30 كانون ثاني, 2009
المصالحات وحدها لا تكفي
المصالحات وحدها لا تكفي محمود الريماوي* تفاءل من تفاءل بالمصالحات التي جرت في قمة الكويت، وأبدى تشاؤمه من تشاءم، ولكل أسبابه وحيثياته في اعتماد موقفه. والثابت بعدئذ أن الجميع ينشد المصارحة والمصالحة على أسس جدية مستدامة، وما هو أبعد منها في إحياء النظام العربي الرسمي وشحنه بالفاعلية.وفي القناعة أن التطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة والعالم تفرض التقاء عربياً في التعامل معها، بما يمثل ركيزة موضوعية ل" رأب الصدع".واهم التطورات هي الحرب على غزة وتوابع تلك الحرب،ثم تنصيب أوباما رئيساً للدولة العظمى خلفاً لبوش، الذي يكاد المرء لا يصدق أن عهده المشؤوم قد انطوى.هناك مساحة واسعة لالتقاء جهود أطراف رئيسية عربية ، في التعامل مع توابع تلك الحرب البربرية التي أبلى المقاتلون بلاء حسناً .المساحة تبدأ بالاتفاق على إعمار القطاع المنكوب ومد يد العون الى المشردين وذوي الضحايا، وتمر بالعمل على رفع الحصار وفتح المعابر بما في ذلك مع الضفة الغربية( الجناح الثاني للوطن) لا مع مصر فقط ، ولا تنتهي بتحقيق مصالحة فلسطينية تقوم على شراكة وطنية وبرنامج ائتلافي، ضمن أسس ديمقراطية تضمن وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، وتكفل إدارة معركة ناجحة مع العدو، وتضع حداً لتضارب البرامج وتعدد المرجعيات الداخلية والخارجية. ذلك يتطلب الاحتكام الى الشعب والالتفات اليه ، ويعلم القاصي والداني أن الشعب هو من دفع من لحمه الحي الثمن الأكبر للصمود. لا يقتضي ذلك المسارعة الى الانتخابات، بل السعي الى وفاق وطني تشارك فيه سائر المكونات السياسية والاجتماعية، ذات الصفة التمثيلية والاعتبارية في القطاع وفي الضفة الغربية .وقد لا يجد العرب الكثير ليقدمونه على هذا الطريق، إذا لم يتمتع أهل القضية أنفسهم بإرادة سياسية للتلاقي، وإبراء جروح شعبهم المكلوم، ودفع قضيتهم الوطنية الى الأمام.وتجربة العامين الماضيين هي خير دليل على صحة هذا الافتراض.من الطبيعي في ضوء ذلك أن لا يتغذى الانقسام الفلسطيني بانقسام عربي، وأن تفتح المصالحات الأبواب، أمام موقف عربي متجانس يدعم التوجه نحو التوحد الفلسطيني بغير لبس أو إبطاء.وإن بقيت هناك مساحة للاختلاف في الاجتهادات داخل الجسم السياسي العربي أو الفلسطيني.في الموقف من الإدارة الاميركية الجديدة ،فإنه من الواضح لكل ذي عينين ولكل صاحب بصيرة، ان التوجهات المبدئية لإدارة الساكن الجديد في البيت الأبيض ، لا تكفي للتعويل عليها . لقد ألقى الرئيس الرابع والأربعون خطاباً جيداً في حفل تنصيبه الثلاثاء الماضي 20 الجاري ، لكنه لم يلبث بعد يومين أن اعقبه بخطاب سيء تناول فيه الصراع العربي الاسرائيلي بمناسبة تسمية مبعوث له إلى المنطقة ( السناتور جورج ميتشل).لقد بدت الدولة العبرية المحتلة والمعتدية في الخطاب غيرمطالبة بشيء تقريباً،وكل المطلوب فعله ملقى على عاتق حركة حماس..علماً بأن الاحتلال البغبض، قائم قبل عشرين عاما من نشوء الحركة.وبدا الأمر أسوأ لدى تناول ما عرف بمبادرة السلام العربية ، إذ ذهب الرئيس الجديد للقول إنها "تتضمن عناصر إيجابية" وبالاستناد الى هذه العناصرعلى الدول العربية أن تبادر على حد قوله للتطبيع مع الدولة العبرية. وهو استخلاص سقيم لا يقع فيه السذج. فالمبادرة أشبه بصفقة متكاملة، يستحيل عزل بعض عناصرها عن البعض الآخر، وإلا لانتفت عنها صفتها هذه كمبادرة ورزمة متكاملة . استندت مصالحات الكويت بين ما استندت اليه، الى الإعلان عن أن المبادرة "لن تظل موضوعة على الطاولة" كما أعلن العاهل السعودي بلغة واضحة. هذا الموقف السليم يتطلب صوغ تحركات عربية، تستند الى أن سبعة أعوام تقريبا قد مضت على المبادرة التي أطلقت في قمة بيروت.. وما حدث خلال ذلك أن الطرف الآخر لم يكتف برفضها، بل شن في الأثناء حروباً مدمرة على الضفة الغربية ولبنان وقطاع غزة. المناخ العربي الجديد يتطلب الإقدام على سياسات حازمة وحصيفة مع إدارة اوباما، بإبلاغ إدارته في السر( عبرالقنوات الدبلوماسية ) وفي العلن( وسائل الإعلام) بأن مقاربته للوضع في الشرق الأوسط، كانت سيئة في اليوم الثالت لتوليه سلطاته. وأنه كرر منطقاً متهافتاً غير نزيه طالما انزلقت إليه الإدارة السابقة، بما وصمها بأسوأ النعوت من العالم وحتى من الديمقراطيين (حزب أوباما) ، فماذ يعني الانزلاق الى تكرار تلك الممواقف المتحجرة غيرالمسؤولة؟.