة، فإن الرهان ينعقد على فضاءات مفتوحة للاتصال والتواصل مع العالم الخارجي، وتوافر بنى تحتية جيدة، وانتفاء الإكراهات السياسية، وازدهار مؤسسات ومشاريع ثقافية، وعلى إلحاح  الضغوط والظروف الاقتصادية في التقريب بين  الناس، وعلى خيار الدولة القائم على أننا جزء من العالم ولسنا مجرد ورثة للماضي.    

بلاد التنين بين عهدين

بلاد التنين بين عهدين       محمود الريماوي                                    الصين التي دأبت على تصدير خطابها الثوري منذ اندلاع ثورتها العام 1949 الى دول ومجتمعات آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وعلى مدى ثلاثة عقود، باتت ومنذ ثلاثة عقود ايضاتقوم بتصدير كل شيء تقريبا الى مختلف دول العالم، بما في ذلك اخصم التاريخي الولايات المتحدة حيث تذهب النسبة الأعلى من الصادرات الصينية الى هذا البلد( أكثر من 18 بالمئة من مجموع الصادرات) باستثناء التكنلوجيا الرقمية الأكثر تقدماً. هذه هي الصورة الجديدة لبلد المليار وثلاثمائة مليون نسمة ، الذي احتفلت قيادته مطلع اكتوبر الجاري بالعيد الستين للثورة.ومع ذلك فإن الصين ليست سنغافورة أو تايلند، وليست مجرد نمر في قطيع نمور صغيرة.وليست بالتأكيد نمراً من ورق. فهذا البلد النووي يمتلك اكبر جيش في العالم من حيث العدد. ولا يقتصر الأمر على الكم، ولو كان الامر كذلك لما وضع تقرير استخباري أميركي ظهر العام الجاري، الصين على رأس التحديات الاستراتيجية تليها روسيا وكوريا الشمالية وايران. وزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس حذر مما اعتبره "تطوير الصين لقدراتها في مجالات الحرب الالكترونية والرؤوس المضادة للأقمار الاصطناعية والصواريخ العابرة للقارات". هكذا يتجاور تعظيم القدرات الاقتصادية مع تطوير القدرات الدفاعية.وليس على طريقة بيونغ غانغ التي تسعى للمجد النووي، ولو فتكت المجاعة بشعبها.ومع زيادة قدراتها العسكرية لا تمثل بلاد التنانين  تهديداً يذكر ل"السلم العالمي". في المفوضات مع كوريا الشمالية وفي المشاورات حول الملف النووي الايراني، بكين حاضرة على الدوام ركناً ركيناً من أركان الشرعية الدولية.وفي مطالباتها باسترجاع تايوان لا تهدد بكين الدولة الصناعية القائمة الى جوارها، بل يتحدث زعيمها هو جينتاو هن تطوير العلاقات السلمية مع تايوان، وحيث تجد شركات تايوان في الصين أفضل الدول للاستثمار فيها.كل ذلك دون التخلي عن عودة تايوان اليها بعدما نجحت الصين في إخراج تلك الدولة من عضوية الأمم المتحدة . وكانت الصين انتظرت 156 عاماص قبل ان تعود هونغ كونغ الى سيادتها في  حزيران العام 1997 .