مدونة محمود الريماوي

مؤتمر حركي عام ..من يبالي؟

مؤتمر حركي عام..من يبالي؟محمود الريماوي*                                                   لولا الضجة الإعلامية المثارة، حول مؤتمر عام لحركة فتح، فإن هذا الحدث الذي لم يحدث لا يستوقف كثيرين لأسباب عديدة في مقدمها أن الأنظار والأذهان تتجه الى ما اعترى القضية الفلسطينية من تآكل على الأجندات السياسية الإقليمية والدولية، وما يصيب الأرض المحتلة من مصادرة وتوسع استيطاني، وما يتعرض له الشعب الرازح تحت الاحتلال من تنكيل لا ينقطع، علاوة على ان الانشطار الواقعي بين الضفة الغربية وقطاع غزة ، وهو انشطار أرسته سلطات الاحتلال بجملة من الإجراءات والتدابير، وأكمله أبناء القضية في تنازعهم على سلطة لا سلطة لها.بسترعي الانتباه أن اللغط الدائر حول مؤتمر عام سادس، داخل صفوف الحركة التي اطلقت الكفاح الوطني قبل نحو 44 عاما، هذا اللغط يكاد يبدو مقطوع الصلة العضوية بالتحديات الجارية والداهمة على صعيد القضية الوطنية، ويكاد ينغلق حول الصراع بين أجيال الحركة ومستوياتها التنظيمية المختلفة بما يدلل على أزمة سياسية عميقة تنهش هذه الحركة، وذلك بعد الاضطراب الشديد الذي أصاب هويتها، فقد غادرت هويتها كتنظيم يمارس الكفاح المسلح ولم تنجح في الأثناء بالتحول الى حزب سياسي. وفي الحالين، فقد جاء مقتل الحركة في تخفف قيادتها من منطق الصراع وروحيته مع الاحتلال، وكما هو بادٍ في الأداء الفقير والرتيب لرئيس فتح ورئيس السلطة محمود عباس، الذي تقدم باعتباره منقذاً للمؤسسات فإذا به يخفق في إدارة "مؤسسته" التنظيمية حركة فتح ، لدرجة العجز المديد عن تنظيم مؤتمر عام بعد نحو عقدين على مؤتمر عام كان الخامس في تاريخ الحركة وعقد في تونس. وجاء حاملاً شعار رفض عسكة الانتفاضة ، فإذا به يطفىء كل انتفاضة مهما كان طابعها السلمي والمدني.هذه الملاحظات لا تنتقص من وطنية الرجل، وليست هذه الوطنية هي مدار هذا المقال في الأصل. الاعتراض هو على المنطق السياسي الذي يجعل رأس السلطة، يتصرف ببرود مفرط كأنه يقود دولة مستقرة مستقلة، لا تشتبك في صراع مع قوة محتلة، فيما الهدف المعلن هو إقامة تلك الدولة..ودون إقامتها صراع مرير وتحديات جسيمة، سرعان ما يختزلها صاحب القرار بتلك الوصفة السحرية الموهومة: المزيد من المفاوضات على طريق الحل التفاوضي الذي لا طريق سواه، على ما انفك يردد بمناسبة وغير مناسبة. وكأن التفاوض خيار قائم بذاته بمعزل عما حوله من بيئة سياسية ومن امكانيات ذاتية وموضوعية،  ومن بدائل أو حتى ردائف، تمنح للتفاوض معنى وتسبغ عليه قيمة كخيار اشتباكي.