مدونة محمود الريماوي

أجمل حكايات الزن أو فتنة اللاشيء

"أجمل حكايات الزن"
أو فتنة اللاشيء!
محمود الريماوييخرج قارئ "أجمل حكايات الزن" بانطباع يشي بأنه كان في حضرة نصوص قدسية.. ولعل هذا هو سر المتعة غير العادية التي تتأتى من قراءة هذه الحكايات، التي يبدو القليل منها مألوفاً للقارئ بيد أن هذه الألفة لا تبطل المتعة ولا الشعور بالجدة.
صدر كتاب "أجمل حكايات الزن يتبعها فن الهايكو" عن سلسلة إبداعات عالمية (الكويتية) لشهر نيسان
2005، وذلك عن ترجمة لكتاب فرنسي وضعه هنري برونل. والمؤلف لم يضع هذه الكتابات ولكنه قام باختيارها والتدخل الطفيف في صياغتها. ففي المقدمة "بتقديمي هذه الحكايات الآتية من أعماق العصور، إنما وجدت نفسي أمام إحراج أن أتبنى الحكاية كما هي، فأجازف بأن اصطدم بحساسيتنا الحديثة، حاجباً الرسالة بذلك فتغدو غير مسموعة، أو أن اتبع سبيل التلطيف فأضيّع من الزن عتوّ إجلاله وقليلاً من سره. اخترت حلاً وسطاً، أن أُبقي من بين مئات الحكايات على أفضلها وقعاً على الأذن. لم أتنازل عن لون حكاية الزن ومناخها الفريدين اللذين يقوداننا إلى عالم مجهول".
وبهذا فإن التأليف يقصر ربما على قليل من الاختصار والضبط لحكايات ليست بالطبع للمؤلف هنري برونل الذي لم يجر التعريف به في الكتا
ب بينما جرى التعريف بالمترجم السوري محمد الدنيا الذي أنجز ترجمة بلغة عربية ذات إيقاع خاص يلائم الطقوس شبه الدينية، كذلك المراجع الكويتي محمود رزوقي.
والحكايات من فرط إبهارها، ولشدة ما تغور في النفس، فإنها قلما تعلق في ذاكرة قارئها. فالبساطة الشديدة ملغزة، وتفتح على التأمل وهي من بعض سمات الزن التي تنتمي إليها هذه الحكايات الطالعة من أعماق العصور من الهند والصين واليابان.
ومنذ مفتتح الكتاب ينجح واضعه في إدهاش القارئ، إذ يحمل السطر الأول هذا السؤال العادي: ما هو الزن؟
ويأتي الرد السريع، بأن ثمة ألف إجابة على السؤال، على أن الزن هو "مذهب اللاشيء". ولا شك ان هذا التعريف صادم، بمدى تحدّيه للقارئ وفي جمعه ما لا يجمع. فإذا ما انزاحت الأحكام الذهنية، والمعايير المنطقية الصماء، فإن الزمن يتجلى في اللامتناهي. وهذا يتجلى في إحداث الحياة الأكثر تواضعاً. كل شيء بالنسبة إلى الزن هو رسالة مطلقة. هو المطلق قبلاً. "استنشق، أزفر. من دون أن تغير شيئاً، أنت هذا التنفس، الذاهب الآتي والصاعد النازل". تجتمع في هذه الحكايات شتى الكائنات: حيوانات، طيور، أشجار، بشر من مختلف الأعمار، وكذلك الرياح والغيوم والجبال والنجوم والقمر والشمس والتراب والأمطار. كل الكائنات والمخلوقات تنبض وتُشهر حضورها حتى لو كانت في جمود.
وهناك درس مستخلص في خاتمة كل حكاية وبعضها دروس مفاجئة، تزيد الملغز إلغازاً. وفي بعض الخواتيم مقاطع شعرية كهذا:
في هذا المشهد الربيعي
لا يوجد أفضل ولا أسوأ
أغصان الزهور تنمو بطبيعتها
بعضها طويل وأخرى قصيرة
وفي خاتمة لحكاية أخرى، يسأل التلميذ: ما هو الطريق؟، فيجيبه معلم الزن: الإدراك الحاد لبداهة الأشياء.
ورغم النفحة الدينية للحكايات المستمدة من تقاليد بوذية، فإنها لا تعد المؤمن بها بشيء، سوى أن يعيش بامتلاء في مواجهة قانون اللابقاء. فوراء شفافية الحكايات ثمة أسى يذوب في الكلمات. فما أن يمتلئ القارئ بسحر الحكاية حتى يقول قائلها: ذلك من أشياء الماضي، تلك الحكاية هي الآن من الماضي. أي أن الحكاية تمت وانقضت، وليس للقارئ أن "يعيش" فيها.
لا يبشر الزن بالخلود الميتافيزيقي، ولا يطوق تلاميذه بلعنة العدم. فاللحظة نسبية، وتعبير عن المطلق في آن. "تصرف كمن يلهو في العالم. لا تكن متعلقاً. امض كمن يلهو".
تتقاطع دعوات الزن، مع أمثولات الزهد والتنسك والرهبنة وبدرجة أقل مع التصوف، في الأديان التوحيدية، ولكن دون برزخ بين حياة وموت، ودار فناء ودار بقاء. فالكائن يلهو في مطلق، فيما هو يفتح عينيه على كل نسمة ونأمة ونبضة من حوله. حتى تتجلى معجزة الوجود في كل شيء. وحيث لا شيء يحمل على الانصراف عن معايشة ما هو داخلنا وخارجنا والامتلاء به. ومن قيم الزن: الفكاهة والتأمل والرحمة والشجاعة، دونما تفريق بين الكائنات.
فحتى الوحوش والأفاعي يتسنّى ترويضها بغير القسر، وبدعوتها للانضمام إلى العائلة الكبرى. فالوحش الهائل المزهو بجبروته في الأسطورة المتناقلة بين الشعوب عن البطل والتنين، فإن نموذجها لدى الزن أن شاباً يحمل رمحاً وسيفاً وحربة، ويتوقف أمام مغارة الوحش الذي سرعان ما يخرج هادراً مزمجراً. البطل يضع أسلحته على الأرض قائلاً للوحش: لا أخاف. أعرف أنك لن تلمسني.
لماذ لا أخيفك؟. يسأل الوحش مندهشاً.
