مدونة محمود الريماوي

إبني وأنا حُر فيه!

"إبني وأنا حر فيه"محمود الريماوي* ايلاء الاهتمام  القانوني والفعلي بحقوق الأطفال والنساء، يمثل معياراً لتمدن المجتمعات،وتحضر الشعوب..الأطفال بصفتهم كائنات ضعيفة رقيقة ، يمتحنون قوة الكبار: ما إذا كانت هذه القوة حيوانية تسلطية، أم ذات نزعة انسانية.. علماً بأن غالبية الحيوانات والطيور تحدب على صغارها وتقاتل بشراسة لحمايتهم . يفترض بالبشر الأسوياء التقدم خطوة الى الأمام بحماية صغار غيرهم، لا أطفالهم هم فحسب فالصغار هم ورثة المستقبل ، ولو لم تتوفر درجة ما من الحماية للكبار في طفولتهم، لما شبوا واستووا كباراً .توجيه الملك بحماية الطفل باعتبار ذلك خطاً أحمر ،يلحظ الرهان على طفولة متفتحة. ووجوب أن تلعب الصحافة دوراً يتعدى تربية الأطفال على طاعة الكبار .ليست هناك ثقافة عنف سارية وواسعة تستهدف الطفولة في مجتمعنا.على أن الاطفال ينالهم مع ذلك قسط من "بركات| هذه الثقافة الذكورية .قمع الأطفال: خياراتهم الشخصية في أنواع اللعب والهوايات والملكات الخاصة ، هو النموذج الأعم للقمع حيث يراد تربية الأطفال جميعا على مسطرة واحدة. وهناك ما هو أسوأ : ضربهم ضربا مبرحاً ، التمييز المقصود وغير المقصود بين الأشقاء ثم بين الذكور والإناث ، حملهم على التشبه بالكبار وغرس الشعور بالنقص في أنفسهم لمجرد أنهم صغار، دفع الأطفال الى سوق العمل الأسود سواء كان عملاً شاقاً أم التسول، إهمالهم ووضعهم أمام التلفزيون لفترات طويلة أو إيكال أمرهم لعاملات المنازل.الأمم الحية لا تباهي بما أنجزته، بل بانتباهها لأوجه النقص ومواطن القصور. الطموح هو ما يشغلها..لم نبلغ مرحلة الحد الأدنى بعد.يتعلم الناس من بعضهم بعضاً الحسن والسيء من العادات وأنماط السلوك. في أحيان كثيرة لا يرغبون بتعلم شيء، فما يعرفونه ويألفونه وما توارثوه ،يكفيهم حتى لو تحولت الدنيا وتغيرت أحوالهم هم .بذلك تتبدى أهمية التشريعات .الأطفال بشر لهم الحق في الحياة، في النمو والتفتح  كما الانتماء الى عائلة والبر بالوالدين، وليسوا جزء من ممتلكات ومقتنيات ذويهم. حقهم في الحماية يتقدم على آخرين، فهم كائنات ضعيفة لا تملك من أمرها شيئاً . إعادة النظر في التشريعات ، يتعين أن تهدف لإعادة النظر في بعض ما هو متوارث..من قبيل امتلاك الأهل لأبنائهم"ابني وأنا حر فيه" .واعتبار الترويع والتعذيب والحرمان العاطفي والمادي والتشغيل وحتى منعه من التعليم، من وسائل التربية التي يقررها الأهل  بملء ارادتهم وليس ل"غريب" أن يتدخل في ما يخصهم.الاستعانة بتجارب الدول الأخرى مفيد في هذه الحالة. وقف تسلط الآباء وبعض الأمهات على أطفالهم ، من شأنه كسر ثقافة التسلط ككل ، وتعزيز مفاهيم حقوق البشر بصورة عملية فعالة، ابتداء من البيت  والعائلة. فلا يقبل الأب التسلط عليه خارج البيت ، ولا يعمد للتعويض بالانتقام من صغاره.يحتاج الأمر الى معركة تشريعية يسهم فيها النواب والمجتمع. "البيوت أسرار" والحلقة الضعيفة فيها هم الأطفال والإناث.آن لهذه الصورة أن تتغير بمبادرة القوى الحية.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"  

