28 حزيران, 2009
أزمة سياسية لا حالة انتخابية
أزمة سياسية لا حالة انتخابية محمود الريماوي
الأزمة السياسية التي شهدتها إيران منذ ثاثة اسابيع ، قابلة للحل كما هي عُرضة للتصعيد، والأمر منوط بخيارات أولي الأمر والفاعلين السياسيين في هذا البلد . لم تبدأ الأزمة مع رفض نتائج الانتخابات الرئاسية، التي انتهت بإعلان فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد، فهي سابقة على إعلان هذه النتائج ، حين رفع المرشح مير موسوي رسالة الى المرشد الأعلى حذر فيها من تدخلات للسلطات في مجرى العملية الانتخابية، شملت حرمان ممثلي هذا المرشح من التواجد في بعض مراكز الاقتراع، وقيام وزراء ومسؤولين بحملات دعائية للمرشح المنافس. وكان الرد على هذه الرسالة من طرف أوساط نافذة بالتحذير من ثورة مخملية أو برتقالية يجري التحضير لها، لكن دون الاشارة إلى الظروف التي قد تهيء لمثل هذه "الثورة"، ووجوب إزالة هذه الظروف.يجدر التذكير أن الثورة الايرانية التي اندلعت قبل ثلاثة عقو،د كانت هي نفسها من قبيل الثورات البرتقالية ، والمقصود بها التحركات المدنية السلمية الواسعة، وعدم لجوء الجيش او مجموعات مسلحة لنشاطات عسكرية لبلوغ التغيير، والعنف الذي مورس لم يتم في سياق القيام بهذه الثورة، بل بعد نجاحها وانهيار النظام الامبراطوري السابق.شهدت هذه الانتخابات انفعالات طاغية واستقطاباً حاداً. تسرع المرشح موسوي وأنصاره لإعلان ما اعتبروه فوزاً بعد الساعات الأولى لبدء الاقتراع. وسارعت السلطات من جهتها لإعلان نتائج الانتخابات بصورة متسارعة لا متدرجة، وشاملة على مستوى الدولة وليس تباعاً على مستوى الأقاليم ومراكز الاقتراع.الانفعالات طالت مؤسسات عليا، فقد بدا "مجلس صيانة الدستور" مؤيداً للمرشح نجاد فيما ظهر "مجلس تشخيص مصلحة النظام" مؤيدا لإفشال نجاد بأكثر من تأييده لموسوي، ما دعا الرئيس المرشح للحملة على هاشمي رفسنجاني واتهامه بالكذب. في هذه الأجواء المتوترة اندفعت حركات احتجاجية واسعة لم تشهد الجمهورية الاسلامية مثيلاً لها، ولم تخل من مظاهر العنف والتخريب، وجرى التصدي لهذه التحركات بالقوة، وتم توقيف عدد من رموز الاصلاحيين، ومنع تواجد ممثلي الصحافة غير الإيرانيين. في هذه الظروف ليس لأحد أن يبت في ما إذا وقع تزوير أم لا. وقد أبدت السلطات درجة من الثقة بالنفس بإعلان الاستعداد لإعادة فرز أوراق بعض الصناديق والتقدم بطعون قانونية. وهي اجراءات منطقية، غير أن المشكلة تقع في مكان آخر، وهي كون السلطات النافذة مثل وزارة الداخلية والأجهزة القضائية والأخيرة تتبع للمرشد مباشرة ، منحازة الى الرئيس المرشح وخاضت معركته.إذا كانت المشكلة تكمن هنا، فإن أي حل ينبغي أن يبدأ من هذه النقطة . فقد أظهرت هذه المناسبة أن المجتمع السياسي والثقافي الإيراني يزخر بالتنوع والتعدد، وغالباً تحت سقف النظام والدستور، فإما أن تتحول هذه التعددية الى انقسام سياسي ونزاع أهلي كما هو الحال حتى تاريخه، أو أن يُصار الى وضع عقد اجتماعي وسياسي جديد بمشاركة الإصلاحيين على اتساع أطيافهم، جنباً إلى جنب مع المحافظين بمختلف تلاوينهم، بما يؤدي الى الحد من القيود على العملية الديمقراطية، وحصر الشأن السياسي في إطار سلطة مدنية . من الواضح أن تركيز السلطة في أيدي فريق واحد، سوف يكرس الأزمة ويعمق اهتزاز الثقة، وليس حظر المسيرات سوى وجه من وجوه الأزمة، فالبلاد لا تعيش حالة حرب أو حالة طوارىء وطنية ، حتى يُصار الى حظر المسيرات وتهديد من يشارك بها بحكم الإعدام وليس أقل من ذلك. كما أن ذهاب المعارضة بعيداً في السلبية، وفي عمليات تخريب لممتلكات عامة وخاصة، قد يؤدي الى تهميشها عملياً مع انفضاض فئات واسعة عنها، خشية دوام الاضطرابات وتهديد الاستقرار.بغياب مثل هذا العقد الاجتماعي تصبح كل مناسبة سياسية أو استحقاق وطني داخلي، فرصة لتظهير الانقسام وتأجيج الانفعالات، وضحية ذلك هي فسحة الديمقراطية المتاحة، وتطلعات عشرات الملايين من فئات الشباب للمشاركة في الحياة العامة، والأخطر من ذلك هو تحول العنف الى قيمة مقبولة وسلوك متبع، كما جرى في البلد الجار العراق على امتداد عقود، وحتى بعد سقوط النظام الذي شرًع العنف ومارسه على أوسع نطاق. هذه التطورات وما قد يليها، تعنينا نحن العرب. فالاضطراب الداخلي معطوفاً على التشدد مؤهل لأن يعبر عن "نفسه" بالتشدد مع الجوار ومع المحيط العربي. وقد تتخذه دوائر غربية ذريعة للتصعيد مع طهران، تماماً كما تتخذ أوساط محافظة في طهران من بعض المواقف الغربية ذريعة للتشدد الداخلي وهو ما حدث بالفعل.من الملاحظ في هذا الصدد أن ثمة مواقف عديدة عربية غير رسمية حتى الآن، جنحت للوقوف مع تيار معين ضد فريق آخر في الأزمة الايرانية . هذه المواقف تسوغ استمرار ظهور مواقف مماثلة في الجانب الايراني إزاء قضايا وشؤون عربية داخلية. الأصح من ذلك هو الانتصار للاستقرار والازدهار في ايران، بأن ينجح الفرقاء هناك في اجتراح حلول تحترم التعددية والتنوع، والكبرياء الوطنية، وتسهم في تطوير النظام السياسي لا الإمعان في تضييق تمثيله السياسي لفئات الشعب. وبما أن مقولة : السياسة الخارجية هي امتداد للسياسة الداخلية ما زالت تمتك قدراً كبيراً من الوجاهة ، فإن حلولاً سياسية راشدة وخلاقة في الداخل الإيراني، من شأنها أن تسمح بظهور سياسة إيرانية خارجية قائمة على الصداقة والتعاون مع العالم العربي، وتتجاوز سلبيات المرحلة السابقة.
