27 ايلول, 2008
العدو امرأة
العدو امرأةمحمود الريماوي*بصعود تسيبي ليفني الى سدة الحكم في تل ابيب فإن تغيراً سيكولوجيا هاماً ، يكون قد طرأعلى المشهد السياسي. الدولة القوية القائمة بالاحتلال ،تحكمها امرأة للمرة الثانية بعد غولدا مائير .سوف يدهش العرب لأن وصول امرأة اسرائيلية للحكم لا يثير حفيظة واسعة هناك، سوى ربما عند بعض المتزمتين المتدينين ،ودون ان يعرقل أي تحفظ مجرى العملية السياسية . كونها اشكنازية من أصل بولندي ،يساعد في تقبلها أكثر مما لو كانت شرقية الأصول .ليفني( 50 عاماً )،التي لا أخبار عن كونها متزوجة أو تزوجت من قبل ، لا تخلو من مزايا رجالية : فقد عملت في عمليات خارجية للموساد ، وفي الجيش الاسرائيلي ووالداها كانا عضوين في عصابات صهيونية في الاربعينات ، وهي فوق ذلك محامية تدافع عن رجال متهمين . هذا ما قد يسهل التعامل العربي معها باعتبارها ليست مجرد امرأة ، فقد خاضت في حياتها بما يخوض به الرجال .مع ذلك فليس يسيراً على نفوس الرجال ،أن يتمثل العدو أو الخصم في امرأة . ذلك يكاد يورث شعوراً بهزيمة مسبقة في صفوف الرجال ، فالمرء يُعرف بأعدائه لا بأقرانه فقط .وبما أن ليفني هي الثانية بعد مائير ، فسوف يكون مقدرا أن تسعى الثانية لمنافسة صورةالأولى . كانت مائير متشددة في منتصف الخمسينات ووصفت بأنها الرجل الوحيد في الحكومة الاسرائيلية عشية حرب 1967 .الآن فإن ليفني لن تكون أقل تشدداً فهي تنتمي للمعسكر اليميني أساساً ، وليس في نشأتها أو سجلها ،ما يُنبىء عن نزعات إنسانية أو أخلاقية بمساواة اليهود مع غير اليهود . مع تشددها فإنها لا تتحدث بنبرة خشنة، كما كانت تفعل مائير التي تساءلت مرة :أين شعب فلسطين الذي يتحدثون عنه ؟. لم يكن فن العلاقات السياسية العامة صاعداً ، قبل أربعين عاماً ولا كان للميديا سطوتها . وهو ما تدركه النجمة السياسية الجديدة فتحرص على نبرة هادئة وحتى على مظهر أنثوي .في رأي البعض ،أن صعودها سوف يكبح التراخي في صفوف العرب والفلسطينيين .فليس هيناً تقديم تنازلات " علنية" لامرأة ولو كانت رئيسة وزراء. وقد يساعد وصولها على تحقيق قدر من تدارك الحال ،واستعادة حد أدنى من التماسك .وهناك من لا يجد سببا لتفاؤل ،أو للحد من التشاؤم . فلن يقع تغير كبير ، فالمؤسسة الاسرائيلية لا تتأثر بجنس من يقودها .والعرب الصامدون في الهزيمة ( على ما كتب يوماً محمود درويش ) لن يعيقهم وصول امرأة الى الحكم ،عن التشبث في ما هم فيه . فخيارهم طرح المواجهة جانباً بكل أشكالها ومعانيها ،لا العسكرية فقط . المشهد ما زال في بدايته ، ويثير الفضول لمتابعته .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
21 ايلول, 2008
ريح الشمال
