29 حزيران, 2008
تحصين إنسانية الإنسان
تحصين إنسانية الإنسان محمود الريماوي * يتصور الإنسان السوي أن الجريمة لا وجود لها . فهو ينفر أشد النفور منها ، لم يقترفها يوماً ولا يفكر بارتكابها ، وغالبا ما يكون وسطه الاجتماعي على شاكلته : نابذاً للجريمة وغريباً عنها ، يقدس الأمن والأمان ، ويمقت العنف .الجريمة تقع في مكان بعيد على أيدي اشخاص لا يعرفهم . في بيئة غريبة يصعب فهمها أحياناً ،وكلما وقعت فوجىء بها ، حتى لو كانت "بسيطة " وتصنف على أنها جنحة أو حتى مخالفة .لا يتعايش السوي على أي وجه مع الجريمة .ومن فرط انقطاعه عنها ، تبدو له مجرد حدث إعلامي تصنعه وسائل الإعلام . او مسلسلاً تلفزيونيا . فيلم سينمائي ، رواية ، قصة قصيرة .وحتى هذه لا يستسيغها دائما .فالأصل هو الامتناع عن العنف والجنوح الى السلم ، حتى لو قتل قابيل هابيل " في فجر الخليقة " .قانون السلم ونبذ العنف هو ناموس مدني.يتصل بالقناعة ان الدولة وحدها تحتكر العنف وتحت مظلة القانون .وأبعد من ذلك فدور الدولة وقائي بمنع وقوع العنف لا معاقبة فاعليه ومخططيه فحسب . والصورة الأكثر قرباً للجريمة هي الإعتداء والإيذاء وصولا الى القتل .الرفض التلقائي للقتل وصعوبة تصديقه ، لا ينم عن روح "مثالية " بقدر ما يمثل تحصيناً لإنسانية الإنسان ، وعاصماً معنوياُ وعاماً من الوقوع في البربرية .من المفارقة أن قتل فرد واحد يثير النقمة أكثر من سواه . لعل السبب يعود إلى أن متلقي الخبر الفرد، يسعه تخيل فداحة الجريمة بالقياس عليه هو، إذ يسهل حينها تصورنفسه في موقع الضحية . كذلك الامر حين يكون القاتل معلوما ، فالنقمة تشتد على الفاعل المعلوم المتعين ، لكنها لا تجد مسرباً لها حين يكون القاتل مجهولاً . تصعب النقمة على شبح .على هذا فالناس يتعاطفون مع ضحايا الجرائم الفردية ممن تحفل وسائل الإعلام بأخبارهم . اما الجرائم الجماعية التي يسقط فيها أعداد اكبر ، فإن ارتفاع الرقم يمنع من التشخيص ، من التجسد في المخيلة ، فيبقى الرقم هو العالق .يقرأ القراء خبراً عن جريمة قتل ،تقع في عائلة أو حي أو بين أرباب مهنة واحدة ، فتثور النقمة على المرتكبين .لكن ضحا يا المجازر والحروب الكثر فيتحولون الى ارقام بلا اسماء ولا هوية . الاسرائيليون انتبهوا لهذا الأمر ويقال إن متحف الهولوكست في تل ابيب يضم أعدادا هائلة من أسماء الضحايا وصورهم ، لإنقاذهم من التعمية ومن الرقمية ، ولضمان التعاطف معهم. وعقب وقوع عمليات تفجيرية كان يرتفع نصب في المكان عليه أسماء من سقطوا وأعمارهم . باستثناء أصحاب اسماء معروفة أودت بهم آلة القتل الإسرائيلية ،فلا أسماء ولا هوية محددة لضحايا الصهيونية الذين سقطوا وما زالوا يسقطون منذ ثمانية عقود . ضحايا الاحتلال والعنف في العراق هم كذلك ضحية تجهيل اسمائهم وهوياتهم . البشر الأسوياء وهم الكثرة الكاثرة ، ينفرون أشد النفور من الجريمة . يتعذر عليهم حتى تخيلها .* رئيس تحرير صحيفة "السجل"
24 حزيران, 2008
ما يراه الزائرون وما لا نراه
