مدونة محمود الريماوي

كي يكون الصدام "محتوماً"

كي يكون الصدام "محتوماً"                  محمود الريماوي*تميل الأطراف العربية للارتياح الى تصريحات ومواقف الإدارة الديمقراطية في واشنطن،مع الحذر من أن لا تقترن الايجابيات اللفظية، بأية آليات للعمل بما يتعلق بتسوية الصراع العربي الاسرائيلي. هذا الارتياح إزاء اوباما وفريقه، سرعان ما ينقلب الى كدر مع ملاحظة التطرف الجامح في تل أبيب مع صعود نتنياهو وطاقمه، وما يتخلل ذلك من خشية بأن يلعب الجناح الأشد يمينية للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، دوراً في كبح الإدارة والبيت الأبيض عن فعل شيء ذي بال، يضع حداً للنزعة التوسعية والعدوانية لدى حكومة تل ابيب، ويعيد الاعتبار لعملية سلمية جدية.الخشية أن يقف الجانب العربي في حالة سكونية يراقب فيها من بُعد تفاعلات العلاقة بين الديمقراطيين في واشنطن والليكود الاسرائيلي بامتداداته داخل الولايات المتحدة، باستثناء أسلوب المناشدات وإطلاق الأمنيات.في واقع الأمر أن هذا النمط  غير التدخلي من الدبلوماسية التقليدية، يَحِد من فرص ظهور تباينات وخلافات بين واشنطن وتل ابيب، حين يكون كل شيء هادئاً في الشرق الأوسط، والجمود المقيم هو سيد الموقف. في غمرة ذلك فإن المبادرة العربية للسلام التي باتت جزء من قرارات مجلس الأمن، تمثل فرصة لإدارة حملة سياسية هامة، يتم من خلالها تنظيم العلاقة مع إدارة اوباما، ووضع محددات للموقف العربي.ذلك أن هذه المبادرة التي مضت سبع سنوات على إطلاقها في قمة بيروت، لم تلق إزدراء من تل أبيب فحسب،إذ أنها ووجهت بتجاهل أميركي خلال ولايتي بوش وتم الاستعاضة عنها بجملة من الحروب والاجتياحات للأراضي المحتلة، بتسويغ اميركي دائم ومسبق.في ظل الوضع الناشىء، فإن نقطة البداية لكسر الجمود تتمثل في حمل إدارة اوباما على دعم صريح وجدي للمبادرة، ودعوة الأطراف للتعامل معها والعمل بمقتضاها، وإدارة مفاوضات مرعية دولياًٍ على أرضيتها. فإذا حزم العرب أمرهم منذ البداية على الالتزام بهذا المنظور، واستثمروا جيداً التوجهات الايجابية المبدئية للرئيس الأميركي وإدارته، فإن ذلك سيمهد لما يتحدث به محللون عن صدام محتوم بين أوباما ونتنياهو، مع أن المرء لا يميل للأخذ مسبقاً بهذه "الحتمية" وذلك بالنظر الى تاريخ العلاقات الأميركية الاسرائيلية. غير أن الافتراق بين الجانبين واضح، وهو لا يقل عما كان عليه بين جورج بوش الأب واسحق شامير في العام 1991 ،عشية انعقاد مؤتمر مدريد، حين تم حمل شامير على المشاركة في المؤتمر الدولي بغير رغبة منه. ومع عدم ترجيح سيناريو على آخر،في مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب بخصوص الشرق الأوسط، فإن النقطة المفصلية بالنسبة للعرب يتعين أن تتركز على رفض ان تقوم "خصوصية " العلاقة الأميركية الاسرائيلية على حساب العرب وحقوقهم، وأن لا تكون تصفية القضية الفلسطينية ثمناً لها. بل أن لا تكون الشرعية الدولية وأحكام القانون الدولي ضحية لها. بهذا يميل المرء إلى وجوب استثمار التغيير الأميركي،حتى لو قال البعض مُحقين، إن هذا التغيير لم تتضح ملامحه بعد وإنه "ما زال لفظياً وفي إطارإبداء النوايا الطيبة". فمن واجب الأطراف العربية، أن تسهم من جانبها في بلورة التوجهات الاميركية الجديدة، بكل ما يلزم من مبادرات ودينامية مطلوبة.