ريح الشمالمحمود الريماويكان زميل قد أحاط قبل أسابيع كاتب هذه السطور بأن أفواجاً من الناس بلا حصر، يندفعون لتوظيف مدخراتهم ومتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة ، في بورصات أجنبية عببر الانترنت وبوساطة شركات محلية .قال الصديق يومها إن ريفيين من أبناء قريته في الشمال يبيعون أراضيهم وما تملكه النساء من مصاغ ذهبي ،وما يملكه الرجال من قلابات وتراكتورات للالتحاق ببورصات عالمية..صحافتنا بما فيها "السجل" لم تضع هذه الظاهرة قبل انفجارها موضع التأمل . فكيف تأتى لريفيين وغير ريفيين، أن يندفعوا جماعات وفرادى الى هذا الضرب من التسابق على الثراء السريع ، وطرحوا عنهم كل خبراتهم المتوارثة والمستجدة، في العمل والجد وأساليب تحسين الأحوال ، ولجأوا بدلاً من ذلك الى ما يشبه المقامرة ، وانجرفوا الى ما لا يخبرونه وما يجهولونه من أساليب المضاربة ؟.كان الأمر سيصبح أقرب الى المنطق، لو أن آلاف المساهمين، يمموا وجوههم شطر سوق عمان المالي مثلاً، فهم في هذه الحالة بوسعهم السؤال عن الشركات الكبيرة و"القوية"، أو تلك الواعدة ويتخيرون من بينها أهدافاً لاستثماراتهم ،فيقتنون أسهماً فيها بأقل قدر من المجازفة ، بدل الذهاب الى المجهول ، هذا إذا كان لا بد من بيع أرض موروثة عن الأجداد لتحقيق هذه الغاية. ( بورصة عمان لا فرع لها في عاصمة الشمال إربد، فاضطر الطامحون للجوء الى بورصات وراء البحار.. ) .التحولات في المجتمع بلغت هذا المدى ، دون علم واهتمام أحد من الدارسين وأهل الاختصاص ومراكز البحث ومنابر الرأي العام ، وكذلك النواب حيث ترددت أنباء عن تذمر الأهالي في الشمال من غياب ممثليهم عن هذه القضية ..علماً بأن الناس الراشدين ليسوا بحاجة الى مرجعية نيابية لتدبير أمور حياتهم وشؤونهم الخاصة ، والتمييز بين ما هو منطقي وخرافي.قبل عقدين من الزمن وقعت واقعة مشابهة في الكويت سميت بسوق المناخ ،تعلقت بسوق الكويت المالي لا ببورصات أجنبية ، وتفجرت في مصر بعد ذلك فضيحة الريان وتتعلق بشركة توظيف أموال "حسب الشريعة" وأكل أصحابها مدخرات الغلابى . غير أن الناس عندنا لديهم من الاعتداد والثقة بالنفس ، ورفض التعلم من تجارب الآخرين وحتى الفضول للاطلاع عليها ،ما يجعلهم يندفعون للتعلم "من كيسهم" وكما يحدث مع الفتيان حديثي العهد بتجارب الحياة. لنا أن نتخيل مستقبلاً أي مستقبل للبلاد والأجيال الجديدة ، مع استشراء قيم اللهاث وراء الثراء السريع ، وازدراء العمل والمثابرة ، وتمادي الاستخفاف بالإنتاج، وهجرة الزراعة والأرض ،والنزوح من الريف ، والتقلب الفجائي من الاكتفاء إلى الفقر ،ومن العوز الى الثراء ..وأية خلخلة اجتماعية وفردية يمكن أن تحدث ، ومن هي القوى التي يسعها المسارعة لملء الفجوات الناشئة وعلى طريقتها. خاصة أن مناطق الريف باتت مسرحاً لهذه التحولات الدراماتيكية، ولم يعد الأمر يقتصرعلى المدن فقط . مع ذلك هناك من يستخف بهذه التحولات ويقفز عنها ، باسم الخوض في القضايا "الكبيرة والوطنية" ، وكأن الأوطان يمكن أن تزدهر والأهداف الوطنية يمكن أن تتحقق ، فيما الأزمات "البنيوية" تعصف بسلوك وقيم الأفراد وبنسيج الجماعات .