"الحقيقة الكلية. أنا هي. إن التهمتني فلا شك أنك مجنون. فأنت بذلك تلتهم نفسك، نحن واحد". لم يفهم الوحش شيئاً مما قاله الشاب "لا أفهم شيئاً مما تقول غير أن كل شيء معك يصبح معقداً. يفر الآخرون صارخين بخوف، أطاردهم واقتلهم وافترسهم. أنت طبيعي. هنا لا أعود أعلم ما يجب أن أفعل، في النهاية أفضل الإحجام عن أكلك. إن معدتي لا تهضم كائناً غريباً مثلك" ثم انسحب الوحش إلى مغارته مغموماً. وقد أصابه الغثيان!
هذا هو المقصود بالترويض. فالكائنات إذ تفترس بعضها بعضاً (والإنسان أول المفترسين). فإن المفترس لا يفعل شيئاً سوى أن يلتهم نفسه.
بمثل هذه النظرات العميقة، تتوقف الحكايات رغم أنها لا تنطوي دائماً على تفسيرات أو مغاز. فصانعو هذه الحكايات، لا يتوخون بعد الإمتاع سوى إيقاظ تلاميذ الزن على الكنز داخل نفوسهم وخارجها.
ومن يتسنى له قراءة هذه الحكايات قد يستحضر بعض أجواء الأدب الياباني القصصي والروائي، وكيف تنبض الطبيعة في هذا الأدب، بإيقاع متواشج مع السلام الداخلي للأبطال، حتى في أشد اللحظات والمواقف قسوة ووحشة.
وككل إبداع سحري، فما أن يفرغ القارئ من قراءة أجمل الحكايات هذه، حتى تضمحل شيئاً فشيئاً في ذاكرته. ليس لسبب سوى لأنها تعلق في روحه، وبما لا تطيق الذاكرة أن تحمل.
 

يعقوب اسمه مكتوب (قصة قصيرة)

                          يعقوب اسمه مكتوب*                                                  محمود الريماوي   قراءة باب النعي في الصحف اليومية ليست مجرد عادة ، فهي تكاد تكون هوساً وربما متعة لبعض قارئيها المداومين ، وبالذات لمن ليسوا من صغار السن . فمنهم من يختار قاصداً شراء الجريدة التي تضم أكبر عدد من صفحات النعي ، ومنهم من يشرع في قراءة الصحيفة وهي "الرأي " ابتداء من تلك الصفحات ، ومنهم من لا يقرأ سواها . وبفضل هذه الصفحات يقع قارئون ، على ما يعتبرونه في سريرتهم أخباراً هامة مثيرة ، تتعلق بأقارب وأنسباء وأصدقاء ومعارف ، وأناس ذوي مكانة إلى جانب عامة الناس . وهي أخبار من نوع خاص جداً ، فلا أخبار بعدها عن أصحابها : فلان مات عن 51 سنة.. صغير . فلان توفي بعد مرض عُضال لم يُمهله طويلاً ، المرض إياه . نعي رجل وزوجته قضيا في حادث مؤسف . وسوف يكون حادث سير ، وليس معلوماً لماذا إخفاء كنه هذا الحادث المؤسف . فلان وافته المنية في الصين .. ماذا كان يفعل هناك . فلان اسمه يصعب النطق به ، من أصل قوقازي لا بد . فلانة اسمها أجنبي ، متزوجة على الأرجح من أردني ، وقد تزوجا في أثناء الدراسة الجامعية للزوج في بلدها . زهرة تذبل ( طفل أو طفلة ) يا للوعة الأهل . فلانة عن شيخوخة صالحة . فلان جار شقيق زميلنا في العمل .  فلان سوري . فلان أرمني . فلان أخو وزير سابق  . فلان نسيب نسيبنا . فلان له من الأبناء 11 ابناً غير البنات . فلان عشرون نعي له على 12 صفحة . فلان غريب أننا لم نقرأ نعيه مع أن النعي كما قالوا منشور ..يُعنى يعقوب ( أبو يزن ) مثل غيره بمتابعة دؤوبة ، لأحوال من يعرفهم وهم كثر . ولطالما وقع على أخبار وفاة هذا الزميل أو القريب أو الصهر أو الجار القديم ، أو ابنا أو ابنة أو أخاً أو أختاً لأحد هؤلاء ، وعرف موقع بيت العزاء من تلك الصفحات ، فقصد البيت شريطة أن لا يقع خارج عمًان الكبرى ، بصحبة وفي سيارة ابنه البكر رجل الأعمال الحرة لأداء الواجب . فهو لا يكتفي بسماع نشرة الوفيات من الإذاعة في العاشرة من صباح كل يوم ،  فهناك أسماء يجري ذكرها ولا يلتقطها . كانت زهرة ( إم يزن ) لا تمسك نفسها عن الكلام في  أثناء استماعه للنشرة ، فيضيع منه اسم أو اسمان . الآن فإن سرحانه يجعله يفقد فرصة سماع أسماء أكثر . أما في الجريدة المفتوحة أمام ناظريه ، فبوسعه القراءة بتمهل وإمعان ، ومعاودة قراءة هذا الاسم أو ذاك . ولطالما تخيل في ساعات الصفا والسرحان اسمه مذكوراً مع المتوفين ، يقرأه من يعرف صاحب الاسم ومن يجهله . سيأتي يوم ويُنشر اسمه . لقد نشروا اسم زهرة فهل يُعقل أن لا يظهر اسمه هو . ولم يكن ذلك ليكدره ، فالموت حق و" الذكر للمرء عُمر ثانٍ " . كان يخشى في واقع الأمر أن يسهو أبناؤه لسبب من الأسباب ، فلا ينشرون نعيه فيُطوى ذكره ، ولا من سمع أو درى . على أنه لم يكن بوسعه مفاتحة وتذكير أحد منهم بخشيته هذه  . لم يجر العُرف على هذا أبداً . سوف يكون لو فعل مثاراً للسخرية ، أو التشكك في سلامة قواه العقلية . وبناته المتزوجات لن يسرهن مثل هذا الحديث ، لو فتحه ولو من باب المزاح . يعقوب ليس مريضاً بغير مرض السكر وارتفاع ضغط الدم . إنه يتحرك مرتدياً  في العادة إحدى بذلاته القديمة  ( توقف عن شراء البذلات منذ عشر سنوات )، فما عنده يزيد عن حاجته  .