ما يراه الزائرون وما لا نراه محمود الريماوي*في بلاد الدنيا يهجر الناس المدن وبالذات العواصم في الصيف، صوب البحر والجبال والريف ، أما عمان فتستقبل عشرات الآلاف من المصطافين القادمين من بلدان "ملتهبة " ، نسبة كبيرة منهم من الأردنيين المقيمين في دول الخليج ،علاوة على طلبة ومقيمين في أصقاع الدنيا يعودون لقضاء إجازاتهم بين الأهل في عمان.هذه خصوصية أخرى لعمان التي يزيد عدد القاطنين فيها في الصيف ، ويرتفع عدد المركبات في شوارعها بصورة ملحوظة، ويعتصم غالبية سكانها فيها لا يبرحونها إلا إلى اقرب المناطق في محيط العاصمة. الطبقة الوسطى العريضة لا تعرف تقليداً اسمه إجازات الصيف ، إما لضيق ذات اليد وهذا هو السبب الغالب والأعم ، أو لافتقاد فرص السياحة الداخلية "الشعبية " . المأمول أن تشهد السنوات العشرون المقبلة ، إقامة مرافق سياحية في شمال المملكة حيث المناخ اللطيف صيفاً.. وهي مناطق تشكو من عذرية سياحية، رغم سحر الطبيعة فيها . السياحة الداخلية عندنا شتوية ،صوب العقبة والبتراء ووادي رم والأغوار. أما في الصيف فيسوح الواحد في دخيلة نفسه وداخل ملابسه.. باتت عمان مقصداً للسياح العرب في الصيف، وهو تطور طيب وإن لم يكن جديداً تماماً . يرى الزائرون فيها ما لا يراه أبناؤها .قلما يلتفت الناس هنا ،الى صفاء ورخاء ليالي عمان في الصيف حتى حين لا يمكون هناك قمر في السماء ،أو إلى جودة فواكه الموسم ، أو إلى الحياة اليومية الآمنة ، أو الليل الذي بات مضيئاً وأنيساً يلبي رغبات عشاق السهرالطويل . الناس يلتفتون فقط ولهم الحق في ذلك الى الأسعار السياحية للسلع. الى الاكتظاظ الشديد في الشوارع. الى الشقق المفروشة التي أخذت تتكاثر في البنايات السكنية ( يشكو بعض الساكنين من الغرباء ولكأن الساكنين يعرفون جيرانهم !) . يلتفتون الى شاشة التلفزيون ويتسمرون أمامها ، وقد باتوا يضيقون بها كلما زادت مساحة الشاشة ، وكلما عدد القنوات الفضائية المتاحة !. ذهبت أيام زمان حين كان الواحد يطير فرحاً ، بالعثور على محطة تلفزيونية جديدة تضاف الى القنوات الثلاث التي يوفرها "الأنتينن" آنذاك، ويدعو لرؤية القناة الجديدة المكتشفة ضيوفه حتى يرون بأعينهم ما يراه .يوفر الصيف فرصة سانحة للشكاوى المحقة ،كما للتشكي الذي يجري مجري العادة ويعكس مزاجاً خاصاً ، بأكثر مما يجسد واقع الحال. الدليل أن الناس تضيق علناً ببرودة الشتاء وحرارة الصيف.رغم أن أيام الزمان لم تكن أقل برودة شتاء أو أقل حرارة صيفاً ، عما هي عليه في أيامنا. يقول المثل العربي السائر "في الصيف ضيعنا اللبن"،. أهل عمان أضاعوا اللبن (المخيض ) وفقدوا أموراً أخرى.عليه فإن الزوار وبعضهم من الأردنيين ، هم من يأخذون فرصتهم في التمتع بمزايا الحياة عندنا في الصيف ، بينما ننتظر نحن انقضاء الصيف وحلول الشتاء كي نغير في مفردات التشكي. *رئيس تحرير صحيفة "السجل"
20 حزيران, 2008
طرف غير اوروبي وغير مسيحي