نحن إزاء إدارة تغدق في إطلاق وعود وردية، وتبشر بالاختلاف والتجديد. حسناً ، على أركانها البرهنة على صحة ما ينسبونه لأنفسهم، وأن لا ينتظروا من العرب التصديق والتسليم، في غيبة سياسات جديدة بالفعل. لقد آن الاوان لمخاطبة العالم الخارجي بهذه اللغة، والكف عن الدبلوماسية التقليدية المقيدة، التي لا تقول شيئا، ولا تعكس إرادة سياسية يُعتد بها ويُحسب لها حساب.من المهم والمصيري في أجواء المصالحات العربية، أن تتم مخاطبة واشنطن بلغة جديدة وروحية مغايرة، لتحريك الساكن وكسرالجمود، والتطلع لإنجازات حقيقية وفعلية والاستفادة من التجربة المرة والغثة في التعامل مع بوش، الذي أسرف في الكذب ووجد من يصدقه.بناء الثقة مع الإدارة الجديدة يبدأ بالاحترام: احترام حقوق العرب وعقولهم ومصالحهم، واحترام أية خطوة ملموسة قد تقدم عليها الإدارة الجديدة، والإقلاع عن الاكتفاء بالكلام "الإيجابي"مهما أثار الطرب في نفوس سامعيه.*رئيس تحرير صحيفة"السجل"
25 كانون ثاني, 2009
سأكون بين اللوز
"سأكون بين اللوز ": الأفعى القاتلة تزغرد محمود الريماوي* يحمل عنوان "سأكون بين اللوز " وصية ووعداً، وتعيين مكان لموعد "مضروب" . شريك الموعد لا تعيين له ،ويسع القارىء التكهن باحتمالات مبثوثة في الكتاب، ومنها أن يكون الموعد معقوداً مع قارىء كتاب حسين البرغوثي، القارىء المحهول الذي يجد نفسه شريكاً ومتلقياً وصديقاً لكاتب يتلو سطور كتابه الأخير سطراً تلو سطر، بتدفق لكن بصفاء.. باستعجال لكن بثبات وتمكن من مادته وموضوعه . بالحفاظ على انثيال وتسلسل المعاني وما يحف بها من ظلال ، والتمتع خلال ذلك بأداء مرهف ينحو نحو مواطن الشعر دون التضحية بقوة النثر .يفرغ القارىء من قراءة الكتاب ويكون قد تبلغ جيداً الوصية، بمحمولاتها الإنسانية والعاطفية والأخلاقية.صدر الكتاب في العام 2004 بعد زهاء عامين على الرحيل المأساوي لمؤلفه . كان مصاباً بسرطان الغدد اللمفاوية ، وعرقلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي وصول أدوية له عبر جسر الملك حسين .ليس ذلك بجديد على احتلال دأب على استهداف سيارات الإسعاف، وترك المصابين ينزفون حتى الموت على الأرصفة. البرغوثي لم يكن من نشطاء الإنتفاضة الأولى أو الثانية .كان من الفاعلين المميزين في الحقل الإبداعي والثقافي.وقد لفت الانتباه إليه بقوة لدى إصدار روايته "الضوء الأزرق" التي سرد فيها جوانب من يوميات طالب عربي في الولايات المتحدة ،يعيش فضولاً معرفياً وتشردا روحياً ، وينسج علاقات مع أشخاص واقعيين لكنهم غريبو الأطوار مولعون بالماورائيات. وبجمعه بين الكتابة شبه التسجيلية وبين الموضوع الميتافيزيقي، فقد انشأ مفارقة درامية باهرة أسندتها لغة مشعة وموهبة أصيلة."سأكون بين اللوز" كتب كسيرة ذاتية مباشرة . لا يسرد يوميات ووقائع بالمعنى الحرفي فقط ، بل يتقصى مشاعره وذكرياته وأخيلته انطلاقاً من المكان الأول وبالرجوع إليه .ويستحضر أشخاصاً وأحداثاً وأماكن بما يجعل الكتاب مفعما بأجواء روائية.تحت وطأة مرض لا يرحم يعود المؤلف السارد إلى ينابيعه الأولى :طفولته، وبدلاً من التوقف عند استرجاع ذكرياته، يقرر العودة طفلاً :إلى الطفل الذي كانه وما زال قابعاً وحياً في أعطافه، من أجل استعادة القوة الأصلية التي امتلكها، والتي امتلك من خلالها المكان واتحد بالطبيعة كابن بار لها وشقيق لسائر كائناتها ومكوناتها من جبال ،وديان ،أشجار ،نباتات ،ينابيع ،غيوم ،سماء ،نجوم ، ريح ، تراب ، حيوانات ،طيور ،حشرات ،حجارة وأصوات .يعود السارد ممتلئا بشعور من ارتكب خيانة بالابتعاد عن موطنه في ريف رام الله ،وبرغبة صريحة في التماس علاج "روحي" وما هو أبعد منه: باستئناف ما ابتدأ به ، والتخفف من أية انشغالات ومغريات بالابتعاد.