27 شباط, 2009
فن التوتير وتغذية الشكوك
فن التوتير وتغذية الشكوكمحمود الريماوي* اعتبر مسؤول ايراني أن الأزمة التي ثارت بخصوص الموقف الإيراني، إزاء دول الخليج ومملكة البحرين بالذات أنها مفتعلة و" خلقتها وسائل الإعلام "، على ما قال الناطق باسم وزارة الخارجية في طهران ،حسن قشقوي الخميس الماضي 19 شباط الجاري.في واقع الحال ان وسائل الإعلام عكست وجود هذه الأزمة، وذلك من صميم عمل الصحافة ، ولم تفتعلها . لم تضع الصحافة كلاماً في فم مستشار المرشد علي لاريجاني، حين اعتبر البحرين تاريخياً المحافظة الرابعة العشرة في الجمهورية الاسلامية. من المفيد ان يتم التراجع عن مثل تلك التصريحات التي تنال من سيادة بل كينونة بلد جار ، غير أن الأفضل من ذلك أن لا تصدر في الأصل مواقف تلقي بظلال سلبية على العلاقات الثنائية، وتثير شكوكاً جدية في النوايا. ثم يُصار الى سحبها بعد أن تفعل فعلها. لذلك لم يكن مفاجئاً أن تصدر تصريحات منددة في العالم العربي، ابتداء من دول الخليج .إذ رأت الأمانة العامة لدول مجلس التعاون على لسان الأمين العام عبدالرحمن العطية، أنه "عندما يتم المساس بأمن مملكة البحرين وسيادتها واستقلالها، فذلك مرفوض وخط أحمرلا نقبل بتجاوزه". ورأى العطية في تصريحات منشورة الجمعة الماضية 20 الجاري "أن التصريحات تنم عن جهل مفضوح ،واستهتار بمدى حسن الجوار ولا تخدم التعاون المشترك وسيكون لها تأثيرها".كان وما زال يفترض بالمسؤولين في طهران إدراك مدى حساسية المس بالكيانات القائمة او التأثير على نسيجها الاجتماعي.ايران نفسها تعرضت لمثل هذا المساس، خلال الحرب العراقية الإيرانية الطويلة في ثمانينات القرن الماضي، وكان وما زال يجدر بالمسؤولين فيها أن لا يُحبوا لغيرهم ما لا يرتضونه لأنفسهم وبلادهم .وإيران نفسها وقفت موقفاً جيداً ضد احتلال النظام العراقي السابق لدولة الكويت ، وذلك في إشارة منها الى احترام كيانات الدول وعدم التفكير بالمساس به ،والأهم أن لا تسوغ دول ترى أنها "كبيرة " النيل من دول أخرى تراها "صغيرة "، وهو باعث محاولة النيل من دولة الكويت ، واحتسابها محافظة تاسعةعشر لجمهورية البعث في العراق. وها هي الأيام تدور لتستهوي أرقام المحافظات مسؤولاً إيرانياً مثل علي لاريجاني، ل"يمنح" دولة أخرى رقماً من أرقام محافظات بلده. ولاريجاني كبير مفاوضين سابق حول الملف النووي، ويفترض أنه يدرك أفضل من سواه، مدى حساسية التعرض لسيادة الدول. خاصة حين تتكرر بين آونة وأخرى، مثل هذا التعرضات من مصدر واحد وتستهدف بلداً بعينه . منذ مطلع التسعينات، ومع الاقتحام الأميركي للمنطقة المحمول على مطامع اقليمية بينية، زادت الحساسيات والهواجس بخصوص الكيانات وسيادتها وحدودها والنسيج الاجتماعي لمجتمعاتها. التطورات اللاحقة ومنها انتخاب أوباما رئيساً لولايات المتحدة، تثير قدراً من الأمل بطي هذه الصفحة ولو تدريجياً، وذلك بتعاون وتضامن دول وشعوب المنطقة، ووقف أطماع أي أحد ضد أي أحد.. التصريحات بشأن مملكة البحرين، تأتي في اتجاه يعاكس هذه الآمال: كلما داويتَ جُرحاً يسيلُ جُرحُ.