مدونة محمود الريماوي

قمة أخرى ..الى الأرشيف

قمة أخرى إلى .. الأرشيف                                              محمود الريماوي تجمع منظومة عدم الانحياز التي اجتمع قادتها في شرم الشيخ قبل ايام ، بمنظمة المؤتمر الاسلامي أكثر من رابطة . الأولى هي التداخل الشديد في عضوية الهيئتين ، فغالبية الأعضاء ينتظمون  في المجموعتين معا. والرابطة الثانية أن الهيئتين هما من مؤسسات "الجنوب" والعالم الثالث. ولا محل فيهما لأحد من العالم الثاني إلا ما ندر. الرابطة الثالثة هي ضآلة الفاعلية السياسية على المسرح الدولي لدرجة الامحاء، والاحتفاظ بمكانة رمزية  وببعض الحضور الاعلامي ليس إلا. أما الرابطة أو وجه الشبه الأخير، فهو أن الدول العربية الأعضاء تمثل الكتلة القومية الأكبر في الهيئتين، قياساً إلى عدد الدول والكيانات السياسية لا إلى المساحة الجغرافية أو عدد السكان. من المفارقات أنه يتم الاحتفاظ بصيغة عدم الانحياز، رغم زوال الظروف السياسية التي ادت الى تلك الصيغة في منتصف خمسينيات القرن الماضي. لقد زاال الاتحاد السوفباتي ومنظومته الاشتراكية، وتوقف الانشطار بين عالم رأسمال وآخر اشتراكي، ومع ذلك جرى لتمسك بالصيغة التي انبثقت عن صراع المعسكرين قبل اكثر من نصف قرن . هناكمن يحاجج وبقدر من الوجاهة بان قدر العالم والبشرية لا يمكن أن يكون رهناً لقطب واحد أياً كان هذا القطب، وأن من حق الدول الفقيرة او النامية أن تشق طريقاً مستقلاً لها، وأن تستفيد من التعارضات القائمة في النظام الدولي لتعزيز استقلالها، وأن هذا المسعى أو هذه الهوية ، هي جوهر عدم الانحياز. وذلك صحيح من حيث المبدأ،غير أن ما يحدث هوأن دولاً كبيرة في عالمنا، مثل الهند والصين ،معنية بتعظيم قدراتها العسكرية والاقتصادية ، لا بدعم حركات تحرر وطني هنا وهناك ، ولا حتى بالدعم الاقتصادي لدول فقيرة.. وذلك كان في ما مضى جوهر عدم الانحياز! . و ومدارالتعارضات القائمة هو على النفوذ العسكري والاستراتيجي والأسواق ، وتتخذ  التعارضات طابعاً قومياً يزداد وضوحاً ويتعلق بمصالح كل دولة وطموحات كل أمة، لا طابعاً أممياً كما كان عليه الحال من قبل . دون أن يقلل ذلك من الحاجة الى بناء علاقات تعاون، تحد من انكشاف الدول الفقيرة امام الدول الكبرى وبالذات الدولة العظمى. أعضاء عدم الانحياز كما مكونات المؤتمر الاسلامي يدركون ذلك، ويعملون بمقتضاه، فالعلاقات الثنائية خاصة مع الدول الكبيرة والكبرى في عالمنا، تتقدم على أي اعتبار آخر بما في ذلك الاعتبارات "القومية". فيما يراهن البعض على انكفاء التمدد العسكري الخارجي للولايات المتحدة أولا ثم لحلف الناتو كما هو حال الانسحاب المزمع من العراق نهاية 2011. هذه المراهنة تضعها في الاعتبار دول قليلة في منظومة عدم الانحياز والمؤتمر الإسلامي، أما الغالبية الغالبة من الدول فهي تمني النفس بمساعدات غربية وأميركية، بعد أن أصبح من  آيات عدم الانحياز، إقامة علاقات وثقى مع الدولة العظمى..