26 تموز, 2008
تل أبيب وطهران
تل أبيب وطهرانمحمود الريماوي* يثير إعلان كوريا الشمالية البدء بتفكيك برنامجها النووي مشاعر شتى ومتباينة. فهذا القرار قابل للتفسير على التو بأنها انتصار للتوجه الغربي الأميركي خصوصا، بمنع هذا البلد من بناء أسلحة دمار شامل ، وهو ما حعله يصنف كأحد محاور " الشر " .يثر القرار أيضا تساؤلات قد تكون مصحوبة بالشعور بالصدمة لأن كوريا الشمالية تخلت عن موقف الممانعة ، وعن تعهدات قاطعة سبق ان أطلقتها بتنمية قدراتها العسكرية ، والتعامل مع الغرب من موقع الندية ( سبق أن أسقطت بيونغ يانغ طائرة أميركية أعادتها كقطع خردة مجمعة في حاويات الى بلد المنشأ ..) .غير أن هذه الانطباعات ليست دقيقة تماما. فواقع الأمر أن حلفاء "طبيعيين" لبيونغ يانغ مثل بكين وموسكو ، شاطرت دول أخرى في العالم ضرورة تخلي هذه الدولة عن أسلحتها الفتاكة وهو ما يفسر انضمام الدولتين الكبيرتين إلى اللجنة السداسية التي فاوضت على مدى الأعوام الماضية كوريا الشمالية ، إلى جانب اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية( الشمالية نفسها عضو في اللجنة) .التخلي عن السلاح النووي لا يعني بالضرورة إضعافا للقدرات العسكرية ، فإيران كانت قوية قبل أن تنخرط في برنامج يعلم الله مداه ، وكذلك تركيا غير النووية ودول أخرى في عالمنا .أميركا حاضرة في العراق كدولة محتلة بأسلحتها التقليدية المتطورة لا بأسلحة نووية . وعليه فإن التخلي عن هذا البرنامج لا يشكل بالضرورة انحدارا لقدرات هذه الدولة . وإذا كان صراعها قائما بالدرجة الأولى مع الجار الجنوبي التوأم ، فإن هذه الدولة ليست نووية ، ومن المشكوك فيه إلى درجة بعيدة أن تكون القوات الأميركية المرابطة على أراضي كوريا الجنوبية ذات قدرات نووية .هناك تراجع معنوي وربما اعتبره البعض هزيمة معنوية مؤكدة، للطموحات الكورية الشمالية المعلنة . غير أن المرء يشك أن تكون تلك هي مشاعر ملايين الكوريين بالضبط .فمنذ عقد من الزمن على الأقل يعاني الكوريون الشماليون من أوضاع غذائية صعبة ، اضطرت هذا البلد لقبول مساعدات غذائية من الغرب . والأولى أن تتحرك مشاعر الكرامة القومية في مثل هذا الظرف ، ولا ريب أن منح أولوية لبرامج أسلحة الدمار الشامل قد تم على حساب تأمين برامج تنموية وتلبية حاجات حيوية للمواطنين .فضلا عن العزلة عن العالم فلا يمكن للكوريين السفر الى الخارج حتى إذ سمح لهم بذلك ، مع افتقادهم لوسائل الاتصال الحديثة بقرار من السلطات ثم لضعف قدراتهم الشرائية .لن يشكل التراجع عن الملف النووي خطرا استراتيجيا على بيونغ يانغ ، مع تمتعها بعلاقات وثيقة مع بكين وموسكو ،وهي علاقات قابلة للتطوير بما في لك في مجال التعاون العسكري في حقبة خلو البلاد من أسلحة الدمار الشامل .بل إن هذا التخلي هو ما يسمح للدولتين بتنمية العلاقات في مختلف المجالات مع هذه الدولة . وكانت بينونغ يانغ سلمت الصين حليفتها الرئيسية وثيقة خطها النووية ، بما يعنيه ذلك من أن الدولة الكبرى تشكل الضامنة لسلامة وسيادة كوريا الشمالية .