طرف غير أوروبي وغير مسيحيمحمود الريماوي* دأبت تل أبيب على المطالبة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ،وقد تواكبت هذه المطالبة مع المطلب التركي بهذا الشأن . مؤخراً بعثت الوزيرة الصهيونية تسيبي ليفني بطلب جديد لانضمام دولتها إلى الاتحاد على لن يبدأ الأمر بصفة "شبه عضو" حسب رسالة الوزيرة . الراجح في ظروف التوازنات والتحيزات الأوروبية، أن تحقق تل أبيب بعض مطالبها ،فهناك أغلبية أوروبية تؤيد "الارتقاء بمختلف أشكال العلاقات مع الدولة العبرية" فلا يبقى للفلسطينيين والعرب وكما درجت العادة سوى اللوم والتشكي. وقد دأبت تل أبيب على ابتزاز الأطراف الأوروبية والتعريض بقادتها ورفض استقبالهم . ورفضت على الدوام أي دور سياسي مستقل للإتحاد الأوروبي في مساعي التسوية ، وجرى اتهام أوروبيين كثر بالانحياز غلى العرب والفلسطينيين لمجرد أنهم يطالبون بالاحتكام إلى القرارات الدولية ، أو لأنهم لا يبدون رضاهم عن حجم الجرائم الجماعية التي يرتكبها الاحتلال .انتهى الأمر ألى اقتصار الجهد الأوروبي على الدعم المالي المباشر للسلطة الفلسطينية ومساعدات أخرى بعضها إنسانية وبعضها الآخر يذهب إلى هيئات أهلية ( مؤسسات مجتمع مدني كما درجت التسمية) .فيما تم قبول الاتحاد الأوروبي عضواً في الرباعية الدولية ، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة .وقد نجحت واشنطن بالتواطؤ المكشوف مع تل أبيب في تحويل الرباعية إلى هيئة شبه استشارية ، لا تتمتع قراراتها بأية إلزامية ، وذلك مع الفصل التام بينها وبين الأمم المتحدة رغم أن المنظمة الدولية عضو فيها ورغم ان أعضاء الرباعية هم أعضاء دائمون في مجلس الأمن : فرنسا، بريطانيا ، روسيا ، الولايات المتحدة . يجري أحيانا من طرف واشنطن وتل أبيب استخدام بعض توصيات الرباعية للضغط على الطرف الفلسطيني ، أما انتقادا الرباعية الدائمة والروتينية للاستيطان، فتظل بمثابة مواقف إعلامية لا تقدم ولا تؤخر . ولا تثير حتى الفضول لقراءتها . انضواء الدولة العبرية في الاتحاد أو الفضاء الأوروبي ، حتى ولو بعضوية غير كاملة في بداية الأمر ، من شأنه منح مظلة لهذه الدولة المارقة كشريك في القارة الأوربية يمتع بالإعفاءات والامتيازات الاقتصادية والتجارية والمزيد من التعاون العسكري ، وحتى وجود ممثلين صهاينة في البرلمان الأوروبي .وهو ما يحد من صفة الدولة العبرية كرديف وامتداد أميركي في منطقة الشرق الأوسط .كل ذلك والدولة الأوروبية ليست جزء من أوروبا ، وإن كان يروق للصهاينة وصف دولتهم بأنها جزء من العالم الغربي و"قطعة من أوروبا" . التحفظات التي ثارت بخصوص انضمام تركيا ، تتراجع ويبتلع المعترضون ألسنتهم . ف"النادي المسيحي" ، بات قابلا هذه المرة لاستيعاب دولة "غير مسيحية" .الفروق الثقافية يتم القفز عنها، والدولة العبرية بوصفها دولة دينية يهودية تصبح مقبولة في فضاء علماني، أما تركيا وحتى قبل صعود حزب العدالة والتنمية فإنها تتوفر على شبهة اختلاف ديني.الأسوأ من ذلك هو البعد السياسي ، فالدولة العبرية القائمة باحتلال أراضي الغير منذ واحد وأربعين عاماً ، لا يجري تعريفها أو تحديد هويتها الجغرافية، بمعزل عن الأراضي التي تسيطر عليها بالسطوة المسلحة . التعامل معها هذا الأساس يشكل مكافأة للاحتلال كما تحدث مسؤولون عرب وفلسطينيون . والخشية أن يبلغ الأمر درجة إسباغ الشرعية على الاحتلال بصرف النظر عن مواقف أوروبية رافضة للاحتلال وداعية للسلام ذلك أن تفعيل ضم الدولة العبرية إلى هيئات الاتحاد ولو بالتدريج، سوف يجعل الاتحاد محكوماً بتعريف