28 كانون اول, 2008
أكثرقرباً ، أشد بُعداً !
أكثر قرباً، أشد بُعداً! محمود الريماوي*بينما أصبحت الديار العربية أكثر قرباً من بعضها بعضاً ، بفضل وسائل الاتصال الحديثة من إنترنت وأجهزة خلوية وفضائيات تلفزيونية ، فإن واقع الحال على الأرض ينبىء بخلاف ذلك .الاقتراب الذهني والمعرفي، يجري إبطاله والحد من مفعوله، بتباعد واقعي وفعلي يتمثل في ارتفاع متزايد لكلفة السفر وخاصة عبر الأجواء حيث الطيران هو وسيلة النقل الرئيسية ، مع رقابة مشددة على حركة وتنقل الأفراد ،تصل أحيانا الى غلق الأبواب أمام القادمين.تلك مفارقة كبيرة من مفارقات زماننا. ففي زمن مضى كانت وسائل التعرف على ما يجري هنا وهناك، ضئيلة حتى أنه كان يُركن الى المرويات والإعلام الشفوي، لكن الحدود لم تكن تشكل حواجز وموانع، أمام من يرغب في شد الرحال الى هذه الوجهة أو تلك. الآن انعكست الصورة : التعرف على الأشياء بات متاحاً وميسورا وبكلفة قليلة عموماً، لكن عن بعد ..دون معاينة قريبة ومباشرة.هذا التباعد الفعلي يجد تعضيداً له ، في انغماس البلدان والمجتمعات العربية في المشرق والمغرب بشؤونها الذاتية وقضاياها المحلية، بصورة تامة لا تترك حيزاً أو فسحة للانشغال بقضايا "قومية" سوى في حدود ضيقة ..وعبر متابعة وسائل الإعلام وبالذات السهر "على التلفزيون" .ليس الانشغال بالقضايا الوطنية نقيصة، على أن هذا الأمر يغدو شكلاً من أشكال النكوص في غياب مشروع قومي نهضوي يعيد جمع الشعوب، بل هناك من يرى غياباً حتى للمشاريع الوطنية الكبيرة والملهمة التي توحد الناس، في هذا البلد او ذاك .ذلك ما يفسر غياب التفاعل ،والانقطاع الى الشؤون الذاتية ،وصولاً الى غربة العربي عن شقيقه العربي حتى في بلد مجاور. فهو يعرفه ويجهله في الوقت نفسه ، يثق به مبدئياً ويخشى منه "على سبيل الاحتياط " وهناك ما يجمعه به وما يفصله عنه ، يعثر على لغة مشتركة معه لا تلبث ان تتبدد وسط التأويلات والمرجعيات المختلفة ،ولا ينفع هنا إطلاق وترديد الشعارات، أو استحضار الماضي القريب التليد، لتعزية النفس مما تكابده من تبدل وانقلاب الأحوال .ما زال العرب وخاصة من ينتمون للشرائح الميسورة ، يتزاورون ويتنقلون من بلد الى آخر .. لكنهم يفعلون ذلك كسياح وزوارغرباء. يتم في العادة الترحيب بالضيوف الأجانب أكثر منهم، بما يجعلهم عملياً "أجانب أكثر من الأجانب " ،أو ضيوفاً سرعان ما تنتهي فترة ضيافتهم، وأحيانا تنتهي فترة السماح لهم بالإقامة .رغم ذلك تلتهب شعارات ووعود قومية على المنابر ،تردد صداها فضائيات وتصل الى مسامع مستمعين في العشيات، فلا يكون من شأنها سوى التسبب بعسر الهضم، لمدى افتراق المنطوق به عن المعمول به ، ولتلك العلاقة العكسية المطردة بين الوقائع والمسامع. ومع الأخذ في الاعتبار أن بعض التطرف المناهض، يجد جذره في تطرف الأحوال القائمة وانسداد آفاقها.العربي غريب الوجه واليد واللسان، في ديار العروبة. و"لعمري ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أحلام الرجال تضيق.." .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
24 كانون اول, 2008
فن السعادة عند المصريين