وبما أن الأطراف جميعها بغير استثناء جنحت للتسوية السياسية لا المواجهة العسكرية، فإن التسوية لن تقوم بغير قدرٍ من المواجهة السياسية، تتجه أولاً الى مقاطعة حكومة نتنياهو والإسهام في عزلها دولياً، وتنتقل الى دعوة الإدارة الديمقراطية لأداء دور جدي يزيل خطايا الإدارة السابقة، بما يملي إحياء دور اللحنة الرباعية الدولية على أن تكف هذه اللجنة بفضل التأثير الأميركي المحوري فيها، عن لعب دور شاهد الزور، وهو الدور الذي أسماه عمرو موسى مرة بأنه "عملية نصب"، والدفع نحو التفاوض بمرجعية واضحة ورعاية دولية وببرنامج زمن يمحدد، ومجابهة التدليس الاسرائيلي برفض التدخل الخارجي في..المفاوضات التي لن تستحق اسمها بغير رعاية دولية.مغزى كل ما تقدم أن الانسداد الذي تراهن عليه وتدفع نحوه تل أبيب، غير قابل للاختراق سوى بمواقف جدية تبدأ بالتماس صيغة فضلى للتعامل مع واشنطن، والظروف تبدو مهيأة لذلك مع إدارة أميركية جديدة اختارت لغة سياسية تفترق عما سبق، وتبث آمالاً عريضة، وترجمة هذه الآمال على أرض الواقع تتطلب مبادرات نشطة،والتذكير بأن هذا الوضع غير قابل للاستمرار، وقد أثبتت الحروب على لبنان وغزة، أن تل أبيب عرضة للخسارة ولتقوض نظرية الردع المطلق، وأن الأضرار لا تلحق بالجانب العربي فقط، وأن العملية السلمية المبهمة والخادعة، لن تكون بديلاً عن سلام فعلي على الأرض يضع حداً للاحتلال والتوسع. تسعى واشنطن رغم غموض الآليات حتى الآن، الى استراتيجية خروج من العراق، واستراتيجية حوار مع طالبان ومع طهران، والى استراتيجية سلام في الشرق الأوسط. تمكين واشنطن من الالتزام بهذه التعهدات بما يخص منطقتنا، يقتضي المساهمة معها في بلورة السيناريوهات والبرامج، لتنفيذ هذه التعهدات ضمن جدول زمني مرئي، وعدم ترك الأمر لليكوديين في أميركا، او ل"حسن فطنة" الرئيس الجديد وفريقه.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"                                         

صوت وحيد يرتفع

صوت وحيد يرتفعمحمود الريماوي*يسهل على المتابع حصر أعمال العنف المعلنة والموثقة رسمياً ،بتقصي أخبارها في الصحف اليومية وعلى المواقع الإخبارية. ويسع الصحف لو شاءت أن تخصص زاوية ثابتة لوقائع العنف الفردي وشبه الجماعي، التي باتت جزء من معهود حياتنا .على اأه يصعب الوقوع على دراسات حول هذه الظاهرة، أو ما يشي باهتمام الدارسين والأكاديميين المختصين بما يشهده مجتمعهم ومحيطهم القريب من تفاعلات سلبية .