لقد أعاده المرض حقاً وبصورة مباشرة إلى موطنه، غير أن اليقظة المتجددة للمكان وأهله وأساطيره وأسراره في دخيلته، هي ما قادت خطاه. بذلك فقد رغب في تجديد ولادته أو مضاعفة ما تبقى لجسده من طاقة ، ولم ينزع لموت رحيم .ومع قناعته بأن الذواء يتربص به كل لحظة ، إلا أنه ينزع للانتشار والتحلل وحتى الحلول في الطبيعة ، وهو ما جعل هذا النص الساحر مفعماً بإشارات تأملية عميقة وإحالات ثقافية جمة، جنباً إلى جنب مع سريان كهرباء الشعر في مفاصل النص.واللطيف أن التأملات تتدفق بالتلازم مع تغلغله في الجبال الخضراء،وكمن ينقل وصفاً حياً "من موقع الحدث" .علاوة على ما يزخر به الكتاب من طرافة تمنح المأساة بعداً عبثياً لكنها في الوقت نفسه شديد الواقعية.في استعادة مقاطع من طفولته لم يُعن السارد ،بالإضاءة على جوانب اقتصادية واجتماعية في حياة الريف، ولم يتقص حتى أحوالاً سياسية أو مأثورات قيمية ،بل اتجه على التو إلى مساءلة روح المكان : الجبل ، الدير الجواني ، الينابيع ومنها "نبع القتيلة" حيث سبح السارد طفلاً في بحيرة صغيرة من الدمع. ثم تجديد الحوار مع عائلته الأولى: الأم الغريبة وعمها قدورة والراعي علي وكايد .البعد الأسطوري أو فوق الواقعي هو ما يشغل السارد ،ويشحنه بقوة إعادة الاكتشاف، لدرجة يمشي معها في الواحدة ليلا منفرداً عبر شعاب الجبال. ناسه الأولون قضوا ولا يجد صعوبة في "استحضار" أرواحهم.. ليس بتنويم مغناطيسي بل باستنشاق عبق أنفاسهم الباقية والمبثوثة في جنبات المكان .وليس ذلك بمستغرب، في ريف لم يكن أهله يقيمون فاصلاً بينهم وبين مفردات وظواهر الطبيعة .يتعذر تلخيص كتاب منحاه شعري كهذا الكتاب الفريد، الذي يتعدى مساجلة المحتلين الغرباء الذين يطفون على المكان ويبنون قلاعاً مسلحة مغلقة وبأنوار نيون كاشفة .ويعملون ما وسعهم الجهد على تخريب مظاهر الطبيعة بإحراق جبال من الزيتون ،وكانوا عمدوا إلى اقتلاع الآلاف منها بصورة منهجية، وهي التي تنطق بتجذر الفلسطينيين في أرضهم وب"مد الزيتون في الزيت" وبتقديس الفلسطينيين للزيت. قلما يتطرق البرغوثي للمحتلين القابعين في الهوامش المسلحة .هامشيتهم تجد ما يعادلها في إقصاء الكاتب لهم عن دائرة اهتمامه . وبدلاً من التغني بالوطنيات التقليدية ، فإن المؤلف يبرع في إضاءة علاقته الروحية العميقة بمكانه ، بجمالياته والاستجابة المتجددة لاكتشاف ما تزخر به الطبيعة، فابن المكان ينجح متأخراً في الإصغاء لصوت حيوان صغير غريب يدعى الغريري، ويحظى بزيارة ودية من ثعالب الى مصطبة بيته، ويلتقي ليلاً مع خنزير بري وجهاً لوجه. خنزير ضل طريقه ويتبعه ابن صغير له ، يتواجهان بلا أذى يلحق بهما ، ويدرك السارد في هذا الموقف أن كل هم الخنزير كان حماية صغيره ، تماما كما خشي السارد على ابنه آثر الذي كان نائما على مبعدة أمتار في البيت .ويختلط الراوي بقطة تمشي بين ساقيه وتوجه له نداءات خفية . يبث الكاتب في مواضع مختلفة حالات من علاقته بطفله آثر ومنها في الأساس أنه سمع هاتفا غامض المصدر، يهتف له أن يطلق عليه هذا الاسم "الغريب" وقد استجاب للنداء ،وكثيرا ما رأى صورته في ابنه (4سنوات) وكم لاحظ أن الطفل يفكر بما يفكر به هو الأب . الاستمرارية والتناسخ هي شرفة يطل منها السارد على علاقته بالمكان وأهله. أما مواجهة محنة المرض فتتواكب مع رحلة المؤلف الأخيرة في ثنايا المكان .وفيما الموت يقترب ،يزداد اقتراب السارد من مواطن السحر في بيئته ،بعدما عاد طفلا محملا بمخزون من المعرفة ومن السياحة السابقة في بلاد الله الواسعة .وينجح في المصالحة بين العقل والبراءة ، بين النظر الذهني والإصغاء لنداءات الدهشة ، والاستسلام لغواية الجمال "الجمال لا ينقذ العالم لكن من الواجب إنقاذ الجمال في العالم" . ينقل المؤلف عن قائل مجهول. والجمال مهدد بداهة باحتلال غشوم، لا ينفك يزين فظائعه على أنها منجزات ممتازة .في الصفحات الأولى من الكتاب ، يتحدث السارد عن قدورة عم أمه الذي تبناها يتيمة . قدورة يتحذ من الدير الجواني "مقراً " له ، وهو واحد من آلاف الكهوف الواسعة الرومانية الأصل .