فن السعادة عند المصريينمحمود الريماوي*يصف دارسون مصريون ،أبناء جلدتهم المصريين بأوصاف شتى منها القدرية والصبر والترابط والكسل وطاعة الحاكمين والانفجارات الاجتماعية التي تتلو حقب الهدوء بما يضاهي فيضان النيل، وسوى ذلك من تحليلات. بعيداً عن هذه التشخيصات فإن مقارنة حال المصريين بسواهم من شعوب عربية تدلل على أن ابناء الكنانة هم في غالبيتهم وفي كثرتهم ضعيفو الحال امام وطأة الظروف الاقتصادية ، غير أنهم في تقدير الكاتب من اقل شعوب المنطقة تعاسة ،إن لم يكونوا الأكثر إقبالا على الحياة وشعوراً بسعادة نسبية .في وحدته يبدو المصري "العادي" في القاهرة ساهماً واجماً، لكنه مع اول احتكاك بشري بالآخرين، يسارع لكشف الجانب الأصيل فيه المحب للحياة وللتواصل البشري.ويبدو على اهبة الاستعداد للفرح والسعادة . ربما كان ما تقدم مجرد انطباع لا يُعول عليه "علمياً" .غير أن هناك معايير لعلها تصلح علمياً لقياس السعادة. منها التمسك بحق الاستمتاع بأوقات الفراغ. المصريون ينتشرون بكثافة في الحدائق والشوارع وعلى الجسور(الكباري). في المقاهي وفي دور السينما والمسارح والملاعب.الشوارع الفرعية تحولت في السنوات الاخيرة الى مقاه تحتشد برواد من مختلف الأعمار ومن الجنسين . ظاهرة السهر ذات نتائج سلبية على العمل والانتاج والصحةالعامة ، لكنها تعكس من جانب آخرالتعلق بالحياة .. وحق الاستمتاع باليوم الى نهايته.علاوة على أن عامل المناخ الحار في النهار، يدفع لتمضية وقت الفراغ ليلاً في جو أقل قسوة .لنلاحظ كيف أننا في عمان ومنذ نحو عقدين من الزمن، تراجعت لدينا قيمة وحق التمتع بوقت الفراغ، وبات قاصراً على الذكور الشبان دون سواهم. من المقاييس الأخرى: التواصل الاجتماعي بين مختلف مكونات المجتمع، في فضاء اجتماعي مفتوح لا يورث شريحة ما شعوراً بالعزلة والتهميش، ما ينعكس على طابع المجتمع ككل ، رغم وجود فوارق وحواجز طبقية ظاهرة وتفعل فعلها .حتى أن المجتمع حافظ على نسيجه المرن( على فتحات التهوية الواسعة ) مع التدين المتزايد ، وهكذا فالنساء المحجبات مثلا حاضرات في الأسواق والمقاهي والأنشطة الفنية، فضلاً عن أماكن العمل بالطبع، جنباً الى جنب مع الرجل في ساعات النهار كما في ساعات الليل المتأخرة أحياناً.ثمة ميزة أخرى يتمتع بها المصريون وتبعد عنهم التعاسة، وهي إقبالهم على البوح و"الفضفضة" ، بما في ذلك الأطفال حديثو النطق. يكثرون من الكلام ، أجل ،حتى أن شاعراً لبنانياً وصف الشارع المصري بأنه "طاحونة كلام"، غير أن هذا الإكثار يظل أفضل من الانطواء الشديد وحواجز التعبيرمما يميز شعوباً وجماعات أخرى لا أفراداً فحسب.المصريون من مختلف الأعمار ومن الجنسين ،يكثرون من التواصل والتباسط ما بينهم في حالات البهجة والكآبة كما في حالات الضجر، ما ينأى بهم عن الاحتقان النفسي والذهني، ويشق مسارب للتسرية والسلوى وتعميق التواصل مع الآخرين، والشعور بشبكة أمان يوفرها هؤلاء لبعضهم بعضاً.ربما كان ذلك ما يميز الشعوب"القديمة" التي تسري فيها الروح الجماعية،ما يحد من منسوب القلق، لكن تمدن المجتمع وتشبثه بحد أدنى من الحداثة رغم قسوة الظروف، يسهم أيضاً في شعور المصريين بحرية داخلية تقترن بالإقبال الملحوظ على الحياة.*رئيس تحرير صحيفة السجل"
19 كانون اول, 2008