من المعلوم أن دول المنطقة في الخليج والمشرق العربي، تبدي تحسسا ولو ب"مقادير " متباينة إزاء ما تعتبره تمدداً ايرانياً. وسواء كان هذا التحسس مبالغاً فيه أم يعكس واقعاً قائماً، فإن طهران مدعوة في جميع الأحوال لتبديده لا لتعظيمه. ولا ينفع في هذا المجال التذرع بالأطماع الأميركية والخطر الصهيوني، وضرورة إيلاء الأولوية للتصدي لهما. فهذا التحدي ينبغي أن لا تُضاف اليه ولا تنشاً الى جانبه، محاذير ومخاوف أخرى وإلا تشتت الجهود لمناوأة تحديات "الاستكبار"، واختلطت الأولويات واضطرب جدول الأعمال. وقد دأبت طهران على التذكير بتلك التحديات والإشادة بالمقاومات الإسلامية ،مما يقتضي رص الصفوف وحشد الطاقات، وتفادي "خلق " مشكلات فرعية جسيمة تضعف الثقة بين مكونات الإقليم، وتهيء لنفوذ خارجي.اللافت في غمرة دفاع الناطق بلسان لخارجية في طهران عن الموقف الإيراني بخصوص هذه المسالة ، أنه وهو قشقوي قد عمد إلى تمرير فقرة ،حذر فيها مما أسماه " إعادة فتح ملف الخلافات القديمةعلى الحدود " ، ومن يسمع تلك العبارة يخال لأول وهلة أن هناك أطماعاً عربية في الأراضي الإيرانية مثلاً. وقع الحال انه ليست هناك خلافات قديمة مع الجمهورية الاسلامية، بل إن الخلافات العربية هي مع تركة عهد الشاه الامبراطوري، الذي استولى على جزر إماراتية عشية استقلال دولة الإمارات العربية المتحدة.وبدل ان تصححالجمهورية الاسلامية هذه الخطيئة اعتبرتها حقاً مكتسباً وغنيمة.وهو ما حمل مصدراً مسؤولاً في وزارة الخارجية بدولة الإمارات على إدانة "التصريحات العدائية اللامسؤولة والمتكررة من مسؤولين إيرانيين إزاء مملكة البحرين" وما تتضمنه من" تزييف لحقائق تاريخية ثابتة". التزييف المشار إليه بخصوص البحرين، يجد مقدمات له في دوام الاستيلاء على الجرز الثلاث ،وتغيير معالمها والإحلال السكاني فيها ، ورفض التفاوض بشأنها أو إحالتها الى التحكيم الدولي.وهي خلافات أصرت طهران على وراثتها من العهد السابق كما هي، ولم تبادر لوضع حد لها بما ينسجم مع التغيير الشامل الذي أقدمت عليه الثورة، التي يحتفل الايرانيون هذه الأيام بمرور العقد الثالث على قيامها .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
21 شباط, 2009
تحت سقف واحد
حرب وانتخابات تحت سقف واحدمحمود الريماوي* خلال فترة استغرقت 45 يوماُ فقط، بين 27 ديسمبر 2008 و10 فبراير 2009 ،خاض الاسرائيليون حرباً وانتخابات نيابية. نصف هذه الفترة انصرفوا فيها لشن الحرب على غزة، وما تبقى منها خصصوه لحملة دعائية تلتها انتخابات.غالبية شعوب وبلدان عالمنا ودًعت الحروب منذ نحو اربعة عقود، اما الانتخابات فتجري حين تجري مرة كل اربع سنوات.ليست هناك دولة في العالم لديها مثل هذه الشهية المفتوحة على الحرب، ولديها في الوقت ذاته هذا التطلب للديمقراطية. الرأسماليات الغربية الكبيرة خاضت الحروب قبل أن يكتمل مسارها الديمقراطي، وقد شكًل وضع الحد للحروب إيذانا بالاستقرار ومأسسة دولة القانون.هناك استثناءات مثل حرب فيتنام الأميركية وحرب الفوكلاند البريطانية، والحربان المتأخرتان على أفغانستان والعراق،غير أن الأمر يختلف بالنسبة للدولة العبرية التي تخوض الحروب كرياضة "وطنية" وكمختبر تأهيل لمواطنية مواطنيها.