ذلك ينطبق على العالم العربي الذي يشكل ركناً ركيناً من مكونات الهيئتين. وقد لا يغالي المرء بالاستنتاج أن قصور الأداء العربي على الساحة الدولية ، قد طبع- الى جانب عوامل أخرى بالطبع- الهيئتين الكبيرتين بطابعه . فالعالم العربي دأب على التعويل التام على الولايات المتحدة لحل معضلاته الاقليمية وأطفأ الصراع مع الدولة العبرية، ومن لم يذهب الى هذا التعويل فقد راهن على مشروع إيراني، بدلاً من الرهان على استنهاض القوى العربية وبلورة مشروع عربي في النتيجة. انتهت قمة شرم الشيخ "غير المنحازة" بدعم حل الدولتين.. ويا لهُ من قرار عظيم. وفي وقت تنجح فيه تل أبيب بالتدريج وبالقضم البطيء للمطالبات الدولية بحل الصراع الشرق أوسطي، بوضع إيران وملفها النووي في صدارة الاهتمام، ولا يتردد مسؤولون "اسرائيليون" عن الجهر بسعيهم لإنشاء "جبهة عربية اسرائيلية" ضد ايران غير المنحازة. مما يجعل مطلب حل الدولتين مجرد أسطوانة مشروخة من فرط الاستعمال الدبلوماسي والإعلامي، وعلى وقع عبور قطعات حربية اسرائيلية قناة السويس الى البحر الأحمر. وحتى الكلام عن حلول سياسية للتوترات الغربية الايرانية ، فإنه لا يفيد بشيء مع افتقاده إلى أية خطط وتحركات جدية . كان يُفترض أن تستثمر الكتلة العربية القمة الخامسة عشرة لعدم الانحياز، والتي عقدت على أرض عربية، لطرح رؤى وسياسات فعالة لقضايا المنطقة وتجنيد مناصرين فعليين لها، وبث رسائل قوية إلى العالم "المنحاز" ..لكن ذلك لم يحدث ، ولسبب بسيط هو افتقاد وجود.. هذه الكتلة، وغياب أي مشروع قومي جماعي، وذلك بعد أن اصبحت اللغة العربية هي أكثر ما يوحد العرب، وربما باتت العامل الوحيد الذي يجمعهم.  وفي الختام لم يخرج المؤتمر سوى بترديد بعض المبادىء كالالتزام بميثاق الامم المتحدة ونبذ الارهاب وإفامة نظام عالمي اكثر ديمقراطية والدعوة للتخلي عن الأسلحة النووية، مما دأب معلقون مثلنا على ترديدها! فيما يفترض أن لدى أهل الحل والربط ما يقولونه وما يفعلونه، أكثر مما لدى المعلقين وقارئيهم..وربما كانتهناك ميزة وحيدة بعد انفضاض هذه القمة  تتمثل في قلة وثائقها،  إذ تم الاكتفاء بإصدار "إعلان شرم الشيخ" ، ولن ينوء موظفو الأرشفة في  حفظه ،وخاصة مع الاستعانة بالأرشفة الالكترونية التي لا تكلف وقتاً أو جهداً أو مالاً .          

