27 آب, 2009
حتى لو تشكلت حكومة في لبنان
حتى لو تشكلت حكومة في لبنان.. محمود الريماوي حتى لو نجح رئيس الوزراء اللبناني المكلف سعد الحريري بتشكيل حكومته الأولى، فإن هذا الانجاز لن يعني إسداال الستار على الأزمة السياسية الداخلية التي باتت بنيوية في لبنان. في أوقات سابقة كانت مظاهر التأزم تشي بحيوية، بحياة سياسية مفتوحة وعلنية، غير أن تتالي الأزمات بات يكشف عن جذر واحد لها،وهو عدم ارتضاء فرقاء كثيرين بقواعد اللعبة السياسية الوفاقية والتداولية، ومحاولة تحسين المواقع والحجوم، باستجلاب أزمات فرعية ، وبالأصرارعلى الربط الغريب والميكانيكي بين الوضعين الداخلي والاقليمي، ربطاً لا فكاك منه وكأن اللبنانيين دون غيرهم من الشعوب الشقيقة لهم، هم وحدهم من يتأثرون بالرياح الأقليمية، وهم دون سواهم من تسري عليهم مفاعيل التقارب والتباعد بين محاور عربية ودولية، وهم خلافاً لغيرهم من تنعكس عليهم مجريات التسوية والصراع العربي الاسرائيلي.. حتى الانقسام بين فتح وحماس يبدو في لبنان حصراً، ذا انعكاس مباشر على الحياة السياسية فيه، ابتداء من المخيمات ثم إلى محيطها وصولاً الى الأحزاب ومواقع صنع القرارات والسياسات.تأسيساً على هذه الرؤية، فإن الزعامات اللبنانية باتت تمثل ما يشبه كيانات سياسية في مناطق نفوذها، وكل ٌ يسعى لتوسيع هذا الكيان وزيادة تأثيره، ومحاولة الحد من حجم كيانات الآخرين . وقد يتطلب الأمر وساطات خارجية واجتذاب تدخل خارجي، من اجل تنظيم العلاقة بين هذا الكيان و وذاك . ليس هذا الوضع بجديد حقاً في ضوء التوزيع الطائفي ، غير أن ممثلي الطوائف كانوا يعرفون " حدودهم ، وتتمثل تلك "الحدود" في احترام المؤسسات والتقاليد المرعية، وتفادي التسبب في ازمات مستعصية يدفع البلد كله ثمناً لها، وعدم اعتبار تنازلٍ ما عن تعيين مسؤول ما مثلا، بمثابة خسارة كبرى ما دام أن الوضع بمجمله يرتاح. الآن تغير الوضع، فلدى غالبية الأطراف تصورها الخاص للبلد، وللجهور وللطائفة وللمنطقة الانتخابية، والتأثير الخارجي في ظرف معين يكون جيداً إذا ضمن مصلحة فئة ما، ووضع حداً لنفوذ الفئة المنافسة. كان الزعماء يحذرون في عقود غابرة من "التقسيم"، وهو تحذير في محله اتى أُكُله، غير أن ما يحدث الآن هو تحول التوزيع الطائفي الى منصة لتقاسم النفوذ والسعي لتوسيعه، ولا بأس أن يكون هناك مقدار يقل أو يزيد للأمن الذاتي، ويجري استقبال السفراء العرب والأجانب من طرف القوى السياسية، وكأن كل قوة سياسية منفردة بشأنها ونفوذها، بما "يجيز" التعامل بمنطق دول قائمة مع ممثلي دول مستقلة ،وربما تداول وجوه العلاقات "الثنائية". في ظل هذا الظرف يصعب رؤية نهاية قريبة للأزمة البنيوية في هذا البلد ،والتي يتمنى المرء أن تتم معالجتها غداً قبل أي وقت لاحق. فقد استقرت مفاهيم التواصل المباشر مع الخارج، وباتت من "الحقوق المكتسبة" للفرقاء ومن السمات القارًة لتركيبة السياسية.