فيض الوجدان أم رحاب العقل؟

فيض الوجدان أم رحاب العقل؟محمود الريماوي*                                             ليس هناك  في السوء ،ما يضاهي المفاخرة والمباهاة وامتداح الذات الفردية والجماعية،.. أكثر من الاندفاع الى نعي الذات وجلدها، وتتفيه ما آلت اليه أحوالها. وخاصة حين يتم التوقف عند إعلانات النعي هذه، دون انتقال من وهدة الوجدان المثلوم الى رحاب العقل المتفحص .ليست حال الأمة بشعوبها وبلدانها ومجتمعاتها، مما يسر أحداً أو يطمئن ملهوفاً أو يلبي رجاء. فمواطن الوهن والقصور بادية للعيان : لكل ذي عينين وكل من امتلك بعضاً من بصيرة. غير أن الحال الذي بلغناه لم يكن وليد مصادفات وسوء الطالع، ولا حتى نتيجة سلسلة مؤامرات محبوكة ومتصلة وحدها.واقع الحال يفيد أن مشروع التحديث العربي منذ أواسط القرن الماضي، قد أخفق في الاستجابة للتحديات وأداء المهام : في الربط بين التحرر الوطني بما هو استجابة ناجعة للتحديات الخارجية ، من جهة، وبين البناء الدستوري والديمقراطي الداخلي من جهة ثانية،  و التمسك خلال ذلك بموجبات التحرر الاجتماعي والثقافي من تمدين للمجتمعات ( قيم المواطنة والمساواة وإرساء الحريات الفردية والجماعية المقننة ، بما يتساوق مع مدنية الدولة التي لم تتحقق ولم تقم. ..من جهة ثالثة وليست أخيرة.المثقفون يتحملون قسطاً وافراً من المسؤلية عن هذا العوار. القوميون واليساريون لم يولوا في غالبيتهم عناية لتحديات التحديث الداخلي ، واكتفوا بتبجيل "الجماهير" التي ما لبثت أن انتقلت الى مربع آخر في الولاء والانحيازات. والليبراليون قنعوا بهواجس التحديث الداخلي حصراً، دون انشغال بفكاك دولهم من أسر التبعية للخارج، فكان أن اجتمعت معا الخسارات للفريقين، ثم للدول والمجتمعات : فلا التحديث الداخلي تحقق إلا في القشور والتقنيات ، ولا التحرر من الارتهان للخارج قد تم.في غمرة ذلك صعدت التيارات المحافظة لتملأ الفراغ ، وتطرح نفسها كبديل ، بما يشبه التطلع للريف كبديل للمدن، والاستقواء بالماضي على الحاضر، فكان أن انقسم الناس بين متزمت تكوصي يستهلك ثمرات الحضارة المعاصرة ويشدد عليها النكير في الوقت نفسه ، وبين من استسلم لغواية نمط شكلي ومظهري للحياة الغربية. على أن الناس في انقسامهم هذا جمعهم جامع ملحوظ لا تخطئه العين هو: الشره الاستهلاكي و"عبادة المال" .على هذا النحو يبدو التصحر الحضاري لمجتمعاتنا الذي لم ينبت بغتة نبتاً شيطانياً ، بل سبقته مقدمات : مثل إفلاس مشاريع التحديث العربية وعدم ارتكازها على رؤية نهضوية متكاملة تأخذ بأسباب التقدم مجتمعة ،وبروز مثالب مشينة في أداء أنظمة "تقدمية"، وانفلات نزعات احتراب أهلي، وإفقارمتزايد للريف قاد الى نزوح للعواصم أدى الى ترييفها، وتضحية النخب باستقلالها المفترض وتحولها أبواقاً لسلطات سياسية أو اجتماعية أو حزبية ،وفي ذلك يكاد يتساوى المنتفع الذي يقف في صف الموالاة ،مع المعارض الشعبوي الذي يحرس التخلف، ويلهث للتشبه بالعوام بدل بث الوعي في صفوف هؤلاء.ليس من خيار غير الاعتراف بالقصور والسعي الى تداركه ما وسع المرء الجهد والطاقة ،  وذلك لكل من يؤرقه حقاً حال الأمة (الشعوب) وما يعتورها من فوات. ولا ينفع  في هذا المقام الركون الى فيض الوجدان وحده ،وحتى في الفنون والآداب فإنه لا يكفي الرهان  فحسب على تلك المنطقة من النفس، فثم العقل وإن كان شقياً ،للتبصر في المشهد الذي يزداد تعقيداً، والسعي الى تفكيكه على ضوء التشخيص الواقعي العياني، الذي يرى الأمور على ما هي عليه. ومجدداً بالاحتكام الى العقل الذي يدفع للاجتهاد.. فمن أخطأ فله أجر ومن أصاب فله أجران ، أما من يعزف عن الاجتهاد وعن تحكيم العقل، فلا أجر له كما لاحظ مرة جورج طرابيشي. *رئيس تحرير صحيفة "السجل"       