بين السياسيين تفرد زكي بني ارشيد ،وحذر من استشراء هذه الظاهرة ،وشمولها مؤسسات ومرافق اجتماعية تكاد تعز على الحصر، وقد احتسبها أمين عام جبهة العمل الإسلامي مظهراً ل"فلتان أمني"، وأحال تفاقمها الى تداعيات العولمة على مجتمعنا. وليس مفهوما لماذا تحل هذه التداعيات بيننا، ولا تظهر على الأقل بهذا الحجم في مجتمعات أخرى. مع ذلك يحسب للرجل ولحزبه فضل المبادرة ، مقارنة بأحزاب أخرى لا ترى سوى التحديات الخارجية، ولا تضع رأسها إلا برؤوس الكبار في عالمنا، أما المشكلات الداخلية البنيوية فتستحق الالتفات لها حين تكون متعلقة بالمستوى الرسمي فقط، فيما لا تستحق مشكلات المجتمع نفسه إيلاء أي اهتمام أو تحليل وذلك انطلاقا من مقولة إن الناس( الجماهير) على حق دائماً، فلا يصح تبعاً لذلك إلقاء الضوء  النقدي على الثقافة السائدة، ووفقا أيضاً لمقولات كلاسيكية عفا عليها الزمن من نوع "إن الثقافة السائدة هي ثقافة الطبقة السائدة"،في إنكار لدور التعليم الرسمي والخاص، والإعلام غير الحكومي، علاوة على الدور المفترض للنخب و"الطلائع" في إشاعة التنوير والانتصار للتقدم .حين تابعت مواقع إخبارية منها على الخصوص موقع "عمون" الجمعة الماضية العاشر من نيسان الجاري،وقائع تعريض الفتاة جيهان نفسها للمخاطر، حتى لو لم يكن لديها عزم جدي على وضع حد لحياتها، فقد لوحظ أن تعليقات عديدة على الخبر المصور المبثوث، كانت تتلخص في عبارة من نوع " الله لا يردها..".وهي تعليقات تكشف عن نظرة شائعة لحرمة الحياة البشرية، ولمدى التعاطف الانساني الجماعي. وذلك خلافاً لثقافة "الطبقة السائدة" التي هب ممثلوها أو "أدواتها" لعملية إنقاذ محترفة تستحق الإعجاب والتقدير.في أماكن أخرى تنشب خلافات عائلية غير عائلية، تستخدم فيها "الأسلحة النارية بكثافة" فيؤدي اقتناء السلاح "زينة الرجال" الى استسهال استخدامه، ولا يرتفع صوت رسمي يشير الى الحد من حيازة الأسلحة ،والى تبيان مخاطره المتفاقمة، والتوجه نحو التشدد في تقييد استخدامه تحت طائلة العقوبات.أما قتل افنيات على أيدي شبان يافعين ، لا يلبثون ان يخرجوا من السجن بعد شهور، ويت غض النظر عن تأثير التحاق هؤلاء بالمجتمع  مجددا وسجلهم يشمل سوابق جرمية خطيرة.فهذا من الاخبار الروتينية التي لا تستحق التفاتاً ، حتى لو كانت مجتمعات وبلدان محافظة أخرى، لا تسلك هذا السلوك، ولا تجيز لأحد أخذ القانون بيده أيا كان السبب أو الذريعة.هناك بيئة اجتماعية وقانونية تحتضن العنف وتسوغه، وتلتمس له الأعذار، والقبول الضمني بهذه الظاهرة يفضي الى توليد المزيد منه. *رئيس تحرير صحيفة "السجل" 

ليست كذبة نيسان

ليست كذبة نيسان محمود الريماوي*لو أذاع باراك أوباما رؤيته لعالم خال من الأسلحة النووية، في الأول من نيسان الجاري، لكانت أقواله احتسبت من قبيل كذبة نيسان، الشائع تداولها عالمياً.فق أصدر تصريحه في الثالث من الجاري في براغ، وهي العاصمة الاوروبية التي دفعت ثمن الحرب الباردة باجتياح روسي لها في العام 1968. وكانت بالتالي من عواصم القارة "العجوز" المهددة، بأن تكون ضحية لأي حرب يتم فيها استخدام أسلحة نووية بين الجبارين. رؤية اوباما هي لا شك على قدر من الطوباوية، فمنذ أكثر من ستة عقود باتت أسلحة  الدمار الشامل، تحتسب في قلب معادلات القوة والمنظومات العسكرية "الاستراتيجية".