ويسهل خلال ذلك الشحن والتشاحن، واحتساب الرئيس الفرنسي ساركوزي مثلا نصيراً لهذه الجهة أو تلك بينما الرئيس الفنزويلي شافيز يرجح كفة هذه الفئة على تلك ، كما يمكن لمن يشاء في لبنان الأخضر أن يطلق القليل من خياله، لكي يرصد مثلاً، تأثيراً " محتملاً" للمواجهة بين السلطات اليمنية وبين الحوثيين في جبال صعدة، على نسيج التحالفات ومراكز القوى الداخلية، وهكذا الى ما لا نهاية من تصور واستجلاب تأثيرات خارجية. وبالتشبه بمظاهر العمران ومفردات الطبيعة ، فإن البيوت ذات البنيان المتين هي التي تصمد أمام عوامل الطبيعة، وأصحاب تلك البيوت هم من يستثمرون هبوب الرياح وهطول المطر وبزوغ الشمس لإنعاش مزروعاتهم، وهم من يصنعون سدوداً تقيهم من اندفاع السيول. اما البيوت التي تشاد ولو كانت فخيمة، في عين العاصفة دون حمايات بنيوية وحديد تسليح كاف، فهي تتعرض للأنواء. موقع لبنان الوطن والكيان ليس كذلك وقد أثبت اللبنانيون قدرتهم على الانتصار على مخاطر النزاعات الأهلية والاعتداءات الخارجية، غير أن الكثير من زعمائه لايرونه كياناً قائماً بذاته ولذاته، ولا يتصرفون باعتبارهم هم وشركاؤهم أصحابه وأول حماته. وبعبارة أخرى فإن الاستقواء بالخارج يتقدم على الاستقواء بالشقيق، والدولة التي استقامت وسبقت غالبية الدول العربية في استقلالها قبل أكثر من ستة عقود، تبدو في أنظار البعض ما زالت في طور التشكل.ليست هذه دعوة لانكفاء أو لإضعاف روابط هذا البلد بمحيطه العربي والاقليمي وكذلك بعلاقاته الدولية ، بل هي على العكس دعوة لتقوية هذه الروابط وإدامتها بين دول مسنقلة ، وبين لبنان مستقل شأنه شأن غيره. واستثمار هذه الروابط، من أجل دعم وحدة اللبنانيين لا التسبب في انشطارهم، ونصرة قضاياهم وتعزيز السلم الأهلي والوقوف في وجه التهديدات الصهيونية، والالتفاف حول مرجعية الدولة . . وسوى ذلك فإن أزمة تشكيل حكومة سوف تتلوها المزيد من المشكلات ، وذلك قياساً على تجارب سابقة منذ التمديد ورفض التمديد للرئيس السابق إميل لحود قب أكثر من ثلاث سنوات، وما دام فرقاء كثيرون ولكن نافذين، يتربصون ببعضهم بعضاً ، ويعتبرون نفوذهم المناطقي والفئوي أشد أهمية من مخاطبة الرأي العام كله، او التطلع لموقع وطني عابر للمناطق والجماعات>
21 آب, 2009
"من يؤنس السيدة" : لماذا الرواية؟
"من يؤنس السيدة" : لماذا الرواية؟ الرواية؟ محمود الريماويالمفاضلات التي اشتد أوارها بين الرواية والقصة القصيرة في السنوات العشر الأخيرة على الأقل ، هي التي تجعل قاصاً مثلي مدعواً للإجابة على سؤال الانتقال من القصة الى الرواية. في أوضاع أخرى يبدو السؤال نافلاً : فالرواية والقص ينتميان لعائلة سردية واحدة. هناك كتاب بلا حصر من عرب وغير عرب، زاوجوا بين الفنين: همنغواي ، كافكا ، ماركيز، يوسف ادريس، غسان كنفاني ، رشاد أبو شاور وسواهم .في ما كتبته من قصص أعطيت لنفسي الكاتبة دائماً ،حق الوقوع على الشكل الملائم لكل قصة، والانطلاق مما قد تصح تسميته ببراءة فنية، تقوم أساساً على المرونة في الشكل ومحاولة المطابقة بين الشكل والمضمون في كل قصة، وذلك بغير تصور قبلي ودون تنميط. فكتبت القصة القصيرة جداً قبل أن يتم "اكتشافها" عندنا في الأردن. وكتبت القصة الحلمية والواقعية وذات المقاطع، واستسلمت في البدء لأداء شعري في القص قبل أن أتحرر منه، محتفظاً برؤية شعرية تقوم على النظر الى العالم والتعاطي معه بقلب طفل وعقل مكتهل . ثم انتقلت الى القصة الطويلة أو الممتدة كما في قصة "القطار" و"هذا هو أنت" و"رجوع الطائر". هنا أجد مع نفسي الكاتبة، بذرة أو مقدمة الانتقال