هذه الأزمة أدت عملياً الى الترهل داخل الحركة، بعدما تخلت عن وظيفتها السياسية في ادارة الصراع وقيادتها، ولئن كان من الصحيح تماماً، أن الوسائل والأدوات الصراعية تظل محل اجتهاد ونظر لتخيًر أفضلها، إلا أن الخلاف الناشب في واقع الامر لم يكن يدور حول الأدوات والوسائل بل حول خيار الصراع ذاته، وهو خيار مفروض وليس مقترحاً.وقد اختار عباس الحلول غير الصراعية  وتلك التي لا تنطوي على أية "شبهة" صراعية مع العدو، فكان أن دخلت الحركة في عهده وخلافاً لما كان عليه الوضع في عهد الراحل ياسر عرفات حالة من الترنح السياسي، وقد فاقم منه الرفض المستميت للتجديد الداخلي في المستويات القيادية، وهي مسؤولية تتحملها قيادات فتحاوية أخرى ممن تتجاوز أعمارهم الستين عاماً ،تتشبث بأمجادها ومواقعها وتكافح لسد الطريق أمام أجيال جديدة خاصة ذلك الجيل، الذي نشأ في معمعان الصراع مع الاحتلال، وواكب الانتفاضتين الأولى والثانية في أواخر ثمانينات القرن الماضي والنصف الأول من عقد التسعينات .أن تخفق هذه الحركة على مدار عامين في تنظيم مؤتمر عام لها، وأن تجنح العديد من قياداتها لطرح استحقاق عقد المؤتمر جانباً، يدلل على عمق أزمة هذه القيادة التي لا تفلح في حل مشكلتها وفق منظور وطني وديمقراطي، فكيف يمكن تبعاً لذلك تصور أن تنجح الحركة في إدارة معركة كبرى، تستنهض الطاقات وترسي الوحدة الوطنية وتجتذب دعم الأشقاء والأصدقاء، وتفرض الأجندة الوطنية على الاهتمامات الإقليمة والدولية.هناك رهان بأن ينجح جيل شاب في الحركة عركه الصراع مع الاحتلال والتجذر في الوطن، في أن يبلور خياراته ويستقطب اكبر قاعدة داخل الحركة وخارجها، ليس لمجرد تفضيل جيل شاب على جيل تجاوز سن التقاعد ويمارس التقاعد الفعلي، بل انحيازاً لخيارات ديمقراطية وسياسية يتجد فيها شباب هذه الحركة تستعيد مركزها التاريخي.ليس بعيداً عن ذلك ، التطلع الى دور تؤديه المكونات السياسية والاجتماعية ، في الضغط من اجل إقالة الحركة من عثراتها ليس انتصاراً لتنظيم بعينه أو لحزب حاكم، بل من أجل إطلاق حياة سياسية  دينامية، قائمة على التعددية والمشاركة، على أرضية من التلاقي حول الأهداف الوطنية ورفض سياسة الاسترخاء المنهجي، وإطفاء الحركة المدنية، والبيرقراطية السياسية المقيتة السابقة لأوانها،علماً أن مثل هذه البيروقراطية مذمومة في جميع الأحوال. ومن هنا على المكونات السياسية ان تقول كلمتها في أزمة التنظيم الأكبر ،ليس على أرضية التنازع الفصائلي واستعجال الوراثة، بل ضمن منظور وطني رحب يضع إنهاء الاحتلال واستنهاض جميع الطاقات وإنقاذ الشعب من التنكيل به، في قلب برامجه وصدارة اهتمامته. * رئيس تحرير صحيفة "السجل"

