30 آذار, 2009
دعم الثقافة بالانتقام من الصحافة
دعم الثقافة بالانتقام من الصحافة محمود الريماوي* قانون اقتطاع خمسة بالمئة من عائدات إعلانات الصحف يثير العجب. فهو ضرب من حمل الآخرين على التبرع بالإكراه، مع تحديد ما يتعين عليهم" التبرع" به. يصعب الحديث عن سند دستوري لهذا الشكل من الجباية، الذي يتقصد مؤسسات ربحية دون سواها.مشروع القانون الذي أقره مجلس النواب، يُملي على الصحف دفع المعلوم وبأثر رجعي يعود لأحد عشر شهراً مضت، والهدف "دعم الثقافة".يخشى أن تكون هذه الجباية وصفة لحمل الناس على المزيد من النفور من ثمرات الثقافة. فتطبيق هذا القانون سوف يُحتسب في النهاية على المواطن، فالمعلن سوف يضيف ما يدفعه من ضريبة جديدة على إعلاناته، الى أسعار السلع والخدمات، بما يهيء لارتفاع جديد في الأسعار. وليس معلوماً كيف ستقتطع هذه النسبة العالية: فهل تتساوى الصحف ذات الأرباح العالية مع تلك التي تجني أرباحاً متواضعة قياساً بالأولى، وهل ستدفع الصحف الخاسرة مالياً مثل هذه الضريبة؟. والبادي خلال ذلك أنه يتم بصورة من الصور، الانتقام من الصحافة التي لا ينظر لها المجلس النيابي بعين الرضا، ولا تمانع جهات حكومية من مسايرة المجلس في نظرته فتمرر هذا المشروع، ويتم بذلك معاقبة مؤسسات صحفية على نجاحها الإداري والمالي والمهني، حتى لو كانت بعض هذه المؤسسات شديدة القرب من الدولة والحكومات، بذريعة دعم الثقافة، وكأن هذا الدعم يتطلب زعزعة مؤسسات أخرى، ونزع طاقية كبيرة لتلبيسها على رأس صغيرة..يعرف القاصي والداني أن دعم الثقافة يتطلب أولا إشاعة أجواء من حرية التعبير، واحترام خصوصية المنجز الثقافي والابداعي، وعدم التعامل معه كما يتم التعامل مع أية مطبوعات. التراث العربي يحفل باحترام هذه الخصوصية من ألف ليلة وليلة الى ابو نواس الى النفري والحلاج، حيث لم يكن العرب قد اكتشفوا من قبل "نعمة الرقابة"، التي تنبري لها حالياً في الديار العربية، السلطات وقوى تقليدية في المجتمع جنباً الى جنب.مع ذلك هناك دعم للثقافة يمكن تحصيله لإرساء بنى تحتية لمؤسسات ومرافق ثقافية، ابتداء من توقف النظرة الرسمية الدونية للثقافة وتخصيص ميزانية عادية لوزارتها لا ميزانية رمزية ، ومروراً بتشجيع القطاع الخاص على المبادرة لبناء مشاريع وبرامج ثقافية ، وانتهاء بفرض ضريبة تقل عن نصف بالمئة، على مئات الشركات الكبيرة التي تحقق أرباحاً مجزية، لصالح صندوق الثقافة. يقول المرء بذلك انتصاراً للثقافة لا تبخيساً من شأنها، وكي تواصل الصحافة دعمها للحياة الثقافية بصورة طبيعية بعيدة عن الضغوط، ويسع الحكومة في هذه الأثناء دعم الثقافة والمثقفين بطرق بسيطة كتمكين سائر المدارس الحكومية المتوسطة والثانوية في المملكة، من حيازة جميع منشورات وزارة الثقافة ، وكوضع ثمرات الانتاج الثقافي المحلي في صلب المناهج الدراسية للمدارس والجامعات.أما فرض جباية مرتفعة على مؤسسات بعينها ،فهو من قبيل وضع الشيء في غير محله، خاصة أن المجلس النيابي الحالي لم يعرف عنه ولعه بالثقافة.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
24 آذار, 2009
صراع على العروبة