هذه الدولة ل"نفسها" ولعاصمتها : القدس المحتلة . وبما لا يترك "مبرراً " لعدم نقل سفارات أوروبية إلى مدينة محتلة .. تنأى دول أوربية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا عن تاريخها الاستعماري، وتعتبره حقبة ولت إلى غير رجعة حتى لو لم تعتذر بعد عن الملفات السوداء لذلك التاريخ. بالقبول الجزئي للدولة العبرية ، تتم العودة إلى قرون مضت ، بتشريع الاحتلال والاستعمار والاحتكام إلى منطق التفوق والغلبة .. أي العودة إلى حقبة بربرية ، لكن مع قدر أكبر من الخبث : القبول الفعلي بهذه الواقعة الشائنة ، مع الانتقاد اللفظي لها جنباً إلى جنب . لدى الأوروبيين مصالح هائلة مع العالم العربي غير قابلة للحصر . لا يجري تفعيل الوزن العربي لتفاهمات سياسية وثيقة مع الأوربيين ، ولربط هذه التفاهمات بخطوات سياسية محددة. وليس سراً أن غالبية الأوروبيين يحسبون حساباً لتل أبيب، بأكثر مما يفعلون مع العرب مجتمعين .والذريعة هي الابتزاز "الاسرائيلي" والحساسية تجاه المسألة اليهودية . أما حقبة الاستعمار البشعة والطويلة ، لمشرق العالم العربي ومغربه ، فلا تثير كما يبدو حساسية تاريخية تذكر لدى أوروبيين رسميين .ليس هناك ما يمكن تسميته ب"المسألة الاستعمارية" كمصطلح يختزن إرثاً من الذكريات والذنوب، في مقابل المسألة اليهودية التي تمنع حساسيتها الاعتراض على أية فظائع ، وهو ما يمكن ملاحظته بخفوت الأصوات وقد لا تكون قليلة العدد التي تعترض على تسلل الدولة العبرية إلى اتحادهم القاري.لدى الأوروبيين قوى عريضة مناصرة للحقوق العربية وبلادهم تتسع لملايين العرب المهاجرين ، هذا التداخل في المصالح لا يثمر رؤى استراتيجية مشتركة ، بينما تنجح في ذلك دولة مارقة تمثل قلعة العنصرية في الشرق الأوسط . *رئيس تحرير صحيفة "السجل"
15 حزيران, 2008
طريق سريعة لتنمية التخلف
طريق سريعة لتنمية التخلفمحمود الريماوي*قبل سنوات قليلة سادت توقعات بأنه سوف يكون بوسع من يريد ، إنشاء موقع خاص به أو مدونة شخصية أو صحيفة على الانترنت. صحت هذه التوقعات بأسرع من الموعد المستهدف لها ، ومن يستثيره فضول طاغ للإبحار عبر الشبكة ،سوف يصادف ما لا حصر له من مواقع شخصية ومدونات ومنتديات وملتقيات تقوم مقام صحف ومجلات .هذه المواقع حافلة جميعها بكتابات ومقالات وكذلك بمؤلفات.كان الرأي السائد الغالب، أن الانترنت فتح آفاقاً أمام أصحاب المواهب للتعبير عن أنفسهم بغير قيود ودون وسيط وبلا كلفة تذكر.كذلك اتاحت الشبكة للقراء والمتلقين، ان يتمتعوا بثمرات المواهب دون عناء وبغير حاجة لأن يقصدوا المكتبات .الذي حدث بعدئذ ان الشبكة باتت مسرحاً ومنبراً ، لما لا يحصى من ضعيفي المواهب يساندهم نقدة وكتبة ممن يجيدون الإملاء الصحيح ويحفظون عدداً من أبيات الشعر ، دون أية ملكات أخرى .لا سبيل الى رد ذلك ، فالفضاء مفتوح للمحلقين ولفيض بلا حدود من الثرثرة .المشكلة بعدئذ هي في إفساد الذائقة وتسطيح الوعي وتخريب الحس الإبداعي ، لدى الأجيال الجديدة من مستخدمي الانترنت وممن يتوفرون على مواهب دفينة .