ظلال زيارة زائر كبير

ظلال زيارة زائر كبيرمحمود الريماوي* لم تنجح الأطراف العربية ومنها اطراف أردنية أهلية في استثمار زيارة بابا الفاتيكان بالصورة المأمولة . لقد جرى تذكير البابا بنديكست بخطاه في الاستشهاد بأقوال رجل بيزنطي ربط بين الاسلام والعنفن ومع هذا التذكير جرى القفز عن مشاعر الأسف التي أبداها الحبر الاعظم غير مرة آخرها في عمان وكأنما المقصود التمترس وراء ذلك الخطأ وتثبيته ، بدلاً من السعي للتلاقي على أرضية مشتركة .الخطا الأكبر لا يكمن هنا، بل في تجاهل خلافات رئيس الفاتيكان مع الدولة العبرية، والتغطية على هذه الخلافات بإثارة سحابة من الدخان .العديد من المسؤولين الاسرائيليين قاطعوا زائر الأراضي الفلسطينية المقدسة منهم رئيس الكنيست روبي ريفلين، ومنهم رئيس الحكومة نفسه نتنياهو الذي قام بتوقيت زيارته الى شرم الشيخ الاثنين الماضي بالتزامن مع موعد زيارة البابا.الصحف الاسرائيلية الرئيسية حملت على الزائر الكبير، واعتبرت انه سبق له وهو الالماني ان انضم الى "شبيبة هتلر"دون التمحيص إذا كان الانضمام المزعوم للفتى طوعياً أم  تم بالإكراه قبل نحو سبعة عقود. بعض الصحف الاسرائيلية التي سبق ان هللت للحرب على اطفال ونساء غزة، أخذت على الزائر ما اعتبرته صمتاً عن عمليات "ارهابية".أبعد من ذلك زج الاسرائيليون بأنفسهم في أمور دينية تنظيمية خاصة بالكاثوليكية تتعلق بتطويب رجل دين مسيحي بزعم أن هذا الرجل ويدعى ريتشارد ويليامسون قد صمت عن المحرقة بحق اليهود.يحق لمن شاء توجيه ملاحظات الى الزائر الكبير، تتعلق أساساً باستحالة الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي في زيارة الأراضي المقدسة المحتلة، التي يخضع شعبها منذ أكثر من ستة عقود لأبشع أشكال التنكيل. ليس فقط عقاباً لهم على تمسكهم بهويتهم وحقوقهم الوطنية، بل كذلك بصفتهم مسلمين ومسيحيين.في القدس حاليا نحو عشرة آلاف مسيحي مقدسي فقط ،وكان عدد هؤلاء في العام 1947 نحو ثمانين ألفاً. تهجير المقدسيين بمن فيهم المسيحيين هو أحد اشكال التطهير العرقي والتمييز الديني. غير أن التقيد بأدب الخطاب واجب، مع أخذ المقام الرفيع للزائر بالاعتبار، ومع ملاحظة أن ملايين العرب من أبناء جلدتنا يتبعون البابا، ومن لا يتبعه طائفياً فهو يدين له بالاحترام دينياً.كان الواجب بعدئذ تظهير خلافات الفاتيكان مع تل أبيب، حيث لم تتورع الثلاثاء 11 الجاري  صحف اسرائيلية ، منها صحيفة "ييسرائيل هيوم" على وصف الزائر الكبير، بأنه ليس معلوماً ما إذا كان "دكتور جيكل أم مستر هايد" في إشارة إلى ازدواجية مزعومة في شخصه.. وبحيث تشكل الزيارة في محصلتها الواقعية ضغطاً معنوياً على الاحتلال، لا مناسبة لإظهار خلافات مضخمة مع العالم الاسلامي. قد تكفي الاشارة هنا الى ضغوط هائلة مارسها الاحتلال لمنع تصوير البابا على خافية من مقطع لجدار الضم والتوسع في الضفة الغربية .. الضغوط مورست رغم ادعاءات اسرائيلية صفيقة بأن بناء الجدار في عمق الأرض المحتلة "شرعي".* رئيس تحرير صحيفة "السجل" 