وقد حافظت الصين على النظام الرأسمالي في هونغ كونغ  التي تضم 300 بنك صيني وأجنبي وسبعة آلاف شركة أغلبها أجنبية . هناك من يعتقد الآن أن الاحتفالات الصينية الأخيرة ، إنما تمت في واقع الأمر بمناسبة الذكرى الثلاثين لارساء نظام الاقتصاد الاشتراكي الذي وضعه دانغ شياو بينغ وأكمله هوا زيمين ويواصله الزعيم الحالي جينتاو المقرر أن يتقاعد في العام 2012، الذي جعل الصين تزاحم أكبر الاقتصادات من الولايات المتحدة الى اليابان وألمانيا.هذا النظام سمح بالاستثمار الأحنبي في مناطق اقتصادية خاصة بدأن بسبع مناطق حتى بلغت حاليا 200 منطقة .وكان من اثاره الداخلية تحرير عشرات الملايين من المزارعين  ( 170 مليوناً)من الفقر المدقع في اوائل الثمانينات وذلك بإلغاء التعاونيات الجماعية. في الاحصائيات الرسمية ان نسبة الفقر المدقع تراجعت من 53 بالمئة مطلع الثمانيات الى 2   ونصف بالمئة عام 2005 .الامم لمتحدة تنكر هذه التقارير وتتحدث عن 35 بالمئة من السكان ما زالوا يعانون الفقر المدقع ( دولاران في اليوم) وبين هؤلاء 130 مليون مليوناً ينفقون دولاراً واحداً في اليوم.لكن مع الأخذ في الاعتبار القدرة الشرائية للعملة المحلية(اليوان ) ومقارنة الوضع الحالي بما سبقه، فإنه يتضح ليس التقدم النسبي فحسب، بل الوضع الكارثي الذي كان مئات الملايين ينوؤون تحته في ظل " الثورة الدائمة" التي أطلقها ماو تسي تونغ، الذي تصدرت صورته الاحتفالات، ولم يبق منه عملياً سوى الحزب الشيوعي الحاكم الذي بات يضم رأسماليين بدلاً من ثوريين بيروقراطيين، ويسمح بانتقادات داخلية علنية لأدائه في بلد يضم 338 مليون مستخدم للانترنت وهو رقم يتزايد يوماً بعد يوم.  وبينما يؤخذ على القيادة الصينية "انغلاقها"  السياسي عن قضايا التحرر في دول العالم الثالث وتركيزها على الأمن الأقليمي، وعلى التوازن الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ، فمن الواضح أن خيارات القيادات الإصلاحية، اتجهت في المقام الأول لإنقاذ أكثر من مليار صيني، وبما يعادل 22 بالمئة من  مجموع ساكني كوكبنا. وليس لهؤلاء من يمد لهم يد الإنقاذ سوى دولتهم، وذلك بعد ثلاثة عقود حققت حضوراً مدوياً للصين ، لكنها أورثت القارة الصينية فقراً كاد يلامس تخوم المجاعات.  وحتى في مجال الحريات العامة فرغم ان الصين مازالت بلداً متشددا يمنع التعددية الحزبية والنقابية والإعلامية ، إلا ان العهد الذي ارساه دانغ شياو بينغ وضع حداً للتصفيات الجماعية، والحلول الاستئصالية للمعارضين، حتى بات هناك معارضون يتحدثون لوسائل إعلام أجنبية من بكين. وما زال هناك الكثير مما يفترض في الصين فعله لمنح أقليات في بلد ال56 قومية حقوقها الثقافية والدينية، مثل قومية الويغور المسلمة في شمال غرب البلاد التي تعرضت للاضطهاد في تموز من هذا العام، وكان أفراد من هذه القومية دينوا بالتخريب، وقد تكون التهمة صحيحة، غير أن هؤلاء وغيرهم يستحقون أن يجدوا ضمانات للتعبير السلمي الحر عن معتقداتهم، وأن يتمتعوا بالحرية الدينية، والتحرير المبرمج للحياة الاقتصادية يستحق أن يجد له رديفاً في مجالات الحياة الأخرى .    