عرف الرجل بشجاعته وحياته البرية كمزارع .لا ينال منه أحد سوى أفعى تلدغه ذات يوم في قدمه وتنطلق مزغردة . يقال في مرويات الريفيين أن تلك الأفعى ذات أجنحة وتطير. غير بعيد عن دير غسانة قرية المؤلف، هناك مستوطنة في منطقة النبي صالح على بعد خمس كيلومترات. مستوطنة أمر واقع أقيمت ككل المستوطنات بالسطوة المسلحة تدعى حلميش.المستوطنون الغزاة يطلقون أضواء النيون من القلعة ،ويبثون خليطاً من الموسيقى تتردد أصداؤها الزاعقة في الوديان . هؤلاء الغرباء المغامرون ضد حقوق وممتلكات غيرهم ، يزغردون على طريقتهم .الدولة الاسرائيلية برمتها تزغرد هذه الأيام، بمناسبة مضي ستة عقود من الاستيلاء على وطن شعب آخر، والسعي المحموم لتدمير تراثه وسرقة مأثوراته .مات قدورة وجاء نسل من بعده، يحفظون ميراثه ويزداد تعلقهم بأرض الأجداد. من بينهم حسين المؤلف ثم طفله آثر الذي يتدرب برفقة والده الذي كان يناديه باسمه المجرد : حسين ، على استئناف ما بدأه الوالد من الاتصال بالأرض والغيوم والتجسير بينهما.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
22 كانون ثاني, 2009
عودة الى المربع الاول
عودة الى المربع الأول محمود الريماوي*مع الحرب الوحشية التي شنتها على قطاع غزة المحاصر والغارق في الفقر، تبدو الدولة العبرية في أنظار القطاع العريض من الرأي العام العربي والاسلامي، ونسبة متزايدة من الرأي العام العالمي، وكأن صورتها عادت الى البدايات، الى ماقبل ستين عاماً. حين قامت على أنقاض شعب آخر، وحين رقص المستوطنون وأفراد العصابات الصهيونية على جثث المدنيين العزل. لقد تضاعفت القوة العسكرية والاقتصادية لهذه الدولة،طيلة تلك الفترة، وأمكنها انتزاع اعتراف دول عديدة بها منها دول عربية وإسلامية ،لكن هذه الدولة لم تتقدم خطوة واحدة على طريق مصالحة تاريخية مع ضحاياها ،بما يمنحها الحد الأدنى من الغطاء الأخلاقي.خلافا لذلك مارست نهجاً مديداً من التنكيل السياسي والمادي بالضحايا، وبذلت كل ما تملك يمينها لتصفية قضيتهم، فلما أعيتها الحيلة عن بلوغ أهدافها المريضة ، لجأت الى سياسة الاستئصال العرقي وهدم البيوت ( أكثر من ثلاثة آلاف بيت تم هدمها في الضفة الغربية قبل الحرب الأخيرة على غزة). واستهدفت بعدئذ الطبيعة باقتلاع الأشجار، حيث اقتلعت نحو 25 ألف شجرة زيتون.واقع الأمر أنه تم اعتماد نهج التطهير العرقي في الحقبة الأخيرة منذ مطلع العام 2001 وهي سياسة سنًها شارون الذاهب في غيبوبته، وبلغت إحدى ذراها في الحصار المديد لمقر الراحل عرفات وصولاً الى تسميمه.جنون الغطرسة وعبادة القوة أفضى بالكيان الاسرائيلي، الى هذا المستوى من الانحطاط الأخلاقي وعمي البصيرة السياسية ، حيث يبدو هذا الكيان وقد عاد الى نقطة البدء فاقداً للشرعية، دخيلاً على المنطقة وشعوبها، يمارس الجريمة الرسمية المنظمة، ويقدم دروساً في فنون الإرهاب لمن يشاء، ينشىء نظاماً عنصرياً متوحشاً لا يقيم وزناً لحياة وكرامة كل من هو غير يهودي، ينتشي بقتل الأطفال والأمهات، ويجرب على هؤلاء أسلحة فتاكة محرمة، بعد ترويعهم وتجويعهم. يستهدف سيارات الإسعاف، ويتعمد ترك الجرحى ينزفون حتى الموت على قارعة الطريق.تحرك الشوارع العربية من المحيط الى الخليج، وعودة التفاعل العفوي والحار مع قضية فلسطين، يعيد الى الأذهان مظاهر مماثلة في العقود الماضية ، بعضها جرى عقب نكبة العام 1948 حين استيقظ الرأي العام العربي على جريمة العصرفي اقتلاع شعب من أرضه، وإحلال مستوطنين من شتى انحاء المعمورة محله. لقد عادت الدولة العبرية لعهدها الأول ، للخطيئة الأصلية: جنود يمتهنون القتل لا القتال، وجمهور يتغذى على التهام الجثث، وهو ما يفسر أن اقتراف فظائع كهذه يشق الطريق، إلى كسب قلوب الناخبين الاسرائيليين واجتذاب تأييدهم، كما تٌجمع على ذلك تقاريرأجنبية وحتى اسرائيلية حول الانتخابات المرتقبة في العاشر من شباط المقبل ، حيث تحسنت حظوظ تسيبي ليفني( كاديما) وباراك ( حزب العمل)، بعد ان أبلى كل منهما بالفتك بالأحياء وبمظاهرالحياة في غزة المكلومة. في قناعة المرء أن هذه الحرب القذرة ( الأكثر جبناً كما سماها محقاً عزمي بشارة)، سوف تترك تداعيات سياسية ذات شأن ،قد يكون من المبكر الخوض فيها.