معلوم الآن أن هذا التخلي مرتبط بتقديم سلسلة من المعونات الاقتصادية والتقنية ، يسبقها رفض العقوبات عن هذا البلد .وربما يشكل ذلك مكسباً لكوريا الشمالية من بناء منشآتها النووية ، ثم التخلي عنها بعد مناورات طويلة ، وكان يفترض الإقدام على الخطوة الأخيرة مع نهاية العام الماضي 2007 ! .وكان رئيس وكالة الطاقة الذرية محمد البرادعي أعلن في ختام العام الماضي أن بيونغ يانغ أغلقت مفاعلها النووي .تمثل هذه الخطوة التي توجت بهدم برج كبير للتبريد أمام ممثلي وسائل الإعلام ، سابقة تضاف إلى سابقة تخلي طرابلس عن خطوات أولية لبناء قدرات نووية .وبوسع من شاء الاستخلاص ان طهران مدعوة للمضي على هذا الطريق .غير أن المرء يشك بصحة هذا الاستخلاص .فإيران ليست دولة فقيرة ككوريا الشمالية .ولا تعاني من عزلة إقليمية كتلك عانتها كوريا الشيوعية .الاستخلاص الصائب هو المضي على طريق نزع أسلحة الدمار الشامل أينما وجدت .إيران من هذه الدول ، والدولة العبرية منها ، كما هو حال الهند وباكستان . إيران من جهتها لا ترفع هذا المطلب الصحيح : إخلاء دول آسيا من هذه الأسلحة ، غير أن تل أبيب تفعل الأمر ذاته وأسوأ منه، إذ تعتبر نفسها عضوا في النادي الدولي الذي يضم الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن . أما الهند وباكستان فلا تملكان الممانعة أمام المجتمع الدولي لو ترسخ التوجه نحو جعل المنطقة خالية من الأسلحة الفتاكة . وبهذا فإن طهران وتل أبيب تستثمران كل منهما رفض الطرف الآخر للتخلي عن أسلحته ومنشآته ، من أجل المضي على هذا الطريق .وهناك من يعتبر أن بناء قدرات نووية إيرانية هو السبيل الوحيد لإجبار تل أبيب للانصياع إلى رغبة الأسرة البشرية . هذا الرأي لا يجانبه الصواب تماما.فتوازن الردع والرعب هو ما يسمح في النهاية بالاحتكام إلى العقل واحترام عقول الآخرين .وإذ يجد العرب أنفسهم محشورين بين دولتين نوويتين مستقبلا ، مع ما لذلك من مخاطر ظاهرة ومؤكدة ، فعليهم لوم أنفسهم أولاً، لتبديد أوراق القوة لديهم .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
20 تموز, 2008
القاعدة الاجتماعية أوسع بكثير
القاعدة الاجتماعية أوسع بكثيرمحمود الريماوي*يتردد بين آونة وأخرى تعبير "القاعدة الاجتماعية للنظام " . الأزمات الاقتصادية والتحديات الأمنية هي من المناسبات التي يتم فيها تداول هذا التعبير ، وذلك للتدليل على أهمية حفظ القاعدة الاجتماعية والحرص على توسيعها .التعبير لا يخلو من لبس .فقد جرت العادة ان تتحدث مؤسسات حزبية وأهلية عن قواعد أي عن جمهور لها ، فيقال إن للحزب الفلاني قاعدة واسعة ، أو ان مؤسسة اقتصادية ما تحظى بقاعدة عريضة من المستهلكين .أما قاعدة الدولة او النظام فهي الشعب كله : المواطنون جميعا ، حماة وبناة الوطن معا . وفي بلدان أخرى يتم استخدام تعبير الناخبين أو دافعي الضرائب ، للتدليل على مجموع الناس الذين يشكلون القاعدة الاجتماعية والمادة البشرية للدولة وبالذات من الناشطين والمنتجين .