21 حزيران, 2009
ألون
ألون* محمود الريماوي**حدثني صديقي ابراهيم فقال إنه أطعم قطه بقايا وفيرة لسمكة عظيمة ، أتى بها في ذلك اليوم لوجبة غذاء الأسرة التي تضم الأب والأم وابناً وابنة .وأنه اعتاد رعاية القط بكل ما تيسر من طعام وشراب ومأوى. لا يؤمن له حقاً كحال الأجنبيين الأطعمة المعلبة المخصصة للقطط التي تباع في المولات ومحلات السوبر ماركت الكبيرة . وتفسيره لذلك أنه لا حاجة لقطه العزيز بطعام معلب محفوظ ، فهو أي القط ( أجل القط وليس القطة كما أكد صديقي المتقاعد ) يشارك أهل البيت قوتهم اليومي ، وينال نصيبه كواحد منهم مع مراعاة أنه نهم أكول ، شهيته مفتوحة وعينه فارغة .، ولا راد لنهمه في ظروف الوحدة التي يعيشها ،فهو أي القط المحترم يتيم ، وقد عاش أحوالاً مروعة شهد عليها صديقي بنفسه . فقد افترست أمه الرؤوم شقيقاً له أي مولودها وبعد ولادته بأسبوعين ،وهو ما لا يملك صديقي تفسيراً له ، سوى المصادقة على القول المأثور عن القطط ثم الثورات التي تأكل أبناءها . وهرب قط ثان شقيق له من هول ما راى ولم يعد . ولم يلبث كلب ضال أن تسلل إلى الحديقة ذات ليلة بلا قمر ،وافترس بدوره القطة الأم . أما الأب ، القط الأب فلا علم لصديقي بشأنه شيئاً . فالقطط تتلاقى وتتكاثر بغير ارتباطات زوجية مقدسة ، ودون إخلاص يذكر للزوج في حال وجوده . وبهذا فإن القط ، قط صديقي الذي أسماه ألون ، هو فوق يتمه ووحدته سليل أسرة شقية مثلومة الشرف وضيعة المحتد . منكودة ومنكوبة . ولم يعد له من راع وحام ونصير في الأرجاء الفسيحة ، سوى صديقي ابراهيم الذي يتعاطف معه ويحدب عليه ما وسعه ذلك .متدثراً بعباءة ببنية صيفية لزوم القيافة لا لاتقاء برد لا وجود له ، وبين التنقل بيده اليمنى على أطباق الطعام الخفيفة التي يحثني على تناولها ، وبين الانكباب على غليونه الذي تنطفىء ناره بعد هنيهات من إشعالها ، كان ابراهيم الذي تروق لي مناكفته بالدرجة التي يطب لي فيها التلاقي معه ، كان يحدثني بنبرته التعليمية المحببة ، التي ورثها من خدمته لثلاثة عقود ونصف العقد من الخدمة ي سلك التعليم ، فيما ألون يحوم بضجر وتثاقل وأيضاً باعتداد ، حول جلستنا في الحديقة المشجرة في إحدى عشيات أواخر الصيف . بينما هواء رخي هفهاف يهب بلطف بين آونة وأخرى . ويتكفل بتعديل مزاج من ينشد ذلك .خاصة حين يأتي متضوعاً برائحة سرية لرطوبة التراب ، وبعبق أزهار لا أعرف لها اسماً باستثناء الياسمين الكريم . ولم تكن هناك من نجوم في السماء فوقنا كما لاحظت في سهرتنا تلك ، فما حاجتنا لها لي على الأقل ، ونحن نصوب أنظارنا غير الكليلة بعد إلى أمام وإلى جوار لا إلى أعلى .لقد شكوت له إلحاح القط الأبيض الموشح بالأسود على عنقه وفي ذيله . والطويل الجذع بعينيه الفوسفوريتين . ببطنه شبه الممتلئة ، وبوبره الناعم النظيف الأشبه بوبر الأرانب .وعبوره المفاجىء والمتواتر بين قدمي تحت الطاولة ، وموائه (البائخ ) الذي لا يتبين المرء منه نداء أو تعبيراً عن حاجة أو عن أية مشاعر أصيلة ، سوى رغبته التسبب بإزعاج . مع العلم أنه ليس وليداً صغيراً .. ليس ابن يومين أو اسبوعين أو شهرين ، فقد بلغ من العمر سنتين شمسيتين على ما كشف ابراهيم في أمسية سابقة ، بما يجعل ألون في حكم الشاب نسبة لأعمار البشر . على أن سلوكه للأسف ما زال صبيانياً طائشاً ، ولم تنفع توبيخات صديقي له ولا تكرار ملاحظتي في الحد من مواصلة ألون لنشاطه المحموم . وهو ما أثار حيرتي ووطن قناعتي بغرابة أطوار صديقي ، وهي بالمناسبة إحدى أفضل فضائله .