غير أن الثابت هو أن هوة عميقة سياسية وسكولوجية وذهنية، باتت تفصل الرأي العام العربي والإسلامي وكل أنصار العدل والسلام والإنسانية في عالمنا، عن الدولة الصهيونية في نظامها الحالي ورؤاها الأيديولوجية والأهم من ذلك في سلوكها البربري الممنهج والقديم العهد.تبعاً لهذا التطور الناشىء، فإن لنا أن نترقب تداعيات منها تآكل المشروع السلمي فوق ما هو عليه من تآكل ، والتماس مقاربات للضغط المنظم طويل المدى على الدولة العبرية ومقاطعتها ونبذها، وصولاً الى تصحيح تاريخي للمظالم ومعاقبة الجناة الكثر،لعل ذلك يفيد في تخليص الإسرائيلين من شرور أنفسهم ، وفي منح العدالة فرصة طال انتظارها.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
17 كانون ثاني, 2009
تصويب النقد
تصويب النقد محمود الريماوي*أثارت الحرب البريرية على قطاع غزة موجة من السخط في الشوارع العربية ، واتجهت النقمة على الخصوص الى الموقف الرسمي العربي.وقد أفسحت قناة الجزيرة المجال واسعا للتعبير عن هذه النقمة المشروعة. ذلك ان المشكلة في السياسات العربية الرسمية تكمن ليس فقط في قعود الهمة وضعف الإرادة السياسية ، ولكن أيضا في تلك الرؤية الزائفة التي تفيد أنه ما دامت ليست هناك من قدرة على خوض الحرب واستخدام الخيار العسكري، فإنه لا يبقى بعدئذ ما يمكن عمله. هذه الرؤية المغلوطة أدت الى شلل في الإرادة ،وإلى تباعد عن الرأي العام ، والى استغلال اسرائيلي لهذا الوضع في تجريد حملات عسكرية وحشية متتالية ودورية منذ نحو ثماني سنوات. يستحق الموقف العربي الرسمي توجيه النقد الحازم له، حين يتعامل مع الحرب الاخيرة على أنها كارثة طبيعية تملي تقديم يد العون للمنكوبين ، و"كفى الله المؤمنين شر القتال" بما في ذلك القتال السياسي.غير أن نقد الموقف العربي القائم على مزيج من الضعف والجزع من الإقدام على أية مبادرة جدية، ينبغي أن لا يتحول الى شكل من أشكال جلد الذات، والخلط بين الأعداء وبين المقصرين. قد يكون مفهوماُ توجه متظاهرين ساخطين الى سفارات عربية، لكنه من غير المنطقي اندفاع بعض النخب للترويج الى "تواطؤ وتنسيق" مسبقبين أطراف عربية والاحتلال الاسرائيلي.في واقع الأمر أن تل ابيب تتصرف باعتبارها ليست بحاجة للتنسيق حتى مع الولايات المتحدة.وهي حكماً وبداهة ليست بحاجة للتنسيق مع طرف عربي،كيما تجرد حملتها المجنونة والتي تسخر لها امكانياتها المتفوقة وتستخدمها دون قيد وبغير وازع، ودونما حاجة لإذن من أحد.ليس مطلوباً إعفاء الموقف العربي الرسمي من النقد ، بل مواصلة هذا النقد وتشديده ، في إطار تشريح الوضع العربي وتعيين مواضع الأعطاب فيه، ومع توجيهه وجهة صائبة .. فحالة الضعف تشمل المعتدلين ومن يستخدمون شعارات نارية سواء بسواء. وهو ما يفسر أن حركة حماس بدت بغير ظهير أو نصير، في مواجهة الحرب الأخيرة باستثناء الدعم الإعلامي من هنا وهناك ..وعلى أن لا يصب النقد في خدمة الاستقطابات العربية بين هذا المعسكر أو ذاك.فالأصل والهدف هو استنهاض الموقف العربي والشعوب العربية وتوحيدهم لنصرة أشقائهم ، والحد من مخاطر تسيُد الامبراطورية الاسرائيلية على المنطقة وشعوبها، وليس الهدف هو استسهال توجيه النقد المرير لطرف عربي مثل مصر دون سواها( وهناك الكثير من أوجه اأاداء المصري تستحق النقد)، ومواصلة إغفال ما يتعين أن يؤديه كل نظام عربي والأنظمة مجتمعة في إطار الجامعة أو خارجها لوقف التغول الاسرائيلي، كيما يدرك البرابرة في تل أبيب أن وحشيتهم لا تمر دون عقاب أو ردود فعل جادة ،وأن الاستفراد بالشعب المأسور يلقى جواباً فعليا ًعليه في العمق القومي لهذا الشعب، من قبيل توفير حماية دولية ، وملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيليين.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
12 كانون ثاني, 2009
توزيع الأدوار