الى تجريب السرد الروائي الذي يلبي حاجة ذهنية ونفسية لمن هو في عمري وتجربتي، حيث تكسرت النصال على النصال، وطفت وأقمت في بلدان ، وتراكمت في الوعي وفي الوجدان وقائع وتجارب وخلاصات، قد لا تتسع القصة القصيرة دائماً للتعبير عن بعضها. شرعتُ في كتابة "من يؤنس السيدة" وفي البال أن أكتب قصة في 3 أو 4 آلاف كلمة. فإذا بي أجد نفسي مدعواً وملبياً لنداء داخلي، لتقليب صفحات حياة البطلة الأولى ثم سيرة البطلة الثانية، وخلال ذلك الزحف الكتابي التفصيلي، مع حيوان بطيء يتوسط يوميات البطلتين. وفي نهاية الأمر فلا أحسبني اقترفت فعل خيانة لفن القصة القصيرة، وقد وُصفتُ بأني من الأوفياء لها، في مقال كتبه صديقي الراحل صلاح حزين في "الدستور" قبل سنوات و تناول فيه كلا من تجربة القاص الزميل محمود شقير وتجربتي. وقبل أسابيع كان الزميل القاص فاروق وادي قد كتب في "الرأي" أني من المخلصين لهذا الفن ، ولم يكن يعلم بما تفعله يدي في الأثناء، ووادي بالمناسبة ممن زاوجوا بين الفنين دون اتهامات له بالخيانة أو ما شابهها.الانتقال بين غصنين لشجرة واحدة، أو حتى الانتقال من شجرة الى شجرة مجاورة في غابة واحدة ، ليس بتهمة تحيق بطائر، وليس شرفاً بحد ذاته. كل ما في الأمر أن ذلك شكل من أشكال اللعب. والفن كما تعرفون هو في أحد تعريفاته الأولى أحد أشكال ومظاهراللعب.
16 آب, 2009
عيناه على النيل
عيناه على النيل
محمود الريماوي
بينما أعلن الوزير الصهيوني أفيغدور ليبرمان، استعداده للاستقالة قريباً من منصبه وزيراً للخارجية في حكومة نتنياهو إذا أدين بالفساد، فقد أعلنت مصادر وزارته بعد ذلك بأيام (الخميس الماضي 6 آب الجاري) أنه سيقوم بجولة افريقية واسعة، تشمل دولاً منها كينيا وأثيوبيا وأوغندا في سبتمبر المقبل. مصر التقطت هذه الإشارة ورأت فيها محاولة للتأثير على كينيا واثيوبيا ،لإعادة النظر في الاتفاقيات الدولية بعضها يعود لأكثر من قرن مضى، حول حجم حصص دول المنبع والمصب من مياه نهر النيل .حيث تسعى الدولتان مع دول اخرى في الإيغاد الى مراجعة الاتفاقيات التي تمنح مصر 55 مليار متر مكعب من المياه سنوياً . يُذكر أن 95 بالمئة من موارد المياه المصرية تتأتى من نهر النيل ، وهو ما جعل بلد الكنانة "هبة النيل" فيما الاعتماد السوداني مثلاً على النهر لا يزيد عن واحد بالمئة، وكينيا اثنان بالمئة. ومع العلم أيضاً ان تضاعف عدد المصريين خلال نصف قرن، قد قلل من حصة الفرد من مياه النيل الى نحو ألف متر مكعب سنوياً في وقت تتبدد فيه النهر بنسبة عالية تزيد عن ثلاثة ارباع كمياته. مصر التي تحفظت عن استقبال ليبرمان والتعامل معه( ليتها فعلت ذلك مع رئيسه نتنياهو أيضاً) ، تتعرض لمحاولة صهيونية للتأثير على أمنها المائي القومي، من الدولة العبرية ويقود المحاولة هذه المرة، الرجل الذي سبق أن اقترح على دولته قصف السد العالي الذي يحتجز نسبة من مياه النيل لغايات الزراعة. وبالطبع فإن الأهداف المعلنة لزيارة رئيس الدبلوماسية الصهيونية، تقتصر على الحديث عن أوجه التعاون المختلفة، والتي تشمل تصدير أسلحة الى دول أفريقية فقيرة : صادرات الأسلحة "الاسرائيلية" تفوق ستة مليارات دولار سنوياً.