بذلة جيدة ذات لمعان مع قميص أبيض مكوي ، وقد اتسع عليه مقاس البذلة لنحوله ، بينما تسرح الشعيرات البيضاء مع هبات النسيم رغم أنها مسرحة في الأصل قبل خروجه على رأسه ، مستعيناً بعصا بنية قهوائية صلبة وملساء ، ذات مقبض أفعواني خشن بعض الشيء ، أحضرتها له بنته الصغرى( 29عاماً) من زيارة لها إلى مصر ، مع أن داء المفاصل لم يستحكم به بعد . ويداعبونه بأن العصا الأنيقة تليق به وأنها لزوم القيافة ، وأن هناك بين غير المسنين من يحملونها في غدوهم ورواحهم . وهو قلما يخرج منفرداً سوى إلى الشارع الفرعي الهادىء ، أمام باب البيت الحجري في ضاحية البيادر غرب العاصمة ، يتمشى وقد يستوقف على مقربة من البيت بائعاً للخضار ، من الباعة المتجولين في سياراتهم التي تسمى بكب ، يساومه على الشراء وقد يتعرف عليه ، وتحضر فجأة في الأثناء الخادمة وتشير بإصبعها ، لهذا الصنف وذاك وتنتظر لحمل الأكياس ، ويسدد هو الثمن مساهمة منه في أعباء النفقات . يتمشى ويستطلع الجديد من العقارات المتناسلة ،  ويتملى سحنات الناس وسكناتهم وحركاتهم بنظرات مواربة . ويهوله هدوء الضحى وسكونه المقيم ، باستثناء حركة السيارات المباغتة دائماً ، فلا كلب شارد ولا قطة تموء ، لا سحلية تمرق لا جندب يتنطنط لا نحلة تزن عند الأذن ، ولا أحد من معارفه القدامى يمر بالمصادفة ، ولا زوبعة صغيرة تهب فجأة . ما زال في مطلع الثمانين وبعد ربع قرن على تقاعده ، يسمع دون عناء ويرى بالنظارة البيضاء السميكة ، مما يعينه على سماع " الجزيرة " و "العربية " رغم حاجته لرفع الصوت أعلى من المعدل ، ولكن ليس مع سائر المذيعين . لا يشكو من شيء سوى الفراغ وقلة الاختلاط بغيره ، ومن عدم الانشراح الذي لا يفهم سببه  . أخبار التلفزيون مثلاً أسوأ من أخبار صفحات النعي ، ومع ذلك يداوم على سماعها ما أن يفرغ من قراءة الجريدة . . وذاكرته تعينه في الكثير من الحالات ، خاصة إذا تبادل الحديث مع رجل مسن مثله وحتى امرأة مسنة ( يتجنب في العادة مجادلة النساء لكن بعضهن من قريبات أو جارات يدفعنه دفعاً الى ذلك ) حيث يجري التعاون معاً ، على استذكار أماكن وأسماء وتواريخ ، وتصحيح الخاطىء منها أولاً بأول  ، ولا يخلو الأمر من مشاحنات ومن اتهامات فكهة بالتضييع  (ضياع العقل ) . لم تضعف ذاكرة يعقوب إلا بعد وفاة زهرة أم الأولاد قبل سنتين ، وكثيراً ما انتظر طلتها من المطبخ أو عودتها من عند الجيران ، وتوقع خفق مشيتها وانبثاق صوتها من خلفه ، قبل أن يستذكر عدم استجابتها لندائه ذات صباح  "أغبر" ، ودفنها في اليوم الشتائي الكالح الموحل نفسه ، وقد تمنى لحظتها صادقاً لو دفنوه إلى جانبها في ذلك اليوم  .يواظب يعقوب على قراءة  الصحف منذ خمسين عاماً على الأقل ـ بأكثر وأدق مما يواظب موظف على أداء عمله ـ منذ كان موظفاً بدائرة الإحصاء في عمان . يتوقف قليلا عند الصفحة الأولى ، ويمنح الصفحات التالية وقتاً متساوياً ، بما ذلك الانتباه لبعض  الإعلانات  التجارية. لم يكن في شبابه يتوقف طويلاً عند صفحات الوفيات ،  وحيث كان النعي ينشر أيامها على الصفحة الأولى من جريدتي "الجهاد" و "فلسطين"  مع صور المتوفين ، إضافة لما ينشر في صفحات داخلية . على أن اهتمامه بدأ يتنامى ثم استفحل مع تقدمه في السن ، وتحول إلى عادة مستحكمة بعد تقاعده . لم يعودوا ينشرون صور المتوفين ، واكتفوا بالنشر في الصفحات الأخيرة . على أن إعلانات النعي هذه الأيام أكبر حجماً ، وكثير منها يملأ صفحة كاملة . ابنه قال إن هذه العادة جديدة ومأخوذة عن أهل الخليج الموسرين في بلادهم . ولم تكن هناك في الماضي إعلانات للشكر على التعازي ، أما هذه الأيام فهي كثيرة .إنه يثابر على القراءة في غرفة الجلوس شتاء ، أو في البرندة المزججة صيفاً ، ولا يعرقله أحد أو شيء عن ذلك ، وتمنحه القراءة شعوراً بالأنس والجيشان .. شعور من يذهب ويجيء،  يخالط الناس ويتجاذب أطراف الحديث معهم ، حتى لو كان ذلك في مشفى أو مقبرة أو بيت عزاء . على أنه يقرأ صفحات الوفيات ويدقق النظر فيها ، لسبب إضافي لم يكتمه عن نفسه ، سبب غريب بعض الشيء ولا يبوح به لأحد ، وهو مخافته أن يصادف اسمه ذات يوم بين الأسماء . وهو خاطر "جنوني"  تلبسه ولازمه ، منذ وقت غير قصير لا يتبينه بالضبط ، وحتى قبل يوم زهرة . ولم يفلح في التخلص من هذا الهاجس .ليس خوفاً.. لا إنه لا يخاف ،  بل هي رهبة الساعة الأخيرة ، ساعة الانتقال ومبارحة الدنيا وما فيها ، هذا إذا كان هناك فرق بين الخوف والرهبة . إنه بالكاد يعرف أحداً من أبناء جيله ما زال حياً يسعى ، وفي ظنه أن من انقطعت عنه أخباره من معارفه لا بد قد وافاه الأجل إلا من رحم ربي . وهو ما يورثه شعوراً يمتزج فيه الرضى عن النفس ، بما يشبه الخجل منها  .. كمن يتكشف طمعه في شيء أمام خلق الله ، ولا يستطيع التستر عليه . حتى كان صباح يوم ربيعي مشمس منعش ، جفت فيه رطوبة جسمه ، وأينعت فيه بسخاء شجرة المشمش أمام ناظريه ، وسمع زقزقة ضحكات طفلين يعبران الشارع بهناء ، وأيقظا فيه مشاعر دفينة مبهمة ، جعلته يتخيل أنه أحد أولئك الصغيرين ، ويسأل نفسه عمن قد يكون الثاني الذي يصاحبه ، وفتح فيه الجريدة وشرع يطالع الصفحة الأولى وما تلاها ، بغير تمعن بل على وجه السرعة ، ليتوقف عند  صفحات النعي كالعادة بتركيز وتؤدة ، فالوقت كله له ولا حاجة للعجلة .  