14 ايلول, 2008
إيران صداقة وخصام
إيران:صداقة وخصاممحمود الريماوي*تقوم ادولة قطر بتحرك نشط تجاه طهران لترتيب لقاء خليجي ايراني على مستوى رفيع ، وكما تدل على ذلك الانباء التي رشحت عن الزيارة القصيرة التي أداها امير دولة قطر لطهران 12 آب االماضي.سبق للدوحة أن قدمت لفتة نحو الجمهورية الاسلامية الإيرانية، باستضافة الرئيس أنجاد الى قمة خليجية عقدت في العاصمة القطرية في وقت سابق من هذا العام .في واقع الأمر أن سائر مسؤولي دول الخليج العربي دأبوا على ارسال إشارات إيجابية نحو الجارة إيران ، والتبادل الاقتصادي والتجاري يتم على نطاق واسع ، وتتمتع العمالة الإيرانية بفرص كبيرة ومميزة في دول المنطقة.من اللافت ان الأنباء عن التوجه لترتيب لقاء خليجي ايراني تزامنت مع أنباء أخرى تحدثت عن قيام السلطات الإيرانية بفتح مكاتب حكومية في الجزر الثلاث التي استولت عليها ايران الشاهنشاهية عشية استقلال دولة الإمارات , الخطوة الإيرانية قوبلت بالنقد من طرف دولة الإمارات ومجلس التعاون الخليجي.طهران لم ترد على الانتقادات ، انطلاقا من سياسة دأبت عليها مفادها أن " قوة الأمر الواقع أقوى من أية احتجاجات" . وهي سياسة لا علاقة لها بمبادىء التعاون وحسن الجوار، وحل المشكلات بالحوار والتفاوض والوسائل السلمية عموماً . ولعل هذا التطور كان في خلفية التحرك القطري وإن كانت الانباء تحدثت عن أن الملف النووي الإيراني هو القضية التي تستأثر بالاهتمام.من المفيد بل من الاهمية بمكان عقد لقاءات خليجية ايرانية رفيعة المستوى ، والأفضل ان يتم ذلك بصورة دورية وفي إطار جماعي : إطار مجلس التعاون، تمهيدا لللانتقال الى مستوى عربي أعم . واقع الحال أن طهران معنية كما هو باد بعلاقتها مع العراق وسوريا ولبنان وحركتي الجهاد الاسلامي وحماس ، بأكثر من علاقتها مع جاراتها دول الخليج وبقية الدول العربية . وهناك شؤون شتى بحاجة للتداول الدائم بشانها ، وثمة حاجة أكبر لتفاهمات سياسية لتجنيب المنطقة المخاطر،وإرساء علاقات تعاون قائمة على الاحترام المتبادل والتكافؤ ، مع حق كل طرف بالتمسك بأيديولوجيته ( والمقصود هنا الجمهورية الإسلامية ! )وأية مطامح أخرى مشروعة .لطهران رؤاها الخاصة التي تصل أحيانا الى بناء خليج اسلامي موحد .علما بأن إرساء أسس ومبادى للتعاون الدائم هو المدخل لأية صيغ طموحة أخرى .وطهران لا تروقها اتفاقيات دفاعية أبرمتها دول خليجية مع أطراف غربية .علماً أن طهران لم تبد احتجاجا على وجود أميركي في أفغانستان والعراق ، بل أبعد من ذلك اعتبرت الاجتياح العسكري الأميركي لهذين البلدين في حينه ،تطوراً هاماً مُرحباً به ويخدم المصالح الإيرانية .الملف النووي حكاية أخرى . فالجوار الجغرافي والمخاطر البيئية وغير البيئية على دول المنطقة المتاخمة تقريباً لمناطق ايرانية لم تحمل الجار الاسلامي على وضع دول المنطقة في صورة ما يحدث ، وقد رفضت طهران حتى قيام أطراف خايجية بالتقريب بين العاصمة الإيرانية ودول غربية ، للحد من مخاطر التحديات المتبادلة .علما ان دول الخليج رفضت على الدوام الخيار العسكري ضد إيران وأي تصعيد ضدها ، كما رفضت مبدأ استخدام أراضيها كمنطلق لأي حملة عسكرية مفترضة ضد جرتها المسلمة . بهذا تم إقصاء دول الخليج وهي الأكثر تماساً مع تداعيات هذا الملف عنه، وحيل بينها وبين دور الوساطة والتقريب.فيما تعمد طهران الى جعل ملف الجزر الثلاث ،خارج أجندة العلاقات مع دول المنطقة وبعيداً عن التداول السياسي ، وتتخذ من الإجراءات المجحفة في هذه الجزر ،ما يتناسب مع خطاب إعلامي بالغ السلبية حول هذه القضية التي تجمع سائر دول العالم لا العربية والاسلامية فحسب على ضرورة حله بالتفاوض والتحكيم الدولي، وهو الموقف الذي تعتمده دولة الإمارات . يورد المرء ذلك دون تجاهل النزعة الاميركية العدوانية ،ومحاباتها الهستيرية لتل أبيب والاحتلال " الاسرائيلي" ، ومحاولتها إضعاف إيران وكل دولة أخرى في المنطقة ، ومن الواجب الوقوف والتجند ضد هذه السياسة الحمقاء، لكن من واجب الجمهورية الاسلامية أن لا تستعرض قوتها ضد جيرانها، وأن لا تعادي من هم في موقع الصداقة معها ، وأن لا تعمد الى لعب دور "شرطي ثوري" مقابل دور الشرطي الامبريالي ، فالأساس بناء علاقات صداقة وتعاون وعدم التدخل في شؤون الغير ، والتفاهم خول القضايا والشؤون ذات المساس بالآخرين، وعدم الركون الى منظور يميز بين دول" كبيرة" وأخرى "صغيرة" ، فهذا المنطق في أساسه توسعي ،ولا يحترم في جوهره سيادة واستقلال الدول وخيارات شعوبها . تبدي طهران استعدادها للتفاوض وقد فعلت مع واشنطن ومع دول عربية عديدة . الأولى التفاوض مع الجيران والشركاء، وإبداء ما يلزم من احترام إزاءهم . الاختلاف السياسي لا يسوغ التباعد بل على العكس يملي التقارب والتقريب ، كي لا يرتدي أبعاداً سلبية ويمس مصالخ الغير، ويخرج عن كونه خيارات ذاتية لهذا الفريق أو ذاك .*رئيس تحرير صحيفة "السجل " الأردنية .