صراع على العروبةمحمود الريماوي*للأردن تاريخ من الود والخصومة مع محمد حسنين هيكل.وعلاقته الشخصية مع الراحل الحسين طويلة وصحيحة. وسبق للكاتب أن عبر عن مواقف منصفة، كما في الحلقة التلفزيونية التي خصصها لتعريب الجيش العربي وطرد كلوب، وهي الحلقة التي نالت ثناء واسعا في صحافتنا.في رأي استاذ أكاديمي أن لهيكل مشكلة تكاد تكون شخصية مع الهاشميين، إذ يسعى ما وسعه الجهد للتقليل من دورهم .كذلك الحال في موقفه من حركات قومية تاريخية مثل حزب البعث.الهدف من ذلك هو تكريس فكرة أن العروبة وعلى الأقل العروبة السياسية، بدأت ونهضت مع الناصرية ولا سابق لها، وهيكل أحد أذرعتها وألسنتها ومؤرخيها. وهي بالفعل نهضت مع عبدالناصر، لكنها لم تبدأ به. لا يتوقف الكاتب عند عقد الأسبقية والصدارة للناصرية، لكنه يصرف النظر عن مآلات الناصرية التي لم تستو حزباً أو تنظيماً ولم تخلف مؤسسات سياسية دستورية، فأمكن أن يكون خليفة عبدالناصر، السادات ، نقيضاً له دون أن يمنع الثاني عن الادعاء بأنه امتداد للأول . ولا يتوقف الكاتب أيضاً عند إخفاق الناصرية في "تعريب" المجتمع المصري ،الذي ظل منقطع الصلة عما يجري في العالم العربي ويجهل مكوناته، باستثناءالانشغال العاطفي، ومن المفارقة أن الساداتية رغم أنها لم تول أي اهتمام للعروبة كعقيدة وارتباط قومي، قد أدت دون قصد بالطبع، الى بدء تعريب المجتمع المصري مع الهجرة الواسعة للمصرين للعمل في الدول العربية، ومع دخول الاستثمار العربي الى مصر.وفي واقع الحال أن التحديات في مطالع القرن الماضي أمام العروبة الناشئة كعقيدة سياسية ،كانت تكمن في التحدي العثماني فلم يكن غريباً أن ينعقد لواء القومية على مواجهة التتريك. ويسترعي الانتباه أن الحركة القومية آنذاك اجتذبت اهتمام مسيحيي الشرق، وللعامل الديني دور في ذلك ، غير أن الحركات القومية اللاحقة وبالذات الناصرية لم تتوقف عند المكون المسيحي في المجتمعات العربية ومنها المجتمع المصري..وقد بذرت بذلك ومنذئذ المشكلة القبطية في مصر، وكذلك بذور الحركات الأصولية في مصر والعالم العربي، رغم المناوأة المتبادلة آنذاك بين عبدالناصر وجماعة الإخوان المسلمين. بشأن دور الهاشميين في الصراع العربي الاسرائيلي، فإنها قضية تنادي المؤرخين العرب والأردنيين للإجابة عنها. علماً أن بداية الاتصالات تمت قبل أن تكون الصهيونية على ما هي عليه وقبل نشوء الدولة العبرية، وكانت للأمير عبدالله الملك المؤسس، رؤية بمنح اليهود حكماً ذاتياً في فلسطين وهو أحد افضل الردود التاريخية على وعد بلفور.وقد انتهى الأمر حتى الآن وكما نعلم ،بحكم ذاتي للفلسطينيين على جزء من الضفة الغربية.من المهم وفاء للحقيقة أن ينبري مؤرخون وباحثون أردنيون، لتقصي المراحل اللاحقة،وأن يضعوا أيديهم على الوقائع والوثائق، على أن يتمتعوا بحرية البحث العلمي وبالقدرة على استشفاف الرؤى السياسية البعيدة التي حكمت التحركات والسياسات، وأن يؤشروا على الأخطاء كلما وقعت، بما يميزهم عن الأداء الإعلامي.وهي مهمة جليلة ، ودون النهوض بها سوف يظل الآخرون يكتبون تاريخنا وفق منظورهم الخاص بهم .*رئيس تحرير "السجل" الأردنية
20 آذار, 2009
البحرين مثار إعجاب وفضول