وقد قرأ بتمهل بين المتوفين اسم فلان وفلان وفلانة  ( أسماء المتوفين أكثر ،عادة ، من أسماء المتوفيات ) لم يعرف أحداً من أصحاب تلك الأسماء ولم تكن له أدنى صلة بأيٍ منهم أو بعائلاتهم  في يوم الخميس ذاك ، وهو ما يثير استغرابه الشديد كلما حدث ، وما يفسره بأن الناس كثرت وتزايدت ، فوق طاقته على الحصر . ثم إذا به يقرأ اسماً يألفه ويعرفه.. اسم من ؟ اسمه هو ، منشوراً بين الأسماء . يا ألطاف الله . غامت عيناه .. شرد ذهنه وتاه ، قبل أن يبسمل بجزع. انفعل وانتهبه فضول أبكم ، وشعر بجفاف ثم بمغص ، ولم تكن الخادمة أحضرت كوب الماء بعد . تلفت حوله حتى لا يكون أحد  (الخادمة إياها في منزل ابنه ) يراقبه ويلحظ انفعالاته . لم يكن هناك أحد . "نعي رجل فاضل : يعقوب السعيد " . تملى راحتي كفيه الرقيقتين وضمهما ، ثم وضع إحداهما على جبينه فإذا به ساخن ، والتقط أنفاسه وتنفس .. تنهد بصوت مسموع . لم يقرأ اسمه من قبل منشوراً في جريدة سوى مرة واحدة ، في صفحة الوفيات تحت اسم المرحومة زهرة : زوجة فلان الفلاني . وقد لاحظ أن الاسم اسمه ، يلفت الانتباه ما أن تقع عليه العين . تساءل مع نفسه ، إذا ما أصبحوا ينشرون أسماء الناس قبل وفاتهم ، مثل أشياء كثيرة تغيرت وانقلبت هذه الأيام .  شعر بدوخة وتعرق . لم يكن يشك بحدوث خطأ .. إلا من جانبه هو . ولم يعرف للتو أين أخطأ . سوى أنه رأى في ليلته الماضية إن لم يكن في الليلة التي سبقتها ، رأى أشخاصاً غرباء ينادونه عن بُعد ، ويعجز عن التحرك نحوهم فيما هم لابثون حيث هم .أعاد قراءة الاسم فواجهه  مكتوباً ببنط أسود كبير ، وتأكد  مما يحيره. ترك الجريدة تسقط من يده ، وسمع صوت "ارتطام " أوراقها بالأرضية . لم يكن أحد في البيت غير الخادمة الآسيوية  (الأندونيسية ) ، التي انضمت للبيت قبل بضعة أشهر فقط ، والتي تحضر له أشياءه دون طلب منه  ، بغير كلام وبنظرات منخفضة منها : كوب ماء وفنجان قهوة أو حليب ، وطبق فواكه وما شاكلها ، من خيار أو خس أو فول أخضر من حواضر البيت. لا يعرف ما الذي تفعله حين تكون وحيدة في المطبخ  ، فزوجة الابن ما زالت متوظفة (نائبة مديرة مدرسة ) ، وهناك ولد وبنت ما زالا في الجامعة  ،ولا يعرف متى يغادر أحدهما ومتى يؤوب . لا يدري  مع من تتحدث الخادمة عبر الموبايل . ما شأنه بها الآن بعد أن نشروا اسمه ، لم تكن تعنيه قبل نشر اسمه فكيف به الآن ؟  إنه يتجنبها قدر الإمكان ، فلاهي تفهم عليه ولا هو يفهم عليها ، ويخشى أن تشتمه بلغتها الغريبة فلا يعرف ما الذي تقوله . لم يشكها لابنه أو ل كِنته فالخادمة لا تخطىء بحقه ، ولم يعتد أن يظلم أحداً فكيف بغريب ديار. لا تخطىء سوى أنها تتجهم وتتبرم في وجهه ، ما أن تظل معه وحدهما بين جدران البيت . لم تكن كذلك في حياة زهرة . ربما لأنه حين يخاطبها بأقل الكلمات وبإشارات كثيرة من يديه ، فإنه ينظر إليها ويطيل النظر بغير قصد منه . ربما تخاف منه .رغب أن يناديها : فضيلة .غير أن صوته خذله ولم يخرج من حنجرته . تنحنح وسأل نفسه : ماذا كان سيقول لها لو ناداها وحضرت إليه ؟ . ودون أن يجيب عن سؤاله ، ناداها مرة ثانية فلم يسمع صوتاً له . لعل الصوت خرج منه ولم يسمعه ، لم يعد يسمع جيداً هذه الأيام . مع أنه لم يسمع طيلة حياته بشخص لا يسمع نفسه ! . ولم يتناه إلى مسامعه على أي حال ، ما ينم عن بكاء أو فجيعة في البيت الصامت . لم يعودوا يبكون على موتاهم ..لكنهم في الخارج .كان عليه أن يتذكر ذلك .تهيأ للنهوض ، فاستشعر ثقلاً في همته وخشي لو وقف أن يقع  . نظر إلى جلبابه الأبيض (البديل عن البيجامة ) والذي عوده ابنه على ارتدائه ، بعدما أحضر له أكثر من واحد ، تحسسه فوجده أكثر بياضاً وبرودة من كفن . وابتسم لنفسه في خبل طارىء سعيد : إذا كان الموت على هذا النحو وإذا كان هذا هو ، فيا أهلاً به . لكن من جاءت هي الخادمة .  رآها لمحاً وهي المكتنزة أشبه بشبح . لا لون ولا هيئة ولا قوام لها . وضعت أشياءه أمامه على المنضدة الصغيرة على عجل ، وبطريقتها الآلية  المعهودة ، بغير أن تنطق أو تعيره التفاتة من عينيها الواسعتين الدامعتين . وقد خطفت بالسرعة نفسها صفحات الجريدة الملقاة على الأرض وجمعتها له . وكان متيقناً لو أنه مد يده نحوها فلن يلتقط ولن يشق سوى الفراغ . لم ولن يفعل ، وهي سريعاً ما انكفأت بخفة ،  مثل ريح هينة هبت وما لبثت أن خالفت اتجاهها . ذلك أحسن .