توزيع الأدوارمحمود الريماوي* بين أسوأ ما يترتب على المحنة العظيمة لأبناء غزة، هو ذلك الشعور لدى أشقائهم العرب وحتى لدى أبناء جلدتهم الفلسطينيين، بالعجز عن إنقاذهم والشعور بضعف الحيلة. ذلك ان الوحش الصهيوني لا يأبه بكل أشكال التضامن المعنوي التي تعم عواصم العالم ، لا العالم العربي فحسب. فقد دأب هذا العدو على الإصغاء فقط لترددات ثقافته العنصرية، التي دفعته مؤخراً لإلغاء الطرف الآخ ،عبر حلقة جديدة من حملات التطهير العرقي .وإذا كان النظام العربي الرسمي، قد أخفق كما في ظروف مماثلة سابقة، في اجتراح حلول ابداعية للتعاطي مع هذا التحدي، فإن بوسع القوى العربية الحية، أن تبادر منفردة وأن تتنادى مجتمعة لأداء قسطها، ليس لمجرد الانتصار لقضية شعب شقيق مضطهد يتعرض لحرب اسئصال عقاباً على توقه للحرية والاستقلال..ليس وفاء لهذا الهدف فقط، ولكن قبل ذلك من أجل الانتصار لقيم إنسانية جوهرية ورفيعة، وفي مقدمها تعظيم حرمة الحياة البشرية والحق في الحياة والكرامة، وسعياً لعدم إفلات الجناة المعلومين من الفضح والإدانة، على أوسع نطاق في كوكبنا.المقصود بهذا المقترح ليس القوى السياسية العربية، فلهذه التنظيمات أدبياتها وأساليبها وآليات عملها الخاصة بها، على توزعها ضمن طيف أيديولوجي واسع. فالاهتمام هنا يتجه الى الهيئات والمنظمات والمؤسسات الاجتماعية والثقافية ، سواء تلك التي تم التواضع على تسميتها بمنظمات المجتمع المدني والمنظمات غيرالحكومية،أو تلك المنبثقة عن مؤسسات حكومية، والمعنية بالديمقراطية ومناهضة العنف والكفاح ضد التمييزونصرة حقوق الإنسان، والتي تمتلك شبكة علاقات مع المئات من هيئات مماثلة في الشرق والغرب، وتُحسن التعامل مع وسائل الإعلام وتستخدم بنجاعة وسائل الاتصال الحديثة ، ويقيم العديد منها علاقات مع هيئات اجتماعية وحقوقية و ثقافية في الغرب.من المفيد والحيوي في هذا المجال، أن تتركز الجهود على كشف الطابع الوحشي للسلوك الاسرائيلي، على استهداف المدنيين: العائلات والأطفال والنساء والمرافق المدنية، على تقويض دورالعبادة لغير اليهود، الحرب على المستشفيات والمسعفين لضمان إزهاق أرواح الجرحى،الحرب على مظاهر الطبيعة: تدمير المزروعات واقتلاع آلاف الأشجار وبالذات أشجار الزيتون. هدم البيوت ،وكانت سلطات الاحتلال هدمت أكثرمن ثلاثة آلاف بيت في الضفة والقطاع، قبل الحرب الأخيرة على غزة.ليس مطلوباً أن تنغمس هذه الهيئات الاجتماعية في السجال السياسي حول الأطماع التوسعية للاحتلال، وإن كان من المستحيل فصل الجانب الإنساني عن البعد السياسي، غير أن المقصود ببساطة هو الشروع في تقسيم عمل بحيث ينصرف جهد الهيئات الاجتماعية : الحقوقية والديمقراطية والثقافية ، إلى الجانب الانساني: آلام ومعاناة البشر، وأبسط حقوقهم المهددة وهو الحق في الحياة والكرامة البشرية من طرف دولة تتشدق بالديمقراطية والقانون، فيما سلوكها تجاه الآخرين ينبىء ويبرهن أنها قلعة للعنصرية والإرهاب. هناك العديد من الهيئات والمجموعات التي تقود حملات نبيلة، للانتصار لحقوق الإنسان في عالمنا ومنها في فلسطين.فالهدف في النهاية هو الاندراج في منظومة قيمية كونية، والاحتكام لها والصدور عنها، واستثمارها في مخاطبة العالم وتبصيره وإثارة اهتمامه عبر نقل الوقائع وبالصوت والصورة والوثيقة.وكما كان الحال في فضح النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وكشف عمليات التطهير العرقي في البلقان، حيث يؤدي تظهير الوضع الانساني، وإقامة سائر النشاطات المناسبة، لنتائج أعمق تأثيراً أحياناً من الطروحات السياسية ،دون التقليل بالطبع من أهمية هذه الأخيرة ... أن جُل الهدف كما تقدم ذكره، هو التوافق على تقسيم عمل بحيث ينشط كل في مجاله، بحيث يتم إيلاء اهتمام أكبر للوضع الانساني وجعله في دائرة الضوء، من أجل التواصل الحي والوثيق مع الضمير البشري. فنحن إزاء امبراطورية للشر تسعى للتسيًد على المنطقة بأكثر الوسائل دناءة ووحشية ،وعلى أنقاض البشر والبيوت وجثامين الأطفال، مما لا يترك مزيداً لمستزيد من أرباب الإرهاب،ولا يكفي معه الخوض في الشان السياسي وحده.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
07 كانون ثاني, 2009
خرب تليها حرب أخرى
حرب تليها حربُ أخرى