وباستذكار وقائع قريبة فقد قامت دولتهم على ارض فلسطين عام 1948 بعد جولا من حروب عصابا الأرغون والهاغانا. وبعد مضي ثماني سنوات كانوا يخوضون حرباً على مصر مع بريطانيا وفرنسا، في ما عرف بالعدوان الثلاثي.وبعد أحد عشر عاماً شنوا حرب العام 1967 فاستولوا على الجولان السورية وشبه جزيرة سيناء المصرية والضفة الغربية وهي ما تبقى من فلسطين ،وكانت ضمن ولاية الدولة الأردنية .والحروب اللاحقة تعرفها الأجيال الجديدة .أما مسيرتهم نحو الديمقراطية فبدأت ودون توقف، منذ أواخر العام التالي لنشوء كيانهم وبالذات في 24 ديسمبر 1949 . الحروب لم توقف الانتخابات، ولا أعاقت مواسم الانتخابات شن الحروب. وبذلك أخذوا عن الدول الاستعمارية نزوعها الاستعماري بعد أن تخلت هذه الدول عنه، كما أخذوا عنها الخيار الديمقراطي. بهذا الخيار تم ويتم تسويق الدولة العبريةفي الغرب"واحة الديمقراطية في الشرق الاوسط ". كما ضمنوا عبر هذا الخيار صهر اليهود الوافدين من مجتمعات ودول شتى (منها دول عربية فقد وفد 300 ألف عربي يهودي الى الدولة العبرية، خلال العقد الأول على إنشائها ). اما خيار الحرب فيتم توجيهه للفلسطينيين والعرب. سلسلة حروب ذات طابع استئصالي ضد "جيرانهم الفلسطينيين "، وحروب توسعية وردعية ضد الدول العربية .دمجت الحركة الصهيونية هذين النهجين معاً منذ البدء منذ النشأة.على يد المؤسسين الأوائل وهم من الإشكناز الغربيين: من حاييم هيرتزل الى حاييم وايزمن وبن غوريون.دعاة السلام على ندرة هؤلاء، كان يتم نبذهم وأبرزهم من المتأخرين اسحق رابين، الذي تم قتله عام 1996 وطي صفحته، رغم ما حفل به تاريخه من شراسة دموية، وكان على رأس كتيبة هجرت أهالي اللد والرملة في حرب العام 1948 وعرف بعبارته عن تكسير الارجل خلال الانتفاضة الأولى عام 1987 وتمنيه أن بستبقظ ويرى غزة قد غرقت. لكن توقيعه على اتفاق أوسلو وعزمه على المضي في تنفيذ الاتفاق،أودى به.تُعرًف الدولة العبرية نفسها بأنها "دولة يهودية ديمقراطية" وهو ما يفسره عزمي بشارة بالقول إنها "دولة يهودية أمام العرب وديمقراطية إزاء اليهود" .الجنود يخوضون حروبهم العدوانية ومنها الحرب الأخيرة على غزة، ويصطحبون معهم كتباً دينية. ويندفعون الى الانتخابات مهتدين بأرقى نماذج الديمقراطية الغربية العلمانية.يستلهمون من الغرب ماضيه الاستعماري والعنصري، وحاضره الديمقراطي في الوقت نفسه. أما العرب فقد وصفهم عوفاديا يوسف مؤسس حزب شاس الديني، بأنهم "صراصير"علماً بأن القائل من أصل عربي..*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
15 شباط, 2009
ضعوا عقولكم جانباً
ضعوا عقولكم جانباًمحمود الريماوي*كما هي العادة فإن الإسرائيليين ما أن يخرجوا من حرب يشعلونها هم ، حتى يبادروا الى المراجعة وتفحص النتائج بصورة علنية على صفحات صحف. فظهرت اراء تثني على تحقيق الاهداف المعلنة في الحرب على غزة ،وأخرى تنكر ذلك علما بأن المستوى السياسي لدولتهم قد أعلن على لسان عصابة الاربعة : اولمرت ، ليفني ، باراك ، بيريس.. ان الأهداف تم بلوغها، دون ان يمنع ذلك من فتح باب الرأي على مصراعيه.المشهد على الجانب الآخر: الفلسطيني والعربي، يبدو شديد الاختلاف.