ثم فوجىء بنفسه وقد وقف . فلا يعقل أن يحدث ما حدث ويظل لابثاً دون حراك .إنه يشعر بدوخة بدوار خفيف . لا يهم . نظر إلى كوب الحليب وخمن أن طعمه لا بد سيكون غريباً  هذه المرة . جرجر قدميه وانكفأ داخلاً إلى غرفته ، وكاد يصطدم بفضيلة عند باب المطبخ وهي فوجئت به ، وتطيرت لمقدمه وخافت من حضوره . وقد تمكن من الوصول مستعيناً بذراعه اليمنى الممدودة ، وألقى بجسده المنهك على السرير ، وقد اشتم الرائحة نفسها المعهودة لفراشه وهو تروقه هذه الرائحة . هكذا أفضل قال لنفسه ، رغم إحساسه بألم في لوحة ظهره (أعلى الجذع ) . فإذا أردوا أن يحملوه وينقلوه إلى حيث يشاؤون ، فالأكرم أن يكون حيتئذ ممدداً نائماً أو شبه نائم ، لا أن يرفعوه وهو جالس على مقعده ، كما يرفعون كومة أشياء . لم تحدث هذه المهزلة هذه المسخرة مع زهرة ، ولا مع عدو أو صديق . أما هو فإما أنه ميت دون أن يدري ، أو أنه قد جن ..هل ذنوبي وفيرة إلى هذا الحد ؟ .جاءت الخادمة ووضعت أشياءه على منضدة صغيرة إلى جانبه ، بعدما حملتها له من البرندة حيث كان يجلس . إنها تلاحقه أينما تحرك . تحدث هذه الأمور وكأن شيئا لم يقع هذا الصباح ، وكأن اسمه لم ينشر "بالبنط العريض " بين المتوفين . لن يسألها إذا كانت مثل هذه الأشياء تحدث عندهم في بلادها البعيدة أندونيسيا ، فهو واثق أنها لا تحدث في بلاد الواق واق . لو كانت زهرة موجودة لأفهمتني ما الذي يحدث ، فهي نبيهة ولا يتوه تفكيرها مثلي ، أنا الذي طالما اتهمتها مازحاً وعلى سبيل الجد بأن عقلها " على قدها " . تبسم ، ليس لأنه استذكر مزاحه معها فقط ونظراتها التي تزداد طفولية حينئذ ، بل لأنه سيراها ويُقبًل رأسها عما قريب ، بل قريباً جداً وما أن تنتهي الإجراءات .. ألم ينشروا نعيه مثلها ، ما الذي بقي بحق الملائكة غير إتمام الإجراءات ؟.* * * لدى عودة زوجة الابن ، ثم الابن يزن صاحب المنزل بعد الثانية ظهراً ، فقد سارعت  فضيلة وأخبرت الزوجة ما أن وصلت ( تناديها ماما ) بأن جدو رفض تناول أي شيء ، ويمكن أنه مريض . وتولت الزوجة إبلاغ الزوج  فور وصوله . لم يكن غريباً بالنسبة لهما ، أن يصاب الحاج ( الذي لم يحج بعد ) بإعياء من فرط الهزال والتفكير . فهو لم يرد على تحية أي منهما وظلت عيناه نصف مغمضتين نصف مفتوحتين ، تختلجان بضعف ملحوظ وتجوسان في فراغ . ولما سأله يزن وهو الأكبر بين الأبناء وناهز الخامسة والخمسين ، وقد وقف على رأس أبيه وتحسس جبهته .. لما سأله إن كان يريد استدعاء طبيب له ، لم يجب الأب وحار فيما سيقوله ، حتى افترت شفتاه عن ابتسامة شاحبة تاعسة :  لا لزوم لدكتور  ، هل ينفع الطبيب مع من مات ؟ . ولما تبسم الابن بدوره مستغرباً ومتحسبا لعواقب ما سمع ، فقد أشاح الأب بذراعه نحو الجريدة : ألم تقرأ اسمي اليوم بين الأموات ..إقرأ . خشي يزن عليه من الخرف والتخليط ، ولم يمد يده إلى الجريدة ، فارتفع صوت الأب متحشرجاً هذه المرة : إقرأ إن لم تصدقني .. إقرأ ماذا تخسر . وكاد الابن ينرفز فما الذي يقرأه ، وهل ستتغير النتيجة سواء قرأ أم لا  ، هل سيعرف من الجريدة إن كان أباه الذي أمامه ميتاً أم حي ؟. ومسايرة لهذيان وإلحاح أبيه رفع الجريدة نحوه ، وفتح على صفحة الوفيات وقرأ  بفضول ونفاذ صبر ، ثم ضحك في سره على ما قرأ ، ولام نفسه على سلوك غير مقبول حيال نبأ وفاة إنسان . ولم يلبث أن تولاه غضب مكتوم ،  ونظر إليه إلى الأب المسترخي بعتب واستخفاف . كان ما قرأه هو " نعي رجل فاضل : يعقوب السعيد زوج فلانة ووالد فلان وفلانة وشقيق كل من .. رجل الأعمال العراقي الذي توفي في البصرة في حادث إجرامي " . وسأله : هل أصبحت دون أن ندري رجل أعمال عراقي في البصرة ؟ .أبو يزن وقد انزاحت غشاوة عن عينيه ونشطت ذاكرته ببطء وكمن يسترجع حلماً ، استمهل ابنه قائلاً بنبرة غير واثقة واعتذارية : إنه يعرف ما هو مكتوب .لكن الاسم هو اسمه نفسه ، ومن حقه أن يتشاءم على الأقل. . .*من الكتاب القصصي "رجوع الطائر" للمؤلف. صدر العام 2008 عن دار فضاءات في عمان  - الأردن

جدل الداخل والخارج