سباق بين صحافتين

سباق بين صحافتين               محمود الريماوي*                                           التقارير المتواترة عن السباق بين الصحافتين الورقية والالكترونية، ما زالت تشد الاهتمام ، وذلك في ضوء الأزمة التي تعانيها مؤسسات صحفية كبيرة في الغرب، ومن آخر فصولها التهديد المالي بإغلاق صحيفة الإندبيندت البريطانية. مع العلم أن صناعة نشر الكتب الورقية لا تعاني من الأزمة نفسها.في جانب منه فإن الجدل الذي يثور في العالم العربي وهو ما يعنينا في هذا المقام ، يتعلق بالترويج للصحافة الالكترونية كصناعة بديلة. فلم يتم حتى تاريخه إحتجاب صحف عربية كبيرة تحت ضغط المنافسة الالكترونية.وما زال المعلنون يقبلون على الترويج للسلع والخدمات في الصحافة الورقية، وذلك دون إنكار أن الصحف الورقية قد تأثرت بتقدم التكنلوجيا وزيادة استخدامها في المكاتب والمنازل. من مظاهر التأثر عكوف المطبوعات الورقية على الانشغال بالشؤون المحلية في بلدانها، والتخفف من التوزيع خارج الحدود، ذلك أن القراء خارج الحدود، يُقبلون على المواقع الالكترونية لهذه المطبوعات دونما انتظار لوصول نسخها الى بلدانهم. وذلك شكل من أشكال التكيف مع المستجدات، التي تشمل خدمة الإذاعات والقنوات التلفزيونية الإخبارية ورسائل الهاتف المحمول.وإذ تنتشر المواقع الالكترونية الإخبارية بسرعة هنا وهناك، في الدول التي تتيح انتشار هذا النمط بأقل قيود أو ضوابط ممكنة ، فإن غالبية هذه المواقع وأمام ضآلة كلفة إنشائها ، قد فتحت أمام هواة وباحثبن عن البزنس السهل، ونجم عن ذلك بالضرورة ضعف في صدقيتها المهنية، وهو ما يسجل مكسباً للصحافة الورقية التي تظل بحكم الإرث والتقاليد المهنية تتمتع في غالبيتها على الأقل بحد أدنى من الصدقية. وعلى سبيل المثال فإن النسخة الالكترونية للصحف الورقية تتمتع بقدر يقل أو يزيد من الاحترام العام، ولنتخيل ماذا يكون عليه الانطباع لو أن العديد من منابر الكترونية جازفت وأصدرت نسخاً ورقية من مطبوعاتها، حيث يقرأ القارىء بتمهل وتركيز، لا بالسرعة التي يتم فيها تصفح مواقع الالكترونية .هناك  حاجة بالتأكيد للاعتراف بالمتغيرات: مواكبتها والإفادة منها، غير أن التوقعات المتعجلة  لا تفيد ولا تعكس الواقع بأمانة. فما زالت المواقع الالكترونية للمطبوعات الورقية تحظى بأكبر قدر من الإقبال، خلافاً للمواقع الالكترونية الخالصة، التي لا رديف ورقياً لها.وتعتبر هذه المطبوعات مصدراً أساسياً للأخبار والمعلومات والتحليلات ،بخلاف المواقع الالكترونية التي يختلط  فيها الحابل بالنابل. فالمسألة في النهاية ترتبط بجودة المنتج وموثوقيته، وليس بمجرد الإصدار.ولئن كانت الكثير من المواقع حققت بحكم ظروف عملها، قدراً من توسيع هامش الحرية والتوسع في تداول المعلومات، فإنها في الوقت ذاته تحولت الى ما يشبه هايدبارك بخصائص محلية لكل بلد ومجتمع، ومن المفهوم أن مثل هذه المتنفسات على ما تكتسبه من جاذبية، فإنها لا تمتلك ما يكفي من صدقية. الأمر هنا أشبه بمناقشات برلمانية مفتوحة تحددها ضوابط ومعايير، وهذا هو حال الصحافة الورقية خاصة المتطورة منها ،التي تتمتع بهامش معقول من الحرية.. وبمداولات أخرى تتم ارتجالاً في الهواء الطلق، ينبري لها كل هاوٍ وكل راغب في العثور على من يسمعه سواء كان لديه ما يقوله أم لا، يضيف جديداً أم يكرر المعلوم، ولا رهان لديه سوى على حضوره الشخصي، وعلى إشباع الرغبة في البوح أمام جمهور فضولي، لا يأبه بمنح دقائق لسماع مجهول سرعان ما ينساه، وهذا هو حال منابر الكترونية تُزين نشر ما هب ودب، على أنه من قبيل التمكين من حرية التعبير.وهكذا مقابل مواقع الكترونية إخبارية ذات شأن، تُعد على أصابع اليد الواحدة في العالم العربي، فإن هناك عشرات من الصحف والمطبوعات الورقية، ما زالت تُحرز نجاحاً وتسهم في صناعة الرأي العام، وتحوز على النسبة الأعلى من حجم الإعلان،وحتى المطبوعات الإعلانية الخالصة فما زالت ورقية وستظل كذلك الى إشعار آخر، رغم أن بوسع معلنين اللجوء الى البريد الالكتروني الجماعي والمجاني لبث إعلاناتهم، غير أن المسألة تتعلق بالصدقية وطريقة الاستقبال، التي ما زالت لصالح المطبوعات الورقية ومحطات التلفزة.والراجح بعئذ أن ظروفنا في العالم العربي، تتمايز عما هو قائم في الغرب.فالإنترنت أقل انتشاراً عندنا. والكلفة التشغيلية للصحف الورقية، أقل مما هي عليه في الغرب.كذلك الأمر مع سعر النسخة الواحدة للمطبوعة، ومع أسعار الإعلان فيها.لهذه العوامل مجتمعة، فما زالت هناك فرص واسعة لبقاء وازدهار المطبوعات الورقية، وباستخدامها الرديف الإلكتروني لها وما يتصل بذلك من خدمات. والمسارعة للزعم بأن نجمها قد أفل، يجافي واقع الأمور.والرهان هو على مدى ونجاعة التفاعل مع معطيات الثورة التكولوجية، وليس على تخيل انقراض نمط عريق، لصالح نمط مستحدث ما زالت جذوره في الهواء.وكما أن التلفزيون لم يهزم السينما في الغرب، لأن الصناعة السينمائية عريقة فيه، وكما أن النشر الالكتروني لم يضع حداً لصناعة نشر الكتاب الورقي، لأن هذه الصناعة عريقة تحف بها تقاليد ونمط حياة كامل، كذلك في عالمنا العربي.. فما زال للخبر والمقال المنشور في صحيفة، وقعٌ لا يدانيه ما يستجد من نشر الكتروني، متاح لمن هو مؤهل وموهوب موثوق كما لغيرهم ممن لا حصر لهم من الهواة.* رئيس تحرير صحيفة "السجل"   