العودة للقرن التاسع عشر
تبشير بالعودة الى القرن التاسع عشر محمود الريماوي*يرسم تقرير أصدره المجلس القومي الأميركي، صورة متشائمة للولايات المتحدة والعالم خلال العقدين المقبلين .يتنبأ التقريرالذي بثت مقتطفات واسعة منه في وسائل إعلام مختلفة، بأن يعود العالم القهقرى الى القرن التاسع عشر، الذي شهد تنافساً محموماً على المد الاستعماري وخوض الحروب.أزمات الغذاء والماء والنفط سوف تتزايد، وسوف تستخدم دولاً "مارقة" السلاح النووي .التقرير الذي أعده خبراء معلومات، يواكب ايقاع الأزمة المالية الأميركيةـ العالمية ،وما يحف بها من محاذير الانكماش وأزمات اجتماعية واقتصادية وبشر بما هو أسوأ .يسترعي الانتباه في التقرير، أنه يقفز عن مسؤولية واشنطن وبالذات في ولايتي بوش، عما آل اليه العالم من اضطراب، يؤسس للمزيد من الفوضى مستقبلاً. فما حدث وما هو مرتقب وقوعه، لا يعدو أن يكون حسب التقرير، ناجماً عن نزوع قوى مختلفة في عالمنا لإضعاف الولايات المتحدة.بموجب ذلك فإن التعاون الدولي، وإعادة الاعتبار الى الأمم المتحدة وتقوية نفوذها، والاحتكام الى ديمقراطية جماعية في صياغة اقرارات الدولية الأكثر أهمية ، تغيب عن التقرير.هناك مخاطر لحروب آتية، غير أن التقرير لا يدعو لحشد العالم من أجل السلام، ونزع أسباب الحروب واحترام الشرعية الدولية.. إنه يشكك فقط في إفادة الولايات المتحدة من تلك الحروب، وفي انعكاس سلبي لهذه المواجهات على النفوذ الأميركي في العالم .ليست الولايات المتحدة الطرف الوحيد في إشعال التوترات في عالمنا. فحروب البلقان والشيشان وجورجيا والصومال، مثلاً تتحمل أطراف أخرى المسؤولية عنها، حتى مع وجود يد خفية أميركية هنا وهناك .غير أن الاضطراب الخطير في منطقتنا والأخطر في العالم، هو في الأساس صناعة أميركية.لا ينفع في هذا المجال إلقاء اللوم على أطراف أحرى مثل ايران .فالدولة الأخيرة تستثمر الاضطراب ولم تصنعه..لم تغز إيران العراق، لكنها أفادت من غزوه.الحروب الاسرائيلية الدائمة تتم إما بتواطؤ أو ضوء أخضر أميركي، وفي أضعف الأحوال مع غض نظر أميركي.مع مسخ العملية السلمية وحرفها الى مجرد خطة لفرض سلام اسرائيلي يقوم على التوسع.الحروب إذن سوف تناسل ومعها الأزمات في المجالات الحيوية : الغذاء الماء، البطالة، النفط والمناخ .هذا التشخيص الذي يقارب الواقع، لا يحمل أصحاب التقرير وصانعي السياسات ، على اقتراح اية مراجعة لكبح التدهور.تبدو واشنطن والحالة هذه كوناً مستقلاً فيما يعيش بقية العالم في كون آخر .لذلك فإن منظور المصالح الأميركية ..المنظور الضيق ،هو الذي يحكم فقط رؤية التقرير ودون التماس المصلحة الأميركية في إطار التعاون الدولي.رغم أن ملايين الأميركيين يهجسون بالتغيير، كما دلت على ذلك نتائج انتخابات الرئاسة، فإن الثبات والجمود هما ما يوجه هذا التقرير.التشكك البادي في دوام الأحادية القطبية، لا يحول دون النظر الأحادي للامور، وكانما الوايات المتحدة مكلفة من مصدر خفي بإدارة شؤون العالم الى ما لا نهاية. أليس غريباً أن لا يكون التنبؤ بصعود الصين والهند البرازيل ( مع التقليل المستغرب لحجم المجوعة الأوروبية ) مدعاة للتعامل مع واقع جديد قيد النشوء والتبلور،وذلك نحو الأخذ بالتعددية القطبية وتجلياتها على المسرح الدولي من إعادة النظر في مكونات مجلس الأمن الدولي، وإعادة توصيف مهام حلف الأطلسي، باتجاه الحد من الحروب لا تغذيتها والتسبب بها.