طرحها جانبا يتطلب إعادة نظر جذرية في احتساب القدرات والموازين.وهو أمرً يصعب تحقيقه كما يتعذر مثلا حمل أصحاب مليارات على أن ينتقلوا الى خانة أصحاب ملايين ويكتفوا بمثل هذه الثروات .الى ما تقدم ، فإن ذيول الحرب الباردة لم تنته بعد.لدى الصين نحو 400 رأس نووي ولدى  الترسانة الروسية أكثر من ضعف هذا العدد، بينما تمتلك الولايات المتحدة التي يرأسها باراك حسين نحو اربعة آلاف رأس نووي.ناهيك بكوريا الشمالية  التي تقبع في الظلمة وتعكف على انتاج أسلحة نووية، باعتبار هذا الهدف يتقدم على تأمين الطعام لملايين الرعايا.مؤدى ذلك أن منطق الحرب الباردة، الجموح الأميركي للصدارة والتسيد ينبغي ان يتوقف، وأن يأتي يوم يقال فيه إن الحاجة لحلف الأطلسي قد انتفت، وأن يحل التسابق السلمي في  ميادين العلم والتكنولوجيا المدنية، وعلى الزراعة والسياحة والرياضة والفنون محل التنافس المدمر.لكن أوباما على طوباويته جاد في ما ذهب اليه، فهو يدعو لقمة أمن نووي تضم زعماء الدول الكبيرة( الدائمون في مجلس الأمن)، وأصدر وثيقة أطلقها البيت الأبيض تتضمن رؤيته، ويسعى لكسب تأييد الكونغرس لها. مع العلم أن مفاوضات تخفيض الترسانات النووية متوقفة مع موسكو.غير أن الرجل إذا ما مضى في هذا الطريق ، فإنه يؤسس لثقافة سياسية كونية جديدة ،تزدري مفاهيم القوة القائمة على التدمير الشامل وعلى الانتحار الجماعي. وليس هناك من هو مدعو للمبادرة بإطلاق هذه الرؤية  العاقلة والأخلاقية مثل الزعامة الأميركية، فأميركا هي الدولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي، ولمرتين متتابعتين ضد هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين في نهاية الحرب العالمية الثانية. وأميركا هي التي تمتلك الترسانة الأضخم والأشد فتكاً من هذه الأسلحة.وأميركا هي التي أذنت ببناء ترسانات خارج نادي الكبار: في الهند وباكستان واسرائيل( الدولة العبرية تمتلك مائتي رأس نووي على الأقل، بما يضعها في مصاف بريطانيا على هذا الصعيد) .  دعوة  الدولة العظمى لعالم خال من أسلحة  الدمار الشامل، يوفر ذخيرة معنوية لنا في الشرق الأوسط العربي، لشن حملة قوية  لا تتوقف ،ضد امتلاك تل أبيب أولاً لهذه الأسلحة، ولنزع الذريعة من طهران للدخول في السباق المدمر الذي يهدد بلداننا وشعوبنا.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"     

عودة الى المربع الاول(2)