فقد ترافق مع الإعلان بأن النتيجة هي نصر وليس أقل من ذلك ، ظهور حالة من الانفعالات الهائجة لدى العديد من المنابر ، تنكر حق مناقشة ما جرى وما بعده ، تحت طائلة توجيه اتهامات أقلها الوصم بالخيانة. مع استخدام مقولة: الخيانة ليست وجهة نظر ن لابتزاز المعترضين وإسكاتهم ،وهي عبارة يسهل قلبها في التطبيق فتصبح: وجهة النظر خيانة. ومن الطبيعي مع اتهامات مسبقة من هذا النوع أن تتعطل ملكة التفكير، ومعها حاستا السمع والبصر.لا تنم هذه الحالة في جميع الأحوال عن نزوع الى الإرهاب الفكري: فهناك قصر النظر والضيق بأي خلاف ، وهناك الانفعالات التي تشتد وطأتها على أصحابها فيفقدون القدرة على التفكير، وحيث تودي العصبية بصاحبها الى الجهالة كما سبق أن قالت العرب .الى جانب ذلك هناك النزوع الواعي والمتعمد الى الابتزاز، سعياً لتمهيد الطريق أمام بلوغ غايات سياسية دون عوائق أو اعتراض من أحد، بعد حرمان الجمهور من الإصغاء لوجهات نظر متعددة. شيء من ذلك، بات يحدث بعد وقف إطلاق النار. فكرة المراجعة وتفحص ظروف الحرب، ليست مطروحة في الأساس. هناك تنظيم بعينه أعلن الانتصار ونسبه الى نفسه، رغم أن تنظيمات شتى خاضت مواجهة باسلة ، لكن أيا منها لم ينسب تقييما محدداً لتنظيمه.من زاوية الصمود حقق الجانب الفلسطيني مجتمعاً لا تنظيماً دون سواه، حقق نصراً في مواجهة آلة القتل الاسرائيلية.وسياسياً ارتفع مطلب رفع الحصار وفتح المعابر وبات مدرجاً على جدول الأعمال الإقليمية والدولية .وسياسياً أيضا أخفق الجانب الفلسطيني، حين اندفع تنظيم بعينه لرفض التهدئة قبل الحرب ، بما شكل غطاء وذريعة للحرب في أنظار شطر كبير من دول عالمنا .أخفق الاسرائيليون في اسكات الصواريخ ، واظهر المقاتل الفلسطيني كفاءة في اخفاء واستخدام المنصات بينما كانت مقاتلات العدو تصب حممها.وأخفق الطرف الفلسطيني إخفاقاً مروعاً، في أمرين. الأول والأعظم أهمية في الاستخفاف بمحنة المدنيين واعتباره هذه المحنة مجرد نتيجة جانبية ومتوقعة للحرب، ولا قيمة لها مقارنة بالنتائج السياسية والعسكرية. والإخفاق الثاني تمثل في رفض المضي في نهج الوحدة الوطنية واستكمال الوحدة الميدانية التي تحققت في مواجهة الحرب. على العكس، فقد استخلص من استخلص أن الوحدة الوطنية لا ضرورة لها، وأن هناك فرقة ناجية واحدة ينبغي السير في ركابها ،والتسليم بما تقرره نيابة عن الشعب كله بمختلف مكوناته وتياراته وشرائحه، بمن في ذلك ذوي الشهداء والمصابين.قديما قيل: "الحقيقة الضحية الأولى للحروب". *رئيس تحرير صحيفة "السجل"
09 شباط, 2009
الإعمار السياسي أيضاً
الإعمار السياسي أيضاًمحمود الريماوي* إعمار قطاع غزة لم يبدأ بعد ، باستثناء الجهد البشري لسواعد أبنائها في رفع الأنقاض وإزالة الركام وإصلاح ما يمكن إصلاحه.حتى الساعة ترفض السلطة الباغية التي هدمت القطاع على رؤوس أبنائه إدخال مواد بناء، فتسمح فقط بمرور الأغذية والمواد الطبية. إذ لا مانع لسلطة الاحتلال أن يعكف الآخرون على مداواة الجروح التي تسببت بها، والحد من الضائقة المعيشية التي صنعتها، ما دام يتاح لها معاودة الكرة متى شاءت دون من يردعها أو يوقفها.تبلغ الصلافة بعدئذ درجة تمنح فيها تل ابيب ل"نفسها" حق التدخل في وجهة الإعمار ومن يتولون الإعمار. الهدم لا قيود عليه، أما إعادة البناء فمرهونة بموافقة الجناة.