بلد عربي مهدد بالاختفاء!

"بلد عربي" مهدد بالاختفاء محمود الريماوي*في زيارة قام بها كاتب هذه السطور الى جمهورية موريتانيا الاسلامية قبل  نحوربع قرن ، سمع من زميل صحفي له من أبناء بلاد شنقيط ، أن الصحفي يقيم في العاصمة نواكشوط  كرهاً عنه ، فهو متعلق بقريته ومسقط رأسه ،ولدى سؤاله : لماذا لا يحاول العمل انطلاقاً من قريته أجاب أن ذلك متعذر ، فقد اختفت القرية .. اختفت ..كيف؟ .قال إن زحف الرمال على القرية أهلك الزرع والضرع ، ودفن البيوت الطينية المتواضعة ، فكان أن اندثرت القرية تدريجياً  وأصبحت أثراً بعد عين.تستعاد هذه الحكاية الدالة على الهزيمة امام سطوة البيئة والمناخ ، بمناسبة ما ذكره رئيس جمهورية جزر المالديف محمد نشيد الاثنين الماضي 10 نوفمبر الجاري ، بأن على سكان المالديف البحث عن وطن آخر لهم .تصريحات نشيد نشرتها "الجارديان" البريطانية . الرئيس عزا رؤيته هذه الى تأثيرات الاحتباس الحراري على بلده، الذي يضم أكثر من الف جزيرة مهددة بالاختفاء مع ارتفاع منسوب مياه المحيط الهندي .كانت بلاد المالديف تعرضت عام 2006 لتأثيرات مد تسونامي ،وما زالت في الذاكرة مشاهد "شاعرية" لكنها مأساوية للمد الذي جعل سكان الجزر ،بمن فيهم كبار المسؤولين يلجاون الى اعتلاء السفن وسط رياح عاتية اتقاء للمد المهول.الرئيس المالديفي نصح بشراء أراض لشعبه واتخاذها وطنا جديداً  لهم .في إحدى حلقات برنامج "البيت بيتك " على تلفزيون المستقبل، قال مقدم البرنامج زاهي وهبي لضيفه رفيق الحريري ما يفيد ب" إنك تملك من المال ما يكفي لشراء بلد لك .. غير لبنان او إضافة اليه" وقد أجاب الراحل الحريري قبل نحو سنة من استشهاده، انه لا يستبدل الدنيا  كلها بوطنه . غير ان الرئيس محمد نشيد لا يتحدث عن خيار أو رغبة ، بل عن اضطرار..فبلده مهدد بالاختفاء ، لذلك سوف يتم اقتطاع جزء من عائدات السياحة كما قال، لشراء أراض ( تكون نواة لوطن جديد للمالديفيين) .الرئيس المنتخب الذي ادى اليمين الدستورية الثلاثاء الاول من أمس ، ربط بين هذه الفكرة وما قال إن الصهاينة فعلوه حين "اشتروا أراض في فلسطين" لم يلبثوا ان جعلوا منها وطناً ودولة .معلومات الرئيس  المسلم مغلوطة، فالأراضي المشتراة من مالكين أغلبهم غير فلسطينين كانت  تقدر بنحو واحد بالمئة من أرض فلسطين ، أما "الفضل" في انشاء دولة اسرائيل على أرض فلسطين، فيعود للعصابات الصهيونية وتواطؤ الانتداب البريطاني مع تلك العصابات لترويع  وتقتيل الأهالي ودفعهم دفعاً للهجرة.الإسرائيليون عملوا على أن تختفي فلسطين ويتشتت شعبها ، وهو ما لم يلاحظه ولم يتطرق اليه الرئيس محمد نشيد. غير أن مدار هذا التعليق لا يدور حول تلك المعلومات، بل حول بلد مهدد بالاختفاء، هو بالمناسبة عضو في جامعة الدول العربية، بعد أن كانت دولة أخرى هي الكويت مهددة بالاختفاء بناء على رؤية الرئيس صدام حسين، وبعد تهديدات لمسؤول لإيراني بوضع اليد على مملكة البحرين ، وتهديد مصيرها بالاختفاء ككيان سياسي.بات مطلوبا وضع التهديدات بالاختفاء على جدول أعمال القمم العربية.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"  