عندنا في الأردن يتم في الغالب، استخدام التعبير للإشارة الى مجموعات بعينها و ربما مناطق بذاتها . ويتساءل المرء عن التسويغ "العلمي" لتشخيص الأمور على هذا النحو . وهناك من تأخذه الحماسة والغلو فيتحدث عن تقلص وحتى تآكل القاعدة الاجتماعية للدولة في بعض المحطات ، وذلك في محاولة للتهويل وفرض أجندة معينة .فيما يتم استبعاد مكونات المجتمع الأخرى عن الاندراج في القاعدة الاجتماعية المفترضة والمزعومة ، فلا يهم.. تقلصت تلك المكونات أم زادت .لعل منبت التعبير المستخدم يعود الى قوى اجتماعية تشكلت منها أنوية جيش الإمارة في عشرينات القرن الماضي، وقوى أخرى بايعت الأمير عبدالله المؤسس. غير أنه منذ ذلك التاريخ ، فقد ضم جيش الإمارة ( الجيش العربي ) مكونات شتى ،وبدأت تتسع باطراد القاعدة الجماهيرية للدولة وتضم سائر المواطنين بمن فيهم المعارضين السياسيين. في زماننا الراهن ، ومنذ بدء مرحلة التحول الديمقراطي فقد خلا المجتمع خلواً شبه تام من راديكايين انقلابيين ، وبات أشد المعارضين تطرفا في مراحل سابقة جزء من نسيج اجتماعي قوي يؤمن ايماناً راسخاً بشرعية الدولة والنظام ويمارس حركه تحت مظلة القانون ، وتلك من مزايا الديمقراطية التي تشيع مناخاً يذوي فيه التطرف.هذه الحالة العامة التي يرتضي فيها الجمهور بشرعية الدولة والتداول السلمي على السلطة التنفيذية ، هي التي تمثل القاعدة الاجتماعية للنظام وتضم سائر العاملين في السلك المدني والعسكري والناخبين ومؤسساتهم التمثيلية ومن منتجين، وسواهم من طلبة وعاملين في قطاعات مختلفة ومن أجيال متعاقبة.القاعدة الاجتماعية للدولة الأردنية أوسع بكثير مما تشي به بعض الكتابات ، وهي ثابتة على العموم وغير متقلبة . درجة الرضى العام عن السياسات الحكومية ، هي القابلة للتقلص أو الاتساع بين مرحلة وأخرى ، وليس من سداد الرأي الخلط بين هذه وتلك .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
12 تموز, 2008
التقاء الأصوليات
التقاء الأصولياتمحمود الريماوي*تجذب تركيا مزيداً من الاهتمام بها في العالم العربي ، ويكتشف العرب الرسميون وغير الرسميين أن تركيا بلد جار وبالغ الأهمية . بلد صناعي وعضو في حلف الاطلسي ، ويقود البلاد حزب ذو جذور إسلامية .على المستوى السياسي ، شهدت أنقرة منذ شهور مفاوضات سورية اسرائيلية غير مباشرة ، برعاية تركيا ، وهي أول مفاوضات بين الجانبين منذ نحو خمسة عشر عاماً . على صعيد آخر هناك الإقبال المتزايد من الناس في غير بلد عربي على زيارة بلد أتاتورك ، وعلى شراء سلعه المنتشرة في الاسواق ، وصولاً الى متابعة مسلسلات تركية (مدبلجة بالعربية ) ، بما يدلل على المكانة التي تحظى بها بلاد الأناضول ، رغم إرث من عدم الرضى على الحقبة العثمانية الطويلة التي امتدت لأربعة قرون .منذ اسابيع تشهد تركيا حراكا داخليا يتمحور حول الموقف من حزب التنمية والعدالة ، صاحب الأغلبية البرلمانية ، والذي يقود السلطة التنفيذية ( رجب طيب أردوغان ) ورئاسة الجمهورية ( عبدالله غل ) . ربما كان وصف الحراك تعبيراً ملطفاً ، فواقع الأمر أن المؤسسة العسكرية والسلطة القضائية تنظران في مشروعية حزب التنمية ، وهناك مخاوف جدية من قرار قضائي قد يصدر بحظر الحزب ، وذلك بعد نقض قرار سابق كان يبيح استخدام الحجاب في الجامعات .