البحرين: مثار إعجاب وفضول محمود الريماوي* بين شقيقاتها في دول مجلس التعاون الخليجي، فقد عُرفت البحرين على نطاق واسع في المشرق العربي منذ مطلع سبعينات القرن الماضي على الأقل، رغم أن الهجرة اليها لغايات العمل والإقامة كانت محدودة، مقارنةً بدول أخرى مثل المملكة العربية السعودية ودولة الكويت. ساهم في هذا التعريف نشوء المجلس الوطني(البرلمان) المنتخب في مطلع سبعينات القرن الماضي بما وضع التجربة الديمقراطية في بلاد ديلمون، في موقع موازٍ لتجربة رائدة شهدتها الكويت( وكان شعار الدولة آنذاك: الكويت بلاد العرب). تعرضت التجربة للشد والجذب وتوقفت الى حين، بيد أنها أسست في النتيجة لبيئة ديمقراطية ووضعت في تربة الحياة الوطنية ، البذور الأولى للإصلاح السياسي الشامل.قبل ذلك كانت الأنباء تترى وتتواتر عن حياة ثقافية نشطة في هذا البلد الساحر، وكانت المجلات الثقافية في بيروت قبل نصف قرن، تنشر ثمار الإبداع البحريني وبالذات للشاعر المرحوم ابراهيم العريض، الذي أسهم بالفعل في التعريف ببلاده خير تعريف .بعدئذ ، وللمفارقة، فإن حملات المعارضة في الخارج أسهمت ولو بالسلب، في التعريف بهذا البلد ، وعلى الأخص النشاط الصاخب لاتحاد الطلبة في بيروت والكويت. في أواخر الستينات ومطالع السبعينات، كان اتحاد الطلبة في العاصمتين يقيم أمسيات فنية متاح حضورها لمن يرغب، وييقى في الذاكرة من تلك الأمسيات عبق العطر البحريني، والاختلاط الأليف بين الطلبة من الجنسين، والأصوات الشجية للطلبة الموهوبين.بعدئذ في النصف الثاني من السبعينات كانت الحركة الثقافية قد نشطت في هذا البلد، وقد هبًت عليها رياح التجديد وباتت تلك الرياح تهب منها الى الخارج، عبر مجلات مثل "كتابات" و"كلمات" ، وتداول أسماء قاسم حداد وعلي الشرقاوي وسواهما من مبدعين بحرانيين. وقد احتاج الأمر لمضي نحو عقدين آخرين، قبل أن يتجدد حضور البحرين واسمها وبقوة على الساحة العربية وفي المجال الإعلامي، وذلك مع استئناف الحياة الديمقراطية وعودة التعددية الإعلامية، ورجوع ناشطين سياسيين الى الوطن بعضهم تولى مواقع وزارية .يستوقف المرء في دستور مملكة البحرين بين فقرات أخرى ، فقرة تتحدث عن حظر إبعاد المواطن أو منعه من العودة الى الوطن .من الواضح أنه قد جرى تثبيت هذه الفقرة في أرفع مرجع تشريعي للبلاد، لفتح صفحة جديدة لا رجعة عنها في تنظيم العلاقة بين المواطنين ودولتهم التي محضوها الشرعية والثقة.في الدستور البحريني كذلك مادة قلما يجدها المرء في دستور آخر ، وتحظر هذه المادة تسليم اللاجئين السياسيين. وبصرف النظر عن الإدعاءات السياسية للاجئين فإن استقبالهم وحظر تسليمهم، يعتبر مؤشراً حضارياً رفيعاً، حيث باتت ديار العرب تضيق باللاجىء السياسي صاحب الرأي المخالف، فيما "الغرب المُنحل" يواصل تقاليده في استقبال هؤلاء وبعضهم يعتبرون البلاد التي تستضيفهم "ديار حرب"..فيا لشهامة العقل. في الدستور البحريني أيضا فقرة تتحدث عن "تحريم الحرب الهجومية" ،وليس هناك من دليل أشد سطوعاً على الطابع المسالم للدولة والمجتمع، من تثبيت هذه الفقرة في الدستور. التذكير والتنويه بها مفيد لا شك، في وقت تتعرض فيه الدولة: كياناً وسيادة وحدوداً لتخرصات من جانب جار مسلم. كان لتلك التفوهات "فضل" تجديد البحرانيين التمسك بعقدهم الوطني والاجتماعي في الدفاع عن وطنهم، وتجديد التضامن مع مملكة البحرين من لدن أشقاء وأصدقاء في العالم العربي والإسلامي والعالم بأسره .