في الأثناء لايرتفع صوت مسؤول في الشرق والغرب، يلقي على عاتق المعتدي مسؤولية إزالة آثار عدوانه،ولا يبادر أحد لحمل الدولة العبرية على أداء تعويضات. فمن حق هذه الدولة المارقة الهدم والتقويض، ومن واجب بقية دول العالم النهوض بعبء الإصلاح والإعمار، والخضوع خلال ذلك لاشتراطات وتوجيهات المعتدي.لقد أسهمت الصلافة الإسرائيلية الاستثنائية، في رسم مشهد كئيب، تم فيه طرح القيم الكونية جانباً ومنها قيم حقوق الانسان والشعوب وأحكام القانون الدولي والعقلانية وحق الحياة.والأسوأ من ذلك هو الخضوع المتزايد للابتزاز الاسرائيلي في الغرب.. مع الأخذ في الاعتبار أن الرأي العام هناك، أخذ ينظر للدولة العبرية من منظور جديد، وغير سياسي بالمعنى الحرفي للسياسة.. يرى من خلالها هذه الدولة كنموذج لا مثيل له في الديمقراطيات، وذلك لفرط توحش هذه الدولة، ولما تتسسم به عنصريتها الظاهرة من سعار عقائدي.المأمول أن لا تتم إعادة تعويم مجرمي الحرب، باستقبالهم مجدداً في عواصم عربية، بداعي تحريك " عملية السلام ". إذ أن هذا التحريك يملي في هذه الظروف على الأقل، نبذ الجناة القتلة، وبث رسالة بهدا المعنى إلى المجتمع الاسرائيلي. ذلك أن مجرمي الحرب لا يحسبون في النتيجة حساباً، سوى لأصوات الناخبين الذين يضمنون لهم الوصول الى مقاعد صنع القرار، أو يحرمونهم منها. وإذ يقتضي البدء بإعمار القطاع المنكوب، جهداً خارقاً لفتح المعابر ورفع الحصار، وكف يد التدخلات الاسرائيلية، فذلك يتطلب بموازة ذلك، الشروع في إعمار من نوع آخر، يقع على عاتق أبناء القضية، وقد يصح وصفه في هذا المقام بالإعمار" السياسي".لقد أراد العدو بين ما أراده في حربه القذرة ،إضافة الى حملة الإبادة والتدمير المادي، أن يشتت وحدة الشعب والأرض والمؤسسات ، وجماع الكيان السياسي والمعنوي والقانوني، وتقتضي أبسط الواجبات الاستجابة لهذا التحدي،بالتماس أسباب التشارك إن عز التوحد . علماً أن الدفاع الباسل عن القطاع قد شهد توحداً ميدانياً، لم تستطع أية قيادات أن تقترح بديلاً له او ان يزعم أحد كائنا من يكون، أن التوحد لا ضرورة له، وأن هناك بندقية أكثر وطنية من بندقية أخرى في ميدان التصدي للغزاة الطغاة .لكن أصواتاً بعد وقف إطلاق النار، وقف اصحابها فوق الركام وارتفعت أصواتهم مثل نعيق بوم فوق الخرائب، تنكر الحاجة للتوحد وتدعو لاستئناف التنازع على الفور، ويقوم من ليسوا بأطباء بفحص الدم الوطني لهذا الفريق أو ذاك، واعتبارالمشاركة والمصالحة رجس من عمل الشيطان، ويجري تزيين هذا الارتداد على أنه استثمارسياسي..استثمار في آلاف العائلات الثكلى ، وآلاف البيوت المهدمة، وما لايمكن إحصاؤه من جراح ومرارات البشر، لبلوغ مكسب فئوي.في الحملة الشاقة والنبيلة لإعمارالقطاع وإعادة بناء ما هدمته آلة القتل الاسرائيلية، لا بد من الشروع في إعمارسياسي وأخلاقي يحتكم الى المصلحة الوطنية العليا، ويتم فيه الإصغاء لأصوات المكلومين وسائر مكونات الشعب الواحد في الوطن الواحد، لا لكبار المتفرجين في الخارج، وذلك لقطع الطريق على العدو، وإفشال أهدافه التي يدركها أطفال بيت لاهيا وجنين..*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
04 شباط, 2009
ممنوع حماية الناس..