ذلك يدلل على ان قوى نافذة ترفع راية العلمانية ، لم تتكيف بعد وربما لم ترتض نتائج الانتخابات النيابية والرئاسية، التي وضعت ممثلي حزب ذي جذور اسلامية على رأس الحكم .يذكر ان هذا الحزب يقر بالدستور التركي الذي ينص على علمانية الجمهورية التركية .وقد شدد اردوغان وعبدالله غل ، غير مرة على التزامهم بالدستور .محاذير هذا الصراع تكمن في أمرين اساسيين . الأول هو الالتفاف على المقتضيات الديمقراطية ، والقيام بما يشبه انقلاب بعد أن ولى زمن الانقلابات العسكرية . بما يشكل خطوة كبيرة الى الوراء ، ويبث رسالة سلبية الى الخارج مفادها ان الديمقراطية قابلة للتراجع عنها والانقلاب عليها .المحذور الثاني يتمثل في التعامل الخاطىء وغير الدستوري مع حزب اسلامي النزعة ،هو حزب التنمية الذي يتمتع في الوقت نفسه بطابع عصري وإصلاحي وليس أدل على ذلك من تمسك قادته بانضمام البلاد الى الاتحاد الاوروبي ، فيما يرفض ذلك بعض القوميين المتشددين ،الذين يدعون العصرية والعلمانية .تركيا سوف تخسر تجربة واعدة وخلاقة يمثلها هذا الحزب ،كما ستلحق الخسارة بالعالم الاسلامي الذي يبحث عن نموذج يصلح لاستلهامه ،بعيداً عن نموذج القاعدة والتكفيريين عموماً ، وعن حزب ولاية الفقيه وما شاكله من تنظيمات .من هذه الزاوية فإن الصراع الدائر يهمنا في العالم العربي ، وسط حالة الضياع وانسداد الآفاق التي نعيش .إذ ان أي استهداف لحزب التنمية والعدالة من طرف علمانية أصولية ، سوف يبهج كل الأصوليين في العالم الاسلامي الذين ينظرون بعين الريبة والتوجس الى حزب أردوغان وعبداله غل في بلاد الأتراك .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
04 تموز, 2008
أمسية المغنية
أمسية المغنيةمحمود الريماوي* المغنية الجميلة تصدح بالغناء في ليل الفندق ، برفقة عازف على الغيتار . صوتها العذب يتناهى إلى مسامعي رغم بعض الضجيج حولي ، حيث كنت أبدد الوقت بصحبة صديق في صالة مجاورة . المغنية شابة في منتصف الثلاثنينات ورفيقها على العزف أكبر سناً منها ، وأول وكل ما يظهر منه هو لحيته الوافرة كشأن الفنانين وغير الفنانين في زماننا. يعزف بتلقائية وبقدر ملحوظ من الاحتراف بل بروتينية ، ويرمق رفيقته بين برهة وأخرى بنظرات من هو مسؤول عنها . نظرات أبوية ومهنية في الوقت نفسه.تغني المغنية عن الحب أو في الحب ، وهو فحوى الأغنيات السائرة هنا وهناك .لقد علمت أنها بولندية ( لم أسأل مدير الصالة عن جنسية رفيقها وقد خمنت أنه من التابعية نفسها ، فهم يأتون من بلدانهم ويتعاقدون مع الفنادق جماعات ) .المغنية التي لم أعرف اسمها تغني بالانجليزية ، لمطربة اسمها بيونسيه أغنية "عيد ميلادي " لجمهور عربي في عمان ، وقد غنت قبل ذلك بالعربية لإليسا ، فاتضح مدى غربتها عن هذه اللغة وإيقاعاتها . الأمر سابق على العولمة . فهذا هو حال فرق فنية تتنقل من قارة إلى أخرى ، وتؤدي خدماتها حيثما تهب رياح الفرص والقبول .كان غناؤها حاراً .