حفل وداع (قصة قصيرة)

حفل وداع                   محمود الريماوي                           الولد المتعثر في المدرسة ، يتعثر في مشيته خارجاً من باب المدرسة .ابن  الحادية عشرة بسحنته المسمرة وعينيه المندهشتين اللامعتين ، بقامته النحيلة وشعره القصير ، بقميصه النيلي المخطط بالأبيض والمتسع على قوامه ، ببوط الرياضة الحائل اللون .. يجرجر قدميه الصغيرتين بتثاقل في ضحى اليوم الأخير للعام الدراسي ، على الشارع المسفلت بجوار المدرسة الحكومية ، دون أن يحظى بالصحبة بعدما تكشفت النتائج . يحمل في يديه اللتين على وشك التعرق كتابين للعربية والحساب ، زال عن غلافيهما كل رونق ، من فرط الاستعمال وقد تثنت حوافهما ، ونالت الغلافين في مواضع مختلفة بقع زيتية ، لم يعرف صاحب الكتابين مصدرهما . ما ذنبه وما همه ، ما دام لم ينجح وهو الذي حاول وبذل غير قليل من الجهد . الذين شاطروه حظه النكد وهم قلة : أربعة أو خمسة تلاميذ  ، انصرفوا سريعاً ولا يعرف إلى أين ، ولم يتبق في الشارع بين التلاميذ المغادرين ، سوى ناجحين يزقزقون ويتنطنطون مطروبين لأكثر من سبب  : لأن عامهم المدرسي مضى وانقضى مع أوائل حزيران ولن يعود . ولأنهم نجحوا  في الامتحانات. و.. ولأن عطلة مديدة تنتظرهم بل بدأت للتو ، وسوف يمضونها في اللعب والسهر والاستغراق في النوم حتى احمرار الشمس .لم يكن البيت بعيداً ولا قريباً . الوصول إليه يتطلب المشي بغير توقف لنحو نصف ساعة . لو أنه نجح لعاود مطالبة أبيه أو أخته الكبيرة المتوظفة ، بساعة كبيرة سواتش مثلاً ..ساعة ضد الماء وضد الكسر وضد الحسد المتوقع . لم يعد يريد الساعة الموعودة ،غدا ينشد النجاة لا غير . وهو يتمشى الآن بتلكؤ ، متمنياً لو تطول المسافة إلى لقيا أهله .كان بعض تلامذة صفه يقتربون منه ، ثم لا يلبثون أن يبتعدوا وهم يرمقونه بعبث الصبية ، ولا يفلح في الرد على نظراتهم الهازئة ، أو حتى ملاقاة هذه النظرات . إلى أن تجمع عدد منهم :  أربعة  يتقدمهم سمير، سمير الشاطر الذي حاز على المرتبة الثانية في الصف. وإذا بهم وأولهم التلمبذ المتفوق يطوحون بالكتب عالياً ، بكل عزيمة سواعدهم الفتية ، حتى أخذت هذه ترفرف مثل طيور مذعورة ، وتصطفق أوراقها الملونة والبيضاء على ارتفاع خمسة أو ستة أمتار ، والأولاد يتهللون ويتصايحون ويرمقونها بهناءة وافتتان. يتلقفون الكتب المشلعة  ويعيدون قذفها ..ثم يتركونها تسقط بجلبة ، ولا يتفادون أن تدوسها سيارة عابرة أو تقع على شجرة أو في شرفة بيت مجاور ، ويرسلون لها  للكتب نظرات الشماتة . فيما مارة عابرون من رجال ونساء ، بسياراتهم أو مشياً على الأقدام ، لا يستوقفهم المشهد ولا يحرك ساكناً لديهم ، لأنه لا يعنيهم المشهد بعدما تكرر أمام ناظريهم ، أو لأن بعضهم في سنوات الصبا ، شارك بنفسه بتشييع الأعوام الدراسية الغابرة ، بحفلات تمزيق الكتب في الهواء الطلق ، فلا غرابة ولا جديد بما يحدث . وربما لأن بعض هؤلاء دب فيهم اليأس ، من إمكان إصلاح الناشئة . قلب الولد ابن العاشرة أخذ يخفق بشدة وباضطراب لما يراه . لقد رأى مثل هذا المشهد في العام الفائت ولم يستوقفه . لم يفهم هذه المرة لماذا يبادر ناجحون لفعل ما يفعلونه . ( بعدئذ رجال حصيفون تناهى إليهم النبأ أبدوا دهشتهم البالغة لهذا السلوك ) وحين بادر سمير متبوعاً بأصحابه إلى تمزيق ما يحوزه من كتب ، وتطيير أوراقها إلى الأعلى وذات اليمين والشمال في بحر الشارع وعلى الرصيف ، فقد التحق الولد المتعثر بهم وانضم أولاد آخرون لا يعرف من أين انبثقوا وتقاطروا فجأة ، كمحاربين بلغ النفير مسامعهم فالتحقوا بالجبهة .. تسلل الولد إلى حلقتهم بلهفة نصف مكتومة ، وسرعان ما  جاراهم فتخلص من الخجل وإن ظلت أذناه محمرتين ، قبل أن يتخلص من الكتابين بتمزيقهما شر تمزيق ، ثم تطييرهما إلى حيث ألقت ، فيما رئتاه الصغيرتان تتنفسان الصعداء ، وخافقه البريء تحت القميص الصيفي الخفيف يتراقص طرباً . وقد واصل بعدئذ طريق العودة إلى البيت بلا ضجر، مرفوقاً بأصحاب لم يكفوا عن  الهذر والدعابات ، حول أمور لا تتعلق  بالمدرسة والدروس ،  فيما هو ساهم يحار في كل ما حدث.(من مجموعة الكاتب القصصية "رجوع الطائر" الصادرة عن دار فضاءات- عمان 2008 ) . 