جدل الداخل والخارج         محمود الريماوي                                                               منذ سنة ونيف توقفت الاجتماعات الخاصة بدول الجوار العراقي ودونما سبب معلن .وقد بدت السلطات العراقية مرتاحة لأن دول الجوار عمدت الى تعيين سفراء لها في بغداد، وهو هدف طالما أعلنت السلطات تمسكها به في تلك المؤتمرات، واعتبرته دليلاً على حسن النوايا. وبتحقق هذا الهدف بدا أن الحاجة لتلك اللقاءات التي كانت تعقد دورياً، قد انتفت. وإذ أثبتت التطورات اللاحقة، الحاجة لتنظيم العلاقات مع دول الجوار، فإنها برهنت أيضاً على أن قيام حكومة وطنية تمثيلية في بغداد، من شأنه التصدي لمعضلات الداخل كما لتنظيم العلاقات مع الخارج .خلال العام الجاري كما في أعوام سابقة طفت على السطح مسألة التدخلات العسكرية التركية ، ومعها تجددت مشكلة  إيواء حزب العمال الكردستاني التركي في مناطق الشمال الكردية. ومع الكويت تجددت مشكلات الديون العالقة وتعويضات غزو العام 1990 ، ومع ايران ظهر انقسام داخلي حول مدى حضور الدولة المجاورة الكبيرة في مفاصل الدولة وإداراتها ، ومع سورية ظهرت مجددا مسألة ضبط الحدود ومنع المتسللين، وجرى اتهام السعودية بأنها لا تطمح الى تطوير العلاقات الثنائية، ومع الأردن أثيرت مشكلات حول أموال للنظام السابق "مودعة في بنوك أردنية".هناك مشكلات كبيرة أو صغيرة، فعلية أو مضخمة مع دول الجوار.غير أن الآراء الداخلية بما في ذلك داخل صفوف أهل الحكم، تتباين حول توصيف هذه  المشكلات، كما تتباين حول إن كانت قائمة بالفعل. في الأزمة الاخيرة مع دمشق وضع رئيس الدولة جلال الطالباني نفسه، بعيداً عن اتهامات ساقها المالكي ووزير الخارجية زيباري. في المعضلة الداخلية الأمنية ، فإن الانقسامات بلغت مدى بعيداً بعد اتهام رجال أمن بالضلوع في سرقة مصرف. وما تلا ذلك من توجيه اتهامات لمسؤولين كبار في الداخلية بالتقصير، مع رفض الوزير المعني إجراءات اتخذتها رئاسة الوزراء بحق هؤلاء. وفيما يتطلع العراقيون لإجراء انتخابات عامة في مطلع العام المقبل، تضمن انتخاب هيئة تمثيلية تعكس التعدد القائم وتجسد الوفاق المنشود، فإنه من الملاحظ أن لا ترتيبات او تحضيرات رسمية معلنة لهذا الاستحقاق، في وقت نشطت فيه قوى سياسية لتنظيم صفوفها استعداداً لهذه المناسبة، وهي القوى نفسه التي تتحكم بالحياة العامة مع استبعاد حزب الدعوة الذي يقوده المالكي. ذلك يدل على أن هندسة المعادلات الداخلية لم تتوقف، في سياق الحفاظ على الوضع القائم مع "ما يلزم" من تعديلات. والخشية أن لا تتاح فرصة التصدي الناجع للمشكلات المتراكبة ضمن دولة القانون والمؤسسات، بما في ذلك المعضلة الأمنية، وذلك في غياب ارادة سياسية لتجاوز الانقسامات وتقاسم الدولة بين قوى الأمر الواقع، وتمكين الناس من اختيار ممثليهم السياسيين لا ممثلي عائلاتهم وجماعاتهم الطائفية. والانتقال من ذلك للتصدي لمشكلات الفساد واضطراب حبل الأمن وصولا الى ضمان استعادة السيادة ، وتنظيم علاقات مستقرة مع جميع دول الجوار. وباستثناء ظاهرة العنف الدموي،فإن الوضع في العراق لجهة التأثر بالخارج، يكاد يماثل الوضع اللبناني، فقد فشل ممثل الأكثرية الذي زكته استشارات رئيس الجمهورية مع الكتل النيابية، في تشكيل حكومة بعد ستة أسابيع على تكليف سعد الحريري.الطرفان المتنافسان يزعمان أن تأثيرات خارجية منعت الفريق الآخر، من الاستجابة لدواعي تشكيل حكومة شراكة وطنية. الواضح أن في كلا الادعاءات جانب من الصحة.في العراق تتفق سائر الأطراف على أمر واحد، وهو أن هناك تدخلات خارجية تدعم هذا الفريق أو ذاك وتعكر صفو الأمن. بما يشي أن المسألة لا تقف عند تأثيرات خارجية، بل تمتد الى هشاشة الوضع السياسي الداخلي، وافتقاد ميثاق ينظم النزاعات، مع الأخذ في الاعتبار أن أطرافاً أساسية لا تمحض كامل ثقتها للدستور الذي أبرم قبل نحو عامين، وبقيت بعض بنوده تنتظر التعديل أو الموافقة عليها. لقد سبق أن التزمت دول الجوار في مؤتمرات متعاقبة لها، بعدم التدخل في شؤون العراق الداخلية وعدم الإخلال بالأمن فيه، وقد ثبت بعدئذ أن الضامن لذلك هو العراق نفسه، لا الأطراف الخارجية فهذه أياً كانت نواياها ، فإن حساباتها ليست عراقية! .فالأمن قابل للاستتباب ضمن وضع سياسي متماسك، وفي ظل دولة القانون والمؤسسات، وبوضع حدود حاسمة بين بنية الدولة وإداراتها، وبين مختلف الجماعات الأهلية، ومع الاتفاق على مستقبل المسيرة الوطنية وعلى هوية النظام السياسي الجديد.في ظل وضع كهذا فإن أية تدخلات من أي طرف في حال حدوثها، تصبح مكشوفة لا غطاء سياسياً لها، ولا تعود هناك  مصلحة لأي فريق داخلي ذي أهلية، في تفجير الأسواق والمساجد والإدارات الحكومية وأنابيب النفط، ويتوقف الاستثمار السياسي للعنف الدموي الأعمى، ولا يعود بوسع أحد أخذ القانون بيده والتسلط على المجتمع وبناء دويلته الخاصة، أو أن يكون جسراً تعبر عليه التدخلات الخارجية . ذلك هو التحدي الجوهري الذي ما انفكت مختلف القوى

نفي ما هو غير يهودي