تغني كما تخاطب أعز الناس . غناء شخصي داخلي ، هذا هو الانطباع الذي تتركه في نفس سامعها . أما السامعون العشاق أو من مروا بتجربة عشق ، فلهم أن يستحضروا في مثل هذه المناسبة عبر الصوت والإيقاع والكلمات ، ما يشاؤونه من استذكارات حميمة فيتحقق التفاعل المنشود .هذا دأب المغنين وجمهورهم .العجوز حين يسمع سواء كان ثرياً أم لا ، له أن يخاطب نفسه بأن زمن الحب .. حبه وحب أخريات له قد مضى تقريباً ، وأن من المهم في هذه المرحلة ضبط ارتفاع ضغط الدم ، وإحكام إغلاق أبواب البيت قبل الخلود إلى النوم ، وعدم إنفاق النقود كيفما اتفق . ولا بأس خلال ذلك من سماع صوت جميل لمطربة فاتنة قادمة من وراء البحار ، لإنعاش ما يمكن إنعاشه .الشاب حين يحضر.. له أن ينفعل ويصادق على صوابية ما يقال وما يسمعه ، فالحب حلو ولاذع ، والحياة لا تستحق أن تعاش بدونه . لا بأس بالمبالغة في هذا المضمار وبالذات مع وجود شابة مرافقة للشاب ، حينها فإن جدراناً بينهما تتهاوى بفضل الصوت الصداح للمغنية واشتراكهما في الإصغاء للصوت ، وأجمل منه النظرات والمداعبات المتبادلة وكذلك تخصيص المغنية بنظراتها لهما ، مما يملأهما نشوة ورضى وهو ما لا يُنسى بعدئذ .أما حين يتحلق ثلاثة أو أربعة معاً على المنضدة ، فقلما يصغي هؤلاء للغناء . ثرثرة المجتمع الذكوري تأخذهم ، وكل منهم يتفادى الاستغراق في السمع حتى لا يبدو منفصلاً عن رفاقه ، وحتى لا يتكشف شيء من مكنوناته إذا ما تفاعل على سجيته . ومهما يكن فالعبث بأجهزة الموبايلات الشخصية ، والمحادثات المتعمدة والمتزيدة مع النادلات ، كفيل بأن لا يضعهم في منزلة سامعين متذوقين . وهو ما تدربت مغنيات ومغنو الفنادق على توقعه وتحمله .الغناء العذب والرقراق الذي كان يصدر من الصالة المجاورة والمستطيلة لمغنية الفندق ، شد انتباهي وانتباه رفيقي ، حين سادت برهة من الصمت طالت بعض الشيء بيننا .قال صديقي إنهم في فندق الأربعة نجوم حيث كنا ، يتقاضون سعراً أعلى للمشروبات في تلك الصالة وذلك نظير "الخدمة الإضافية" . لكن الفرق بين السعرين ليس كبيراً كما تبين لنا .كانت المطربة الشقراء تقف ببنطلون جينز شورت مثلم ومشلع الحواف ، بساقين مكتنزتين وصلبتين بلون شبه نحاسي ، وببلوزة لم أتبين لونها في الإضاءة الخافتة ، تصدح بأعلى درجات الانسجام ومحياها الصبوح محمر من شدة الانفعال . تغني باستغراق وكذلك باندفاع واستبسال شأن المطربات الشابات الطموحات . لمحتني واقفاً على مدخل الصالة أهز رأسي نصف الأشيب لها ، أحاول الظهور بمظهر أفضل من هيئة شخص فضولي ، وقد خصتني بنظرات طيبة باسمة . أما رفيقها فقد بدا للحق على شيء من التبرم والحنق ، ربما لأنه عزف هذه الأغنية مئات المرات من قبل ، أو لأسباب وجيهة تخصه . كان صوتها يمخر ويندفع في الفضاء (سقف الصالة لم يكن عالياً ..) ويتهادى الصوت كغيمة أحلام وهيام . تتمايل مع اللحن بصورة طفيفة ومحسوبة ، ثم تصدح بملء روحها بجماع طاقة صوتها ، وبتفاني من يؤدي أنبل الواجبات ، ولا يعيقها شيء لا شيء يعيق تقدمها أبداً .. ، بما في ذلك خلو الصالة حيث تغني خلواً تاماً في تلك الأمسية ، من أي أحد من الرواد . *من المجموعة القصصية "رجوع الطائر" الصادرة حديثا للكاتب عن دار فضاءات للنشر في عمان ـ الأردن