لتحصين الانسحاب الجزئي واستكمال المسيرة

لتحصين الانسحاب الجزئي واستكمال المسيرة محمود الريماوي                                                           مع أنه من المبكر كما من المبالغة اعتبار يوم الثلاثين من حزيران الماضي "يوم السيادة الوطنية" في العراق، فإن ما شهده ذلك اليوم من انسحاب القوات الأميركية والمناطق الحضرية، بعتبر حدثاً مفصلياً في تاريخ هذا البلد، خاصة إذا ما تم تقيد الجانب الاميركي بروزنامة الانسحابات، فيتم خفض تدريجي للقوات البالغ عددها نحو  135 ألفاً ، يليه انسحاب نهائي مع نهاية عام 2011 ، أي بعد أقل من ثلاثين شهراً من الآن . يُذكر أن أعداداً من العسكريين الأميركيين لم يُكشف النقاب عنها، ستظل عاملة في صفوف القوات العراقية لغايات تدريبية واستشارية. التطور الجديد مع انسحاب القوات الحربية، يعني استعادة العاصمة لوجهها السيادي، وإلغاء ما يسمى المنطقة الخضراء وهي تسمية تعيد التذكير بموائد القمار الخضراء، وقد قامرت تلك المنطقة بصفتها الرمزية والمادية، بمصير العراقيين والأميركيين، وكان وجودها أحد أسباب  فشل المرشح الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأميركية. ويفترض تبعاً لهذا التطور أن يتحرر القرار السياسي العراقي من التأثيرات والتدخلات الأميركية. ومن المفارقات أنه بعد يومين على الانسحاب الاميركي الجزئي الى أطراف المدن ، فقد قام  نائب الرئيس بايدن بزيارة "مفاجئة" الى بغداد . ومن الغريب ان الصور التي بثتها محطات التلفزة أظهرت أن قادة عسكريين أميركيين كانوا في استقبال بايدن الى جانب الوزير هوشار زيباري ومسؤول عراقي آخر. وكان يفترض عقب يومين على الاحتفال ب"يوم السيادة الوطنية" أن يقتصر المستقبلون على المسؤولين العراقيين، للتدليل على أن الوضع قد تغير وعلى أن المسؤول الاميركي الرفيع، يحل على أرض عراقية يتمتع أصحابها بمظاهر السيادة عليها. اللافت بعدئذ ما تم إعلانه في كل من واشنطن وبغداد ، بأن السيد بايدن مولج بالإشراف على جهود "المصالحة السياسية" بين الفرقاء العراقيين. فإذا كانت الإدارة الديمقراطية تطمح للعب هذا الدور، كي تتميز عن الإدارة السابقة ذات النزوع الحربي والدموي، وتقوم بتظهير وجه سياسي إيجابي وتصالحي يؤدي للمصالحة بين العراقيين، كما بينهم وبين المستوى السياسي الأميركي،  فإنه يفترض بالحكم العراقي كما بسائر الفرقاء المحليين، أن يجترحوا طريقهم للمصالحة الداخلية ضمن أجندة وطنية  وبمبادرات ذاتية، وبالبناء على جهود سابقة محلية او تمت برعاية أطراف عربية. لا أن يتطوع طرف خارجي لم يلق وجوده سابقاً أو لاحقاً، رضى أطراف أساسية، وإن وجد ترحيباً من أطراف أخرى للقيام بهذه المهمة. ذلك أن الطرف الأميركي ودون التقليل من