علاوي والمالكي وآخرون

علاوي والمالكي وآخرونمحمود الريماوي                                                           الأنباء الواردة من العراق باتت تتمحور حول تشكيل ائتلافات كبيرة ، استعداداً للانتخابات النيابية المقررة في منتصف يناير كانون الثاني المقبل، وذلك وسط تراجع موجات العنف. وما كان لهذه التطورات أن تحدث لولا أن هناك أفقاً سياسياً بات مرتسماً، ويستند أساساً إلى جلاء القوات الأميركية بعد نحو عامين عن هذا البلد، وذلك بعد انسحاب هذه القوات من المدن والخفض المتزايد في عديدها.الحديث عن ائتلافات كبيرة، يشمل أولاً التغير الذي طرأ على التشكيلة الحاكمة منذ نحو ست سنوات.فبينما كان هناك ائتلاف موحد كبير يمسك بأجهزة الحكم، فإن رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي الذي كان في قلب هذا الائتلاف، قد خرج أو أخرج منه واقتصر تمثيله على حزب الدعوة الذي ينتمي اليه. على أن مراقبة الوضع بتدقيق أكبر تفيد ان المالكي يسعى إلى تشكيل ائتلاف جديد عابر للطوائف، أعلن عن نواته الخميس الماضي الأول من أكتوبر تشرين الجاري، وذلك بعد أشهر من إعادة تشكيل "الائتلاف الوطني الموحد" ذي الغالبية الشيعية  الذي أبقى المالكي خارجه.وكان الأخير قد قطع شوطاً في انفصاله عن الائتلاف، وذلك حين أنشأ تكتلاُ انتخابياً خاض الانتخابات المحلية في وقت سابق من العام الجاري، وبدا منافساً جدياً  للائتلاف الذي يضم على الخصوص "المجلس الأعلى للثورة الاسلامية" بقيادة عبدالعزيز الحكيم الذي خلفه عقب وفاته قبل أسابيع نجله عمار، والتيار الصدري بزعامة متقي الصدر.يسعى المالكي وبقدر من النجاح للتميز بطروحاته الداعية لوضع حد لوجود الميليشيات، ووقف تسييس القوى الأمنية من جيش وشرطة، والحد من التداخل بين الكيانات الحزبية وأجهزة الدولة .وبينما تلقى هذه الطروحات حُكماً قبولا لدى أوسع شرائح المجتمع ، فإن الرجل يشكو حتى الآن من ضيق دائرة شركائه وحلفائه السياسيين. والتحدي القائم أمامه وأمام "ائتلاف دولة القانون" الذي يقوده، يكمن في توسيع هذه الدائرة خلال الأسابيع المقبلة، قبل أن يأخذ الفرز مداه عشية الانتخابات، وفي ضوء تنامي المصالح وعمليات الاستمالة والضغوط، لدى مختلف القوى السياسية والاجتماعية. ُيشار في هذا المعرض الى أنباء تواترت في الأسبوعين الماضيينن عن قرب انضمام إياد علاوي زعيم حركة الوفاق ورئيس القائمة العراقية النيابية الى الائتلاف الموحد( لم يعد موحداً تماماً بعد خروج المالكي وحزب الفضيلة). لم ينف رئيس الوزراء الأسبق هذه الأنباء ولم يؤكدها، على أن أعضاء من كتلته النيابية سارعوا لإبداء سخطهم  من هذه التطورات ومنهم النائبة صفية السهيل. ليس معلوماً مدى دقة هذه الأنباء، غير أنه من الواضح أن تقارباً قد تم بين الطرفين. وربما يتوقف الأمر عند مثل هذا التقارب، دون الانخراط في الائتلاف، بما يمكن علاوي من تحقيق نتائج جيدة في الانتخابات والعودة الى رئاسة الوزراء، والاحتفاظ في الوقت ذاته بتماسك مجموعته، التي كرست تمايزها عن الائتلاف في الانتخابات السابقة العام 2005 وفي محطات سياسية عديدة.