رغبت أن أفاتحه بأن ألونه يكاد يفسد سهرتنا الثنائية ، بعدما بات شريكاً مضارباً لنا ، فأبلغني أنه ينتوي اتخاذ إجراء حازم وقطعي بحقه في اقرب الآجال ، وأنه سوف يمنحه فسحة أخيرة ، يتمتع فيها بنشاطه العابث قبل أن ينال جزاءه . ولما أوضحت لصدبقي أني لا أحرضه على قطه ولا أنوي التسبب بقطع رزقه ، وحرمانه من المأوى والدفء البشري ، بل أود فقط لو يقصيه عنا في تلك الأمسية . عندها قال بصوت يختلط فيه السخط بخيبة الأمل : إنه قد تبين له أن ألون أسوأ مما يتصور " إنه منحط بلا أخلاق ، وليس أقل من ذلك " وما أن ضحكت ضحكة خافتة على هذا الحكم المبرم الذي لا شفاعة له ، ولا أسباب تخفيفية تم النظر بها للحد من قسوة الحكم ،حتى بادرني موضحاً انه قبل ثلاثة ايام فقط ، من يوم جلستنا هذه في نهاية الأسبوع ، فقد أحضر سمكة كبيرة من نوع هامور مما اعتاد تناوله في جزيرة فيلكا الكويتية ، حين كان يعمل هناك قبل عودته إلى دارته في منطقة الجبيهة في عمان منذ ستة عشر عاماً ، وأنه قد تبقى من السمكة ما زنته نحو كيلوغرام ، بعد أن فرغت الأسرة من تناول وجبة الغداء . وقد دفع بالبقية إلى ألون على شيء من التردد والاستكثار ، فلم يسرف من قبل في " توجيبه " في إكرامه بذلك القدر الهائل . على أن ألون أفندي أحنى رأسه عليها والتهمها في لحظات بغير شكر ولا من يشكرون .وسكت ابراهيم . فسألته عن المستغرب في الأمر ، فأجاب إنه لا غرابة فيه ، فألون نهم شره يحتسب نفسه من أهل البيت ويعتني بصحته أكثر من أي فرد من أفراد العائلة .المستغرب قال هو ما وقع بعدئذ بنحو ساعة واحدة فقط ، وما زالت الشمس في تلك الأثناء واضحة ساطعة في كبد السماء . حين لاحظت في وقفتي عند مدخل البيت يقول ابراهيم ، إن ألون يحوم بلهفة واضطراب شديدين حول شجرة اللوز هذه ، وأشار إلى الشحرة الفارعة الوفيرة الأغصان الى يسار جلستنا . ثم إذا به ، بالقط يثب فجأة على ساق الشجرة فعلى غصن قريب ويختطف ..هل اختطف حبة لوز كبيرة .. اختطف ماذا ؟ قاطعته مبتسماً ومتهكما على جديته البالغة . أجاب : اختطف عصفوراً حياً دورياً لجأ إلى الشجرة ، يلتمس بين أغصانها قسطاً من الراحة والأمان . وهرب به بين فكيه إلى خارج الحديقة . وهناك عند الباب الخارجي حاول ابتلاعه ، ولما عجز عن ذلك قذف به من فمه ممزقاً مدمى ، كما عاينت ذلك بعد خروجي . تصور ..ـ ولم تتدخل ؟ ـ لم أتوقع ما جرى ، فما حدث حدث بسرعة خارقة ، أين منها سرعة ورشاقة الغزلان .ـالقطط تلتهم الطيور على ما أعرف .ـ لكن الحقير لم يكن جائعاً ، كان ينشد التسلية والبغددة فقط ز وقد كرهته .ظل ألون في تلك الأثناء يحوم من حولنا كما قبل .يروح ويجيء ، يتمطط ويتعابث يناور ويموء ، وهو خارج السمع لما يصرح به صاحبه عنه .ـ كنت شاهداً على ما جرى .ـ للأسف .ـ لقد لاحظت شيئاً من حديثك .ـ ما الذي لاحظته ؟ .ـ أن المشهد الأخير الذي رأيته ووصفته ، يتكون من إنسان وحيوان وشجر وطير .ـ صحيح . من قال بغير ذلك ؟.ـ وقد عاينت جريمة قتل متعمدة عن سابق تصور وتصميم . وشهدت تضارباً تناحرياً في المصالح ، بين كائنين طير وحيوان : بين عصفور وقط .وعلى مرأى من كائنين آخرين هما : أنت الكائن البشري ، والشجرة الكائن النباتي دون تدخل منكما .ـ بهذا المعنى ، نعم .ـ لا عزاء لهم إذن اولئك الفلاسفة والمتصوفين .ـ عم تتحدث ؟ .عن وحدة الكائنات والتوازن ما بينها ، التي طالما هتفوا لها وراهنوا عليها .وقد خسروا الرهان هذه المرة ، وكان نصيبك أن تشهد على هذه الخسارة بنفسك ، حتى يقشعر بدنك وتتلوى معدتك .ضحك صديقي وهو ينهر ألون بحدة أقل مما سبق . ربما لثقته بأن قطه مهما تضخم ومهما جمح ، فلن يلتهمه يوماً ما ، قائلاً لي : يلزم أن نتدبر وسيلة لإبلاغهم بالأمر ، . يقصد زمرة الفلاسفة والمتصوفين ، خاصة أهل "الزن" الطيبين الوادعين ، كي لا يبقوا سادرين في أوهامهم ويورطونا معهم ، أما ألون على سوء أخلاقه وطويته ، فما هو أشد توحشاً من بشر أكارم .وبموافقتي على ما قال ورغبتي بإغلاق الملف ، فقد تيسر لنا الذهاب في أحاديث شتى ليست بذات صلة ، وعادت عينا صديقي الخضراوين الفسفوريتان تضيئان بجذل ظلال العتمة . *من مجموعة الكاتب القصصية "رجوع الطائر" الصادرة في عمان الأردن عن دار فضاءات العام 2008 .** رئيس تحرير صحيفة "السجل".