يتتلمذ هؤلاء دون أن يدروا على تفاهات ،مزركشة بكلام عامي ومفردات انجليزية وبلاغة جوفاء. ولن يطول الوقت قبل أن تدور دورة جديدة، يتم فيها إعادة إنتاج التفاهة عبر "مواهب جديدة" لا حظ لها من موهبة أو ثقافة أو ملكة عقلية ، يحف بها رهط من الناقدين والكتبة الذين يعيدون انتاج الإخوانيات بصورة مبتذلة .والمقصود بالإخوانيات الصداقات التي كانت تنشأ في ما مضى بين أدباء فيتراسلون ويكتبون عن أعمال بعضهم بعضاً .الآن يتم تبادل تحيات طائرة مفعمة بأطنان من المجاملات .ويتم حصر وأرشفة هذه التعليقات عبر محركات البحث، بذلك يتم مع الوقت بناء إرث فاسد تغتذي به الأجيال.من حسن الطالع أن الصحافة الورقية ما زالت حية( ظهرت تقديرات في الولايات المتحدة باان الصحافة الورقية سوف تظل على قيد الحياة حتى العام 2043) وهي في مجملها أو محصلتها تلتزم بحد أدنى من المعايير، فإذا اختلط لدى بعضها الحابل بالنابل وذلك يحدث فإن ذلك يكون ملحوظاً وتطاردها اللعنات وسوء السمعة المهنية ..خلافاً لما يجري في أدغال الانترنت من نشر عشوائي لا ضابط عليه ولا حارس له .إذا كانت هناك من خلاصة لهذا التعليق القصير فهي أن الانترنت يسهم في تحسين الحسن ، وفي زيادة السيء سوءاً .فحين تقع هذه التكنولوجيا المتقدمة على بيئة متخلفة، فهي تسهم في تنمية وتلوين التخلف بألوان زاهية ، فيما تزداد البيئات المتقدمة تقدماً وإن بأعراض جانبية سلبية .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
10 حزيران, 2008
إنسوا الخامس من حزيران!
إنسوا الخامس من حزيران!محمود الريماوي *يستذكر كثيرون هزيمة الخامس من حزيران كي ينسوها ، وكمن يتذكر دينا معدوماً .بدلا من ذلك تنتصب في الذاكرة صور محمود عباس وخالد مشعل واولمرت على خلفية من المباني الاستيطانية المتناسلة والفاخرة في بيت المقدس.لا أحد سواء في الوعي او اللاوعي ،يريد التخلي عن وطن محتل. غير ان السياسات القاصرة شوهت الصورة : عبثت بالأولويات وبددت التضحيات. فباتت مناسبة مفصلية مثل الخامس من حزيران ،مجرد شبح يطوف هائما بلا قوام في الذاكرة ، بينما تتقدم عليها في الاهمية مسائل مثل حكومة هنية وحكومة فياض والتهديد باقتحام معبر رفح باتجاه مصر ،بدل الضغط لفتح المعابر في غزة مع الضفة الغربية، ومؤتمر استثمار، ونفوذ ايراني، ومؤتمر عام لفتح ، واعتداء على مسيحيين من ابناء غزة ، واتفاق في مكة وآخر في صنعاء بين حماس وفتح وما لا يحصى من متفرعات.القضية الفلسطينية التي كانت عربية لم تعد كذلك . ولم تصبح في الوقت نفسه قضية وطنية ذاتية يقرر أصحابها مصيرها .باتت القضية مادة وورقة، للنفوذ والتنافس بين المشروعين الأميركي والإيراني على المنطقة .بسبب هذا التنافس تتعرض القضية لأبلغ الأضرار، تنخفض مكانتها ولا تتقدم . اميركا تريد الإجهاز على حماس ، وحماس تريد محو التاريخ الفلسطيني وتأديب وتربية الشعب على نهجها القويم، وبناء إمارة مدعومة من الظهير الإيراني . ومحمود عباس يخوض مفاوضات هي مجرد حوار ومداولات لا شكلاً من اشكال الصراع ، والدليل انه يعتصم في مكتبه وينجح نجاحا باهراً في تمويت الحركة الشعبية المدنية وإطفاء كل صوت احتجاجي مناوىء للاحتلال، مكتفياً باستقبال القناصل وإدمان السفر حول العالم ،بدل أن يتفقد أحوال شعبه في الخليل وجنين ونابلس و..