في واقع الأمر أن علاوي أقرب في رؤاه وخطابه الى المالكي منه الى الائتلاف الموحد ، فكلاهما يسعى الى إرساء دولة لا محل فيها لنفوذ خارجي وبالذات من دول الجوار، والى التخلص من نفوذ الميليشيات،  وإلى مهننة الشرطة والجيش، والتخفف من المحاصصة الطائفية، على طريق إنهائها كلية، غير أن طموحات الرجلين إلى تبوؤ رئاسة السلطة التنفيذية، تُباعد بينهما. أما التيارات التي توصف  بأنها سنية، فما زالت تشكو من اضطراب في هويتها السياسية ، وفي التحالف ما بينها وبين قوى أخرى توصف بأنها شيعية، دون أن يقلل ذلك من حاجة بقية الأطراف لاستمالة هذه التيارات التي تمتاز برموزها لا بأجسامها السياسية، مثل صالح المطلك وعدنان الدليمي  وطارق الهاشمي الذي خرج مؤخراً من الحزب الاسلامي( ما يناظر جماعة الإخوان المسلمين في دول أخرى) . اللافت بعدئذ أن التيارات اليسارية والليبرالية تبدو خافتة الصوت وضئيلة الحضور، ليس بالنسبة للقوى التي سبق ذكرها فحسب، بل كذلك مقارنة بقيادات عشائر وصحوات، وزعماء مستقلين جدد أفرزهم الوضع الجديد الخاص في بلاد الرافدين. وليس من المتوقع أن تحمل المرحلة القريبة المتبقية على إجراء الانتخابات، مفاجآت تتعلق بتنامي نفوذ قوى قومية وعلمانية. خلافاً لذلك فإن المسميات والتصنيفات باتت مرشحة  للتغير، وبما ينسجم مع المعادلات القائمة، فهناك من يرى في المالكي مع تدينه سياسياً قريباً من العلمانيين، فيما لم يفقد المالكي إرثه القومي واليساري رغم انشقاقه عن الحكم السابق في وقت مبكر. ومغزى ذلك أن أجيالاً جديدة  هبت عليها رياح التسييس وتنتمي لشرائح مختلفة من المجتمع ، قد تنحاز الى رموز بعينها ضمن التيارات "التقليدية" ، وترى أن التغيير منوط بتلك الرموز ومنها على الخصوص علاوي والمالكي وليس بالضرورة أحزاب عريقة باتت صغيرة مثل الحزب الشيوعي.هذه التحولات حملها الإطاحة بالحكم السابق من جهة ، واستيقاظ  العراقيين على صحراء سياسية بعد سحق كل مظاهر الحياة السياسية طيلة أكثر من أربعة عقود وما رافق ذلك من انكفاء نحو الاستقطاب الطائفي.أما زيادة الاهتمام بالشأن السياسي فمرده الى التحسن في الوضع الأمني، وحاجة العراقيين الى بلورة حياة سياسية أكثر عصرية من جهة، وأكثر تمثيلية لهم من جهة ثانية .                                                         

صلاح حزين: شمس الابتسامة

صلاح حزين: شمس الابتسامةمحمود الريماويما  ان شرع  صلاح  ظهيرة الأحد الثاني من آب الماضي،  في أخذ أول قسط له من راحته الأبدية في أم الحيران، حتى خرج واعظ شاب على جمهور المشيعين قائلاً بين ما قاله: إن الفقيد ودًع دنيانا بابتسامة. ولأني أعرف صلاح من قرب معرفة وثيقة وحميمة، فقد صدًقت الواعظ الشاب، ووجدتني أرسم ابتسامة وداع رداً على ابتسامته الأخيرة. فلطالما تبادلنا الانتباهات على ما حولنا وعلى ما هو بعيد عنا، بتقليب الأمور على أوجهها كافة والتقاط المُفارق فيها والباعث على التندر. كانت هذه هي اللغة الغالبة على تفاهمنا المكين، على مدار أربعة وثلاثين عاماً من جملة خمسة وثلاثين عاماً هي عمر علاقتنا. حتى الموت كنا نلاقيه ببعض ابتسام. وأخاله يقلب معاني أم الحيران التي رقد فيها متبسماً، وأفعل ذلك معه فلئن كان الحيران لا يجد جواباً على حيرته، فإن له على الأقل أماً ثانية كريمة، تستقبل على أرضها المزدانة بأشجار وارفة العائدين الى الأبدية. اكتشف صلاح  مرضه لأول مرة في أيار عام 2007 فيما كان يجري فحصاً  طبياً شبه روتيني. ثم خضع لعمليتين جراحيتين، استغرقت الثانية عشر ساعات وأجراها الجراح محمد المصري في مركز الحسين للسرطان إن لم تخني الذاكرة. كنت مع أصدقاء آخرين بينهم ابراهيم زعرور، قد أخفينا عنه انتشار المرض في الأمعاء وما حولها، مما تتطلب اجراء العملية الكبيرة الناجحة. بعدها صارحني إنه بدأ يفكر في الموت لأول مرة. وما إن قال إن الحياة هي وقت يطول أو يقصر على المرء لكن النتيجة واحدة، حتى قلت له إنها أشبه بسهرة أصدقاء ممتدة ..أحدهم يغادر في الثانية عشرة ليلاً والثاني في الواحدة والثالث في الثانية والرابع في الرابعة فجراً، وفي المحصلة فهم يُمضون جميعهم سهرتهم. وقد أجاب إن إقامة المرء في الحياة هي كذلك بالضبط. في تلك السهرة أيضاً أبدى ثقته بالعلم والطب، وقال إنه يسلم نفسه للأطباء دون أدنى تردد ولا يناقشهم في ما يفعلون .