21 حزيران, 2009
ألون ( قصة قصيرة)
ألون* محمود الريماوي**حدثني صديقي ابراهيم فقال إنه أطعم قطه بقايا وفيرة لسمكة عظيمة ، أتى بها في ذلك اليوم لوجبة غذاء الأسرة التي تضم الأب والأم وابناً وابنة .وأنه اعتاد رعاية القط بكل ما تيسر من طعام وشراب ومأوى. لا يؤمن له حقاً كحال الأجنبيين الأطعمة المعلبة المخصصة للقطط التي تباع في المولات ومحلات السوبر ماركت الكبيرة . وتفسيره لذلك أنه لا حاجة لقطه العزيز بطعام معلب محفوظ ، فهو أي القط ( أجل القط وليس القطة كما أكد صديقي المتقاعد ) يشارك أهل البيت قوتهم اليومي ، وينال نصيبه كواحد منهم مع مراعاة أنه نهم أكول ، شهيته مفتوحة وعينه فارغة .، ولا راد لنهمه في ظروف الوحدة التي يعيشها ،فهو أي القط المحترم يتيم ، وقد عاش أحوالاً مروعة شهد عليها صديقي بنفسه . فقد افترست أمه الرؤوم شقيقاً له أي مولودها وبعد ولادته بأسبوعين ،وهو ما لا يملك صديقي تفسيراً له ، سوى المصادقة على القول المأثور عن القطط ثم الثورات التي تأكل أبناءها . وهرب قط ثان شقيق له من هول ما راى ولم يعد . ولم يلبث كلب ضال أن تسلل إلى الحديقة ذات ليلة بلا قمر ،وافترس بدوره القطة الأم . أما الأب ، القط الأب فلا علم لصديقي بشأنه شيئاً . فالقطط تتلاقى وتتكاثر بغير ارتباطات زوجية مقدسة ، ودون إخلاص يذكر للزوج في حال وجوده . وبهذا فإن القط ، قط صديقي الذي أسماه ألون ، هو فوق يتمه ووحدته سليل أسرة شقية مثلومة الشرف وضيعة المحتد . منكودة ومنكوبة . ولم يعد له من راع وحام ونصير في الأرجاء الفسيحة ، سوى صديقي ابراهيم الذي يتعاطف معه ويحدب عليه ما وسعه ذلك .متدثراً بعباءة ببنية صيفية لزوم القيافة لا لاتقاء برد لا وجود له ، وبين التنقل بيده اليمنى على أطباق الطعام الخفيفة التي يحثني على تناولها ، وبين الانكباب على غليونه الذي تنطفىء ناره بعد هنيهات من إشعالها ، كان ابراهيم الذي تروق لي مناكفته بالدرجة التي يطب لي فيها التلاقي معه ، كان يحدثني بنبرته التعليمية المحببة ، التي ورثها من خدمته لثلاثة عقود ونصف العقد من الخدمة ي سلك التعليم ، فيما ألون يحوم بضجر وتثاقل وأيضاً باعتداد ، حول جلستنا في الحديقة المشجرة في إحدى عشيات أواخر الصيف . بينما هواء رخي هفهاف يهب بلطف بين آونة وأخرى . ويتكفل بتعديل مزاج من ينشد ذلك .خاصة حين يأتي متضوعاً برائحة سرية لرطوبة التراب ، وبعبق أزهار لا أعرف لها اسماً باستثناء الياسمين الكريم . ولم تكن هناك من نجوم في السماء فوقنا كما لاحظت في سهرتنا تلك ، فما حاجتنا لها لي على الأقل ، ونحن نصوب أنظارنا غير الكليلة بعد إلى أمام وإلى جوار لا إلى أعلى .لقد شكوت له إلحاح القط الأبيض الموشح بالأسود على عنقه وفي ذيله . والطويل الجذع بعينيه الفوسفوريتين . ببطنه شبه الممتلئة ، وبوبره الناعم النظيف الأشبه بوبر الأرانب .وعبوره المفاجىء والمتواتر بين قدمي تحت الطاولة ، وموائه (البائخ ) الذي لا يتبين المرء منه نداء أو تعبيراً عن حاجة أو عن أية مشاعر أصيلة ، سوى رغبته التسبب بإزعاج . مع العلم أنه ليس وليداً صغيراً .. ليس ابن يومين أو اسبوعين أو شهرين ، فقد بلغ من العمر سنتين شمسيتين على ما كشف ابراهيم في أمسية سابقة ، بما يجعل ألون في حكم الشاب نسبة لأعمار البشر . على أن سلوكه للأسف ما زال صبيانياً طائشاً ، ولم تنفع توبيخات صديقي له ولا تكرار ملاحظتي في الحد من مواصلة ألون لنشاطه المحموم . وهو ما أثار حيرتي ووطن قناعتي بغرابة أطوار صديقي ، وهي بالمناسبة إحدى أفضل فضائله .