محمود الريماوي*ما يحتاج للتأمل والوقف عنده بين امور أخرى ، في الحرب على غزة ، أن هذه الحرب تأتي في إطار حروب دورية متعاقبة ما انفكت تشنها ك"رياضية وطنية" وتأهيل اسبرطي دائم للأجيال جيلاً تلو جيل.علاوة بالطبع على الأهداف الاستراتيجية الأصلية، بدوام التوسع ومحاولة إخضاع وكسر إرادة الطرف الآخر.في أعقاب خروج مصرمن الصراع العسكري، وعملياً خروج بقية الأطراف العربية ، وإعلان السادات عن سقوط الخيارالعسكري عام 1979، فقد نشطت تل ابيب في حروبها ابتداء من صيف عام 1982 حين جردت حملة عسكرية واسعة النطاق على لبنان والمقاومة الفلسطينية فيه. وتبعت ذلك اعتداءات متعاقبة على الجنوب اللبناني الذي جرى احتلاله آنذاك ، الى ان تم طردعبغير مفاوضات في العام 2000 . ولم يمض عامان حتى وتم تجريد حملة على السلطة الفلسطينية في مدن الضفة الغربية ابتداء من رام الله حيث مقر الراحل عرفات .ومن المفارقات ان تلك الحربقد شنها شارون بعد يوم واحد فقط من تبني القمة العربية لمبادرة السلام العربية في العام 2002 . بعدها بأربعة اعوام تم شن حرب تدميرية أخرى على لبنان، استهدفت الجنوب وطالت العاصمة بيروت فيما عرف بحرب تموز، وتكبدوا فيها خسائرفادحة.الحرب الجديدة بالإضافة الى أهدافها الموضعية، تمثل بصورة من الصور انتقاماً لإخفاقات سابقتها، ومحاولة أخيرة لتحسين صورة أولمرت رئيس حكومة تصريف الأعمال، والذي يستعد للانصراف في شباط فبراير المقبل، بعدما أقصاه حزبه كاديما وانتخاب تسيبي ليفني في مركز زعامة الحزب، الذي شكله شارون قبل ذهابه في غيبوبته.ما عرف من قبل بعملية سلمية ، ما دار من بع من مفاوضات مع الجانب الفلسطيني ادت الى اوسلو لم يمنع من إشهار وتنفيذ هذا الخيار.الحرب الأخيرة دارت أيضا على إيقاع " مساع سلمية" من تزايد الحديث مؤحراً في تل أبيب عن قبول مزعوم للمبادرة العربية ، الى المفاوضات الماشرة مع الجانب الفلسطيني، الى المفاوضات غيرالمباشرة في تركيا مع الجانب السوري، وحتى إعلان دمشق قبل أيام من الحرب الجديدة عن استعداها لنقل التفاوض الى مستوى ثنائي مباشر.بهذا لا يعيق المناخ السلمي المبرر أو المبالغ به ، تل أبيب من المضي في خياراتها العسكرية، وتفيد خبرة الصراع الطويلة والمرة، أن الضغط العسكري يمثل لتل ابيب أحد أفضل أشكال التفاوض من جانبها، جرياً على قاعدة إن "الحرب هي امتداد للسياسة".وإذ يتركز الجهد في هذه المرحلة على محاولة استئصال المقاومة من غزة، فذلك لا يقيد تل أبيب بين آونة وأخرى، عن اختيار أهداف لها على الأراضي اللبنانية وحتى السورية ( استهداف ما ُزعم أنها منشآت نووية سورية) .وعليه لن تكون الحرب على غزة آخر الحروب. فمنطق الاحتكام الى القوة العسكرية واللجوء إليها، ما زال يشكل قدس الأقداس لدى النواة الصلبة للمؤسسة الصهيونية. وبما يتعلق بالقضية الفلسطينية بالذات ، فقد اختارت تل ابيب بلا هوداة تقية هذه القضية بالقوة على الأرض ، على ان يجري مستقبلاً التفاوض مع الأطراف على تركة هذه القضية وما يتبقى منها، وعلى الخصوص مستقبل إدارة شؤون شعب فلسطين. وإذ تتوالى أجيال المقاومين العرب، جيلاً تلو جيل ،فمن الواضح أن التضحيات الهائلة التي تدفعها الشعوب، عرضة للتبديد في غياب مشروع قومي للنهوض، يلحظ استمرار الصراع مع الصهيونية. ويتم من خلاله التوافق على أدوات الصراع وأولوياته وساحاته، ويجري تحقيق التناغم بين استخدام الموارد والطاقات وتوزيع الأعباء. وبصرف النظر عن التسميات، سواء سميت هذه الحالة المتوخاة، صموداً أم ممانعة أم مقاومة، أم استجابة للتحديات وتكيفاً إيجابياً مع الظروف.ولعل هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه الكيان العربي الى عقود طويلة مقبلة. ففي غياب هذا المشروع ، فإن البلدان العربية ومجتمعاتها عرضة للخلخلة تحت ضغط التعارض بين نزوع الرأي العام للاستجابة للتحدي، وبين نزوع الدول لتكيف سلبي ينشد سلامة الأنظمة فحسب.