أثبتت البحرين من قبل ، بالإجراء الملموس لا بالتعهدات الدستورية فحسب نزعتها المسالمة ، حين احتكمت الى محكمة العدل الدولية في لاهاي، في النزاع على جُزر مع شقيقتها دولة قطر . البلدان الجاران ارتضيا بنتائج التحكيم مسبقا، وكان أن قضت المحكمة بتثبيت ملكية البحرين للجزر.الدستور البحريني جرى تعديل عليه مع انتقال النظام السياسي الى الملكية ، وتتويج الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة أول ملك للبلاد. التعديل تم اهتداء بمحددات تضمنها "الميثاق الوطني". الأردن شهد تجربة مماثلة ، فقد تمت دعوة ممثلين لتيارات فكرية وسياسية شتى ، لوضع ميثاق وطني. الميثاق أسس عام 1990 لاستئناف الحياة الديمقراطية والتعددية السياسية في البلاد. المأمول أن يستلهم البلدان من بعضهما بعضاً أفضل ما لدى البلد الشقيق. وفي إرشيف العلاقات الثنائية التاريخية بين المملكة الاردنية الهاشمية ومملكة البحرين، ما يعز على الحصر من أوجه التعاون في سائر المجالات وليس في مجال واحد بعينه. يستذكر كاتب هذه السطور أن عمًاً له( يوسف ) قد قصد البحرين مطلع الستينات، لتدريب أفراد موسيقات القوات المسلحة، وقد دأب أبناء العم اليافعين على الثناء على تلك البلاد وسجايا أهلها ،لكنهم صادفوا فيها أمراً محيراً لم يخبروه من قبل في بلاد الشام وهو: الرطوبة الوفيرة الفائضة عن الحاجة..!.يرنو الأردنيون بإعجاب الى تقدم مملكة البحرين " الصغيرة" ذات الانتاج النفطي غير العالي ، وحيث يُقبل أهلوها على مزاولة سائر المهن اليدوية والفنية بغير حرج، خلافاً لحال بعض أبناء دول شقيقة ( منها الأردن )، ويتجاور فيها الزي الوطني مع الزي العابر للقارات والثقافات( البنطلون)، وتتقارب رؤوس النساء المكشوفة للشمس والهواء الطلق ،مع المحجبات والمنقبات.مع هذا الإعجاب الممزوج بالفضول للتجربة البحرينية، ثمة قلق تشيعه أنباء متواترة تدفعها وكالات أنباء تتحدث بين آونة وأخرى عن أحداث متفرقة ذات مساس بالنسيج الاجتماعي، ووقائع معزولة يُراد بها المس بالنظام السياسي. في القناعة أن نضج النخب البحرينية في مختلف مواقعها وعلى تباين مشاربها، يحملها على الإدراك خير إدراك أن الديمقراطية تمثل أفضل إطار ناظم لتوطيد الوحدة الوطنية لا القفز عنها وعليها ، ولتظهير المشتركات الوطنية في دولة المواطنة لا النفخ في الفروق والهويات الفرعية، وذلك بتنظيم المنازعات تحت سقف القانون، وبأدوات ومنازع سلمية ترمي في البدء والختام لتعزيز السلم الأهلي ، كما لإغناء وتجديد الحياة السياسية، وتوطيد النظام السياسي الكافل للحقوق والحريات.*رئيس تحرير صحيفة "السجل" الأردنية.mdrimawi@yahoo.com
15 آذار, 2009
ثنائية الحرب والسلم
ثنائية الحرب والسلم محمود الريماوي* يعيش الرأي العام العربي منذ عقود من الزمن ،حالة من التيه ،و لم تفلح المنابر الإعلامية المتزايدة (فضائيات ومواقع إنترنت) سوى في زيادة حدة هذه الحالة. فالوعي العربي السائد تتجاذبه بل تتناهبه ميول متضاربة، فهناك الحاجة الى إبراء "الجرح القومي" وتجاوز الانكسار امام التحدي الاسرائيلي المدعوم أميركياً ، وهناك حاجة أخرى موازية للتنيمة والبناء والاستجابة للتحدي الحضاري ومواكبة العصر ،وعدم الانسياق الى مواجهات خاسرة تزيد الجرح إيلاماً وتحد من فرص التنمية .