رغبت أن أفاتحه بأن ألونه يكاد يفسد سهرتنا الثنائية ، بعدما بات شريكاً مضارباً لنا ، فأبلغني أنه ينتوي اتخاذ إجراء حازم وقطعي بحقه في اقرب الآجال ، وأنه سوف يمنحه فسحة أخيرة ، يتمتع فيها بنشاطه العابث قبل أن ينال جزاءه . ولما أوضحت لصدبقي أني لا أحرضه على قطه ولا أنوي التسبب بقطع رزقه ، وحرمانه من المأوى والدفء البشري ، بل أود فقط لو يقصيه عنا في تلك الأمسية . عندها قال بصوت يختلط فيه السخط بخيبة الأمل : إنه قد تبين له أن ألون أسوأ مما يتصور " إنه منحط بلا أخلاق ، وليس أقل من ذلك " وما أن ضحكت ضحكة خافتة على هذا الحكم المبرم الذي لا شفاعة له ، ولا أسباب تخفيفية تم النظر بها للحد من قسوة الحكم ،حتى بادرني موضحاً انه قبل ثلاثة ايام فقط ، من يوم جلستنا هذه في نهاية الأسبوع ، فقد أحضر سمكة كبيرة من نوع هامور مما اعتاد تناوله في جزيرة فيلكا الكويتية ، حين كان يعمل هناك قبل عودته إلى دارته في منطقة الجبيهة في عمان منذ ستة عشر عاماً ، وأنه قد تبقى من السمكة ما زنته نحو كيلوغرام ، بعد أن فرغت الأسرة من تناول وجبة الغداء . وقد دفع بالبقية إلى ألون على شيء من التردد والاستكثار ، فلم يسرف من قبل في " توجيبه " في إكرامه بذلك القدر الهائل . على أن ألون أفندي أحنى رأسه عليها والتهمها في لحظات بغير شكر ولا من يشكرون .وسكت ابراهيم . فسألته عن المستغرب في الأمر ، فأجاب إنه لا غرابة فيه ، فألون نهم شره يحتسب نفسه من أهل البيت ويعتني بصحته أكثر من أي فرد من أفراد العائلة .المستغرب قال هو ما وقع بعدئذ بنحو ساعة واحدة فقط ، وما زالت الشمس في تلك الأثناء واضحة ساطعة في كبد السماء . حين لاحظت في وقفتي عند مدخل البيت يقول ابراهيم ، إن ألون يحوم بلهفة واضطراب شديدين حول شجرة اللوز هذه ، وأشار إلى الشحرة الفارعة الوفيرة الأغصان الى يسار جلستنا . ثم إذا به ، بالقط يثب فجأة على ساق الشجرة فعلى غصن قريب ويختطف ..هل اختطف حبة لوز كبيرة .. اختطف ماذا ؟ قاطعته مبتسماً ومتهكما على جديته البالغة . أجاب : اختطف عصفوراً حياً دورياً لجأ إلى الشجرة ، يلتمس بين أغصانها قسطاً من الراحة والأمان . وهرب به بين فكيه إلى خارج الحديقة . وهناك عند الباب الخارجي حاول ابتلاعه ، ولما عجز عن ذلك قذف به من فمه ممزقاً مدمى ، كما عاينت ذلك بعد خروجي . تصور ..ـ ولم تتدخل ؟ ـ لم أتوقع ما جرى ، فما حدث حدث بسرعة خارقة ، أين منها سرعة ورشاقة الغزلان .ـالقطط تلتهم الطيور على ما أعرف .ـ لكن الحقير لم يكن جائعاً ، كان ينشد التسلية والبغددة فقط ز وقد كرهته .ظل ألون في تلك الأثناء يحوم من حولنا كما قبل .يروح ويجيء ، يتمطط ويتعابث يناور ويموء ، وهو خارج السمع لما يصرح به صاحبه عنه .ـ كنت شاهداً على ما جرى .ـ للأسف .ـ لقد لاحظت شيئاً من حديثك .ـ ما الذي لاحظته ؟ .ـ أن المشهد الأخير الذي رأيته ووصفته ، يتكون من إنسان وحيوان وشجر وطير .ـ صحيح . من قال بغير ذلك ؟.ـ وقد عاينت جريمة قتل متعمدة عن سابق تصور وتصميم . وشهدت تضارباً تناحرياً في المصالح ، بين كائنين طير وحيوان : بين عصفور وقط .وعلى مرأى من كائنين آخرين هما : أنت الكائن البشري ، والشجرة الكائن النباتي دون تدخل منكما .ـ بهذا المعنى ، نعم .ـ لا عزاء لهم إذن اولئك الفلاسفة والمتصوفين .ـ عم تتحدث ؟ .عن وحدة الكائنات والتوازن ما بينها ، التي طالما هتفوا لها وراهنوا عليها .وقد خسروا الرهان هذه المرة ، وكان نصيبك أن تشهد على هذه الخسارة بنفسك ، حتى يقشعر بدنك وتتلوى معدتك .ضحك صديقي وهو ينهر ألون بحدة أقل مما سبق . ربما لثقته بأن قطه مهما تضخم ومهما جمح ، فلن يلتهمه يوماً ما ، قائلاً لي : يلزم أن نتدبر وسيلة لإبلاغهم بالأمر ، . يقصد زمرة الفلاسفة والمتصوفين ، خاصة أهل "الزن" الطيبين الوادعين ، كي لا يبقوا سادرين في أوهامهم ويورطونا معهم ، أما ألون على سوء أخلاقه وطويته ، فما هو أشد توحشاً من بشر أكارم .وبموافقتي على ما قال ورغبتي بإغلاق الملف ، فقد تيسر لنا الذهاب في أحاديث شتى ليست بذات صلة ، وعادت عينا صديقي الخضراوين الفسفوريتان تضيئان بجذل ظلال العتمة . *من مجموعة الكاتب القصصية "رجوع الطائر" الصادرة في عمان الأردن عن دار فضاءات العام 2008 .** رئيس تحرير صحيفة "السجل".