أهمية التغيير الذي اختطه أوباما، هو جزء من المشكلة ولا يعقل تالياً أن يُناط الحل به. إن المصالحة حاجة داخلية واستحقاق وطني، ولا بد من شق طريقها في أقرب الآجال لحقن دماء العراقيين ولرتق ما تفتق من النسيج الاجتماعي، ولرفع الغطاء عن العناصر الخارجية  التي تخوض في دماء العراقيين  وتتدخل بصورة فظة في رسم مصيرهم. وتزداد الحاجة الى إنجاز المصالحة  في هذه الظروف، استعداداً لإجراء الانتخابات النيابية المقبلة في يناير كانون الثاني من العام المقبل. وذلك لضمان أن تتم هذه العملية في ظروف مواتية وباجراءات سليمة، بما يسمح في النتيجة ببلورة مجلس نيابي أكثر تمثيلا لسائر  الفئات والشرائح الاجتماعية، وأكثر قدرة على صياغة حياة تشريعية ودستورية متطورة، للبلد الذي نشأ فيه حمورابي "أبو القوانين" .. وعلى مراقبة السلطة التنفيذية التي لم تستو أركانها بعد على اسس دستورية راسخة، ولم تتمتع بسلطة كاملة ( وإن مقيدة بالقانون ) وذلك لمزاحمة ميليشيات وجماعات مسلحة لها ،وأحياناً بسبب تداخل السلطة التنفيذية مع قوى الأمر الواقع. تبعاً لذلك فإنه من الأهمية بمكان أن تسلك القوى الأمنية الذاتية ( الجيش، الشرطة ..)  وقوامها نحو 750 ألف فرداً، سلوكاً وطنياًً ومهنياً، ينأى بها بصورة تامة وخاصة قياداتها، عن الاستقطابات المحلية والتجاذبات الفئوية، وأن تتمتع خلال ذلك بغطاء سياسي من سائر القوى  المحلية، باعتبارها قوى تسهر على أمن الوطن والشعب بغير تمييز ودون استثناء، وباعتبارها أيضاً خاضعة لحكم القانون فيما هي تقوم بتطبيقه. ولئن كان من المبكر الحديث عن سبادة كاملة باتت في متناول اليد، كما يتغنى مسؤولون عراقيون ( وقد جنح بعضهم لتصوير الأمور على هذه الصورة، حتى قبل الانسحاب الأميركي الجزئي الأخير)، فلعل الرئيس أوباما لا الرئاسة العراقية هو من شخص الوضع تشخيصاً صائباً، حين ذكر إن الإجراء الأخير هو "خطوة هامة على طريق تحقيق السيادة الكاملة ".  وهو كذلك بالفعل، فبغداد هي عاصمة الدولة ومركز السيادة ، وبخضوعها وبشمول ابنائها بولاية عراقية حرة، يمثل نقطة انطلاق نحو استعادة الاستقلال. علما بأن وجود الطرف الأميركي وإن كان يمثل الوجود الأجنبي الأخطر والأشد كثافة ووطأة ، بقدراته التسليحية وعديد أفراده، الإ أن أطرافاً خارجية  مسلحة أخرى، يشكل وجودها وجودها انتقاصاً شديداً للسيادة ومساساً خطيراً بأمن العراقيين وعبثاً بمقدراتهم . مما يملي الالتقاء والتنادي لاستعادة ولاية الدولة على أرضها ومواطنيها، مع الحرص على إقامةأافضل العلاقات مع دول الجوار،على قاعدة التعاون المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية،  وحسب ما استقر عليه القانون الدولي من سُنن وأعراف.                          