يكشف الباحث في الشؤون الافريقية عطية العيسوي، أن مصر قدمت دعماً لبعض دول حوض النيل. منها دعم مالي لأوغندا 14 مليون دولار ، وللسودان 26 مليون دولار ، ولكينيا: حفر مائة بئر للمياه الجوفية. إضافة الى مشروعات مشتركة تشمل السودان واثيوبيا وتنزانيا . ومشاريع اققتصادية كهذه لاتلقى صدى اعلاميا كبيرا. ولعل اعتبارات الأمن القومي المصري، هي التي جعلت علاقة القاهرة وثيقة بالخرطوم رغم التباعد الايديولوجي وحتى السياسي بين العاصمتين، ورغم أن محاولة الاستهداف الوحيدة للرئيس مبارك قد جرت في الخرطوم. مع ملاحظة أخرى وهي أن الاهتمامات المصرية بأمنها الجيو استراتيجي في الدائرة الافريقية، هو أحد العوامل الذي حد من الحضور المصري عربياً ومشرقياً بالذات في العقد الأخير. وزير المياه لمصري محمد نصر الدين علام، أعلن في الخامس من تموز الماضي أن وزارته، سوف تحيل الى مجلسي الشعب والشورى خمسة مشاريع قوانين مائية، من بينها مشاريع لتقديم المساعدات اللازمة لدول حوض النيل مثل المعدات والتقنية الحديثة وإجراء البحوث المشتركة في مجال تقنية هندسة المياه والبيئة وتشجيع الاستثمار مع اعطاء الأولوية للسودان وأثيوبيا وأوغندا .مغزى ذلك أن مصر تنشط افريقياً لتعزيز تعاونها مع دول حوض النيل في سائر المجالات، ولعل هذا الحضور المصري القديم والمتنامي يشكل أحد الدوافع للتقرب "الاسرائيلي" من هذه الدول ( باستثناء السودان ) . تخوض تل أبيب مع القاهرة صراعا خفياً على طريقة لعبة الشطرنج، بالنقلات المتدرجة من مواقع مختلفة بهدف التطويق، لا عبر الهجوم المباشر، تبدأ من نفوذ اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة في محاولات الحد من الدعم الاميركي للاقتصاد المصري والتأثير في الاوضاع الداخلية، ولا تنتهي بمحاولات تجديد التموضع في القارة الإفريقية. وهكذا اذا كانت امدافع قد هدأت منذ ثلاثة عقود على الجبهة العسكرية ، فإن اوجه الصراع السياسي والاقتصادي والاعلامي لم تتوقف منذ ذلك التاريخ، بما في ذلك عمليات التجسس داخل الأراضي المصرية. اللافت بعدئذ أن التصدي للضغوط الاسرائيلية ، بات عربياً لا مصريا@ فقد يتم على مستوى الدول منفردة. هناك حديث عربي وقدر من التنسيق في العمل على الجبهة الدبلوماسية بهدف دفع الحلول السياسية، لكن خلا ذلك فإن المسألة تتخذ طابعاً ثنائياً، وتتعلق بسيادة الدول وحساباتها الخاصة المتعلقة بأمنها الوطني. ويبدو الأمر أسوأ من ذلك حين تواظب تل أبيب على طرح أفكار حول " تعاون عربي – اسرائيلي" في مواجهة إيران كما فعل نتياهو وباراك في القاهرة. لا تلقى هذه الدعوات قبولاً على الأقل على المستوى العلني، غير أن الخطاب العربي الرسمي لا يتحدث بالوضوح الكافي، عن الخطر الرئيس في المنطقة الذي ما زالت تمثله الدولة العبرية المحتلة والتوسعية، والذي يتقدم على أية تعارضات مع ايران. ليس مطلوباً إطلاق شعارات نارية حول الصراع الباقي، فبعض مطلقي هذه الشعارات يكتفون بترديدها دون اي جهد ملموس ،ويراهنون على خداع " الجماهير " بها، بيد أن المطلوب هو مخاطبة هواجس وتطلعات الرأي العام العربي، وإحياء الأمل لديه بمواجهة سياسية حازمة مع العربدة الإسرائيلية، وإحياء أوسع تنسيق عربي ممكن للضغط على تل أبيب، التي لا تتردد في السعي لحرمان مصر كما غيرها من الدول العربية، من شرايين الحياة .