وأخذ العلم بانهيار الاتحاد السوفياتي السابق، بدل الاندفاع لصنع أعداء جدد وعسكرة متزايدة للسياسة الخارجية والسيطرة على اوروبا الشرقية.واتخاذها منصة لتهديد دول أخرى .السياسة الانفرادية التي دأبت واشنطن على اتباعها ،في ظل ولايتي بوش ، أدت الى ما أدت اليه من تضاؤل النفوذ الأميركي، مع ذلك وحتى من هذا المنظور الضيق ، فالتقرير لا يهجس بالمراجعة..فواشنطن لا تخطىء، حتى حين يتبين لساستها أنها مخطئة ! المزيد من الأخطاء، من شأنه أن يصحح أخطاء سابقة !.ربماوضع التقرير لغايات الوصف، ومن قبيل تحليل المعلومات وعرض التوقعات المستقبلية. لكنه قائم علىرؤية مسبقة تفيد ان على العالم ان يتغيروفق المصالح الأميركية ، وعلى واشنطن ان تقيم على ما هي عليه.وبما ان الأمرين على جانب من الصعوبة فلا يبقى سوى المنافسة العسكرية والعودة الى الحروب على اوسع نطاق..كما كا ن عليه الحال في القرن التاسع عشر( اختير هذا القرن كمثال بدل القرن العشرون لرفع المسؤولية الأميركية، حيث لم يكن هناك نفوذ خارجي يذكر للولايات المتحدة قبل عقد ونصف العقد.. مغزى ذلك أن واشنطن معفاة من المسؤولية مستقبلاً ،كما كانت عليه في القرن التاسع عشر).يبقى أن ما خلص اليه التقرير من تشاؤم، صحيح وفي محله من منظور السلام العالمي، وسلامة البشرية وتهديد منجزاتها وتوسيع دائرة الفقر . .ناقوس الخطر يعنينا فالتقرير يرشح منطقتنا لزمزيد من الكوارث حتى لو لم يسمها كمنطقة حروب آتية ،غير ان مكونات التوتر قائمة في منطقتنا بما فيها ازمات الماء والنفط والغذاء، أما الحروب فلم تنطفىء نيرانها بعد بين ظهرانينا، وكل ما في الأمر أن التقرير الاستراتيجي الرؤيوي يبشر بالمزيد منها أو توسعها .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
12 كانون اول, 2008
العيد المفقود!
العيد المفقود!محمود الريماوي*بماذا يمكن وصف شعور إمرىء مسلمٍ ما، إزاء مناسبة العيد التي تهل بعد يومين او ثلاثة أيام؟ .الجواب: إنه الشعور بالحرج. فالعيد يثير الرغبة بالانشراح والمسرة، والانعتاق من التيبس والجمود، وطرح الكآبة والملالة جانباً، بأن يعيش المرء يومه كما يروق له أن يعيشه، بلا قيود.. أو بأقل القليل منها إذا كان لا مفر منها!.يتحدث المرء هنا عن الراشدين،لا عن الأطفال والفتيان فهؤلاء يحتفلون حقاً بالعيد مهما ضاقت الأحوال بهم وتعسرت عليهم وعلى ذويهم، فهم بحكم براءتهم وبداهتهم منذورون للفرح والتحررمن القيود، ولا يملك أحد من الكبار حرمانهم من الانطلاق بما يتيسر لهم من سبل بريئة للانعتاق، فالعيد يكمن في دخيلة كل منهم ..في فطرته وتفتحه على أعطية الحياة ،وأشواقهم للبهجة لا تحدها حدود.الراشدون من رجال ونساء خلاف ذلك ،تستوي قاماتهم ويشتد عودهم في غمرة التخلي التدريجي ( ببطء لكن بثبات..) عن البراءة والفطرة إلا من رحم ربي منهم. يغدو الفرح قريناً للخفة والعبث.ويصبح إطلاق النفس على سجيتها، مثاراً لشبهة الخروج عن سنن الجماعة وأعرافها .