مدونة محمود الريماوي

المغزى الفعلي لشعار "الدولة اليهودية "

المغزى الفعلي لشعار "الدولة اليهودية"محمود الريماوي*شهد العام الجاري 2008 تركيزا في تل ابيب على "يهودية  الدولة" . بدا هذا المطلب في عيون كثيرين نافلاً ، فالدولة  الصهيونية هي في واقع الحال يهودية ، فالعبرية هي اللغة الرسمية والنجمة السداسية هي الرمز الرسمي ،والتعليم الديني المدعوم حكومياً هو تعليم توراتي، وباب القدوم من الخارج مفتوح لكل يهودي كي "يعود " الى أرض فلسطين  . ليس هناك ما يثيرأي انطباع أو لبس حول هوية الدولة المحسومة . وقد سبق للجانب الفلسطيني ممثلا بمنظمة التحرير أن اعترف بدولتهم  بل ب" حق تلك الدولة في الوجود " وهي صيغة لا سابق لها في الاعتراف.أخيرا تطورت المطالب نحو السعي لانتزاع اعتراف إضافي بالدولة اليهودية. الدعوة صدرت عن اولمرت وأركان حزب كاديما .. غير الديني والذي يكاد يكون علمانياً، كما هو حال حزب العمل . لم تلق الدعوة في سياق المفاوضات الجارية استجابة حتى الآن على الأقل من الجانب الفلسطيني ، لكنها لقيت  في مناسبات مختلفة قبولاً حاراً من طرف الرئيس الموشك على الانصراف بوش . لا يقوم هذا المسعى على مزاعم دينية فحسب ، لكنه في هذه المرحلة يقوم على تسخير الدين لتحديد وجهة ومضمون أية تسوية مقبلة إذا حدثت ، فإذا لم تتم فإن الجانب "الاسرائيلي" من جهته يتولى المبادرة لتطبيق مفهوم الدولة اليهودية وهو ما بدأ  يحدث بالفعل. بتكريس الانطباع أولا بأن عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم التي شردوا منها  في العام 1948هو "أمر مستحيل" لما يشكله حسب طروحاتهم من "خطر" على دولتهم . مع طرح شعار الدولة اليهودية والتمسك به فإنه يضاف سبب آخر لمنع عودة هؤلاء، فاليهود هم من" يعودون الى دولتهم" وليس غير اليهود .بذلك يتبدى المغزى الأول لطرح هذا الشعار والذي تعبر عنه تسيبي ليفني رئيسة الحكومة المكلفة بأن " اسرائيل هي الوعاء القومي لليهود والدولة الفلسطينية هي الإطار الوطني للفلسطينيين ".وبما انه ليست هناك من دولة قائمة بعد للفلسطينيين ، فإنه يجري الاكتفاء بتفعيل الشطر الاول من المعادلة . كيف ؟ ..بتغليب العنصر اليهودي بصورة حاسمة في دولتهم . وهذا هو المغزى الثاني للشعار . أحداث عكا في الأسابيع الثلاثة الأخيرة ، هي شاهد على هذه السياسة .العرب العكاويون هم قرابة ثلث السكان : نحو 22 الف مقابل 40 ألف من اليهود المستوطنين .لكن عكا تحتفظ بطابع عربي واسلامي في البناء والمآذن والأسواق والقلعة .وهو ما يثير حفيظتهم كما يؤرقهم عدد سكانها الأصليين غير الكبير  لكن الملحوظ . لقد تم فرض حظر التجول على العرب من مسلمين ومسيحيين في المدية بمناسبة عيد الغفران اليهودي الذي لا يتنقل فيه اليهود . علما بأنه يتاح لليهود تناول الأطعمة والأشربة بصورة علنية في شهر رمضان مثلا ، دون ان يستوقفهم أحد بل دون اعتراض من المسلمين .محاولة فرض تقاليد يهودية على غير اليهود ، ترمي ببساطة الى تهويد قسري للمدينة ولنمط الحياة فيها ، وتتفق مع الإعلاء من شأن شعار الدولة اليهودية والتوسع في تطبيقه على الأرض .وقد تم بالفعل استقدام مثات من المستوطنين للإقامة في عكا لمناصرة "اليهود المهددين"! . بهذا فإن شعار يهودية الدولة ليس مجرد شعار تفاوضي أو تعبوي ، بل هو عنوان لخطة سياسية رهن التنفيذ، تقوم بين ما تقوم عليه على التضييق على العرب أبناء البلاد وحصر رقعة تواجدهم .وهو ما يفسر قيام ليفني بزيارة المدينة وتحميلها المسؤولية لشاب عربي "تجرأ" على التنقل بسيارته ليس بعيداً عن مكان سكناه  في يوم يعتصم فيه اليهود ببيوتهم  طلباً للغفران . يبلغ عدد العرب نحو مليون ونصف المليون وكان عددهم لا يربو عن 75 ألفا عام 1948 . هؤلاء الصامدون هم من حافظوا بثباتهم وبسالتهم على الهوية  الوطنية والعربية لفلسطين التاريخية .في المطبخ السياسي الصهيوني يجري التحضير لمحاولة تهجير هؤلاء الى الضفة الغربية، مقابل نقل أعداد من المستوطنين من الضفة الى داخل الخط الأخضر، في عملية تبادل سكاني تترافق مع تعديلات على الأراضي .ربما يعتبرالصهاينة نقل العرب من مدنهم وبلداتهم الأصلية الى الضفة بمثابة تحقيق للشعار الفلسطيني والعربي ب"عودة اللاجئين" . وبينما يجري التلهي بمفاوضات عقيمة لا سقف زمنيًا ولا مرجعية سياسية لها ، فإن الطروحات التفاوضية الاسرائيلية يجري تطبيقها على الأرض، دون انتظار موافقة عليها من الجانب الآخر او أي طرف في العالم . الآن تتردد تقارير صحفية بأن هناك تدابير يجري الإعداد للشروع بها ضد مدينتي حيفا ويافا، وكلاهما ما زالتا تحتفظان بطابع عربي في الهوية المعمارية ونمط الحياة السائد ،الى كثافة سكانية ملحوظة للعرب فيهما .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"