لم يكن صلاح يفكر بالموت.ولم تشغله كثيراً الهواجس الميتافيزيقية. فقد ظل عقلانياً الى أبعد الحدود. كان عقلاً، ويدرك دون أن يصرح، ما أدركه فيلسوف قال "إن شيئين لا يملك المرء التحديق بهما: الشمس والموت". وقد ساعده ذلك الى جانب شجاعته، في التعامل الهادىء مع المرض كواقع، دون الكف عن السخرية، وكان يطيب له أن يخاطب صديقاً سبق أن أصابه السرطان ب: يا زميل .. يا نِعم الزميل.      في نوبة سخرية مرة وما أكثر هذه النوبات، أبدى إعجابه بالعزاءات أكثر من الأفراح. فقد لاحظ أن الناس في بلادنا وخاصة في العقدين الأخيرين، يبدون منشرحين في العزاءات، فيما يصعب عليهم التخلص من تجهمهم في أعراس الصخب التي تميز زماننا. كما أن العزاء يتيح للمعزي القدوم والمغادرة ساعة يشاء، خلافاً للأعراس حيث يتقيد المهنئون بموعد محدد للقدوم والمغادرة. لسنا في هذه الساعات في دار عزاء لنتجهم أو نتبسم. بل لنستذكر بعضاً من صلاح الحاضر فينا. فقد ظل على الدوام منفتحاً على المعرفة والمتابعة في شتى شؤون الفكر والثقافة، ومع تمسكه بيسارية عصرية، ظل يحترم الآراء المخالفة بل ينفتح عليها، متجنباً وهذا ما تلاقينا عليه النزعة اليقينية واحتكار الصواب، وذلك لمصلحة نسبية الأشياء والمفاهيم، والقناعة بأن فكرة التقدم أوسع وأشد تعقيداً ، من أن يختزلها اجتهاد نظري واحد. ولطالما أعجبته الأفكار الذكية أياً كانت عقيدة صاحبها، وممن استثاروا إعجابه على سبيل المثال وعلى الدوام: محمود درويش وصنع الله ابراهيم ووليد جنبلاط وياسر عرفات وفهد الفانك ومحمد حسنين هيكل وحازم صاغية، على ما بين هؤلاء من اختلافات واسعة. في مقتبل حياته في مطلع عشريناته، كتب عدداً من القصص القصيرة، لم يقرأها سوى قارىء واحد هو الكاتب نفسه، الذي سارع لمقارنتها بقصص لتشيكوف وهمنغوي، وليس بقصص زكريا تامر ويوسف إدريس مثلاُ، فلما تبين له أن النتيجة لغير صالحه، سارع  الى تمزيق ما كتب غير هياب، ولم يعد للكتابة الإبداعية الا مرة واحدة في وقت متأخر. حتى أنه لم يفكر في خوض معترك الكتابة، وبدا حينذاك في بداية علاقتنا منتصف سبعينات القرن الماضي، وقد وهب نفسه لخيار المثقف النشط  الشفوي، الشارح المستفيض في الكلام الموثق بالمراجع والقراءات، حتى اقترحت عليه في العام 1978 أن يكتب في "الوطن" الكويتية حيث كنت أعمل وقد لبى طلبي، فيما كان يعمل في سلك التعليم آنذاك. ولم ينقطع عن الكتابة بعدئذ لكن دون إكثار.قبل عامين ونيف كتب صلاح "غسان قلبي" ونشر بعض مقاطعه في "أخبار الأدب" المصرية، وقد بَرَت المحنة المزدوجة روحه الصلبة، فكتب نصاً شفافاً زاخراً بالعاطفة والتأمل، ويجدر نشره في كتاب مع أعمال أخرى، ولعل الأصدقاء يتجندون معاً للقيام بهذا الواجب، ليس وفاء لعاطفة شخصية فحسب، بل لإثراء المكتبة العربية بهذا النتاج المميز، الذي لم يبد صلاح من جهته كبير اهتمام بنشره في كتاب، حيث لم يرغب بداعي التواضع بمزاحمة كتاب مميزين. مع استذكار أنه في الفترة الأخيرة الأيام الاخيرة من تموز 2009 التي أمضاها في الغرفة 403 في مستشفى الحسين أبدى عزمه على استئناف عمله في الترجمة. من أقل الواجب معاونته في ما انتواه، بتنظيم ما أنجزه والعمل على نشره.أما ضحكاته وقفشاته وسخريته من كل شيء يستحق السخرية منه، فتظل تسري في نفوس محبيه أمام الموت أكبر الساخرين وأمكرهم، والأكثر استحقاقاً للسخرية منه.·       كلمة ألقيت في حفل تأبين الكاتب والمترجم الراحل صلاح حزين في مقر رابطة الكتاب الأردنيين في عمان العاشر من آب أغسطس 2009 .  