تصفيق جماعي لرئيس العالم!

تصفيق جماعي لرئيس العالممحمود الريماوي* لا ريب أن كثرة كاثرة من البشر في أربع رياح الأرض ، صادفوا في فوز اوباما فوزاً ما لكل منهم. تدلل على ذلك نتائج استطلاعات سابقة على انتخابات الثلاثاء، منح فيها المستطلعون أصواتهم للأميركي الشاب من أصل إفريقي.الملونون يجدون فيه فوزاً لغير البيض أمام البيض .الأفارقة يرون فيه انتصاراً لقارتهم السمراء.الشبان يعثرون فيه على مثالهم في الفوزأمام كبار السن.مسلمون يرون في جذوره الإسلامية ما يقربهم اليه .مسيحون يعتبرونه منهم إذ نشأ نشأة مسيحية في كنف والدته التي انفصل عنها زوجها الكيني حسين أوباما، فيما الصغير باراك في السادسة من عمره.ضحايا غطرسة الجمهوريين يرون فيه بطلاً ألحق الهزيمة بالمحافظين المتعصبين.الأقليات والمهمشون والفقراء وأبناء الطبقات الوسطى في أميركا والعالم، يعتبرونه نصيراً جادت به السماء لهم .المحامون يتطلعون اليه بإعجاب، فهو زميل في المهنة وواحد منهم. البرلمانيون كذلك ينظرون بإعجاب لصعود السناتور الشاب، وقد يرى بعضهم في انتصاره فأل خير لهم.الحالمون وأصحاب الأرواح المرهفة، يرون في صعوده معجزة تزكي( تثيت صوابية) نزعاتهم المثالية.لعل في ما سبق مبالغة، وهي مبالغة متعمدة هنا. ذلك أن نفوذ الولايات المتحدة ،الذي يتخذ أشكالاً ومظاهر عديدة من الهيمنة والتفوق والسطوة والتدخلات ونجاح النموذج( بلد شاسع، قارة في الواقع ، تتألف من مهاجرين مثلاً ).. هذا النفوذ جعل من بقية شعوب المعمورة، بمنزلة مقيمين يخضعون بصور شتى لسلطة عالمية مركزية واحدة ، فباتوا معنيين بما يجري في دوائر صنع القرار العليا في واشنطن، وبالذات بساكن البيت الأبيض.انتشار الميديا ووسائل الاتصال الحديثة التي باتت في متناول أيدي فقراء، ضاعف من تقريب أميركا الى وعي مليارات من البشر.