لا أميركا تتغير ولا العرب يتغيرون

لا أميركا تتغير ولا العرب يتغيرون

محمود الريماوي* تهب رياح التغيير على الولايات المتحدة، مع زيادة حظوظ المرشح الديمقراطي أوباما للوصول الى البيت الأبيض .التغيير في أول الأمر سيكولوجي .ثمة شاب يتقدم في العقد الرابع من العمر ينتمي لبيئة لا صلة لها بالمطامع الامبراطوية  بل إنها لصيقة بمطامح تحررية .الشاب افريقي المنبت والسحنة ، ينحدر من سلاة مسلمة . وهي خصائص مستجدة على بيئة أهل النفوذ السياسي والصناعي والمالي في واشنطن .صحف كبرى تعلن على لملا تأييدها له . كولن باول الجمهوري ورئيس الأركان السابق ووزير الخارجية السابق يعلن انحيازه له . فنانون كبار من ملهمي الاجيال الشابة وقفوا في صفه .المرشح الجمهوري ماكين صاحب الأفكار التقليدية الشائخة يلمح الى خسارته  قبل خمسة عشر يوما من بدء "المباراة الانتخابية" ."أميركا لا تتغير" ، يقول كثرة منا  وفي قولهم جانب كبير من الصحة  نظرا لثبات المؤسسات ولعمق التحالف القائم بين أصحاب النفوذ ولمصالح . لكن الصحيح أننا نحن العرب والمسلمين نقيم على الجمود ولا تتغير انماط تفكيرنا وسلوكنا . فكيف تكون أميركا عصية على التغيير فيما الرأي العام هناك يستعد لمنح ثقته ، لشاب افريقي  لم يتورط من قبل في اعتناق أية أفكار عنصرية وتوسعية او محاباة راس المال والاحتكارات ؟ . في مقابل "أميركا التي لا تتغير"  هناك العرب الذين لا يتغيرون ،ويقيمون على نسقهم الذهني التقليدي .فكيف يمكن تسويغ استقالة العرب عن التأثير في مجتمع دينامي مفتوح مثل المجتمع الأميركي  ، فيما تعداد الاميركيين من أصول عربية بالملايين  تسندهم مبدئياً ملايين أخرى من مسلمين من ذوي الأصول غير العربية . وكيف يمكن فهم استنكاف العرب، عن إدامة حوارات استراتيجية مع الولايات المتحدة، بعد أن تم البدء بهذه الخطوة من قبل .وهي حوارات يفترض أن تتسع وتشمل الفاعلين والناشطين في دوائر صنع القرار وخارجها ، وأن تحتفظ بعنصر الديمومة على مستويات مختلفة .حقا إن النفوذ الصهيوني متجذر في تلك القارة ، لدرجة يناصر فيها غالبية الأميركيين اسرائيل عاطفياً وروحياً ونفسياً كما يناصر العرب القضية الفلسطينية ،وهو ما يتعذر على أي رئيس او مسؤول الفكاك عن تداعياته . . على أن ما زاد من استفحال الامر ، غياب عربي عن الوجود في مفاصل المجتمع وثنايا الحياة الأميركية ،  ومن موقع داخلي ومحلي  كما هو الحال مع اللوبي الصهيوني الذي يتمدد بصفته الأميركية . من مصلحة العرب ان يكون هناك رئيس منفتح ومتحرر العقل والوجدان ، حتى لو كان منحازا لتل ابيب.إذ تقع على عاتقهم محاورة إدارته بهدف الحد من المفاعيل السلبية الهائلة لذلك الانحياز ، وبحيث يتم اقتراب واشنطن والبيت الأبيض على الخصوص،من أحكام القانون الدولي وموجبات الشرعية الدولية، ومن مزايا المصالح الأميركية الكبرى في العالم العربي. وهو ما استحال تحقيق أي قدر منه مع إدارة متحجرة ومهووسة، كتلك التي كان على رأسها  جمهوري محافظ  ضيق الأفق .اوباما يشكل فرصة أمام صانعي القرات والنخب العرب ، بدل الاكتفاء بالقول إن "اميركا لا تتغير "وهي عبارة صحيحة تاريخياً وقابلة للتعديل مستقبلاً ، وتطمس في الوقت ذاته الوجه الآخر للصورة وهي أن العرب من جانبهم لا يتغيرون . *رئيس تحرير صحيفة "السجل"