16 حزيران, 2009
طلب متزايد على التعددية
إيران : طلب متزايد على التعددية محمود الريماوي* بصرف النظر عن نتائج الانتخابات الرئاسية في ايران، فإن هذه المناسبة فتحت الأعين مجدداً على التجربة الانتخابية في هذا البلد الكبير والجار .ولا شك ابتداء أن النظام الانتخابي كجزء من النظام القانوني والسياسي، يقيد الترشيح ويحد من فرص التنافس، فهناك عملية فرز مسبقة للمرشحين، يتم من خلالها استبعاد مرشحين وفقاً لاعتبارات سياسية وفكرية، لا قانونية تتعلق بالسجل القضائي لمرشحٍ ما مثلاً. في الترشيحات الأخيرة جرى استبعاد 475 مرشحاً بينهم 43 امرأة .وهناك الصلاحيات المحدودة لرئيس الجمهورية ، مقابل صلاحيات وسلطات واسعة للمرشد الذي يختاره رجال دين، وتشمل صلاحيات الأخير وضع السياسات العامة وتنصيب القضاة وعزلهم وكذلك قيادات القوات المسلحة. بل تمتد هذه الصلاحيات الى عزل رئيس الجمهورية نفسه بالتعاون مع البرلمان.. وهو نظام فريد لا مثيل له في عالمنا، خاصة أن المرشد وهو هنا السيد علي خامئني ، يتمتع في الأساس بحيثية دينية كمرجع أعلى وليسبمنزلة سياسية.مع هذه التقييدات، فقد كشفت الحملات الانتخابية لى مدى الشهور الثلاثة الماضية، عن حيوية هائلة يتمتع بها المجتمع الايراني في بلد كبير تعداده نحو 70 مليون نسمة . كما كشفت عن تعددية سياسية داخل النظام نفسه ، وقد دلت على ذلك السجالات بين محمود احمدي نجاد وعلي هاشمي رفسنجاني وكلاهما من أعمدة الدولة . وأبعد من ذلك فإن التنافس الحاد جرى في واقع الحال بين رجالات الدولة ، فرجل الدين مهدي كروبي الاصلاحي هو رئيس سابق لمجلس النواب ، أما مير حسين موسوي. الإصلاحي الآخر فهو رئيس وزراء سابق .يكمن مصدر الحيوية في مواضع متعددة. أولها بلوغ مرحلة من النضج السياسي، تم فيها المراهنة على المنافسة الديمقراطية رغم القيود عليها ، ونبذ وسائل العنف وثقافته. في واقع الامر أن التعبير السلمي في الاعتصامات والمنشورات العلنية وعبر وسائل الإعلام المتاحة ، يقطع الطريق على حرف قضية الديمقراطية عن مسارها، وينزع ذرائع ممارسة التشدد من بعض أطراف أجهزة الدولة . لقد تميزت الحملة الانتخابية الأخيرة، بين ما تميزت به بتحييد "الحرس الثوري" وأجهزة أخرى مماثلة. وكان واضحاً أن أية تدخلات أمنية سافرة، سوف تفسر انحيازاً لمرشح ضد مرشح آخر، بما يفقد العملية مضمونها. وبهذا فإن الحرص على الحيادية ولو من حيث الشكل على الأقل ، أسهم في إشاعة جو من التنافس الحر بين المرشحين ، وفي تمكين الملايين من الأجيال الشابة من التعبير المباشر في الشارع والساحات العامة عن رؤاها .وبالنظر للطابع الأيديولوجي للدولة الذي يَحِد حُكماً من تداول الآراء ويحد قبل ذلك من التعددية ، فمن الطبيعي أن تشكو الأجيال الشابة وعلى الأخص الشرائح المتعلمة في الجامعات والمعاهد من هذا التشدد، وفي زمن تنتشر فيه ثورة المعلومات ووسائل الاتصال الحديثة. علماً أن هذه الأجيال نشأت في كنف الثورة الاسلامية. ولا يعقل اتهامها بالحنين الى نظام سابق أو الارتباط العاطفي والذهني به . كل ما في الأمر أن هذه الأجيال استفادت من التعددية تحت سقف النظام ، وتسعى الى توسيع نطاقها . كما استندت هذه الشرائح الى تجربة وصول مرشح إصلاحي هو محمد خاتمي مرتين الى سدة الرئاسة عبر صناديق الاقتراع ، وقد لوحظ أن خاتمي الذي ترشح لهذه الانتخابات ولم يلبث ان سحب ترشيحه لمصلحة كروبي وموسوي ، كان حاضراً في الحملات الانتخابية .ولم يكن الرئيس المرشح نجاد بغير شعبية في أوساط الأجيال الشابة، إذ أن منبته الطبقي المتواضع، وما يبدو من تقشفه وعصاميته، ومن صلابته في مواجهة الغرب، شكلت عناصر جذب لشبان فقراء من الريف أو يقيمون في هوامش المدن.الى ما تقدم فإن حضور النساء في الحملات الانتخابية كان لافتاً ، وقد لا يجد المرء مثيلا له إلا في الحملات الانتخابية في الغرب. لقد بدت النساء الإيرانيات خاصة الشابات وفي مجتمع يوصف بأنه شديد المحافظة ، في صدارة هذا الحراك، ونافسن وربما تفوقن على الحضور النسائي في مناسبة مشابهة جرت مؤخراً في لبنان، البلد الذي يوصف بالانفتاح وباستقرار تقاليد الاختلاط بين الجنسين فيه. ولعل المسألة هنا ذات جانب ثقافي، فرغم محافظة المجتمع الإيراني، إلا أن النساء لسن منزويات تاريخياً عن حركة المجتمع والحياة العامة . وقد يصح القياس هنا مع بلد إسلامي آخر مثل موريتانيا بمجتمعها المحافظ، الذي يحضر فيه مع ذلك العنصر النسائي بقوة، خلافاً لمجتمعات محافظة أخرى تتسيد فيها النظرة الدونية للنساء، ويجري فصلهن قسرياً عن الرجال وعن النشاطات العامة. وقد لوحظ أن المرشح مير موسوي حرص على اصطحاب زوجته في عدد من نشاطاتهالانتخابية ، وكان المرشح الوحيد الذي عمد الى هذه الخطوة . وفي نهاية الأمر فإن دينامية المجتمع الايراني تضغط بقوة لتوسيع دائرة الحريات العامة ، ولا يجد العديد من رموز الدولة مناصاً من التجاوب ولو النسبي والجزئي، مع هذه التطلعات، وتسند ذلك حركة الاجتهاد الواسعة في صفوف رجال الدين، بما يضع حداً للأحادية والتوجهات الشمولية لدى بعض المحافظين.. وفي حساب بعض هؤلاء أن فتح الأبواب بصورة منضبطة ، يظل أفضل من وقوع "ثورة مخملية" كما حذر من ذلك بعض أركان الحرس الثوري عشية انتخابات الجمعة الماضية.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
09 حزيران, 2009
الانقسام خيار استراتيجي!