رام الله التي يتخذ منها مكتباً لا غير. أما القدس فيتم التداول باسمها فقط ، ولا يسعى عباس حتى للصلاة في مسجدها "حتى لا يثير مشاكل فهو لا يحب المشاكل.. يحب المفاوضات فقط حبا جماً يمتلك عليه كل جوارحه، ولا ينازعه فيه حب آخر، فإذا لم يجد من يفاوضه أغلق باب مكتبه عليه، وانهمك في التفاوض مع ذات نفسه" .بين نهج بيرقراطي ثقيل ودبلوماسية تقليدية خاوية لهذا الرجل ، وبين نهج انتحاري واستدخال أطراف إقليمية وتمكينها من مد النفوذ والارتهان لوصايتها ، وبناء نموذج "عصري" لحكم طالبان في غزة كما تفعل حماس .. بين هذا وذاك لا يعود غريباً أن تتغول المشاريع الاستيطانية ، وأن يستمر اجتياح قطاع غزة واختطاف العشرات في الضفة الغربية ، فيبدو كل يوم خامساً جديدا من حزيران ويتراجع ذلك الخامس الذي تقادم عليه العهد منذ واحد وأربعين عاماً ، الذي تحل ذكراه هذه الأيام. الناس تشيح بأنظارها عن المناسية ، فالحاضر والمستقبل أدعى للاهتمام والنقمة. *رئيس تحرير صحيفة "السجل"
03 حزيران, 2008
عرب يهود يزورون بلدانهم كالفاتحين
عرب يهود يزورون بلدانهم ك"الفاتحين"محمود الريماوي* كان من المقرر أن يعقد في القاهرة قبل أيام مؤتمر للمصريين اليهود ، لكن اسباً ما ارجأت انعقاده. الحدث لافت رغم أنه ليس الأول من نوعه.فتوافد يهود من أصول مصرية ومغاربية على بلدانهم الأصلية يتواتر منذ مطالع ثمانينات القرن الماضي .في حالة تونس والمغرب لم يتطلب الأمر إبرام معاهدة سلام لاستقبال اسرائيليين تمتد جذورهم في هذين البلدين . السياحة الدينية ثم الاستثمار السياحي عموماً ،معطوفاً على أغراض سياسية وبالذات في العلاقة مع مؤسسات أميركية ، حمل على استقبال هؤلاء. ومع توقيع اتفاق المبادىء إعلان اوسلو عام 1993 وفتح مكاتب تجارية متبادلة رفع الحظر بصورة شبه كلية عن قدوم هؤلاء.مصر التي وقعت في مبكر معاهدة الصلح ،كانت سباقة في استقبال، هؤلاء مع من هم من أصول شتى ، كذلك فعل الأردن بعد توقيع المعاهدة الثنائية مع تل أبيب عام 1996 .غاية هذا المقال هي التأشير إلى استثمار الطرف الآخر لكل جوانب ومقدمات الصراع ثم جوانب التسوية لمصلحته ، مع تبديد الأطراف العربية لمثل هذه الفرص والمناسبات.ابتداء يجري التعامل مع هؤلاء من ذوي الأصول العربية ،باعتبارهم زواراً مميزين ينتمون لدولة أجنبية، وخلافاً لواقع الحال فجذورهم في البلدان التي يزورونها ، وقد اختار هؤلاء التخلي عن وطنهم ومجتمعهم ،والانتساب إلى دولة أخرى هي في حالة حرب مع بلدانهم الأم وبعضهم خاض حروباً ضد بلده الأصلي .يتم إغفال هذا الوقائع ، وبدل أن يحل هؤلاء وتعتريهم مشاعر الخجل ، فإنهم يفدون ك"الفاتحين" .في حالة تونس والمغرب لم يجر تميز ضد اليهود ولا حملوا على الهجرة ومع ذلك اختاروا ما اختاروه ، وكثير منهم قصد فرنسا والولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى .لا يتحدث الضيوف الكرام في بلدانهم الأصلية التي يزورونها عن تسوية يجب أن تتم، وسلام يؤمل أن يعقد بإطفاء المظالم واحترام مواثيق حقوق الإنسان والشعوب ، لكنهم يبشرون خلال زياراتهم الميمونة بتكريس الأمر الواقع الاحتلالي ويروجون للدولة العبرية التوسعية التي تستولي على بيت المقدس .