ملح الأرض

ملح الأرض محمود الريماوي*المزاوجة بين العبث الأسود والإبداع،  تلك هي اللعبة التي نذر محمد طمليه حياته لها،  وحقق لا شك نجاحاً في مسعاه.آمن محمد بصورة شبه فطرية، بأن للمرء أن يعيش حياته القصيرة بلا قيود. ومن باب أولى أن يتمتع الفنان بمثل هذه الحرية ما وسعه ذلك، ما دام الإبداع هو في الأصل والمبتدأ فعل حرية. جمع محمد في إهابه بين تمرد البدوي الذي ينعم بصحراء فسيحة لا حدود لها، وبين نقمة القروي الفقير المقذوف الى الهامش، وبين فردية أبناء المدن في حقهم بخصوصية حياتهم، مضافاً الى ذلك نزعته اليسارية الجذرية، مع فوضوية كامنة يجد صاحبها في الشاعر عرار مثلاً أعلى.. بهذا تألفت شخصية ابن عنابة،  الذي يصح وصفه وعلى طريقته الساخرة بأنه جرى «تجميعه» في كرك ثم في عمّان، فبات عمّانياً أكثر من غيره: على معرفة وثيقة بناسها وأسواقها ومجاهلها، وبسائر الناشطين السياسيين والمثقفين فيها.كان من ظرفه وكرمه أن بيته «على طلوع البلاستيك مقابل المركز الثقافي الملكي» شكل لسنين طويلة ملتقى للمثقفين والصحفيين والمبدعين، وهو الذي لم يكن يملك غالباً قوت يومه ولو امتلكه لسارع الى تبديده، فهو ينطوي على نفور شديد من اقتناء أي شيء، بما في ذلك علبة سجائر إذ يسارع الى تدخينها أو تفتيتها: التملك يتعاكس مع شخصيته. التملك قيد. في الحياة الطلقة المنفلتة التي عاشها، استنزف محمد جسده الغض. مجموعته القصصية الأهم «المتحمسون الأوغاد» لم يضف إليها مجموعة لاحقة. فقد توطنت لديه قناعة بأن بوسعه نثر ما يكتب من حالات قصصية في مقالاته القصيرة،  ومخاطبة أوسع شريحة من القراء. مع مضي الوقت بات يضيق بالعكوف على كتابة قصة، بما تتطلبه من اشتغال دقيق وصبور على الفن، واكتفى بكتابة نصوص للنشر اليومي،  الكثير منها في منزلة قصص أو مسودات لقصص. وفاقم من ذلك مزاجه الملول المتقلب الذي يتأبى على الضبط والتنظيم.عاش محمد متمرداً على مواضعات اجتماعية ونمط حياة تقليدي، وسرت عدوى تمرده الى أصدقاء كثر في محيطه، بعضهم مكتهلون.لكن محمد للحق وخلافاً لأي انطباع سائد،  لم يذهب بعيداً في انشقاقه هذا : قضية التحديث الاجتماعي والثقافي الشامل لم تشغله كثيراً. فقد كان يهجس بهامش يتيحه مجتمع تقليدي لمتمرد فنان، تماماً كحال عرار. وشخصياً فقد انتزع هذا الهامش له.كان يتطلع لأن يسمح هذا المجتمع،  بقدر من التنوع والتعدد في أنماط السلوك، لا أن تتغير ثقافة المجتمع.التحديات الخارجية هي ما كانت تستحوذ على اهتمامه، باعتبار أن التحديات الداخلية «مقدور عليها». كان محمد يسارياً بمنظور قومي. بيد أنه على خلاف اليساريين القوميين، قدم من جانبه نموذجاً  لمتمرد لا يحده حد، يؤمن أنه يمكن تطويع المجتمع لتقبل مثل هذه الحالة. نجح في ذلك وبذر بذرته.المتمردون «المجانين» أمثال محمد  طمليه هم ملح الأرض.

*رئيس تحرير صحيفة "السجل"