                نفي ما هو غير يهودي                                                   محمود الريماويفي تصريحات مكررة ، اعلن بنيامن نتنياهو في مفتتح جولة أوروبية أخيرة  له ، أن "عقدة الصراع تتمثل في عدم اعتراف الفلسطينيين بيهودية  دولة اسرائيل".ورد هذا التصريح في غمرة مفاوضات محمومة بين واشنطن وتل ابيب حول تجميد الاستيطان، ويتولاها عن الجانب الHميركي المبعوث جورج ميتشل. هذه المفاوضات لم تنجح حتى تاريخه. والفشل ليس سيئاً بالنسبة لتل ابيب، فذلك يعني أن الاستيطان سائر على قدم وساق( وهو يشمل الجولان المحتل لا الضفة الغربية المحتلة فحسب) ما دام ان اتفاقاً بخصوصه لم يتم. أما النجاح لو تحقق فسيعني تجميداً جزئياً لا يشمل ما بُدىء ببنائه، ومؤقتاً لا يتجاوز نهاية العام..وفي هذه الحالة فإن الاستيطان لا يتوقف كلية. لكن بعيداً عن مفاوضات الحليفين التي لا يتدخل فيها اصحاب الشأن ولا الأطراف العربية ، فإن الإلحاح على مطلب "يهودية الدولة"، لا يشكل فقط محاولة مسبقة لإفشال اي تفاوض لاحق، بل يرمي الى الاهتداء بأيديولوجية صهيونية، لا تعبأ بأي تطورات سياسية قد تحدث. بهذا الاهتداء بل التقيد، فإن الدولة العبرية لا حدود نهائية لها حتى الآن. وهي تشمل حُكماً الضفة الغربية كما في البرنامج السياسي، الذي استند اليه زعيم اليكود في الانتخابات الأخيرة ، وفي واقع الأمر فإن هذا هو المعنى الحقيقي للاستيطان ، فالمستوطنات التي تبنى بحجم مدن في ما يطلقون عليه "يهودا والسامرة"، هي امتداد للدولة العبرية وبالتالي جزء منها. وتجميد الاستيطان حتى لو تم ،لا يغير شيئا بالنسبة لهم.فالمدن الكبيرة التي أقاموها على اكتاف المدن الفلسطينية ، سوف تظل حسب سيناريوهاتهم قائمة . وهذه المدن الاستيطانية هي جزء من الدولة اليهودية التي يريد السيد نتنياهو من العرب والفلسطينيين الاعتراف لها بهذه الهوية .. وهي ليست مجرد هوية، بل واقعاً قائماً على الأرض يتم السعي لانتزاع شرعيته من الضحايا. فإذا ما تواصل هذه السيناريو فإن دولة فلسطينية منزوعة السلاح ومنزوعة السيادة عملياً، سوف تقع حُكما في حضن الدولة الاسرائيلية، وسيكون شأنها شأن دولة الفاتيكان بالنسبة لإيطاليا..مع فوارق الظروف فليس هناك في حالة ايطاليا واقع احتلالي، ولا مطالب سياسية مرفوعة لحاضرة الفاتيكان.وبينما يثار في تل ابيب أن باب العودة قد يفتح للاجئين الفلسطينيين مستقبلا، الى "دولتهم" في الضفة الغربية ،فإن السيناريو القائم يفيد ان فلسطينيي العام 1948 الباقين على ارضهم، مرشحون للتهجير الى جيوب الضفة الغربية، وذلك إعمالاً لمبدأ يهودية الدولة التي لا تتسع لغير اليهود. التخلص من الاسماء العربية للشوارع والمناطق والشاخصات المرورية هو إجراء رمزي يستدل به على المضي قُدماً في التهويد. كذلك الحال في تكثيف الوجود اليهودي في مدن مثل يافا وعكا،وتضييق رقعة تواجد أبناء المدينتين هو مؤشر آخر، على أن التهويد التام وتصفية الوجود العربي، هو ما يشغل حكومة تل ابيب وليس أي سيناريو آخر يتعلق  بتسويات مزعومة. وعليه فإن يهودية الدولة ليس مجرد شعار، ولا هو محض خطاب أيديولوجي، بل هو توجه سياسي يقترن بخطوات حثيثة لا تهدأ على الأرض. ومن شأن هذه الخطوات نسف أية أرضية للتسويات. العجز العربي والفلسطيني، يفاقم القصور في التعامل مع هذا السرطان.فإذا كان مفهوماً أن يرفع العالم شعار تجميد أو وقف الاستيطان، وذلك كاجراء براغماتي يوفر ارضية للتفاوض، فإنه ليس مفهوماً ان يتم طي الموقف الصائب بالامتناع عن اسباغ أية شرعية او غض الطرف على الاستيطان حتى لو تم تجميده ، والتوقف عن الجهر بأن الاستيطان القائم منذ بدء احتلال الأراضي العربية غير شرعي، وأنه مظهر من مظاهر الاحتلال وليس أي شيء آخر . التركيز على هذا الموقف يجعل المطالبة الدولية بتجميد الاستيطان تبدو مجرد مطلب طفيف. فيما تخضع الأطماع الصهيونية في الحالة هذه،الى الطعن السياسي والقانوني بها،فالمستوطنات ليست امتدادا للدولة العبرية، بل هي احتلال مدني وامتداد للاحتلال العسكري. من حسن الطالع أن مطلب يهودية الدولة لا يلقى قبولاً دولياً واسعاً حتى تاريخه، لكن هذا الشعار قد يلقى مع الوقت مثل هذا القبول، في حال بقي العرب والفلسطينيون يتشبثون بأذيال المواقف الدولية، بالاكتفاء بمطلب تجميدالاستيطان ( وهو ما قد يعني أو يفسر بأنه قبول ضمني بما تم بناؤه من استيطان حتى الآن .. شريطة عدم بناء المزيد !). فهاهو مطلب التطبيع العربي مع دولة الاحتلال يلقى قبولاً دولياً وقدراً من القبول العربي، في حال تم تجميد الاستيطان بصورة أو بأخرى، وخلافا للمبادرة العربية التي تقضي بسلام شامل في حال الانسحاب الكامل من كامل الأراضي العربية المحتلة ، فإذا ما مضت الأمور على هذه الوتيرة فإن مطلب يهودية الدولة مرشح لأين يتم القبول به لاحقاً.. وربما بدعاوى مثل : إنهم يهود ودولتهم يهودية فماذا نخسر إن سمينا الأشياء بأسمائها؟!.إنها لعبة الشطرنج الخطيرة  التي  يتم فها تحريك البيادق وسط غفلة أحد اللاعبين، بزعم ان اللعبة ما زالت في بدايته اولا تثير القلق، ليجد هذا اللاعب في النهاية أنها مدفوع لتنقيل بيادقه، في الاتجاه الذي صممه من قبل اللاعب الآخر.   