دروس"موقعة " اليونسكو

دروس "موقعة" اليونسكو

  محمود الريماوي                                        

قضية إخفاق وزير الثقافة المصري فاروق حسني في الوصول الى منصب مدير عام منظمة اليونسكو ، شغلت وسائل إعلام عربية عديدة على مدار الاسبوع الماضي . وكان هذا الاهتمام مبرراً ، لاكثر من سبب . فالوزير حسني خاض هذا السبق بصفته مصريا وعربيا وهذه هي المحاولة العربية الثانية التي يخفق صاحبها في الوصول الى الهدف بعد ان ترشح للمنصب الوزير  والدبلوماسي السعودي غازي القصيبي في العام 1999.هذه المرة بدت فرص مصر اكبر،الذي كان في وضع شبه تعادلي مع المرشحة البلغارية الفائزة. وأيا كانت طبيعة الضغوط التي ادت لانتقال صوتين مرجحين ، فالواضح أن الاتحاد الاوروبي بصوتي اسبانيا وايطاليا قد رجح الفائزة البلغارية. وفي دائرة اوسع فإن الغرب هو الذي فاز، وحيث تضع الدولة العبرية " نفسها" في قلب الغرب. هذا الحدث يستحق بضع ملاحظات وخلاصات.الأولى أن المنافسة كانت جدية، وأن العرب مؤهلون رغم كل الاصطفافات السياسية  والثقافية والحضارية، لخوض مثل هذا التنافس. وان عليهم بالتالي عدم الاستهانة بانفسهم وتبخيس مركزهم. بلغاريا ليست دولة أكبر من مصر، والمرشحة الفائزة أرينا بوخوفا ذات باع طويل في السياسة، لكن لم يُعهد عنها نشاط ثقافي. الملاحظة الثانية أن الدبلوماسية المصرية خاضت معركة المنافسة بحمية عالية وبتحشيد ملحوظ ، ولكن ليس بدون اضطراب. لقد تردد على نطاق واسع أن نتنياهو وعد بعدم عرقلة انتخاب الوزير حسني، وهو ما ألقى ظلالاً سلبية على هذه المعركة من البداية. تصريحات الوزير بدورها لم تخل من اضطراب، فقد اعتذر عن عبارة حرق كتب اسرائيلية، التي سبق أن رددها في مجلس الشعب المصري، لكن اعتذاره هذا بدا دون مضمون سياسي، إذ لم يقرن اعتذاره بأي موقف مناوىء للاحتلال وممارساته ولسلام عادل يعيد الحقوق لأصحابها، وهو ما اعتبرته دوائر صهيونية دليل ضعف، وقد أظهرت هذه الدوائر رفضها للاعتذار .الحملة التي اطلقها الوزير الخاسر عقب عودته الى القاهرة ، ضد " اليهود " وضد تسييس المنظمة الثقافية الأولى  في العالم، زادت من هذا الاضطراب ، فقد كان يفترض أن يأخذ الوزير علماً مسبقاً بهذه التوجهات ، وأن يحدد مواقفه بناء عليها، لا أن يبدو كمن تفاجأ بها. الملاحظة الثالثة أن مصر الرسمية سعت للتحشيد للوزير المرشح، ولكن على المستوى الرسمي فقط ، وعبر الصحف " القومية " شديدة القرب من الدوائر الرسمية . مع تجاهل بقية الجسم الثقافي والاعلامي، والاستنكاف عن بلورة موقف داخلي حيال هذه القضية. فكان ان ارتفعت أصوات عديدة في الداخل ضد ترشيح الوزير منذ وقت مبكر على منابر محلية مهمة. لم يكن مطلوباً بالطبع اسكات هذه الأصوات، بل أن تدار المعركة بصورة أفضل ،بحيث يتفق الجسم الثقافي على رؤية مشتركة هذا الترشيح، وأن يبادر الوزير المرشح لتحديد رؤاه الثقافية بما يتفق مع قناعات الغالبية الغالبية من المثقفين على اختلاف مواقعهم وتياراتهم.