في القناعة أن المراوحة بين هذين المتطلبين ، تشكل باعثاً جوهريا لحالة الشقاء .. شقاء الوعي، علاوة على أن الانجذاب إلى أحد هذين المتطلبين، يعطل لغة الحوار بين النخب المثقفة والمتعلمة وأحياناً بين عامة الناس. وهو ما قد يفسر الجنوح المتمادي والسائد لهجاء الأوضاع العامة، وإعلان اليأس من كل شيء تقريباً. فهناك من يستهول الضعف في مواجهة الدولة العبرية وينعته بالتخاذل والاستسلام ، وهناك من يشقيه حال التخلف من أمية تعليمية وثقافية أو التوقف عند حداثة قشرية ،وهو ما يصل إلى مسامع السامع أينما توجه وحط به الرحال، في عواصم ومدن المشرق والمغرب العربين في المؤتمرات والمنتديات ، كما في المقاهي والمجمعات التجارية وأوساط الشبان، علاوة على ما تبثه الفضائيات من أحاديث وتعليقات مرسلة، وما تفيض به الشبكة العنكبوتية، من أخبار وبيانات وكتابات. وفي واقع الأمرأان الثنائيات السابقة عن الأصالة والمعاصرة ، التراث والتحديث ، الانتساب للعصر وإعلاء شأن الهوية القومية ، تجد في ثنائية التحديات الداخلية والخارجية أفضل وأوضح تجسيد لها. فلم تعد المسألة تتعلق بمجرد اجتهادات ووصفات للتقدم ، وليست مجرد خلافات ذهنية ونظرية بين مدارس وتيارات فكرية ،بل باتت تتعلق بتلبية الحاجة للشعور بالكرامة أمام عدو متغول من جهة ، وللثقة بالذات الحضارية من جهة ثانية أمام بشعوب ومجتمعات أخرى، تقدمت علينا بأشواط في نصف القرن الماضي، وكانت متخلفة عنا من قبل بأشواط ( نموذج الدول الآسيوية مثلاً) .الذي حدث ويحدث، هو غياب المزاوجة بين المتطلبين لدى من يؤمن بجدارتهما وأهميتهما معاً. ليس الجمع بين ارادة المواجهة والعزيمة على التنمية الشاملة بالأمر الميسور حقاً. فذلك يعني في ظاهر الأمرالانغماس في وضعين متباينين أحدهما ذو صلة بالمقاطعة والممانعة، والآخر ينصرف الى البناء والتنمية في حال أقرب الى الاسترخاء. غير ان هذه القسمة الثانئية خادعة ، ولعلها في أساس التخبط الذي نعيش فيه على مستوى الوعي.وعدونا نفسه في نمودج دولته ومجتمعه يفند هذه القسمة . فقد انصرف الى البناء الداخلي وتوطيد الأركان القانونية والسياسية لدولته، دون التخلي عن الخيار العسكري.الديمقراطية الداخلية لليهود ودولة القانون، لا تتعطل مع الاستعداد للحروب ودوام خوضها ،وكذلك لا تتعطل صناعة البرمجيات الالكترونية وصقل الألماس وتصدير الزهور فضلاً عن صناعة وتصدير المعدات الحربية حتى للصين.ليس مطلوباً أن تتجند دولنا للحرب أو أن تخوضها، بل أن تتمتع بميزات دفاعية ، وأن تتمسك بالحق في مواجهة سياسية ودبلوماسية وثقافية وإعلامية. وقد يعذرالمرء من يخوضوا القتال إذا أخفقوا فيه أمام عدو متفوق ، لكن الإخفاق في المقاومة السلمية يصعب التماس أعذار له. كما يتعذر خلال ذلك وبموازاته تقبل الفشل في تحقيق تنمية متوازنة وشاملة، وعدم استثمار الموارد الطبيعية والبشرية على الوجه الأمثل.وإذ يسود الاعتقاد أن العرب أخفقوا في منازلة عدوهم في ساحات المواجهة، وما زلنا نعاني من آثار حرب حزيران 1967 ، فقد صادفنا بعدئذ إخفاق آخر إذ لم نُحسن المواجهة السلمية بأسلحة المقاطعة والممانعة والمواجهة الثقافية والقانونية.أي أننا خسرنا الحرب والسلم.ومن يُمنى بمثل هذه الخسارات لا يعود مستغرباً أن لا يبلغ الأهداف المرجوة في معركة التقدم والتحديث. *رئيس تحرير صحيفة "السجل"