النظر بإعجاب الى الرئيس الفائز مرده في المقام الأول، مقت غالبية سكان الأرض لبوش المنتهية ولايته الثانية، وهو ما انسحب على المرشح ماكين الذي تمرأى كنسخة أخرى غير محسنة، لأسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة، ولم تفلح محاولات المرشح الخاسر في التباعد عن الجمهوريين ومحافظيهم سيئي السمعة. وبما أن البشر ما زالت تملأ خيالاتهم، وتسكن أرواحهم صورة المخلص( بتشديد وكسر اللام)، والقناعة بانتصار الخير على قوى الشر،ولأن الرئيس الجديد للدولة العظمى يتحدر من بيئة جديدة على النخبة السياسية العليا،فقد فعل السحر فعله في النفوس..حتى لدى رجل حداثي مثل الرئيس السابق كلينتون، الذي وصف صعود أوباما السلس والسريع بأنه "يعكس عبقرية أميركا". في واقع الأمر لم يسبق حتى لدى الحزب الديمقراطي الذي ينتمي اليه أوباما، أن تم تصعيد أميركي من أصل إفريقي مرشحاً للانتخابات الرئاسية، مما يدلل على الأثر السيكولوجي العميق لهذا التطور ،الذي يعكس تغيراً ثقافياً في بلد يموج بالتعددية والتنوع، لكن نخبه أقل تنوعاًُ بكثير . وقد يعرف أو لا يعرف الرئيس الجديد أن الآمال المعلقة عليه هائلة، وقد أسهم بنفسه في تغذية وإشاعة هذه الآمال حين ردد قبل فوزه، أن فوزه "سيوفر جواباً وحلاً لكل مشكلة" وهي مبالغة كانت غريبة ،على ما اتسمت به حملته الانتخابية من رصانة ومن تفادي الوقوع في أخطاء.أيا كان الأمر فالخسية أن تحل خيبة الأمل باكراً ، وذلك حين يشرع الواقع : واقع النظام السياسي الأميركي ومؤسسات وآلياته، في التعبير عن وجوده،على نحو لا يملك فيه الرئيس الفائز أن يملأ، سوى جانب من المشهد  لا المشهد كله، وحين تحل الواقعية الأميركية محل وعود التغيير التي تم الإسراف في نثرها.وإلى أن يقترب هذا الاستحقاق ، يحسن بالحالمين لا أن يديروا ظهرورهم للساكن الجديد في البيت الأبيض ، بل أن يرسموا صيغة لتعامل دولهم وأنظمتهم مع البيت الأبيض، تكفل انتزاع احترام الولايات المتحدة لهم، بحيث يمتد التغيير بغير مواربة،الى النظرة الأميركية الرسمية لحقوق الشعوب المغلوبة، ولمرجعية الأمم المتحدة ومقتضيات القانون الدولي.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"                        