بدلاً من الصمت

بدلاً من الصمت محمود الريماوي* الإعصار المالي الذي شهدته الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة ،لم يحظ إلا بأقل القليل من ردود الفعل العربية الرسمية ، مع أن القاصي والداني يعرف مدى ارتباط اقتصاديات عربية ،وخليجية بالذات بالسوق الأميركية، بما يتعلق بالاستثمارات أو الودائع أو امتلاك الأسهم .التهويل ليس مطلوباً ولا إشاعة التشاؤم ، لكن الحد الأدنى من الشفافية مطلوب من أجل تعزيز الثقة ، وإضاءة الطريق الى المستقبل. التعتيم من شأنه زيادة حجم الأضرار، إذا كانت هناك أضرار .الأسواق المالية العربية "تجاوبت " مع الأزمة وشهدت تراجعاً .يقال إن عطلة العيد الطويلة التي امتدت لعشرة أيام في بعض دول الخليج ،أسهمت في الحد من الخسارة وذلك مع إغلاق هذه الأسواق.مسؤولون أوروبيون بينهم فرنسيون، قالوا إن بلاهم لن تكون بمنجى من التأثر بهذا الإعصار،الذي طاول مصارف بريطانية  ولم يحدث نتيجة ذلك لا هلع ولا اضطراب في مجرى الحياة العادية . لدى غالبية الدول العربية النفطية احتياطيات مالية كبيرة ، زادت منها الطفرة النفطية الأخيرة ،بما يجعل تلك الدول قابلة لامتصاص وتعويض أية خسائر في حال حدوثها ، وبما لا يسوغ الاعتصام بالصمت حيال ما جرى وما يجري ، وكان أزمة لم تقع وصدمة لم تحدث .البادي أن سياسة التكتم انتقلت عدواها من حقل السياسة الى ميدان الاقتصاد ، والخشية أن يصبح التكتم هو القانون والقاعدة وما عداه استثناء.لقد هول البعض ما جرى، ودعا الى "مبادرة عربية لإنقاذ اقتصاد الولايات المتحدة.. " وليس لإنقاذ أو إنعاش الاقتصاد العربي .وهناك من دعا  بالمناسبة الى أن تغرق أميركا في أزمتها . مع أن ضعاف الحال مرشحون للتأثر بالأزمة أكثر من سواهم ، وبينهم ملايين الأميركيين المسلمين ومن هم أصل عربي ، فالأغنياء يعرفون سبل النجاة ،وإن تعرض هؤلاء لخسائر فسوف يبقى معظمهم في دائرة الأغنياء. علماً أن العالم بات مترابطاً ،لدرجة أن الجمهورية الاسلامية الإيرانية في غمرة الخلاف حول الملف النووي الإيراني ، تنتظر إبرام صفقة قمح أميركي معها . في نهاية الأمر فإن الأزمة تفرض تحديات ليست جديدة على صانعي القرارات العرب ، فالأزمة المالية الأميركية بدت امتداداً لأزمة سياسية عاصفة في واشنطن تتعلق بخياراتها الاستراتيجي ومجمل أداء السياسة الخارجية . وإذا كان الاميركيون والمقصود الرأي العام بات أمام  استحقاق مراجعة مسيرة الثماني سنوات العجفاء ، فم المنطقي والواجب في غمرة ذلك وضع سياسات تقوم على الأقل على وضع مسافة مع واشنطن  وفك عرى "الاتحاد" معها! ودونما حاجة لاتخاذ قرارات رادايكالية  بل تحقيق توازن اكبر في العلاقات وتنويعا في الاستثمار والتسلح .فالعالم أكبر من أميركا الكبيرة .. علماً بأن العالم العربي فسيح مترامي الأطراف وأكبر من دول أخرى تتخذ سياسات دولية تتمتع بالاستقلالية والتوازن وتنتزع الاحترام .* رئيس تحرير صحيفة "السجل" 