09 آذار, 2009
مكافأة أخرى لبطل "المليونير المتشرد"
مكافأة أخرى لبطل "المليونير المتشرد"محمود الريماوي*عاد أطفال هنود قاموا بالتمثيل في فيلم المليونير المتشرد من الولايات المتحدة الى ديارهم بعد انهاء حفل الإعلان عن توزيع الجوائز حيث نال الفيلم الذي شاركوا فيه جائزة الاوسكار. لقي هؤلاء ومنهم ازهر الدين محمد اسماعيل( لعب دور سليم) استقبالا شعبياً حافلاً من مواطنيهم وتم رفعهم على الأكتاف ، وهي طريقة تقليدية في الشرق للاحتفال بالأشخاص المحبوبين .المفارقة ان هؤلاء ومنهم الطفلة روبينا التي ادت دور ماليكا في الشريط ، عادوا بعد الإضواء واجواء البذخ التي عاشوها لأيام في لوس انجلوس، الى اجواء الفقر الشديد التي برع الشريط في تصويرها .اجل عاد هؤلاء الى بيوت الصفيح قريبا من جبال القمامة.ولا شك انها تجربة هائلة لهؤلاء الفتية بعدما لمسوا الفرق بين مستوى حياتهم وحياة اسرهم ، وما يعيشه اناس آخرون في موطنهم الهندي كما في الديار الأميركية.ينتظر هؤلاء كجزء من أجورهم ،الانتقال قريبا مع اسرهم الى شقق عصرية حديثة ،مع مدخرات مالية لكل منهم هي ثمرة جهدهم ومكافأة مواهبهم، وليست أعطية من المنتجين البريطانيين.في انتظار ذلك صادف الفتى ازهر الدين( 10 سنوات) في بيته العائلي، ما لم يخطر له ببال. فبعد الحفاوة ومشاعر الافتخار التي لقيها من الاسرة ومن ابناء الحي ، فقد تقاطر على البيت إعلاميون كثر ، ينشدون لقاءات مع الفتى والتقاط صور له وتسجيل احاديث معه.الفتى الذي انهكته رحلة العودة بالكائرة من القارة الاميركية الشمالية الى شبه القارة الهندية الآسيوية ،والذي كان يتوق للعودة الى الحياة الطبيعية الأليفة رغم ما تتسم به من ضنك ، لم يكتم ضيقه من التغييرات المفاجئة التي طرأت على حياته ،فكان أن أعلن رفضه الالتقاء بمزيد من المراسلين والفضوليين وكان التقى عدداً منهم .فماذا كانت نتيجة ذلك؟واصل اهل الإعلام إلحاحهم وضغوطهم عليه، لكن الأسوأ من ذلك كان موقف الأب محمد اسماعيل إزاء الابن الذي منح المجد للعائلة. اعتبر الأب أن من السذاجة والحمق عدم الانصياع لرغبات ميديا لا حدود لتطلباتها ومضايقاتها، لكن بركاتها وفوائدها بلا حصر.فما كان من الأب إلا أن انهال على نجم السينما الصاعد بالركلات والصفعات، على ما نقلت وكالات انباء.المجد الذي حققه ازهر للعائلة، لم يشفع له أمام السطوة المطلقة للأب الذي رأى في ابنه فرصة استثمارية وكنزاً..مع بقاء الابن طفلاً ضعيفاً ،لا قبل له في رد مشيئة الأب كلي الحضور والسلطة، وفق تربية شرقية تقدس التقاليد التي تسوغ التسلط. أما الاحتكام الى البراءة والبداهة فلا محل له في هذه المنظومة الصلدة . فالفتى الصغير حاول دون قصد بث رسالة بأن الشهرة لا تعنيه، وأن حقه في الراحة واحترام خصوصياته هو حق طبيعي.فكان ان تعرض في بيته الى عقاب، لا يقل قسوة عما عاناه من ماتان متعهد مجموعة المتسولين في الفيلم.الراجح ان تجربة ازهر مع أبيه سوف تحفر في عمق وجدانه ،كما حفرت تجربة المشاركة في أول شريط سينمائي. *رئيس تحرير صحيفة "السجل"
04 آذار, 2009
التقدم الذي حققناه