البشر لا الحيوانات

 البشر لا الحيوانات محمود الريماوي*في رأي صديق أن العالم بات يشهد انحداراً في مستوى مشكلاته. وكما أن  حياة بلدان العالم ومجتمعاته، تقاس بالإنجازات كذلك  فإنها تقاس بطبيعة المشكلات ، فمن الواضح تبعاً لهذا المقياس أن عالمنا في جملته، بات يعاني من تدنٍ في مستوى التحديات، حتى بات العالم رغم التقدم العلمي الهائل يعاني من مشكلة مثل مرض الخنازير، تصيب بلداً على تخوم العالم المتقدم هو المكسيك لينتقل المرض إلى قلب هذا العالم المتقدم وهو أميركا. في سنوت سابقة ظهر مرض جنون البقر، وتلاه مرض إنفلونزا الطيور لنصل الى المرض الأخير. تُنسب هذه الأمراض لحيوانات وطيور، وكان علاقة البشر بكائنات الطبيعة ناشئة ومستجدة، فتقع في سياق هذه العاقة أخطاء قاتلة ناجمة عن سوء فهم متبادل. وهذه  الكائنات في الأصل بريئة مما ينسب لها من خطايا، فهي غير عاقلة، والأهم أنها تعيش في بيئة يتحكم فيها البشر.في الغالب تقع هذه الكائنات غير العاقلة ضحية لجشع البشر وسوء سلوكهم، فيرتد الأذى بعدئذ على البشر.أما الأذى الخالص الذي يتجه لتلك الكائنات حصراً فيكاد يعز على الحصر. فكم من طيور تحت كل فضاء تتهددها الإبادة من الصيد الجائروالعشوائي، وكم من أسماك وكائنات بحرية تنفق في مياه البحار والمحيطات، بفعل التلوث الذي يتسبب به بشر، وكم من حيوانات تتعرض للانقراض بفعل اختلال التوزن البيئي، مع توسع المشاريع الصناعية بانبعاثاتها المختلفة.يركن البشر الى تأثيم كائنات غير عاقلة، ويوجهون لها سهام الطعن، كي يعفوا أنفسهم من المسؤولية عن وقوع الاختلالات، وكأنما انسان القرن الحادي والعشرين، في سبيله للعودة إلى نمط الإنسان الأول القديم، الذي يصارع من أجل البقاء، ولا يتردد عن تهديد كل كائن حي حوله، لضمان ما يعتبرها سلامته ونجاته. الفرق إن إنسان زماننا يسعى لاستغلال تلك الكائنات لغايات الجشع لا لدرء خطرها، وذلك جنباً إلى جنب مع استغلال الكائن البشري نفسه، فلمن يتم تصنيع تلك الترسانات الهائلة من الأسلحة وأدوات الدمار؟ لاصطياد الغزلان..؟ لا ، بل لاصطياد البشر.  بما يتعلق بالمرض الأخير، تحدثت تقارير عن أرباح بمئات الملايين تستعد شركات أدوية لجنيها، جراء طرح أدوية لمواجهة إنفلونزا الخنازير. هكذا فإن الأمراض وخلافاً للشائع، مفيدة، والاخطاء قابلة للاستثمار، فهي تحسن من الوضع المالي لشركات تصنيع وتسويق أدوية بعينها، وبعضها مقلدة حذر منها الانتربول، ولو لم يظهر هذا المرض لتقلصت فرص الربح.من حسن الطالع أن الدول الفقيرة لم يصلها المرض الأخير بعد، وبقيت تنعم بأمراضها التقليدية الناجمة عن سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية. لكن المشكلة وذيولها ألقت ظلالها على بعض هذه البلدان، كما في مصر التي شابتها الأسبوع الجاري توترات طائفية، نتيجة القرار بالتخلص من هذه الحيوانات. أخطاء البشر تبرز مجدداً ،لدى أول فرصة وأول مناسبة سانحة.*رئيس تحرير صحيفة "السجل".