الانقسام خيار "استراتيجي".. محمود الريماوي* إصرار القاهرة على أن يتوصل الفرقاء الفلسطينيون، إلى اتفاق بحلول الرابع من تموز المقبل، لن يؤدي كما تدل خبرة التجارب السابقة الى ولادة الاتفاق العتيد، لكنه قد يفضي الى مزيد من الاصطفاف الإقليمي. يتقدم هذا الاصطفاف أو التموضع لدى البعض على أية اعتبارات أخرى. إذ من العسير على أي مراقب الوقوع على مرجعية وطنية (داخلية) ،تهتدي بها حركة حماس مثلاً في صياغة سياساتها، رغم تضحيات هائلة بذلتها ودفع الشعب ثمنها من لحمه الحي.حين فازت الحركة في الانتخابات في حزيران 2006 سارعت منفردة الى تشكيل حكومة برئاسة اسماعيل هنية، بعد أن رفضت صياغة وثيقة أو التوصل لتفاهمات سياسية، حتى مع الفصيل الأقرب لها وهو الجهاد الاسلامي. فلما اكتشفت أن هذا الطريق مسدود، فقد مالت لتشكيل حكومة ائتلافية موسعة برئسة هنية أيضا، ولم تمض شهور حتى عمدت الحركة الى حسم عسكري( سقط خلاله 140 قتيلاً ). على إثر هذا التطور، انسحبت القوى الأخرى المشاركة في الحكومة: فتح ، الشعبية ، الديمقراطية ، المبادرة الوطنية ، المستقلون، وبقي فيها وزراء حماس.. بقايا هذه الحكومة التي انقلبت بنفسها على شرعيتها، وخرجت منها بقية القوى السياسية، تصفها الحركة بأنها عنوان الشرعية.الرؤية الانقلابية والامتلاء باحتكار الصواب الوطني، تجعل من الحركة حتى تاريخه وحُكماً، ضد أي مشروع ائتلافي جماعي، وما يقتضيه ذلك من حوار مسؤول مع الشركاء ورفاق الدرب. كانت هناك وما زالت حاجة لتصليب الموقف الفلسطيني برمته، ووضع ضوابط للجميع في إطار التزامات مشتركة. غير أن هذا الهدف لا يشغل لا حماس ولا أطراف أخرى في السلطة الفلسطينية .في النتيجة يتأكد الانقسام أو الانشطار، وتذهب جهود الوسطاء من اليمن الى السعودية وقطر ومصر هباء. الوحدة الوطنية ليست هدفاً بل يتم النظر اليها عملياً، كعائق وقيد .الاستطلاعات الأخيرة تفيد أن حماس تنخفض شعبيتها في قطاع غزة، بينما تنخفض شعبية السلطة في الضفة الغربية: كُلٌ حيث يحكمون. لكن هذه الاستطلاعات لا توقف مسار الانفراد. العودة الى الشعب تبدو مسألة رومانسية ولزوم ما لا يلزم. ومع ملاحظات جوهرية سلبية جرى عرضها في مقال الاثنين الماضي على أداء السلطة في رام الله ، فإنه يسجل لها الاستعداد للاحتكام إلى أطر شرعية مثل العودة الى الاتخابات، كي يخرج الجميع من المأزق ، فيما تستهوي حماس محاولة فرض إملاءات سياسية، تواكب إملائها فرض أمر واقع بقوة السلاح في قطاع غزة.من حق أي تنظيم أن يتمتع بصداقات وتحالفات خاجية ،شريطة البرهنة على مرجعية وطنية له، وعلى إبداء الاحترام لشعبه، وأن يصدر عنه ما يفيد أنه يستأنف مسيرة تاريخية من كفاح شعبه لا أن يزدري هذا التاريخ، الذي صنعه كفاح شعب على مدى نصف قرن.في ضوء هذه الارتسامات، يتعذر توقع التوصل الى اتفاق بين الفرقاء. فإذا ألقى المرء نظرة على البيئة لإقليمية للحوار الماراثوني الدائر في القاهرة ، فإنه لا يغفل ملاحظة أن التباعد الإيراني السوري مع مصر التي تحتضن هذه الحوارات، ينعكس بصورة مباشرة على ما يجري في الملف الفلسطيني الداخلي. وحيث تتموضع حماس اقليمياً ، دونما ايلاء اهتمام يذكر لاعتبارات وطنية داخلية، فيما نجح على سبيل المثال فرقاء لبنانيون قبل أقل عام رغم التباعد الهائل بينهم في التوصل الى اتفاق ما بينهم هو اتفاق الدوحة.. ذلك أن الفرقاء في 14 و8 آذار على تباعدهم الشاسع، أخذوا الحيثيات الداخلية في الاعتبار، وتطلعوا جميعاً الى حكومة ائتلافية، وإلى انتخابات نيابية تحسم التجاذب الداخلي.في مقالة أخيرة نشرها الناطق السابق باسم حماس غازي الحمد كتب يقول : "إن الصراع مع الاحتلال يملي على الجميع أن يخرج من الرؤية الحزبية الأحادية، والبحث عن مظلة وطنية واسعة ، ثم نجري تقييماً شمولياً للمسيرة الوطنية بكل أبعادها". المظلة الوطنية الجماعية والتخفف من الرؤية الأحادية الحزبية، هو ما يتقص حركة حماس التي أثبتت تمرساً في قتال العدو وبذلت تضحيات هائلة .. لكن على القائمين عليها استذكار أن غيرها قد سبقها الى مثل هذه الممارسة النضالية، دون أن يجنبه ذلك الوقوع في الأخطاء، ودون أن يكون بذل التضحيات عاصماً عن استقبال النقد ، أو ذريعة للتحلل من موجبات المشاركة .