لا يأتون على ذكر القضية الفلسطينية .في الغالب الأعم هم سفراء لليمين الأكثر تطرفاً .ويطلبون الترحيب بهم على هذا الأساس ، وينالون الكثير منه للأسف .بذلك يقدمون نموذجاً لا مثيل له : يمكن للمرء أن ينسلخ عن جذوره وأن ينضم لدولة دينه ،ثم يخوض حروباً ضد بلده وشعبه الأم ، وبدعئذ يلقى الترحيب حين يزور بلد الأجداد ويروج هناك للتفوق الذي يجيز الاستيلاء على أرض الغير وبذلك يكون هناك سلام...في مصر كما في العراق تعرض يهود كمسلمين ومسيحيين لاضطهاد في أيام الملكية وحتى بعد قيام ثورة 1952.تغير الحال بعئذ قي مصر : لا أحد يريد العودة إلى وطنه الأصلي مع تغير الظروف .يأتون كاسرائيليين يرطنون بلهجة مصرية هجينة ولا يعبأون بآلاف من السنين عاشها أسلافهم في الوطن المصري، ويجري احتسابهم على الطريقة الصهيونية على أنهم ولدوا في مصر ..فقط .يبحثون عن أملاك مصادرة لهم تستحق معالجتها وفق القانون المصري والقانون الدولي ،مع احتساب أنهم شاركوا أو أسهموا في حروب ضد بلدهم الأم وهو ما قد يستحق تعويضاً من طرف هؤلاء.في قوانين العديد من دول العالم يُسمح بازدواج الجنسية أو التخلي عنها واكتساب جنسية أخرى ، وما يستحق النظر بعدئذ هو : ماذا يترتب قانوناً على انضمام مواطنين إلى دولة في حالة حرب مع دولتهم الأصلية؟ .من الواجب تفحص هذا السؤال والتماس إجابة شافية عليه في ضوء فحوى القانون ، من أجل التعامل مع هؤلاء كما هم عليه في تباهيهم بتخليهم عن جنسية ومواطنية بلدانهم الأصلية ،ويطلبون مكافأة وتكريماً لهم على هذا "الإنجاز".حين تعمد الدولة العبرية إلى محاسبة أي يهودي في العالم، لا ينتمي لهذه الدولة وتفرض عليه مثل هذه المرجعية بصورة متعسفة لكنها فعالة ، فلماذا من طرفنا كعرب يتم التعامل مع مواطنين "سابقين " خاضوا حروباً ضدنا بتناسي هذه الوقائع غير القابلة للنسيان ، وبما يمهد عملياً لإطلاق أشكال من الابتزاز، هي في واقع الأمر امتداد واستئناف لحالة الحرب، وتحت ستار من تعزيز السلام والتمتع بثمراته.. وهي تتحول ثمرات سامة في أداء الإسرائيليين إزاء الدولة العربية الكبرى .وما هو أسوأ من ذلك في المضي بإشعال حروب قذرة ضد بلدان وشعوب شقيقة ،وأيضا تحت ستار من سلام أجوف.هناك حاجة لاحترام مقتضيات القانون، كما في حالة أملاك مصريين يهود تمت مصادرتها من قبل ، أو أية حقوق لأي مصريين آخرين وحتى لغير المصريين . غير أنه لا يمكن إغفال الجوانب السياسية ، أو الاستخفاف ب"خصوصية " وضع المصريين اليهود في السياق التاريخي للأحداث ،التي أحاطت بنشأة الدولة العبرية وتهديدها الدائم والذي لم ينقطع حتى أيام الناس هذه لمصر ولسائر محيطها.ومن أجل السعي لسلام عادل شامل يستحق مسماه ،ويتم حتى الآن الافتراء عليه وتفريغه من أي معنى من طرف الدولة العبرية التي تستخف بحقوق الآخرين وبعقولهم سواء بسواء. وتبلغ بها القحة درجة تطلب معها مكافآت على جرائمها، بدل أن تقوم هي بالاعتذار وأداء التعويض ( جرت محاولات لتدفيع سجناء فلسطينيين ثمن نفقات استضافتهم في سجون وراء الشمس) .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"