أما ضبط النفس وامتلاك قيادها، فلا يستقيم إلا باستدعاء مزيد من القيود تضاف الى المواضعات السائدة ،وبعضها طيب وحميد وبعضها الآخر مجرد عادات وضغوط.لا يعرف الكبار العيد .فالمناسبة لديهم مجرد أداء واجبات نحو صلة الرحم ..وكأن العيد هو الفرصة الوحيدة للتواصل مع الأهل والأقربين، وبما أنها باتت بالفعل مناسبة شبه وحيدة للتراحم، فإنه يتم الوفاء دفعة واحدة بديون معنوية متراكمة في هذه المناسبة، ما يثقل كاهل صاحب أداء الواجب في العيد.لسبب أو لآخر يفتقد الكبار في ديارنا العربية افتقاداً شبه تام لطقوس الاحتفال بالعيد.حتى وقع عليهم الحرمان من هذه البهجة..ومن المفارقة انهم هم بأنفسهم، من صاغوا وأرسوا ذلك الحرمان، ومع ذلك يتبرمون ويتنهدون بصمت مما جنته أيديهم ، إذ يتحول العيد الى أداء سلسلة من واجبات رتيبة متلاحقة، مع تحمل ما يطاق وما لايطاق من أعباء.هذا إذا استبعد المرء ،ما تلقيه الأحوال العامة للأمة والظروف الاقتصادية الصعبة من ظلال كامدة على النفس والوجدان، فالخوض في هذا الأمر ذو شجون، ويفيض عن غاية هذه المقالة، التي ترمي للتأشير على غياب مفردات الفرح، في معهود حياتنا بما في ذلك في الأعياد السعيدة .. حيث نجهد ونجتهد لنزع السعادة منها، وإلقائها في جوف الرتابة والتكرار،ولا مراء أننا أفلحنا في مسعانا هذا، لدرجة بات أحدنا يخشى أن يلحظه أحد، وقد أعطى نفسه حقها وبدا منشرح الأسارير حتى في مناسبة العيد ، مخافة أن يظن به الملاحظون الظنون. لا يدور الحديث هنا عن سوانح مقتطعة، يبدو فيها المرء باسم المحيا يتبادل الضحك مثلا مع غيره في ساعة أو بعض ساعة من نهاره أو ليله، فالمقصود هو المزاج الذي يسمح لصاحبه بأخذ الحياة أخذاً هيناً كما يأخذها في غالب الأوقات بمسؤولية عالية، والذهنية التي تجيزمعرفة مواطن المسرات في النفس وتسعى لالتماسها، ونمط الحياة الذي لا يُحرم إطلاق النفس على سجيتها. ولأن المرء مهما نأت به دنياه وأحواله عن دخيلة ذاته وينابيع روحه، فإنه لا ينقطع عنها الانقطاع كله..لأنه كذلك ، فإن مناسبة العيد تأتي كي تثير وتعيد التذكير، بتلك الرغبة الدفينة لكن الموؤدة في البهجة والاحتفال، ومع العجز عن ابتعاث تلك الرغبة وإطلاقها، تحت وطأة موروثات اجتماعية "حديدية "، فلا يملك صاحبنا عندها سوى الشعوربالحرج أمام نفسه ومنها. فالحياة تفتح يديها له .. لكنه يقف أمامها واجماً مكتوف الأيدي، لا يملك سوى تبادل التهاني الروتينية وصناعة الابتسامات ،متيقناً دون أن يجهر بذلك أن للعيد معنى آخر ومفقوداً..*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
03 كانون اول, 2008
ليس باسمنا
ليس باسمنا محمود الريماوي*ليلة الأربعاء ـ الخميس(26،27 نوفمبرالجاري) ،وجدت الفضائيات ضالتها في خبر عاجل وحدث دراماتيكي، يسد غياب أخبار ذات شأن تلك الليلة، فتابعت بالصورة والصوت هجمات على فنادق قي بومباي.