عودة الى المربع الأول(2)         محمود الريماوي*                                               ليبرمان هو ليبرمان،ذلك هو الاستخلاص المنطقي لتصريحات وزير خارجية نتنياهو، الذي رفض فيه تقيد تل أبيب بأية اتفاقيات سابقة، ومن بينها اتفاقية اناببوليس التي تقضي بين امور أخرى بإقامة دولة فلسطينية.المهاجر الروسي أفيغدور ليبرمان وهو في الأصل رجل أعمال تطاله اتهامات بالفساد، هو من السياسيين الجدد نسبياً، كما هو من المهاجرين الجدد نسبياً أيضاً حيث هاجر الى فلسطين بعد نحو ثلاثة عقود على إقامة الدولة العبرية، اختار السلعة الأكثر رواجاً في المجتمع الصهيوني وهي التطرف والمزايدة على اليمين،وهذا الخيار يمنحه صاحبه فرصة التعبير عن الولاء للاتجاهات الصهيونية الأكثر جذرية:العنصرية الصافية تضاف اليها النزعة التوسعية مع الجنوح لتوجهات حربية. وذلك كتعويض عن التحاقه المتأخربدولة الاحتلال والاستيطان .هذه المواهب أهًلت الرجل لكي يتبوأ رئاسة الدبلوماسية،فحين تكون نشأة هذه الدولة شاذة،ويت نموها بوتيرة شاذة أيضاً فإنه لا يعود غريباً أن يتولى هذا الشخص مثل هذا الموقع.تصريحاته التي شملت رفض الانسحاب من الجولان كنتيجة لأية مفاوضات مع دمشق ، لم يتم التنصل منها من طرف رئيسه، بما يمنحها صفة رسمية.وقد زاد نتنياهو على شعر ليبرمان بيتا حين بشر لالفلسطينيين الرازحين تجت الاحتلال ب"سلام اقتصادي يفضي الى حكم ذاتي". بذلك يرتسم موقف الحكومة الجديدة، التي تقطع مع أية تسوية تستند الى المرجعيات الدولية. وحسنا فعل هؤلاء، فذلك أفضل من نثر أوهام ،والخوض في مناورات لفظية او الدفع نحو مفاوضات عبثية، تستنزف الوقت والجهد وتشكل غطاء للتوسع على الأرض مع التنكيل الجماعي.تسيبي ليفني الوزيرة السابقة وزعيمة المعارضة الحالية، شنت هجوما على المواقف الليكودية هذه، اعتبرت فيها أن هذه التصريحات تنزع الشرعية عن "اسرائيل" في الساحة الدولية ، وتكشف أنه لم يعد هناك شريك "اسرائيلي" في المفاوضات. كان يمكن أن يعني هذا الرأي شيئا ذا بال، لولا أن القائلة هي القائلة. ففيما كانت ليفني تطبق رؤية ليكودية بإخراج دبلوماسي للاستهلاك الخارجي، فإن الحاكمين الجدد يقولون ما يفعلون ويفعلون ما يقولون.وليفني تتجه بموقفها هذا الى الاستهلاك الداخلي هذه المرة ولغايات التنافس الحزبي والانتخابي.عليه فإنه من الخطل التعويل على مثل هذه المواقف لكتلة المعارضة الأكبر،فهناك تنويعات في مربع اليمين.وما زالت صورة ليفني المنشرحة الأساريرأمام أخبار قتل الأطفال في غزة ماثلة للأذهان.في ردود الافعال فقد بادرت واشنطن على لسان ناطقين باسم البيت الأبيض للتصريح بأن السياسية الاميركية حيال حل الدولتين ليست محل مراجعة .من المفارقة أن موقف واشنطن بات متقدما على الموقف أو اللاموقف الأوروبي وكذلك على اللجنة الرباعية إذا كان هناك من وجود فعلي حتى تاريخه لهذه اللجنة.مع ما يستحقه الموقف الأميركي "المبدئي" من ترحيب "مبدئي"،فإنه يحسن التذكير بأن إدارة بوش في ولايتيه، كانت تعتمد أيضاً ما بات يسمى حل الدولتين. لكن تلك الإدارة ساندت الاحتلال في نقض هذا الحل على الأرض.ولقد تم في النتيجة تفريغ العملية السياسية من كل معنى ومن أي أثر لها تحت هذا الشعار البراق، الذي استخدم كمادة مخدرة للطرف الفلسطيني ولأطراف عربية.هذه المناورة السقيمة والمكشوفة هي ما تستحق أن تكون موضع مراجعة من طرف الإدارة الديمقراطية.