إبداع وفير الاشعاع

إبداع وفير الإشعاع                                                     محمود الريماويالتقى كاتب هذه السطور مرتين بالطيب صالح. الأولى في عمان قبل خمسة عشر عاماً ،خلال مؤتمر ثقافي يغيب عن الذهن عنوانه ، وذلك لكثرة هذه المناسبات. والثانية في الرياض قبل عشر سنوات على هامش مهرجان الجنادرية .لا يتسم صاحب "موسم الهجرة الى الشمال" بالسمات التقليدية للمبدعين، الذين يبدون في أغلب الحالات غريبي الأطوار، نرجسيين، متباعدين عن غيرهم من خلق الله.على خلاف ذلك يلمس من حظي بلقاء هذا المبدع دماثة عالية لديه ، وصوتاً خفيضاً ومصقولاً( ربما تم صقله في إذاعة لندن العربية حيث عمل الراحل رئيساً لقسم الدراما بين عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي) بهندام بسيط يضمر أناقة أليفة، هذا ما ينبىء المظهر لأول وهلة .بعيداً عن المظهر أو وراءه، هناك انشغال عميق لدى الرجل بإلاصلاح ، بالنهوض ، بالتقدم ، بيد أنه يتبرم بالسوداوية التي تميز خطابات كثيرين من جهة ، وبالشعاراتية الطاغية من جهة ثانية. هاجسه التقدم الى الأمام وعدم تبديد الوقت في التنازع حول الوصفات والنماذج ، والانصراف الى البناء والتطوير في كل مجال ، حتى لو كانت النتائج أقل من الطموح .لذاك لم يكن الطيب صالح ليشبع حاجات البعض في نعي الأحوال والدعوة الى "الخراب الجميل" مثلاً.مع أن صاحب العبارة وهو الشاعر أدونيس ربما لحقه الظلم بتسخير تلك العبارة لأهواء عدمية .في اللقاء الثاني بعد نحو خمس سنوات، لم يتغير الانطباع عن الرجل.ظل محتفظاً بهدوئه وكياسته ونزعته التأملية، "مبشراً" بواقعية رشيدة منتجة خلاقة. رائدها تحفيز كل جهد للتنمية للتعليم للتثقيف والإشادة بكل بادرة جيدة في سائر الحقول والميادين،مهما بدت متواضعة. بهذا يثير لدى من يحظى بلقائه الانطباع بأن الرجل خارج الأيديولوجيات الكبيرة ، وإن كان دون أن يبوح أقرب الى ليبرالية عربية الهوى والمنبت والأفق ،يشهد على ذلك اتصاله الوثيق بالتراث ،رغم إقامته الطويلة في الغرب وربما بفضلها، وكذلك تمنعه عن العودة الى بلاده ،مع حنينه الملهوف اليها، وذلك لعدم قدرته على تقبل الحياة في ظل أنظمة عسكرية وشبه عسكرية.يذكر كاتب هذه السطور أن التلفزيون السوداني أجرى معه مقابلة شيقة ونادرة بالطبع قبل سنوات ،وكان الرجل صريحاً ومنسجماً مع نفسه في دعوته لإشاعة الحريات وإرساء دولة القانون. يذكر أن روايته "موسم الهجرة.. " تعرضت للمنع في بلاده ثم أفرج عنها، وهناك بين السلفيين من حمل على الرواية ومؤلفها .ولعل ذلك قد آلمه، أكثر بكثير من واقعة التعريض بالرواية في دول عربية أخرى .قبل أسابيع تنادت هيئات ثقافية وأكاديمية سودانية وقامت بترشيح أعمال الطيب صالح لجائزة نوبل للأدب ،علماً بأن لجنة الجائزة لا تأخذ في نظامها بالترشيحات، بل تتولى من جانبها عملية الاختيار. والبادي في المبادرة أنها بمثابة تزكية وطنية لهذا الرائد، واعترافاً بفضله وتكريساً له باعتباره أفضل من يمثل تاريخياً السرد في السودان ، وأن جدارته تتعدى بعدئذ مجرد تمثيل بلاده وتستوي قيمة إبداعية: إنسانية وعالمية. مع ذلك فقد أسلم الرجل الروح بعيداً عن وطنه في لندن الأربعاء الماضي 18 شباط الجاري.وكان قصد العاصمة البريطانية لأول مرة قبل سبعة وخمسين عاماً. وأقام فيها سواد حياته باستثناء محطتين قصيرتين في الدوحة ( وزارة الإعلام ) وفي باريس ( اليونسكو).قد ظل يتردد على العواصم العربية في مناسبات ثقافية.آثار الطيب صالح الإبداعية تكاد تُعد على أصابع اليد الواحدة ، مما يبرهن مرة أخرى على أن الإبداع لا يقاس بالكم أو الوزن!بل بما ينطوي عليه من إضافة نوعية وأصالة فنية . وذلك هو أحد الدروس البليغة والثمينة لمسيرة هذا الرائد .