فرصة للتفكر في الخيارات

 فرصة للتفكر في الخياراتمحمود الريماوي*             التراجع المطرد في مكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية ، يفتح أبواباً للتفكر في الخيارات العربية امام هذه التحولات البادية. ومن المنطقي ابتداء عدم المبالغة في مدى ووجهة هذه التحولات،التي قد يصح وصفها بأنها تنم عن حالة سيولة أو بداية تفكك طويل الأمد ، أكثر مما تعكس تغيرات متبلورة .في ضوء الحديث عن أزمة مالية بنيوية لا سابق لها منذ قرن مضى، فقد بدا واضحاً أن الشأن الداخلي ،أخذ يفرض سطوته على صانعي القرارات في واشنطن . لا يشكل ذلك بحد ذاته انكفاء لكن الإدارة وجدت" نفسها" تشاطر الجمهور في تغليب أولوية الوضع الداخلي على ما عداه . ذلك يعني حُكماً ان السياسة الخارجية سوف تتأثر بهذا التغير في سلم الأولويات .تماما كما أن مفاعيل الأزمة المالية ذات امتدادات خارجية : على الأسواق المالية ووالدول ذات الارتباط بالدولار الأميركي.لقد تم الاستئناس برأي الحزب الديمقراطي "المعارض" لمواجهة الأزمة الناشبة ،وذلك طبيعي في ظروف الأزمات الكبيرة والحاجة لاتخاذ قرارات وطنية.غير أن هذه المشاركة سوف يكون لها آثارها على قرارات السياسة الخارجية، خاصة في ظل احتدام الحملة الانتخابية الرئاسية . حقاً لم يبق هناك وقت طويل أمام الإدارة الجمهورية الحالية لبناء سياسة وطنية تقوم على تفاهم الحزبين الكبيرين ، غير أن هذه الوقت المتبقي سوف يعزز الانطباع، بأن السياسة المتبعة فئوية تعكس خيارات مجموعة واحدة، رغم التوازنات في الكونغرس وبالنظر لصلاحيات البيت الأبيض.التحولات الأولى يفترض أن تمنح صانعي القرارات العربية هامشاً أكبر من الحركة ،لا أن تثير التطير. لقد أساءت السياسة الخارجية الأميركية الى المعتدلين العرب في السنوات الثمانية الاخيرة ،كما الى مجموع العرب في الوعود السلمية الجوفاء ،وفي المضي قدما بالخيارات الحربية في العراق ولبنان .ليس المجال مجال ثأر من الدولة العظمى ، لكنه يمثل فرصة للتأمل في كون السياسة الأميركية كانت فاشلة حتى على المستوى الداخلي ،وارتدت بالخسران على الأميركيين كما على شعوب أخرى في العالم ، مع الأخذ في الاعتبار خصوصية النظام الأميركي واقتصاده الحر، غير أن التشريعات والقرارات الاستراتيجية هي بيد البيت الأبيض كما هي بيد الكونغرس.خلال اأكثر من عقد عمدت غالبية الدول العربية الى تنويع مصادر تسلحها ، وأقامت علاقات اقتصادية واسعة مع الصين وروسيا إضافة الى الاتحاد الأوروبي ودول آسيوية .