التقدم الذي حققناه محمود الريماوي*وجدت جهات عديدة عندنا في الأردن وفي دول عربية وقتاً، لتشن حملة ضد "عيد الحب"، الذي صادف السبت الماضي 14 شباط الجاري .حتى أنه تم دهن حمار باللون الأحمر لبث رسالة مفادها أن العشاق حمير، أما العنف المجاني والكراهية المجانية فهي..مرجلة وعين الحكمة، وذلك خلافاً لتراث عربي وإنساني مديد ومتصل، يمجًد هذه العاطفة البشرية النبيلة. علماً وعلى سيرة الحمار المدهون بالأحمر، فأن عاطفة الحب تربط بين الحيوانات أيضاً لا البشر وحدهم. هناك على سبيل المثال ما يعرف ب "طيور الحب".وهناك القردة التي تتبادل هذه العاطفة أمام مرأى الناس في حدائق الحيوان.المناسبة مستوردة ، صحيح. وكذلك عيد الام وعيد الأسرة وعيد العمال كما لاحظ الزميل جميل النمري. ينبغي البحث عما هو غير مستورد في حياتنا، لا ما هو مستورد، ف"الصنف" الأول أقل بما لا يقاس من الثاني.ولم تكن حياتنا بما في ذلك حياة الأكثر تشدداً وانغلاقاً بيننا، قد تقدمت لولا "المستوردات" التي تعز على الحصر.مع ذلك ، ليس من الضروري ولا الواجب استيراد كل شيء وأي شيء. بما في ذلك ما يعُرف ب"عيد الحب". شريطة أن يكون لدينا بديل محلي أو وطني لهذه "البدعة" أو غيرها .وعلى علم من يكتب هذه الكلمات، فليس لدينا مناسبة خاصة تمجد وترفع من شأن المحبة بين البشر. لدينا عصبيات ترفع حواجز صفيقة ( سميكة ) بين البش. وهناك مشاجرات تتم لأسباب تافهة تسيل فيها الدماء وتزهق الأرواح. ولدينا جرائم دورية تستهدف الإناث حصراً، ويقضي القانون بسجن القتلة ستة أشهر..يا بلاش. بإمكان القارىء أن يستعيد ويراجع منذ السبت الماضي حتى اليوم الخميس، سلسلة جرائم وأعمال عنف، وقعت بالتساوق مع تتفيه هذه المناسبة الغربية المنشأ، التي تمجد ما يسمونه .. الحب. مع ذلك فإن المعترضين على هذه البدعة يطربون أول ما يطربون، لأم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم وفريد وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة ووردة. أما قائمة المطربين والمطربات اللاحقة فليست بحوزة كاتب هذه السطور. تسعة وتسعون بالمئة من أغاني هؤلاء ممن ينتمون للقائمتين: القديمة والجديدة ، والتي تنال الإعجاب الجماهيري الساحق، تدور حول ما يسمى ..الحب. لا يستشعرالمعترضون تناقضاً بين ترديد الأغاني العاطفية والافتتان بها، وبين التطيًر من سماع كلمة الحب، حين يتم تداولها في يوميات حياتنا غير ملحنة وغير مغناة. بعض المعترضين يعتبر أن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتحديات السياسية، تملي تجاهل مثل هذه المناسبة التافهة. لكنهم يلتفتون اليها عملياً، ولو من موقع المخالفة والإنكار. والبعض الآخر من المعترضين يكاد يقترح تعميم الكراهية المجانية بين البشر، من أجل تعبئة الصفوف وحشد الطاقات للتعامل مع القضايا المصيرية . فكراهية الأعداء تكاد تتحول تحت ضغط التحشيد الذهني والهيجان العصبي ورتابة الخطاب وتكراره، والتماس أمجاد شخصية إلى مشاعر مقت بين من يناصبون الأعداء عداء يستحقونه.على هذا النحو يتم طرد قيم نبيلة من حياتنا، واستبدالها بمفاهيم أخرى مستمدة من الذكورة: العنف، ازدراء القواني ،الهزء من النساء والأطفال و"الأغراب" والعمل اليدوي، وهنا يتبدى ما بلغناه من "تقدم " خلال نصف قرن.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"