المنطق الأجوف لسياسة انتظارية

المنطق الأجوف لسياسة انتظارية محمود الريماوي                                                                       لا يبدو أن شيئا يزعج رئيس حكومة أقصى اليمين في تل أبيب ، باستثناء التوصل الى تفاهم مع واشنطن حول الاستيطان. لا يشكو الرجل من عزلة، مقارنة بحكومة اولمرت السابقة، او مقارنة بصعوده لأول مرة  في العام 1996 . في تلك السنة عقدت قمة عربية طارئة في القاهرة  لمحاصرة عودة اليمين الى الحكم بعد اغتيال اسحق رابين. عزل الرجل ليس مطروحاً عربياً ، والرهان هو على الحوار المباشر أو غير المباشر معه، وعلى "نخوة" الرئيس الأميركي أوباما. فقد اجتمع وزراء الخارجية العرب في مقر الجامعة العربية الأربعاء 24 حزيران الجاري، وتطلعوا الى خطوات يخطوها أول رئيس أميركي من أصل إفريقي.. وهم حالياً في الانتظار. ويكشف وزير الخارجية الفلسطيني أن نهاية تموز المقبل سوف تشهد مبادرة أميركية تفصيلية، والوزير في الانتظار كما صرح.نتنياهو لا ينتظر. يتحدث عن "جهد شاق" مع الإدارة الديمقراطية في واشنطن ، للتوصل الى تفاهم بشان الاستيطان. هذا التفاهم الذي يتم السعي اليه، يستند الى ان العرب ومعهم الفلسطينيين ، قد كفوا عن اعتبار الاستيطان غير شرعي، وبات الحديث يقتصر على التوقف عند ما تم بناؤه من مدن  استيطانية. وهو ما يرفضه نتنياهو الذي يرغب مثل غيره من رؤساء سابقين للحكومات، بمنح الفرصة ل"النمو الطبيعي" داخل المستوطنات المقامة.علماً بأن الاحتلال يحتل أراض مجاورة ومحيطة بالمدن الاستيطانية.. أي أن لديه احتياطيا من الأراضي المصادرة لغايات الاستيطان ، ويتم عادة التوسع فيها للوفاء بحاجات " النمو الطبيعي" : بناء المزيد من الوحدات الإسكانية للأزواج الشابة، مع إحاطتها بأراض مصادرة جديدة ، وهكذا دوليك.  وقد تعمد الوزير باراك في اليوم التالي لعودته من القاهرة الاسبوع الماضي ، الاعلان عن مصادقته على مخططات جديدة للاستيطان.لن يكون متعذراً على دهاقنة اللوبي الصهيوني ولا ممثلي حكومة نتنياهو، اجتراح تفاهمات  "خلاقة " مع واشنطن، من قبيل السماح مثلاً باستكمال بناء مشاريع تم البدء بها في عهد حكومة اولمرت السابقة، أو السماح بالبناء في القدس الشرقية باعتبار أن المدينة المقدسة ذات خصوصية لليهود، ولا ينطبق عليها ما ينسحب على بقية الأراضي "المتنازع عليها". ومن قبيل التصدي للاستيطان العشوائي..إلى غير ذلك من صيغ، تظهر معها تل ابيب وكأنها قدمت تنازلات، وتبدو معها الادارة الديمقراطية، باعتبارها متمسكة بمطلب وقف أو تجميد الاستيطان ولم تحد عنه.