10 آب, 2009
انتخابات "دولة" في الشمال
انتخابات "دولة" في الشمال محمود الريماوي الذين اعتبروا أن الحركة الكردية في العراق ، هي من أكبر المستفيدين من سقوط النظام العراقي السابق لم يجانبهم الصواب. لقد أتيح بفعل هذا التغيير الذي تحقق على يد قوة اجنبية لتلك الحركة، ان تتقدم الى الامام على طريق تحقيق تطلعاتها القومية، مع الاستفادة من مزايا الانضواء في الدولة العراقية. الانتخابات الأخيرة التي جرت في اقليم الشمال ، لم ينقصها ما يجعلها انتخابات ل"دولة مستقلة" ذات علم وطني ودستور خاص بها وقوات "وطنية"، وبالطبع قانون انتخاب خاص بها يخضع له أو يتمتع به أكراد العراق. جرت الانتخابات في ظل مراقبة أجنبية ومحلية دون ان يمنع ذلك نشر تقارير عن انتهاكات واسعة، من بينها فصل أو نقل آلاف من الموظفين تم التشكيك بولائهم للحزبين الكبيرين : حزب البرازاني وحزب الطالباني. وجرى مهاجمة مراكز للمعارضة قبل إعلان النتائج ( للتخويف) وبعدها( لتعزيز الغلبة). لكن هيئة مراقبة الانتخابات لم تعتبر أن الانتهاكات تملي إعادة الانتخابات. وبالنظر مجدداً الى المعطيات، فقد شارك مليونان و ونصف المليون في الانتخابات التي تقدم لها ثلاثون حزبا سياسيا واربع ائتلافات وتم فتح 5369 مركز اقتراع امام الناخبين لاختيار 111 نائبا، يتم اختيارهم من القوائم المكتملة وليس بالانتخاب الفردي. وهنا تتبدى اهمية هذه الانتخابات مقارنة بالانتخابات العربية. فهناك التمثيل النسبي عبر القوائم الحزبية الذي يسمح بتقدم الحياة السياسية والحزبية. وتحظى الاحزاب بدعم مالي من الحكومة ، كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية. وهناك اشتراط ان تتمتع المراة بمانسبته ثلاثين بالئة في القوائم. وهي نسبة أعلى مما هي عليه في اية قوانين انتخاب عربية .وحتى في النتائج فقد لوحظ ان مسعود برزاني فاز برئاسة الإقليم، بما نسبته أقل من 58 في المئة من الأصوات، وهي نسبة تدلل على أن المجال كان مفتوحاً بالفعل أمام التنافس على المركز الأعلى، فيما فاز منافسه الثاني: كمال يوادويلي بأكثر من 25 بالمئة من الأصوات. بينما فازت قائمة المعارضة الرئيسية : التغيير برئاسة هوشيران مصطفى بأكثر من 23 بالمئة من المقاعد. إنها نسب مقنعة وواعدة، رغم أن أصواتاً في المعارضة تقول إن الانتخابات لو جرت بنزاهة أكبر وخاصة في محافظة السليمانية لكانت النتائج مختلفة.بهذا جرت انتخابات ذات طابع سياسي يكاد يكون مكتمل الأركان، وكما يحدث في بقية الدول وبصورة أفضل رغم كل ما شابها مما يجري في دول عربية. مع ملاحظة أن هذه المناسبة قد تحققت قبل ستة اشهر، من الموعد المفترض لإجراء الانتخابات النيابية في الدولة العراقية . الاستقرار في الاقليم الكردي مكًن من اجراء الانتخابات في موعدها وبصورة طبيعية رغم تجييش الحزبين الكبيرين . خلافا للوضع في الدولة العراقية حيث ما زال موعد الاستحقاق النيابي غائماً. وكذلك مع ملاحظة أن الاتحاد الوطني حزب الرئيس العراقي جلال الطالباني قد خاض الانتخابات مؤتلفاً مع حزب البارازاني الديمقراطي. وترشح أوساط الطالباني، برهم صالح نائب رئيس الوزراء العراقي لتولي رئاسة برلمان كردستان.. وقد لوحظ في هذه المناسبة أن محافظة كركوك تم استثناؤها من الانتخابات، كما تم استثناؤها من قبل في انتخابات المحافظات..