الخشية أن يتم تبديد سنوات إضافية، فيتم خوض "كفاح"  مرير لحمل حكومة نتنياهو على القبول بمبدأ إقامة دولة فلسطينية، واعتبار ذلك  لدى تحققه إنجازاً باهراً، مع الإفساح في المجال أمام هذه الحكومة ،لكي تنقض على الأرض مرتكزات هذه الدولة العتيدة.وبذلك تجري العودة مجدداً الى المربع الأول.ولنا ان تستذكر بهذا لخصوص ان حكومة السفاح شارون كانت تقبل لفظيا إقامة دولة فلسطينية !.يحسن بالفلسطينيين والعرب ، الإقلاع عن متابعة التصريحات والمواقف الاسرائيلية، والتركيز أولاً وثانياً وعاشراً على السلوك، وجملة الإجراءات التي ينفذها الاحتلال. التهويد القسري لبيت المقدس الذي بات يشمل محيطها( أكناف بيت المقدس على حد تعبير الرئيس الراحل ياسر عرفات ) والتوسع الاستيطاني ومواصلة بناء الجدار في عمق الضفة الغربية المحتلة وسرقة المياه الجوفية ، هي ما تستحق ان تكون معقد الاهتمتم وهي سياسة قديمة ، ومن المنتظر أن يتم  المضي فيها بل مضاعفتها على أيدي الحكومة الجديدة .ليس مطلوباً من هؤلاء التعبيرعن مواقف مغايرة لما عبروا عنه حتى تاريخه، بل اتباع سياسة جديدة .لن يتم ذلك بغير ضغوط فلسطينية وعربية تتجه نحو واشنطن من جهة، وباتجاه تل أبيب من جهة ثانية. المبادرة لا بد أن تصدر عن الجانب الفلسطيني، بالانتقال من رفض التفاوض مع نتنياهو، الى الاستعداد لمقاومة أو انتفاضة مدنية في الضفة الغربية، وقطع الاتصالات مع الاحتلال باتثناء تلك المتعلقة بأمور حياتية، بما يوفر أساساً لبرنامج سياسي ائتلافي، وتضع حداً للنزعات السلطوية لدى حركتي فتح وحماس على السواء.. هذه النزعات التي تديم الانقسام وتستدرج التدخلات، وتعكس صورة بائسة لقوى سياسية وفصائلية، تتنازع على السلطة فيما يتم سحب الأرض من تحت أقدام الجميع.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"            

الرئيس ..والروائية!

الرئيس..والروائية!محمود الريماوي* ايزابيل الليندي. يتم على التو ربط هذا الاسم، بالرئيس التشيلي اليساري المنتخب، الذي أطاح به انقلاب أميركي وقصف مقره الرئاسي عام 1973 . الربط بين الاسمين، وجيه. فصاحبة الاسم هي ابنة شقيق الرئيس المغدور. وهي كاتبة روائية، شرعت متأخرة بعض الشيء بالكتابة والنشر: في سن الاربعين بروايتها "بيت الأرواح". وهي حاليا في السابعة والستين من العمر، تقيم في الولايات المتحدة منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي بعدما كانت تقيم في فنزويلا، متزوجة من أميركي( محامٍ متقاعد حالياً)، وتتمتع منذالعام 2003 بالجنسية الأميركية. المعلومات الأخيرة مهمة، بالنظر الى سيرة ايزابيل المرتبطة باسم عمها، الذي أطاح بحكمه الأميركيون في انقلاب دامٍ أودى به. وليس معلوما ما الوصف الذي تطلقه على هذه المفارقة: أهي مكيدة التاريخ أم مصيدته ؟.