إن انهاء الاحتلال وإنقاذ الشعب وتعزيز الوحدة الوطنية وبناء دولة مستقلة، هي أهداف لا يمكن لحركة وطنية مسؤولة أن تضرب صفحاً عنها، وأن تعمد بدلاً من ذلك للاحتكام فقط الى تقييمها الذاتي لذاتها.. وتصوير نفسها على أنها الفرقة الناجية، بينما الآخرون كلهم خاصة من شقوا الطريق أمامها، هم على ضلال مبين. يسترعي الانتباه بعدئذ أنه في الوقت الذي بترز فيه الحاجة للوقوف الجماعي امام غلاة التطرف في تل ابيب، وفي وقت يتطلب صياغة رؤية مشتركة في التعاطي مع إدارة اوباما ومع مشروعها المرتقب، فإن الدلائل تشير الى أن مثل هذه الاستحقاقات السياسية الداهمة، لا تحرك ساكناً لدى من يعتنقون "الرؤية الأحادية الحزبية" على حد وصف الحمد. ذلك أن الانقسام الفلسطيني يؤدي في النهاية إما الى اتخاذه ذريعة للتلكؤ في وضع حلول عادلة ، أو لتأليب الفرقاء على بعضهم بعضاً ، وفي النهاية فإن الخسارة تحل على الشعب وقضيته، أما من ينعمون بالسلطة في رام الله وغزة فهم ينعمون بها، ولا يجانب أحدهما الصواب من أي جانب.* رئيس تحرير صحيفة "السجل"
04 حزيران, 2009
دخول الى منطقة معتمة
دخول الى منطقة معتمةمحمود الريماوي* حين نشرت رواية "عزازيل" لأول مرة في اول طبعة قبل نحو عام فقط ،ثارت شائعات حول ان الرواية لمؤلفها يوسف زيدان تنسج على منوال رواية شيفرة دافنشي لدان براون ، قيل إنها تكرر رواية أخرى لكاتب بريطاني غير معروف. سرت هذه الشائعات في الوسط الادبي والإعلامي ، أما في الوسط الديني فقد لقيت احتجاجات عليها من لدن الكنيسة القبطية ، غير ان الرواية ظلت على ارفف المكتبات ، وحظيت بدفع قوي مع نيل صاحبها المركز الاول في مسابقة البوكر العربية ، وذلك من بين 121 رواية عربية تأهلت لخوض المنافسة .تدخل الرواية منطقة غير مطروقة ، تتعلق بالصراع بين الكنائس في القرن الخامس الميلادي حول مسائل لاهوتية ، وبالذات حول طبيعة السيد المسيح، هل هي إلهية أم بشرية ، ام مزدوجة وكيف يتمظهر هذا الازدواج.عزازيل هو الاسم العبري للشيطان أو لإبليس وقد استخدم سابقا في العربية لوصف ابليس، الذي كان ملاكا رفيع المقام بين الملائكة ثم انحدر الى صفته الابليسية .لكن عزازيل في الرواية يتخذ سمت الصوت الداخلي ، والمعبر عن الشطر الآخر في النفس البشرية الذي يجري إسكاته.وبينما يقوم العمل على تقنية بسيطة: العثور على رقائق قديمة وترجمة ما تحويه من يوميات ومذكرات ، لراهب مصري يدعى هيبيا هجر بلاده نحو حلب بعد ان تآمرت أمه على قتل ابيه وتشرد الصبي، فإن متن الرواية مفعم بالحوادث المثيرة والوقائع التاريخية عن صراعات دينية، وأوصاف دقيقة للأماكن ،وشخصيات ( ثانوية) تدخل الرواية وتخرج منها لكنها تترك أثراً في نفس قارئها. اما التأملات والمناجيات فهي تحف بالأحداث وتنبثق منها. مع انشغالها بالموضوع الديني كمحور لها، فإن رواية عزازيل( 380 صفحة) لا تحمل رؤية دينية بالمعنى الددقيق للعبارة ،فهي خلاف ذلك تنطوي على إدانة شديدة للعنف والاحتراب، ومن الفصول المثيرة ذلك الفصل المتعلقة بمقتل سيدة تلقب بالاستاذة وهي عالمة رياضيات وتدعى هيباتا جرى قتلها عام 417 ميلادية في الاسكندرية لتمسكها بديانتها الوثنية القديمة، رغم ما كانت تحظى بها من احترام حتى لدى المؤمنين. والواقعة حقيقية في الأصل، وكل ما في الأمر أنه جرى إعمال الخيال في رسم شخصيتها ووصف قتلها بصورة بشعة : إحراقها بعد تمزيق جسدها .أما البعد الثاني في رؤية المؤلف فيتمثل في تظهير ما يعتري النفس البشرية من أهواء حسية ومن قلق ميتافيزيقي، حتى لدى راهب منقطع الى التعبد وكتابة الشعر، ومع ذلك لا يملك سوى الإصغاء لأصوات تنبثق من داخله وتجد لها صدى في نفسه باتجاه الدفع الى الصدق مع الذات ومع الآخرين ، حتى لو كان هذا الصدق يجافي معتقدات صاحبه. تسلح المؤلف المصري المسلم يوسف زيدان( 51 عاماً) بمعرفته باللاهوت الديني الاسلامي والمسيحي، وقربه الشديد من رجال دين مسيحيين لدرجة استدعته كنائس لإلقاء محاضرات فيها أمام راهبات. وذلك قبل صدور روايته التي أفقدته صداقات معظم ذلك الوسط وإن ارتفعت أصوات تنصف الرجل، على الأقل من زاوية تقدير القيمة الأدبية للرواية .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"