وكانت الدول العربية  خسرت كما بقية دول الجنوب ـالعالم الثالث ، من عدم تبلور تعددية قطبية في ظل إعادة البناء الروسية وانكفاء الصين ، والتفاهم الانجلو ساكسوني ( الاوروبي الأميركي ) الذي ظل صامداً ، وأفسح في المجال أمام التسيد الأميركي .غير أن التحدي الماثل الآن، يكمن في مدى قدرة واستعداد الكتلة العربية ، للإسهام في بلورة تعددية قطبية ، لا الاعتصام بمراقبة ما يجري عن بعد ،ودون  أن يبلغ الأمر درجة الاستهانة بالدولة العظمى وأهمية العلاقات معها. والأصل ومن أجل تمهيد الطريق لمثل هذه الخيارات الكبرى ، أن تنشأ علاقات استراتيجية مع المراكز الدولية توازي وتضاهي العلاقات مع واشنطن .ولا شك أن قرارات كهذه لا تتخذ بجرة قلم ، علماً بأن المقصود هو الدعوة الى توسيع الأفق الاستراتيجي وإشاعة القناعة بهذا الخيار .لقد خسر العرب في مرحلة الحرب الباردة بين القطبين ، لكن واقع الحال ينبىء أنهم لم يربحوا في ظل القطبية الواحدة ،التي تزامنت مع تعميم أجندة مكافحة الإرهاب كبند أول للسياسات الإقليمية والدولية .وبما أن هذه المهمة باتت مهمة داخلية وذات أولوية ذاتية بالفعل ، فإنه يجدر عدم وضعها في سياق التفاهم مع واشنطن ، بل النظر اليها في إطار أولوية داخلية ،مع لذلك من تداعيات تتعلق بتعزيز استقلالية القرارات الوطنية على غير صعيد .يتحدث المرء عن كتلة عربية وعن رؤى جماعية ، مع الإدراك بأن ذلك يقع في باب الافتراض ورسم ما هو مأمول .فمن منطق الأمور أن يتعذر رؤية تأثير عربي خارج العالم العربي ، ما دام العرب لا يمسكون بفرص تقرير مصيرهم وتعظيم إمكاناتهم الذاتية والجماعية داخل "الإقليم العربي" . وهو ما يترتب عليه الإدراك أن فرص العرب سوف تكون محدودة ، في شق الطريق نحو تعددية قطبية وعالم أكثر توازناً وأقل في اختلالاته ، إذا لم ينهضوا بوظائفهم الأولى في بعث كتلة قومية إقليمية ذات شأن ووزن، والحؤول دون ظهور كتل متقابلة ومتنافسة تستنزف الطاقات وتعبث بالأولويات والمحددات، التي أقرتها القمم العربية المتعاقبة . لقد أدى القصورالذاتي، الى استثمار عربي محدود للمعادلات والتوازنات الدولية في عالمنا .والتحولات الأولية الجارية تشكل فرصة لمراجعة تجربة التعامل مع الوضع الدولي التي امتدت لأكثر من نصف قرن ، باتجاه بناء علاقات تعاون استراتيجي مع أكثر من طرف وقد تبين أن واشنطن طيلة تلك الحقبة ،وضعت الدولة العبرية أولاً ثم الحلفاء الأوربيين كحلفاء وشركاء لها ، وهو ما أدى لما نشهده من تحديات جسيمة.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"   