وليس مطلوبا والحالة هذه الخروج مبدئياً من الخيارات السلمية أو حتى نقض اتفاقيات سابقة ، بالإفادة من تجربة العدو نفسه الذي يتشدق بالسلام ليل نهار، لكنه يطلق يديه لفعل ما يشاء في الوقت الذي يريد وضد الهدف الذي يتخيره ،مع الزعم من جانبه بأنه ليس هناك من تناقض وتعارض بين هذا وذاك، وبصرف النظر عن انعكاس سلوكه على البلدان التي وقع معها معاهدات سلمية، وبلدان أخرى يقيم معها شبكة متنوعة من العلاقات باستثناء العلاقات الدبلوماسية.هذا التحدي الاستراتيجي يخاطب صانعي القرارات العرب ، بعدما تحولت الحروب الدورية الى عبء داخلي جسيم على هذا البلد او ذاك ، وبعدما ظهر للمرة المائة أن الاتفاقيات السلمية لا تعصم ولا تردع الطرف الآخر، عن دوام اللجوء للخيار العسكري في أشد أشكاله وحشية سواء لغايات الاستئصال والإبادة، أو بهدف استعراض القوة. ومن الواضح بعدئذ أن إطلاق وترديد الشعارات "الواقعية" أو "النارية" لا يكفي وحده لردم الهوة. فهناك حاجة لتقاسم الأعباء والأدوار، واستثمارالموارد البشرية والمادية هنا وهناك لا مجرد استثمار دماء المقاومين والشعب الأعزل،، وبلورة رؤية مشتركة فحواها أن الصراع مستمر، وأن الطرف الآخر هو من يصرعلى استمراره، ولا ينفع دفن الرؤوس في الرمال، او تغطية السموات بالقبوات.* رئيس تحرير صحيفة "السجل"
02 كانون ثاني, 2009
واحة الغروب
واحة الغروبمحمود الريماوي* يحسد المرء المصريين على مدى تعلقهم بتاريخهم وعلى مبلغ تجذرهم في المكان، وقناعتهم التامة بمدى اتساع أرضهم وتنوعها . لربع قرن خلا كان السفر بالنسبة لغالبية المصريين يعني الانتقال داخل الوطن.من تيسرت أحواله يتجه للتصييف في الاسكندرية او مرسي مطروح . ومن يلتمس الدفء يتجه للأقصر وأسوان.أما الوصول الى القاهرة ومسماها المتداول" مصر" فيعني الانتقال الى مركز العالم " أم الدنيا" . في الرواية الفائزة بجائزة بوكر "واحة الغروب"، يسافر المؤلف بهاء طاهر عبر الزمان والمكان المصريين. تدور روايته حول واحة سيوة في القرن التاسع عشر الكائنة في الصحراء الغريبة قريبا من الحدود مع ليبيا.أهل سيوة في تلك الأثناء كانوا مجرد سيويين ولم يكونوا مصريين تماماً. رغم أنهم يخضعون لسلطة القاهرة المركزية وهي سلطة غير مصرية بريطانية، وهم يتخاطبون بلغة خاصة بهم ليست العربية المصرية .سيوة واحة عامرة بالمياه وبساتين النخيل والزيتون والآثار، لكن الرمال تحيط بها ومع الرمال يهددهم بدو الصحراء في غاراتهم وغزواتهم المتعاقبة عليهم .الآثار جذبت اليها الغزاة بمن فيهم الاسكندر.وهناك شكوك بأن يكون مثوى الفاتح الكبير فيها، بعدما تعلق بالإله آمون واستمد قبسا "الهياً" منه. في رواية "واحة الغروب" فصل فاتن عن الاسكندر المقدوني وصراعه الداخلي بين نوازع متضاربة.أما بقية فصول الرواية فتتحدث عن مأمور بمثابة وال أو محافظ مهمته جمع الضرائب ،التي تنقل على الجمال عبر الصحراء الى القاهرة .تتضمن الرواية دراسة شيقة وتفصيلية عن التكوين الاجتماعي لسكان الواحة حيث يحتدم صراع بلا نهاية بين قبيلتي الشرقيين والغربيين، وما يتصل بذلك من طقوس مثل الحداد باللون الابيض وحرمان الارملة من الاغتسال لفترة اربعة أشهر وعدم مخالطة أحد، مخافة نشر الخراب في الديار في حالة الخروج على هذه الطقوس.ومنها أن الأجانب بمن فيهم المصريون يفدون للواحة لاقتناص كنز قابع بين الآثار .يضيف المؤلف الى المشهد حضورا للانجليز والشراكسة المصريين وزوجة المأمور الإيرلندية وشقيقة لها تفد الى الواحة التماسا للعلاج من مرض يشبه الربو. تبدو الرواية نشيد حب للواحة عبر استحضارها ومحاولة استجلاء أبعادها والتأمل الدقيق في صورتها ومفرداتها.لم تلبث أن تحولت سيوة الى اقليم مصري ، ويبرع الكاتب في رسم لوحة لغنى الخريطة الاجتماعية وتنوع المكونات البشرية وتالياً الإرث الثقافي.في النهاية يقوم المأمور منفرداً وبقرار ذاتي بإحراق جانب من الآثار ويعرض نفسه لخطر الحريق. الرسالة او الرؤية أن التاريخ يثقل على المصريين ، ويسبغ عليهم شعوراً بالثقة المفرطة فيما حاضرهم ينوء تحت تحديات جسيمة. ليس إحراق شواهد التاريخ القديم حلاً، غير أن المؤلف يتمتع بجسارة مساءلة الارتباط بتاريخ غائر،من موقع الارتباط العميق بالمكان والتوحد مع أهله.* رئيس تحرير صحيفة "السجل"