ليل الكتب

ليل الكتبمحمود الريماوي*يقترن الكتاب بالليل. أغلب المؤلفين يكتبون ليلاُ، بينما تتم أجمل وأعمق قراءات الكتب في ساعات الليل. والمقصود الكتاب الورقي الذي يتخذ شكلاً  مجسماً وملمساً وله رائحة، ويرافق المرء في أي مكان وقد يضعه في جيبه..خلافاً للكتاب الإلكتروني الذي  ينهب أعصاب النظر والجسم.ربما لهذا السبب احتفلت العاصمة الإسبانية الجمعة الماضية 23 نيسان الجاري، بما سمي هناك ب"ليل الكتب". ففي احتفالات اليوم العالمي  بالكتاب لهذا العام، أقامت مدريد ليلة ليلاء لخير جليس: المكتبات فتحت أبوابها حتى ساعة متاخرة من الليل وقدمت حسوماً للمشترين، وجرى تنظيم حفلات توقيع مؤلفات شارك فيها نحو400 مؤلف، وأقيمت أمسيات أدبية- موسيقية، مع الفقرة الأهم التي يواظب الإسبان عليها منذ ثلاثة عشر عاماً، وهي قراءة رواية "دون كيشوت" كاملة. وبما أن الكتاب كبير الحجم ويضم ما لا يقل عن سبعمائة صفحة ، فإنه يتعاقب على قراءته قراء كثيرون أمام جمهور تستهويه هذه التجربة، وكان وزيرا الثقافة والتربية الإسبانيين في مقدمة القارئين هذا العام. الاحتفال السنوي  بالكتاب أطلقته منظمة التربية والثقافة والعلوم ( أونيسكو)، ووقع الاختيار على هذا اليوم بالذات، لكونه يصادف يوم غياب كل من الأديبين وليم شيكسبير وميغيل سرفانتس(مؤلف دون كيشوت) في العام 1616 ،وقد توفيا في يوم واحد.رغم أنه ليست هناك مشكلة قراءة أو كساد للكتب في ذلك البلد الأوروبي، مع ذلك فقد تفتقت الأذهان عن  تنظيم احتفالية في قلب العاصمة وفي مناطق رئيسة منها، لتقريب الكتاب الى الجمهور في أجواء جذابة، أسوة بيوم المسرح ويوم الشعر وسوى ذلك من مناسبات.المناسبة عالمية ولا تخص بلداً أو قارة أو ثقافة بعينها.لكن طبيعة  الاهتمام بها وكذلك طريقة الاحتفال بها ،تعكسان مدى تحضر البلدان والمجتمعات. في المناسبة ذاتها تم الإعلان عن بيروت عاصمة عالمية للكتاب لهذا العام .بما يحمل تقديراً لهذه العاصمة وأهلها كما للعرب.فلطالما اعتبرت بيروت مطبعة العرب، ومنارة العرب وقد تغذت أجيال عربية من المحيط الى الخليج على ثمار المطابع اللبنانية.مع ذلك فإن حجم القراءة في تراجع مستمر في العالم العربي، وقبل شهور كان استطلاع قد تحدث عن أن "أمة إقرأ لا تقرأ"،وأن معدل قراءة المواطن الواحد في العام الواحد هو في حدود ربع صفحة.وباستثناء تسمية بيروت عاصمة عالمية للكتاب فلم ترشح انباء عن احتفالات خاصة بمناسبة اليوم العالمي للكتاب، وقد مرت المناسبة ولم يبد أن أحداً قد التفت اليها.في التعليق على احتفالات مدريد بيوم الكتاب اشارت ناطقة باسم اتحاد الناشرين الاسبان الى ان مستوى القراءة في بلادها أقل من بعض مثيلاتها الاوروبيات ، وعزت ذلك الى ان بلد مصارعة الثيران قد تمكن من حو الامية بصورة نهائية في سبعينات القرن الماضي بينما نجحت في ذلك كل من فرنسا وألمانيا منذ العام 1912 .في ديارنا العربية فإن المعادلة لا تستقيم على هذ الأساس فالقضاء على الأمية التعليمية،لا يضع حداً  بالضرورة للأمية الثقافية .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"  
 
A service provided by Al Bawaba