معايير مثيرة للجدل

معايير مثيرة للجدلمحمود الريماوي*المعاييرالتي اتخذتها منظمة "مراسلون بلا حدود" ليست واضحة  بصورة كافية، بما يتعلق بتصنيفها لحرية الصحافة 2008 .يستوقف قارىء التقرير الأخير للمنظمة (في هذا العدد من "السجل" متابعة له صفحة ..) أن دولة مثل المغرب  أو مثل مصر لا تحتل أي منهما موقعاً متقدماً في هذا التصنيف.علماً بأن الصحافة في هذين البلدين تتمتع بمستوى عال من حرية التعبير بالمقاييس العربية، وتتميز بالمنحى الاستقصائي في التقاريروالتحقيقات،علاوة على ازدهار صحافة المعارضة في البلدين .ربما كان مقياس "مراسلون بلا حدود" في هذا الصدد ، هو ظروف تضييق حكومية لحقت بمنابر إعلامية او بصحفيين مصريين ومغاربة خلال العام الجاري 2008، على أن هذا المقياس ينبغي أن لا يحجب مجمل المشهد، ومنسوب الحريات الإعلامية في هذين البلدين، وحيث تفيد أية قراءة موضوعية أن هناك الكثير مما يمكن للصحفيين العرب، أن يتعلموه من صحافة مصروالمغرب بما في ذلك أجواء الحرية النسبية فيهما .إذا كانت حالات التضييق هي المقياس بالمطلق ، فذلك يعني ببساطة أن صحافة ضعيفة تتحرك في هامش ضيق، ولا ينالها تبعاً لذلك أي تضييق ( لانتفاء الحاجة اليه)، هي أفضل من صحافة ذات سقف أعلى ومهنية أكفأ، لمجرد أن هذه الأخيرة نالتها بعض حالات التضييق.وبمقياس الحريات فلا بد من ملاحظة أن العديد من الصحافات تخضع لرقابة ذاتية أو لرقابة المجتمع،بصورة لا يعود معها هناك من حاجة لرقابة السلطات ..وانتفاء هذه الرقابة الأخيرة ، لا يعني أن أحوال تلك الصحافة في مجال الحريات هي "عال العال" .مقياس التضييق الرسمي يستحق أن يعتد به ، فلا حرية مكفولة وقابلة للتفتح في مثل هذه الأجواء.غير أن هامش السماح المتاح والأعراف الإيجابية المستقرة، والقوانين المرنة حتى لو كانت مطاطة بعض الشيء، والمستوى المهني المرتفع ، تستحق أن يؤخذ بها  أيضاً كمقياس يقاس عليه . وهو ما ينطبق على حالة الأردن الذي احتل المركز الثامن عربياً في تصنيف "مراسلون بلا حدود". فهناك الكثير مما يستحق إنجازه لتعزيز مناخ الحريات الإعلامية عندنا ، وخاصة بما يتعلق بالإعلام الرسمي، إذا كان من حاجة لوجود مثل هذا الإعلام ،بعد مضي نحو عقد على إلغاء وزارة الإعلام .علاوة على تدخلات في الإعلام الخاص ومشاركة حكومية في ملكية مؤسسات إعلامية  كبيرة ،مع ذلك فإن إعلام القطاع الخاص الأكثر نفوذاً وحضوراً يحقق بعض التقدم في مجال الحريات  خاصة حرية التعبير،مما يتعذر إنكاره أو التقليل من شأنه، وبدليل ازدهار نسبي لصحافة المعارضة والصحافة النقدية، إضافة الى الفاعل الجديد المتمثل بالمواقع الالكترونية الإخبارية، التي قد يفتقد بعضها الى السوية المهنية، بأكثرمن افتقاده للحريات.مثل هذه المواقع غائبة ولا وجود لها، في دول صنفت في مركز متقدم ، وإن كانت هذه الدول تتمتع بهامش من الحريات الإعلامية. في نهاية الأمر فإن معايير التصنيف كالتي تعتمدها "مراسلون بلا حدود" ، جيدة لكنها ناقصة، وتستحق بعض جوانبها المراجعة ، لجهة الأخذ بمجمل المشهد الإعلامي وحصيلته النهائية في دولة من الدول ومجتمع من المجتمعات ، وإيلاء اهتمام أكبرمن طرف المنظمة العالمية، لمساحة الحرية المتاحة أمام الصحافة في تناول السياسات الداخلية لبلدانها. *رئيس تحرير صحيفة "السجل"  
 
A service provided by Al Bawaba