علماً أن المطالبة الكردية بها لاتتوقف ،إذ يشملها الدستور الكردي ضمن أراضي الإقليم . على أن نتائج هذه الانتخابات التي سمحت للمعارضة اليسارية والإسلامية و"الوطنية" بملء نحو أربعين مقعداً ، تعزز من صورة الإقليم ككيان يحترم التعددية ويتيح لهاالتنافس الحر في اجواء مقبولة ..رغم بعض الاستبداد "الشرقي". ولنا ان نلاحظ أن حكومة الاقليم أبرمت عقوداٍ لاستخراج النفط من أراضي الاقليم، كما تجري رئاسة الاقليم والحكومة محادثات مع دول اخرى وتستقبل مبعوثين أجانب رفيعي المستوى ، فيما يتمتع الاقليم بموارد ذاتية إضافة الى الموارد التي توفرها الحكومة المركزية في بغداد.ليست هناك مطالب استقلالية وانفصالية مرفوعة. بل العكس من ذلك تتقدم الحركة السياسية الكردية ممثلة بالحزبين الكبيرين، باعتبارها طرفاً وشريكاً في الدولة العراقية، وهناك عشرات الآلاف من الأكراد يقيمون بصورة طبيعية في العاصمة بغداد، فيما يتناقص عدد أبناء القوميات الأخرى وبالذات العرب المقيمين في المحافظات الكردية .وفي الحصيلة تبرع الحركة الكردية في التمتع بمزايا الاستقلال كما بعوائد الاندماج في دولة العراق. ومن جهة ثانية تبدو هذه الحركة مؤهلة للتعامل مع أية استحقاقات في المستقبل، بما في ذلك الاستقلال عند الاقتضاء. وهو ما يجعل الحركة الكردية وازنة في المعادلة السياسية الداخلية إضافة الى ما تتمتع به من تماسك، رغم بعض الضغوط الخارجية من تركيا ، وبدرجة أقل ايران. الانتخابات الأخيرة رغم ما شابها من خروقات ،أعادت إظهار الإقليم الكردستاني ككيان متجانس لا مكان فيه لقوات أجنبية أو غير كردية، وتدير حكومته الوضع فيه بغير تدخلات من أحد( باستثناء التفاهمات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة) ، وبأفضل مما عليه الصورة في العراق الكبير. وفي ذلك مؤشرات الى المستقبل.
04 آب, 2009
سأكون بين اللوز : الأفعى تزغرد
"سأكون بين اللوز ":الأفعى القاتلة تزغرد محمود الريماوي يحمل عنوان "سأكون بين اللوز " وصية ووعداً، وتعيين مكان لموعد "مضروب" . شريك الموعد لا تعيين له ،ويسع القارىء التكهن باحتمالات مبثوثة في الكتاب، ومنها أن يكون الموعد معقوداً مع قارىء كتاب حسين البرغوثي، القارىء المحهول الذي يجد نفسه شريكاً ومتلقياً وصديقاً لكاتب يتلو سطور كتابه الأخير سطراً تلو سطر، بتدفق لكن بصفاء.. باستعجال لكن بثبات وتمكن من مادته وموضوعه . بالحفاظ على انثيال وتسلسل المعاني وما يحف بها من ظلال ، والتمتع خلال ذلك بأداء مرهف ينحو نحو مواطن الشعر دون التضحية بقوة النثر .يفرغ القارىء من قراءة الكتاب ويكون قد تبلغ جيداً الوصية، بمحمولاتها الإنسانية والعاطفية والأخلاقية.صدر الكتاب في العام 2004 بعد زهاء عامين على الرحيل المأساوي لمؤلفه . كان مصاباً بسرطان الغدد اللمفاوية ، وعرقلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي وصول أدوية له عبر جسر الملك حسين .ليس ذلك بجديد على احتلال دأب على استهداف سيارات الإسعاف، وترك المصابين ينزفون حتى الموت على الأرصفة. البرغوثي لم يكن من نشطاء الإنتفاضة الأولى أو الثانية .كان من الفاعلين المميزين في الحقل الإبداعي والثقافي.