إعرف تفسك لا عدوك فقط..

إعرف نفسك لا عدوك فقط!محمود الريماويبتنا في العالم العربي نتابع  أولاً بأول ، حتى الانتخابات داخل الأحزاب الصهيونية،  كما جرى مؤخرا في المنافسة بين شاؤول نوفاز وزير الدفاع السابق وبين  تسيبي ليفني وزيرة الخارجية التي أمضت فترة هامة من حياتها المهنية في صفوف الموساد ( المخابرات الخارجية ، مقابل الشاباك الذي يُعنى بالعمل في الداخل) ."إعرف عدوك" تظل قاعدة ذهبية في إدارة وتوجيه الصراعات .وقد ثبت في كارثة حزيران قبل 41 وأربعين عاماً، أننا كنا نجهل العدو وننام على حرير الزهو بالذات .ما زالت الأجيال العربية تعاني من تداعيات تلك الكارثة .على أن معرفة العدو عندنا ،باتت ضرباً من التعويض عن إضعافنا ثم تعطيلنا لقدراتنا الذاتية.وذلك بمحاولة تلمس أعطاب لدى الطرف الآخر ، قد تؤدي لانهيار صفوفه ، أو الاضطرار لتسليمه بالحقوق المسلوبة وإعادتها لإصحابها .وذلك لا يحدث ولن يحدث بغير الاستمرار في خوض الصراع .لقد جرت مناسبات سابقة بدا الطرف الآخر فيها ينوء بمآزق، مثل الاتهامات بالفساد التي طاولت مسؤولين آخرهم أولمرت ،وكانت تلك المناسبات أدعى لتوهم نتائج دراماتيكية تترتب عليها . مؤخراً بدأ الوعي العربي العام يدرك أن تطورات مثل هذه ، تقوي شوكة الطرف الآخر وتحمله على المزيد من التماسك ، ما دام أن وقائع الفساد لا تمر بل تتم مكافحتها.في القناعة أن متابعة المناسبات الانتخابية عندهم ، باتت تعكس لدى الجمهور العربي تعطشاً للديمقراطية الغائبة عن ديارنا.علاوة على توقع نتائج قد تكون مفيدة ، رغم أنها توقعات وهمية. وهو ما يفسر أن الجمهور العربي أخذ يتابع الأحداث الانتخابية  بقدر من الشغف حسب أهمية كل حالة ، كلما جرت في بلد  قريب أو بعيد من بلدان العالم سواء كان ذا تماس بنا وبقضايانا أم لا . وهي فرصة وفرتها الفضائيات العربية أكثر من سواها لعموم الجمهور.في نموذج الانتخبات الأخيرة فقد جرى التنافس على زعامة  حزب واحد هو حزب كديما (قُدُماً) وهو الذي نشأ على يد شارون  قبل أربع سنوات فقط ،كانشقاق في الأساس عن حزب الليكود ، وإن جذب اليه قيادات من حزب العمل منها شيمون بيريز .وقد شارك في تلك الانتخابات 74 ألف عضو.ولنا أن نقارن ذلك بعدد المنضوين في الأحزاب، في الدول العربية التي تشرع وتقيد معاً الحياة الحزبية ، وذلك باستثناء عضوية الأحزاب الحاكمة .لا تتميز الدولة الصهيونية بالديمقراطية الخاصة بها ، فهي تتسم الى ذلك بعنصريتها ، وبنموذجها الاسبارطي العسكري التوسعي.وهي ديمقراطية تخدم في النهاية الأهداف الخاصة لهم .