كسر الجمود هل يؤذن بتحولات؟

كسر الجمود هل يؤذن بتحولات؟

محمود الريماوي

                                                 

  من المفيد النظر الى مؤتمر حركة فتح، من زاوية سياسية تتعلق بالصراع مع الاحتلال، علماً أن زوايا النظر الأخرى مهمة، كتركيبة القيادة الجديدة للحركة وتزكية الرئيس عباس بدون انتخاب، وإمكانية وقف الانشطار بين الضفة الغربية وقطاع غزة .لقد نجح  التيار الغالب من الجيل الشاب في الحركة، في إعادة  تظهير الصراع باعتباره قانون العلاقة مع القوة المحتلة. ومنذ البدء عمدت تل ابيب لمحاولة التأثيرعلى المؤتمر بمنع خمسة أعضاء من الالتحاق بالمؤتمر في بيت لحم، واعتبرت الاستيطان قضية خلافية كبرى مع واشنطن، وحشدت اليمين الأميركي الجمهوري بالذات وراء حكومة نتنياهو، والهدف بث رسالة إلى الفلسطينيين عموماً ومن خلفهم العرب لا إلى مؤتمر فتح فحسب، بأن الاستيلاء على أرضهم مشروع صهيوني لا رجعة عنه، حتى لو اعترضت واشنطن جزئياً على هذا المشروع..الغالبية الغالبة من الساسة الاسرائيليين، أبدوا نقمتهم على قرارات المؤتمر، وبخاصة بما يتعلق بالموقف من القدس واللاجئين، فيما بدا ما يشبه الاجماع على الاستمرار في احتجاز مروان البرغوثي عضو اللجنة المركزية المنتخب ( حل ثالثاً في قائمة الفائزين) والمحكوم بالمؤبد. اجواء المؤتمر رغم ما سادها من إرباكات، دللت على ان قواعد الحركة عازمة على استعادة الوهج الكفاحي للحركة الذي انطفأ في السنوات القليلة الماضية، وعلى محاولة فك الارتباط بين السلطة المقيدة بالاتفاقيات زوالترتيبات الأمنية، وبين التنظيم كحركة تحرر وطني،وقد تحقق قدر من النجاح في ذلك. وهذه هي النتيجة الأهم لهذا المؤتمر، الذي ما كان له، أن يعقد دون ضغوط التيارات الشابة من أجل ضمان عقده. ذلك أن التيار القديم رغم التعارض بين مكوناته، كان يدفع نحو إرجاء مستمر لعقد المؤتمر السادس بذرائع شتى، مما يهدد بإبقاء الأمور على حالها، في وقت كان يشكو فيه بعض المرجئين من الحال القائم.نجحت إذن التيارات الشابة التي سبق لها ان خاضت انتفاضتين ضد الاحتلال في كسر الجمود، وفي استعادة بعض الحيوية المفقودة  لهذا التنظيم، غير أن المرحلة المقبلة والقريبة، تفرض جملة تحديات على الحركة. وحسن التعامل مع التحديات هو ما سيحدد مدة نجاح هذا المؤتمر.التحدي الاول هو ابتعاث الحيوية المعطلة والمقيدة في الجسم السياسي والاجتماعي، ووقف احتجاز الحركة الشعبية المدنية ، والضغط على السلطة وحكومة فياض في هذا الاتجاه. فلا يكفي ترداد شعارات صحيحة ومواقف صائبة، إذ المهم هو تمكين الرازحين تحت الاحتلال من ابداع وسائل مناهضتهم الجماعية للقوة الغاشمة، وذلك هو ألفباء "المقاومة المشروعة" التي تبناها المؤتمر. لقد ساهم غياب وتغيب الحركة الشعبية المدنية في استشراء التغول الاستيطاني، والاستخفاف بالأهداف والحقوق الوطنية، وفي تقزيم السلطة فوق القيود التي تكبلها. وعليه لا بد من مراجعة النهج الذي سلكه الرئيس عباس، في اعتماده الأسلوب الدبلوماسي والبيروقراطي كخيار وحيد للصراع. لقد تم اختيار عباس رئيسا بالإجماع والتزكية، بما يدل على طابع القيادة الأبوية الذي ما زال يسم أقدم الحركات الفلسطينية. وهو نهج أرساه الرئيس الراحل عرفات. غير أن ما كان "يشفع" لعرفات نزعته هذه ،أنه حافظ على جذوة الصراع متقدة. والتحدي الآن أمام القيادات الشابة الممثلة والمنتخبة في اللجنة المركزية، هو في البرهنة رغم ما حدث، على أن إرادتهم ثابتة في استئناف السجال الصراعي مع الاحتلال، وعلى تحقيق استقلال نسبي أو فك ارتباط نسبي بين السلطة والحركة.التحدي الثاني هو الصمود في وجه حكومة نتنياهو، بعدم الانسياق الى أية مفاوضات قبل تجميد نهائي للاستيطان،ووقف الانطباع بأن التفاوض هو سياسة دائمة، والانتقال من ذلك الى شن هجوم سياسي على حكومة الاحتلال بوصفها حكومة حرب وتوسع، لا محل للسلام على أجندتها الفعلية. والصمود  خلال ذلك أمام محاولة التهويل، بأن مؤتمر حركة فتح  انتهى الى إعلان حرب. في واقع الأمر أن استمرار الاحتلال الاستيطاني والعسكري، هو في جوهره حرباً مستمرة. التحدي الثالث يكمن في مد الجسور مع حركة حماس وبالذات في الضفة الغربية، على قاعدة المشاركة واحترام التعددية، ونبذ أي نهج انقلابي أو تساوق مع خطط الاحتلال الأمنية. وفي القناعة أن الوحدة تستعاد على الأرض أولاً، وعبر العلاقات الصحية بين شتى القوى السياسية. ولا بديل في النهاية عن الحق في التعددية السياسية والفكرية ( في الضفة الغربية كما في قطاع غزة) وعن الخيارات الديمقراطية للشعب عبر صناديق الاقتراع، بعيداً عن استسهال فرض السطوة ،ومحاولة إعادة هندسة المجتمع بصورة قسرية، ومن حيث أتت هذه المحاولات. ثم تصنيف الناس ومنحهم صفة الوطنية، أو حجبها عنهم حسب انتماءتهم التنظيمية الفصائلية. لقد آن الأوان لإعادة الزخم للوحدة الوطنية على الأرض وفي صفوف الناس في الضفة والقطاع، وصولاً الى وحدة المؤسسات السياسية، وعلى قاعدة مناهضة الاحتلال والتمسك الحازم بالحقوق، وإطلاق الدينامية الاجتماعية الحبيسة، والكف عن إعادة انتاج القمع بمسميات جديدة وبشهية متجددة. وقد تمكن مؤتمر فتح من كسر الجمود  وأشاع مناخاً جديداً، عسى أن يكون ذلك إيذاناً بتحولات على الأرض وعلى المؤسسات، وعلى مجمل الأداء السياسي لتدارك ما فات ،واستنهاض الطاقات في وجه تحديات متعاظمة ..  
 
A service provided by Al Bawaba