كان المشهد الأكثر ثباتاً هو انبعاث دخان من واجهة فندق مزين بزخارف على الطريقة الهمندية التقليدية، ومحاولة رجال المطافىء إخماد ما تبقى من ألسنة اللهب في الداخل. لا يتعلق الأمر بحريق اندلع في أحد طبقات أو جوانب فندق ما في بلد ما، ولا بهزة أصابت منطقة آسيوية، ولم يكن الأمر من قبيل شريط سينمائي او مسلسل تلفزيوني، بل يتعلق بهجمات مسلحة على منشآت مدنية، وقد طاولت الهجمات العشوائية بالقنابل والرصاص الحي رواد مطاعم و مسافري محطة خطوط سكة حديد . أسوأ ما في الأمر بالنسبة لنا في المنطقة العربية، أن المرء ليس بحاجة لفراسة قوية، كي يتوقع قيام متطرفين ينتحلون اسم الإسلام ويتشدقون به، بما قاموا به. الجديد المنتظر هو اسم جماعة جديدة "تنبنى مسؤوليتها" ويضاف اسمها إلى الأرشيف أو الملف.الإسم "مجاهدي الديكان". غرابة الاسم لا تستوقف أحداً مقارنة بغرابة ومأساوية ما حدث.الخلافات السياسية الحدودية بين الهند والباكستان (التنازع حول إقليم كشمير)،يتم إلباسها لبوساً دينياً ،خاصة من طرف بعض جماعات الباكستان المنفصلة والمستقلة عن الهند قبل نحو ستة عقود. ومع التسليم بحق الناس في النظر للأمور العامة من المنظور الذي يرتأونه، فإن رفع راية الدين ، لا يسوغ فعل ما يشاؤونه لمجرد أنهم يرفعون هذه الراية. قيل هذا القول وتردد، وجرى التعبيرعنه بشتى الطرق وفي سائر المنابر آلاف المرات،ومع ذلك يتواصل ارتكاب مثل هذه الفظائع ، ونسبتها من طرف مرتكبيها للإسلام وللمسلمين.بما يضع ألغاماً جديدة في طريق التقريب بين الشعوب والثقافات، ويضع المسلمين مرة تلو أخرى، في موقف دفاعي ووضع اعتذاري، ويشوش بصورة مفزعة على دفاعهم عن قضاياهم العادلة .من واجب كل فرد في المجتمعات المسلمة، أن يجهر مجدداً أمام هذه الموبقات: ليس باسمنا. ليس باسم الدين الحنيف الذي ننتسب إليه.بين الهند والعالميين العربي والاسلامي، علاقات تاريخية وجوار جغرافي وتفاعل حضاري،ويقترن مسمى "الشرق" بالهند كما العالم العربي والاسلامي. مرتكبو حفلة الجنون الدموي في بومباي هم كما تتواتر الأنباء من الهند نفسها، أو أن لهم صلات بجوارهم الباكستاني وما هو أبعد منها. غير أن ما حدث يمسنا في الصميم.لأن الهند وشعبها بلد صديق على مر الأزمان .ولأن الفعلة يزعمون صفة إسلامية جهادية لهم، تجمعهم حُكماً بغيرهم من المسلمين ونحن منهم.وإذ تقع مثل هذه الجرائم في بلدان ومجتمعات غير مسلمة، فإن الأذى المعنوي الذي يلحق بالمسلمين، لا يقل عن الأذى المادي (الفعلي) الذي يصيب غيرهم.علاوة على أن بلداناً إسلامية عدة وقعت مراراً وتكراراً في دائرة الاستهداف.فهل هناك أسوأ من أن يوضع مئات الملايين من المسملين وفيهم العرب، موضع شبهات ومحط تضييقات، استناداً لتلك الكبائر المتكررة والعشوائية والمتعاظمة، بحق مدنيين ومرافق مدنية هنا وهناك في أرجاء المعمورة. لقد خاضت الشعوب العربية والمسلمة من قبل، معارك الاستقلال والحرية ضد المستعمرين،ولم يسجل تاريخنا استهدافاً أعمى للمدنيين وخاصة خارج أرض الصراع. بما يجعل من موجات التطرف هذه تبدو نشازاً ثقيلاً وسلوكا دخيلاً، على الإرث التحرري والوطني وتالياً الثقافي.للفظائع التي ارتكبت في الهند ظروفها ودعاويها الخاصة لا شك، ..لكنها تقترن في أذهان العالم بإطار عريض من نشاطات جهادية مزعومة عابرة للقارات، تعكس صورة وثقافة شرائح من المسلمين وتستهوي بعضهم الآخر، وهو ما يستحق إجلاءه بالجهر مجدداً بكل الوسائل المتاحة: ليس باسمنا.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"