وأن يحمل معه هذه الرؤية إلى أروقة المنظمة الدولية حيث دار التنافس.اللافت أنه بعد خسارة حسني ارتفعت أصوات في مصر في اتحاد الكتاب وسواه تدين المؤامرة التي أدت الى إفشال مرشح مصر،مع تجاهل أن كثيرين في هذا الاتحاد وخارجه  لم يقفوا الى جانب ترشيح المرشح  حين أعلن ترشيحه قبل شهور. النازع الوطني وبهذه الطريقة لا يبدو مفيداً  أو كافياً، وخاصة حين يتعلق الأمر بقضية ثقافية يعبر عنها مثقفون.الملاحظة الرابعة: أنه بينما تركز الاهتمام الاعلامي المصري وبعض العربي، على مسألة الانتقام الصهيوني من تصريحات سابقة للمرشح ، فقد جرى حتى تاريخه تجاهل القضية الأهم ، وهي ان تل ابيب لا ترغب برؤية عربي على رأس هذه المنظمة حتى لو كان معتدلاً وبلاده تقيم علاقات دبلوماسية معها. ليس لدواع عنصرية فحسب، بل لأن تل أبيب ترغب بالتغطية على سلوكها في القدس المحتلة، وعلى الإرث الديني والتاريخي والثقافي في بيت القدس.  حساسية أي عربي حيال هذه المسألة تختلف عن الحساسية  الأوروبية مثلا. ومعلوم أن تل ابيب تسعى لنقل هذا الإرث الحي اليها وإبطال تابعيته القانونية للأردن حتى الآن .في واقع الحال أننا ما زلنا كعرب نعنى بالتصريحات والأقوال والردود عليها ، بأكثر مما ننشغل بالوقائع والممارسات. من مصلحة تل أبيب أن يظل النقاش محتدماً حول تصريح من هنا وخطاب من هناك، شريطة عدم الانشغال بما يجري  على الأرض  المسروقة. وحسناً فعلت الجامعة العربية حين عقبت على موقعة اليونسكو، بهذا الاتجاه. على أمل أن يتم قرن الأقوال ببرامج عمل.الآن فإن الوزير فاروق حسني يصرح بانه عائد لاستكمال دوره في بناء متحف حضارة. لن "يستريح" كما كان أعلن من قبل. ليته من موقعه كوزير للثقافة أمضى في الوزارة أكثر من عقدين ويستعد  للاستمرار في موقعه لسنوات مقبلات، يستخلص الخلاصات الصائبة، التي عبر عن بعضها بطريقة انفعالية، فيعمل الى جانب عمله في بناء متاحف، على مقارعة الصهاينة الذين يمضون في حملتهم لاستئصال التاريخ الحضاري لشعب آخر، ويهددون شعوب المنطقة.  فمعركة اليونسكو وما يتصل بها من معان ومدلولات، قابلة لأن تخاض في غير مكان وفي أكثر من موقع.. وموقع الفنان فاروق حسني وموقع بلده ليس هيناً.   
 
A service provided by Al Bawaba