وقد لفت الانتباه إليه بقوة لدى إصدار روايته "الضوء الأزرق" التي سرد فيها جوانب من يوميات طالب عربي في الولايات المتحدة ،يعيش فضولاً معرفياً وتشردا روحياً ، وينسج علاقات مع أشخاص واقعيين لكنهم غريبو الأطوار مولعون بالماورائيات. وبجمعه بين الكتابة شبه التسجيلية وبين الموضوع الميتافيزيقي، فقد انشأ مفارقة درامية باهرة أسندتها لغة مشعة وموهبة أصيلة."سأكون بين اللوز" كتب كسيرة ذاتية مباشرة . لا يسرد يوميات ووقائع بالمعنى الحرفي فقط ، بل يتقصى مشاعره وذكرياته وأخيلته انطلاقاً من المكان الأول وبالرجوع إليه .ويستحضر أشخاصاً وأحداثاً وأماكن بما يجعل الكتاب مفعما بأجواء روائية.تحت وطأة مرض لا يرحم يعود المؤلف السارد إلى ينابيعه الأولى :طفولته، وبدلاً من التوقف عند استرجاع ذكرياته، يقرر العودة طفلاً :إلى الطفل الذي كانه وما زال قابعاً وحياً في أعطافه، من أجل استعادة القوة الأصلية التي امتلكها، والتي امتلك من خلالها المكان واتحد بالطبيعة كابن بار لها وشقيق لسائر كائناتها ومكوناتها من جبال ،وديان ،أشجار ،نباتات ،ينابيع ،غيوم ،سماء ،نجوم ، ريح ، تراب ، حيوانات ،طيور ،حشرات ،حجارة وأصوات .يعود السارد ممتلئا بشعور من ارتكب خيانة بالابتعاد عن موطنه في ريف رام الله ،وبرغبة صريحة في التماس علاج "روحي" وما هو أبعد منه: باستئناف ما ابتدأ به ، والتخفف من أية انشغالات ومغريات بالابتعاد.لقد أعاده المرض حقاً وبصورة مباشرة إلى موطنه، غير أن اليقظة المتجددة للمكان وأهله وأساطيره وأسراره في دخيلته، هي ما قادت خطاه. بذلك فقد رغب في تجديد ولادته أو مضاعفة ما تبقى لجسده من طاقة ، ولم ينزع لموت رحيم .ومع قناعته بأن الذواء يتربص به كل لحظة ، إلا أنه ينزع للانتشار والتحلل وحتى الحلول في الطبيعة ، وهو ما جعل هذا النص الساحر مفعماً بإشارات تأملية عميقة وإحالات ثقافية جمة، جنباً إلى جنب مع سريان كهرباء الشعر في مفاصل النص.واللطيف أن التأملات تتدفق بالتلازم مع تغلغله في الجبال الخضراء،وكمن ينقل وصفاً حياً "من موقع الحدث" .علاوة على ما يزخر به الكتاب من طرافة تمنح المأساة بعداً عبثياً لكنها في الوقت نفسه شديد الواقعية.في استعادة مقاطع من طفولته لم يُعن السارد ،بالإضاءة على جوانب اقتصادية واجتماعية في حياة الريف، ولم يتقص حتى أحوالاً سياسية أو مأثورات قيمية ،بل اتجه على التو إلى مساءلة روح المكان : الجبل ، الدير الجواني ، الينابيع ومنها "نبع القتيلة" حيث سبح السارد طفلاً في بحيرة صغيرة من الدمع. ثم تجديد الحوار مع عائلته الأولى: الأم الغريبة وعمها قدورة والراعي علي وكايد .البعد الأسطوري أو فوق الواقعي هو ما يشغل السارد ،ويشحنه بقوة إعادة الاكتشاف، لدرجة يمشي معها في الواحدة ليلا منفرداً عبر شعاب الجبال. ناسه الأولون قضوا ولا يجد صعوبة في "استحضار" أرواحهم.. ليس بتنويم مغناطيسي بل باستنشاق عبق أنفاسهم الباقية والمبثوثة في جنبات المكان .وليس ذلك بمستغرب، في ريف لم يكن أهله يقيمون فاصلاً بينهم وبين مفردات وظواهر الطبيعة .يتعذر تلخيص كتاب منحاه شعري كهذا الكتاب الفريد، الذي يتعدى مساجلة المحتلين الغرباء الذين يطفون على المكان ويبنون قلاعاً مسلحة مغلقة وبأنوار نيون كاشفة .