07 ايلول, 2008
تبديد الكنز
تبديد الكنز
محمود الريماوي* ينسب للمبدعين على الدوام انهم أنجزوا القليل مما يتوقون لإنجازه .هناك عبارة شهيرة لناظم حكمت الشاعر التركي يقول فيها "إن أجمل الكلمات هي التي لم تكتب بعد" . والعبارة غنية عن الشرح .كان كاتب هذه السطور قد سمع غير مرة من الشاعر محمود درويش تطلعه لكتابة لا المزيد من الشعر فقط بل من النثر ايضا ، وأنه كان ينشد كتابة رواية ذات يوم . لكن الموت القاتل عاجله .قياسا على المبدعين ، فإن حياة البشر هي أقل وأضيق مما يرومون إنجازه .مع ذلك يتفنن كثير منهم في تبديد الوقت والجهد ،في نشاطات محمومة أو في مشاحنات مجانية ومسمومة مع الآخرين .والنتيجة أنهم في انغماسهم هذا يغتربون عن أنفسهم : عن ينابيع ذواتهم ، وعما يتطلعون لتحقيقه ،كي يكون لحياة كل منهم معنى في نهاية المطاف، وكي يتركوا في من حولهم أثراً باقياً.في كتابات عديدة للإيطالي باولو أوكيلو صاحب "الكيميائي" ، وبعض هذه الحكايات صيغ على شكل حكايات .. دعوات دائمة للقراء كي يكتشف كل منهم الكنز المخبوء في دخيلته . واقع الأمر انه تتم التضحية بمثل هذا الكنز من أجل "أمجاد" عرضية حتى وصاحبها يعلم علم اليقين أنها مكاسب آنية زائلة .لا يود المرء أن يتخذ سمت الداعية او المبشر والطوباوي ، غير أن الحياة لا تستقيم حين يعتصم الكاتب بالصمت والسلبية ، وهو يرى من حوله التدافع الغريزي والسيولة العمياء لحراك البشر، وتربصهم ببعضهم بعضاً واتخاذهم من بعضهم بعضا مشاريع خصوم دونما سبب فعلي ، وحتى دون فائدة ترتجى لصاحبها المقدام. يسوق المرء هذه الانطباعات بين يدي شهر الصيام ، الذي يشهد في أيامه الثلاثين ما يشهده من تزاحم وتدافع، ومن يقظة الشهوات بما فيها شهوة الأنانية والإيذاء، ومن ارتفاع وتيرة الغرائز الأولى ، بدل أن يبرهن الراشدون والراشدات في هذه المناسبة على الأقل على التهذيب الذاتي، احتراماً لأنفسهم وسواهم ولمعاني الشهر النبيلة . أنظر كيف يقود السائقون سياراتهم وجلهم صائمون في أيام رمضان، وكيف يضيق الواحد منهم بكل سائق آخر في شوارع عمان ، في ظاهرة سلوكية لا مثيل لها في دول قريبة أو بعيدة . لينظر بالمناسبة كل منا الى ذات نفسه ويتفحص سلوكه بأمانة وإنصاف.نعيش ونعمل في مدن ، بأقل قدر من التمدن ، ورائدنا مثل سائر من نوع "إذا لم تك ذئباً أكلتك الذئاب". مثل يتعلق بغابة لا بمجتمع بشري، مع ذلك نعتنقه في المدن ونرى فيه برهاناً على الحنكة ،وتسويغاً لإطلاق ذئبية مكتومة . لا نستقي عبرة ممن عاشوا سواد حياتهم بأنانية مطلقة واستعداد لدائم للإيذاء.. كذئاب ،وكيف انتهوا الى التوحد: يهذرون مع أنفسهم .يعرف المرء أن لا فائدة من الوعظ ، وأن تغيير أنظمة وقوانين الحياة السارية هي المدخل للتمدن، مع ذلك لا يملك الكاتب أن يكتم ما يجيش في ضميره، انتظاراً لتغير قد يكون بعيد المنال .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"