ممنوع حماية الناسمحمود الريماوي*فيما تم دك البيوت على رؤوس أصحابها في قطاع غزة،وبينما تواصل القصف البربري وتساقط المدنيون تباعاً، وازدادت أعدادهم من ساعة لأخرى كارتفاع الأسعار في مزاد علني، وارتفاع أصوات الاستغاثات ،دون أن يجد ذوو الضحايا فرصة لدفن أحبائهم أو إسعاف المصابين،..في ذلك الوقت ارتفعت أصوات تنكر على الضحايا والمهددين بالإبادة الحق في حمايتهم.بحسب أصحاب هذه الأصوات ، فسواء تمت إبادة العائلات واستهداف الأطفال ورثة المستقبل أم لا.سواء تهدمت البيوت وتقوضت المرافق واختفت ابسط مستلزمات الحياة ام لا ، فإن ذلك كله لا يستحق الانشغال به والتوقف عنده.."ما دامت المقاومة بخير".في الأدبيات الموروثة والتيأاثبت الحياة صحتها ، فإن قوة المقاومة تستمد من احتضان الناس لها والتناغم معها، فيتسنى للمقاومة أن" تسبح مثل سمكة في بحر الجماهير".أما حين يتم الفصل النخبوي بين المقاومة والناس، وحين يتم الاستخفاف باسم الصمود بأرواح الناس واحتساب ذلك على أنه من سفاسف الأمور، التي لا تزيد ولا تنقص حبة خردل في ميزان السجال العسكري مع العدو، فالأرجح أن ذلك يعكس اضطراباً خطيراً في الرؤية، حتى لا يقول المرء غير ذلك.لقد استند العدو في حملته الوحشية على غزة وأهلها، الى أن سكان مستوطناته مهددون، وأن من واجبه التحرك لحمايتهم، رغم أن عدد من سقطوا من سكان المستوطنات لا يزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة على مدى أشهر .غير أن التسويغ الذي رفعه العدو فعل فعله في عالمنا، وبصرف النظر عن التدليس الذي يحجب عدد الضحايا من الجانب الآخر،في الفترة ذاتها.التركيز على الوضع الانساني اثمر تسويغاً استفاد منه القتلة الى افصى حد وبأسوأ صورة . الآن هناك من يعتبر التذكير بالخسائر البشرية المهولة ، وبحق الناس في التماس سبل حلمايتهم حديثاً مشبوهاً..فإذا ما قيض لهذا الشعب لأول مرة في تاريخه، فرصة التمتع بالحماية فإن أية قوات مولجة بأداء هذه المهمة سوف تحتسب قوة احتلال.كانت ابسط مقتضيات المنطق تملي التفكير في طبيعة اي تفوض لقوة دولية : مهماتها ، الجدول الزمني لوجودها، وعلاقة ذلك بالوضع السياسي وحق القطاع في الحرية الى جانب الضفة الغربية المحتلة. اما المسارعة للزعم بان الحماية الدولية هي بمثابة احتلال جديد ، فهو في منزلة وصفة لمعاقبة الذات وتمكين المحتلين من مواصلة استهداف المدنيينن وهو ما يفسر رفض سلطة الاحتلال المبدئي لوجود قوات حماية دولية.إن المرارة التي تعصف بالنفوس جراء الفظائع المشينة التي يرتكبها العدو ، والفخر بأداء المقاومين الباسل في خوضهم معارك بطولية باللحم الحي مع قوة عاتية متفوقة ، ينبغي أن لا يغيب العقل ويطيح بمنطق الأمور، من قبيل الانزلاق الى رفض حماية الشعب الأعزل، علماً أن هذا الهدف يستحق أن يندرج في طليعة أهداف المقاومة، جنباً الى جنب مع مطالب الحرية والاستقلال. في النزال مع الهجمة الوحشية ، فإنه لا يكفي الاعتداد بصمود المقاومين وبحسن بلائهم، فلا بد من التسلح برؤية أخلاقية وإنسانية صافية تجتذب اهتمام واحترام العالم ومن ذلك الانتصار للمدنيين،ورفع الحق بالحياة عاليا وإدانة البرابرة، لا رفع الصوت بأن المقاومة باقية ولو أبيدت غزة . فليس من حق أحد الاستهانة بالإبادة او القبول بها كخيار، حتى لو تم ذلك باسم الانتصار للمقاومة. * رئيس تحرير صحيفة "السجل "