ويعملون ما وسعهم الجهد على تخريب مظاهر الطبيعة بإحراق جبال من الزيتون ،وكانوا عمدوا إلى اقتلاع الآلاف منها بصورة منهجية، وهي التي تنطق بتجذر الفلسطينيين في أرضهم وب"مد الزيتون في الزيت" وبتقديس الفلسطينيين للزيت. قلما يتطرق البرغوثي للمحتلين القابعين في الهوامش المسلحة .هامشيتهم تجد ما يعادلها في إقصاء الكاتب لهم عن دائرة اهتمامه . وبدلاً من التغني بالوطنيات التقليدية ، فإن المؤلف يبرع في إضاءة علاقته الروحية العميقة بمكانه ، بجمالياته والاستجابة المتجددة لاكتشاف ما تزخر به الطبيعة، فابن المكان ينجح متأخراً في الإصغاء لصوت حيوان صغير غريب يدعى الغريري، ويحظى بزيارة ودية من ثعالب الى مصطبة بيته، ويلتقي ليلاً مع خنزير بري وجهاً لوجه. خنزير ضل طريقه ويتبعه ابن صغير له ، يتواجهان بلا أذى يلحق بهما ، ويدرك السارد في هذا الموقف أن كل هم الخنزير كان حماية صغيره ، تماما كما خشي السارد على ابنه آثر الذي كان نائما على مبعدة أمتار في البيت .ويختلط الراوي بقطة تمشي بين ساقيه وتوجه له نداءات خفية . يبث الكاتب في مواضع مختلفة حالات من علاقته بطفله آثر ومنها في الأساس أنه سمع هاتفا غامض المصدر، يهتف له أن يطلق عليه هذا الاسم "الغريب" وقد استجاب للنداء ،وكثيرا ما رأى صورته في ابنه (4سنوات) وكم لاحظ أن الطفل يفكر بما يفكر به هو الأب . الاستمرارية والتناسخ هي شرفة يطل منها السارد على علاقته بالمكان وأهله. أما مواجهة محنة المرض فتتواكب مع رحلة المؤلف الأخيرة في ثنايا المكان .وفيما الموت يقترب ،يزداد اقتراب السارد من مواطن السحر في بيئته ،بعدما عاد طفلا محملا بمخزون من المعرفة ومن السياحة السابقة في بلاد الله الواسعة .وينجح في المصالحة بين العقل والبراءة ، بين النظر الذهني والإصغاء لنداءات الدهشة ، والاستسلام لغواية الجمال "الجمال لا ينقذ العالم لكن من الواجب إنقاذ الجمال في العالم" . ينقل المؤلف عن قائل مجهول. والجمال مهدد بداهة باحتلال غشوم، لا ينفك يزين فظائعه على أنها منجزات ممتازة .في الصفحات الأولى من الكتاب ، يتحدث السارد عن قدورة عم أمه الذي تبناها يتيمة . قدورة يتحذ من الدير الجواني "مقراً " له ، وهو واحد من آلاف الكهوف الواسعة الرومانية الأصل .عرف الرجل بشجاعته وحياته البرية كمزارع .لا ينال منه أحد سوى أفعى تلدغه ذات يوم في قدمه وتنطلق مزغردة . يقال في مرويات الريفيين أن تلك الأفعى ذات أجنحة وتطير. غير بعيد عن دير غسانة قرية المؤلف، هناك مستوطنة في منطقة النبي صالح على بعد خمس كيلومترات. مستوطنة أمر واقع أقيمت ككل المستوطنات بالسطوة المسلحة تدعى حلميش.المستوطنون الغزاة يطلقون أضواء النيون من القلعة ،ويبثون خليطاً من الموسيقى تتردد أصداؤها الزاعقة في الوديان . هؤلاء الغرباء المغامرون ضد حقوق وممتلكات غيرهم ، يزغردون على طريقتهم .الدولة الاسرائيلية برمتها تزغرد هذه الأيام، بمناسبة مضي ستة عقود من الاستيلاء على وطن شعب آخر، والسعي المحموم لتدمير تراثه وسرقة مأثوراته .مات قدورة وجاء نسل من بعده، يحفظون ميراثه ويزداد تعلقهم بأرض الأجداد. من بينهم حسين المؤلف ثم طفله آثر الذي يتدرب برفقة والده الذي كان يناديه باسمه المجرد : حسين ، على استئناف ما بدأه الوالد من الاتصال بالأرض والغيوم والتجسير بينهما.