غير أنهم حققوا بذلك تماسكاً داخلياً حال دون وقوع اضطرابات كالانقلابات، ونالوا سمعة خارجية  باعتبار كيانهم جزء من منظومة الديمقراطيات الغربية ، ما ساعد في تضليل الرأي العام الغربي حول وظيفة تلك الدولة ناهيك عن نشأتها .انتخابات كاديما وما حظيت به من تغطية على مستوى العالم شاهد على ما تقدم .والآن فقد اجتهد محللون عرب كثر، على مدى الأيام القليلة الماضية، في البحث عن نقاط اختلاف وتمايز حتى لو كانت تفصيلية ، بين وزير الدفاع السابق وربيبة الموساد .ذلك كله مفيد لمعرفة العدو.غير أن الاستغراق في هذا الأمر ،كاد يشيع الانطباع بأن المسألة "داخلية" وأنه لا ينقص بعض المحللين ،سوى التصويت لهذا المرشح أو تلك المرشحة .فيما البوصلة الصحيحة تقود الى أن التنافس يتم حول إنجاز تسوية أقرب ما تكون الى الأطماع التوسعية ، أو ترك أمرالتسوية جانباً دون التوقف عن اللغو حولها ، وشراء المزيد من الوقت بفرض وقائع على الأرض(المحتلة) .هذا الاستخلاص الأهم ، المتعلق بمسار الصراع والتسوية ، لا يحجب النظرعن بقية الدروس الصائبة ، حتى لو تكررالحديث عن بعضها ،وأهم تلك الدروس هو الجمع بين التماسك الداخلي القائم على المشاركة السياسية وبناء دولة القانون والمؤسسات ، وبين التمسك بإرادة الصراع التي لا تتعاكس مع التطلع للسلام ، بل تضفي على هذا التطلع معنى وقيمة .ترى اية انتخابات عربية تشغل الرأي العام العربي وتدفعه للمتابعة ويرى فيها مصدراً يستحق استلهامه وتعميمه ؟ . هناك حالات قليلة ومتباعدة  في المشرق والمغرب ،تطمسها حالات أخرى تغلب عليها الشكلية ومعرفة النتائج مسبقاً ، ويتم فيها استبعاد قوى وتيارات  اجتماعية عدة  ولا تنتهي بتداول فعلي للسلطة .فلو كانت هناك إرادة نحو إرساء حياة سياسية عصرية كما في بعض الدولالآسيوية ( تركيا مثلا) لما وقع الجمهورالعربي ضحية الانشغال بمتابعة آليات انتخابية متقدمة لدى الطرف الصهيوني، ولكان انهمك ببساطة في المشاركة السياسية الداخلية، وفي الإسهام بابداع تجربته الخاصة المتسقة مع المعايير الدولية المعتد بها .ولكنا خضنا جانبا حضارياً في الصراع مع الجوانب الأخرى المتعلقة بالبناء الذاتي وتعظيم القدرات الدفاعية .وها هو الأمرينتهي بنا بدلاً من ذلك،  لتفحص ما إذا كانت تسيبي ليفني رئيسة حكومتهم المقبلة، بمثابة غولدا مائير أخرى أم لا .بذلك يتم تثبيت صورة رموزهم ،ومتوالية تعزيزالجمع والمواءمة بين نجاعة المؤسسة والكفاءة الخاصة بالزعيم السياسي، وهو ما يثير شجوناً عربية ،يفيض تبيانها عن حدود هذا التعليق .   
 
A service provided by Al Bawaba