لا يتعلق الأمر هنا بتواطؤ مسبق ومحتمل من إدارة أوباما، بل بدينامية يبديها الجانب الاسرائيلي في التلاعب بالحقائق والعقول، وممارسة الضغوط عبر الكونغرس ووسائل الإعلام ومراكز الأبحاث، تقترن بدينامية متزامنة يتم فيها فرض الوقائع على الأرض وضد البشر، فيما ينصرف الجانب العربي في الأثناء إلى.. الانتظار، وإلى اختبار ما إذا كان ساكن البيت الأبيض سيكون "عند كلمته " أم لا . وذلك خلافاً لأسلوب إسرائيلي يعتبر ممارسة السياسة أشبه بقيادة دراجة هوائية، فكل توقف لانتظار أو لغيره يؤدي إلى السقوط ، أما الحركة إلى الأمام وأحياناً بصورة التفافية وحتى عكسية إلى الخلف لأغراض المناورة ، فهي وحدها التي تضمن بلوغ الغايات مع المثابرة والمواظبة.لقد حانت فرصة ذهبية أمام الجانب العربي ومنه الفلسطيني لفتح ملف الاستيطان. تل ابيب تقاتل لإغلاق هذا الملف سريعا لتبقى مطلقة اليدين في نهب الأراضي العربية. فيما تتاح الفرصة لتقديم مطالعات سياسية وقانونية حول هذا الملف، ولإدارة حوار موصول وجاد مع واشنطن حول هذه القضية، فالدعوة لوقف الاستيطان  ينبغي تعيين جذرها بكون الاستيطان غير شرعي في الأصل والمبتدأ، ويُقام على أرض محتلة، وقد صدرت ضده قرارات لمجلس الأمن، ويراد منه تأبيد الاحتلال، وإقامة الجدار في عمق الضفة الغربية هو أحد حلقات الاستيطان، وأحد الشواهد على مسعى استراتيجي لإغلاق آفاق التفاوض، حين لا يبقى هناك ما يدور حوله التفاوض. والمسألة بالتالي أعمق من مجرد الدعوة إلى وقف الاستيطان، فهناك احتلال مدني وبشري لأراضي الغير، يؤسس لإدامة الصراع بين الشعوب لا بين دول فحسب، وكل حديث جاد حول إحلال السلام لا بد ان يقترن بإزالة العوائق المادية على الأرض، التي تعترض التطلع للسلام المرتجى. سوف تشهد الأسابيع المقبلة المزيد من الضغوط على واشنطن، لتفريغ مطالبها بوقف الاستيطان من مضمونها. أما العرب فإنهم لا يضغطون على أصدقائهم، قد يفعل  الأصدقاء ذلك معهم، أما هم فمعاذ الله أن ينزلقوا إلى هذا المنزلق المعيب!. وعملياً فإنهم يتركون للإسرائيليين أن يفعلوا ذلك رغم الحلف القائم بين واشنطن وتل أبيب، وبعد أيام من موافقة الكونغرس على منحة المليارين ونيف السنوية لتل أبيب. في رؤية الاسرائيليين أن لا تعود الأمور إلى الوراء أبدا. وأن لا تفترق أية استراتيجية أميركية عن المصالح الاسرائيلية الدائمة أو الراهنة. أما نحن العرب فنسعى لصداقة خالصة مع الولايات المتحدة .. صداقة للصداقة فحسب، ولا تشوبها حسابات ومصالح خاصة و"غامضة " تتعلق بالشعوب والأوطان . حتى لو لحقت بنا خسائر متلاحقة ومتعاظمة نتيجة هذا النمط من الصداقة . وما عبر عنه وزراء الخارجية العرب مؤخراً من اعتصامهم بالانتظار، دون سواه، هو أحد مظاهر هذه الصداقة غير المنتجة .         
 
A service provided by Al Bawaba