أيا يكن الأمر فتصريحاتها الصحفية تشي بسعادتها هي الكاتبة المتفرغة، التي تترجم رواياتها الى ثلاثين لغة. وكنت مرت قبل أعوام بمحنة رهيبة، إذ فقدت ابنة صبية لهاهي "باولا" وقد خلدتها في رواية تحمل الاسم نفسه، وتحصد الرواية  افتتاناً متزايداً بها ،حيث تتلقى الكاتبة على الدوام، رسائل الإعجاب خاصة من القارئات. تقول الليندي انها عبر الرواية تمكنت من إبقاء روح ابنتها حية ومن "استعادتها" من الموت، وكانت الابنة قضت بعد غيبوبة امتدت لسنة كاملة  لازمتها فيها الأم الثكلى.الربط بين اسمها واسم عمها الرئيس، أثار على الدوام انطباعاً أو افتراضاً، بأنها غزلت اسمها وشهرتها، ولو دون تعمد منها، من خيوط أسطورة رئيس تشيلي المغدور. بالنسبة لكاتب هذه السطور، فإن الارتباط الوثيق بين الاسمين ، قد أعاق الإقبال على قراءة أي عمل روائي لها.لماذا؟ لان شهرة الكاتبة تفيد انها يسارية على مذهب العم ، وروايتها الأولى ظهرت  عام 1980 بعد نحو سبعة أعوام على اغتياله، مما أثار انطباعاً بأنها لن تعدو أن تكون رديفاً أيديولوجياً له، وصدىً روائياً لخطابه السياسي. وبما أننا هجونا ونهجو الامبريالية مرات بلا عدد، ولا يثير فضولنا الوقوف على هجاء جديد لها، فقد قبعت ايزابيل الليندي في مكان قصي، وتقدمت أسماء جذابة مثل غارثيا ماركيز وبورخيس وآمادو.في واقع الأمر أن الربط بين الاسمين وإن خدم الروائية في البدء، فإنه ظلمها في النتيجة وخدم اسم الرئيس الليندي الراحل، الذي باتت تعرفه أجيال جديدة من خلال ابنة شقيقه. فايزابيل موهبة روائية لامعة، وقد أمكن لكاتب هذه الكلمات أن يتعرف مؤخراً فقط ، على أحد أعمالها البارزة وهو "ابنة الحظ"، بترجمة صالح علماني صاحب الأيدي البيضاء في ترجمة روايات أميركا اللاتينية الى العربية. لقد تبين أول ما تبين أن الانطباع المسبق أو الافتراض كان خاطئاً.فالكاتبة ذات الموهبة المتفجرة هي من رموزالوقعية السحرية ومن صانعيها المهرة.وهي ذات نفس ملحمي مفعم بروح معاصرة ، نقدية لكن دون قولبة أو ادلجة مقيتة تماما كما هو حال بقية الرموز. وإذ تعتبر نفسها مدينة لماركيز، فهي ليست مجرد تلميذة نجيبة، بل لديها ما تضيفه على صنيع صاحب "مائة عام من العزلة" و"الحب في زمن الكوليرا". وذلك في اتساع المساحة الروائية ،التي تجعل من عملها هذا بالذات "ابنة الحظ" قنطرة بين الرواية الكلاسيكية المحكمة، والواقعية السحرية الجديدة المجنحة.بينما كان الكاتب منكباً على قراءة هذا العمل الفاتن، لم يكن بالوسع تفادي التساؤل ،عما فعله الهوس في ادبنا العربي بجعل الإبداع مجرد خادم ووسيط لرؤى سياسية ومواضعات أيديولوجية ، وكذلك الاندفاع المعاكس في تجويف الابداع ونزعه عن الخوض في القضايا العامة.مقابل هذا الإفقار ينجح إبداع، ينبثق من بيئة تشابه بيئاتنا العربية في مستوى "التقدم"،ويحقق حضوراً عالميا لما يحفل منبه من رؤى عميقة ومن حفر في دواخل البشر والتاريخ،ومن تجديد عضوي لا يعبأ بالكليشيهيات، وهو ما يفسر أن أدب اميركا اللاتينية مقروء عربياً أكثر من الآثار الروائية العربية .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"  
 
A service provided by Al Bawaba